يهود أشكناز

اليهود الأشكناز (بالعبرية: אַשְׁכֲּנָזִים) هم يهود الشتات الذين تجمعوا في الإمبراطورية الرومانية المقدسة في نهاية الألفية الأولى.[4]

اللغة التقليدية في الشتات لليهود الأشكناز هي اللغة اليديشيَّة (وهي لغة جرمانية مع عناصر من اللغة العبرية والآرامية)، وضعت بعد أن انتقلوا إلى شمال أوروبا: بداية من ألمانيا وفرنسا في العصور الوسطى. لعدة قرون استخدموا العبرية كلغة مقدسة فقط، حتى إحياء العبرية كلغة مشتركة في إسرائيل. طوال فترة وجودهم في أوروبا، قدم الأشكناز العديد من المساهمات المهمة في الفلسفة، والأبحاث، والأدب، والفن، والموسيقى والعلوم.[5][6][7][8]

يشير مصطلح «أشكنازي» إلى المستوطنين اليهود الذين أسسوا مجتمعات على طول نهر الراين في ألمانيا الغربية وشمال فرنسا والتي يرجع تاريخها إلى العصور الوسطى.[9] وبمجرد الوصول إلى هناك، قاموا بتكييف التقاليد المنقولة من بابل والأراضي المقدسة وغرب البحر الأبيض المتوسط إلى بيئتهم الجديدة.[10] وتطورت الطقوس الدينية الأشكنازية في مدن مثل ماينتس وفورمس وتروا. وكان للحاخام الفرنسي البارز شلومو يتسحاقي (راشي) تأثير كبير على الدين اليهودي.

في أواخر العصور الوسطى، بسبب الاضطهاد الديني، تحولت غالبية السكان الأشكناز بثبات نحو الشرق الأوروبي،[11] وانتقلت من الإمبراطورية الرومانية المقدسة إلى المناطق التي أصبحت لاحقاً جزءاً من الكومنولث البولندي الليتواني (الذي ضم أجزاء من بيلاروسيا الحالية ولاتفيا وليتوانيا ومولدوفا وبولندا وروسيا وأوكرانيا).[12][13] خلال أواخر القرنين الثامن عشر والتاسع عشر، قاد هؤلاء اليهود الذين بقوا أو عادوا إلى الأراضي الألمانية إعادة توجيه ثقافي؛ تحت تأثير الهاسكالا والنضال من أجل التحرر، وكذلك الهياج الفكري والثقافي في المراكز الحضرية، وتخلوا تدريجياً عن استخدام اللغة اليديشيَّة وتبنوا اللغة الألمانية، مع تطوير أشكال جديدة من الحياة الدينية اليهودية والهوية الثقافية.[14]

لقد أهلك الهولوكوست خلال الحرب العالمية الثانية الأشكناز، مما أثر على كل أسرة يهودية تقريباً.[15][16] وتشير التقديرات إلى أن اليهود الأشكناز في القرن الحادي عشر كانوا يشكلون 3% من إجمالي السكان اليهود في العالم، في حين أن التقديرات التي تم إجراؤها عام 1930 (بالقرب من ذروة السكان) كانت تمثل 92% من يهود العالم.[17] مباشرةً قبل الهولوكوست، بلغ عدد اليهود في العالم حوالي 16.7 مليون.[18] وتختلف الأرقام الإحصائية عن التركيبة السكانية المعاصرة لليهود الأشكناز، والتي تتراوح من 10 ملايين إلى 11.2 مليون.[19][20] ويشير سيرجيو ديلا بيرجولا، في تقدير تقريبي لليهود السفارديم واليهود المزراحيم، يعني أن اليهود الأشكناز يشكلون أقل من 74% من اليهود في جميع أنحاء العالم.[21] وتشير تقديرات أخرى إلى أن اليهود الأشكناز يشكلون حوالي 75% من مجمل اليهود في جميع أنحاء العالم.[22]

الدراسات الوراثية على الأشكناز - البحث في كل من سلالات الأب والأم - تشير إلى وجود كمية سائدة من أصل شرق أوسطي مشترك، وتكملها نسب متفاوتة من المزيج الأوروبي. توصلت هذه الدراسات إلى استنتاجات متباينة فيما يتعلق بكل من درجة ومصادر أسلافهم الأوروبية، وركزت عموماً على مدى الأصل الوراثي الأوروبي الذي لوحظ في سلالات الأمهات الأشكنازي.[23] ويتناقض اليهود الأشكناز مع اليهود السفارديم، الذين ينحدرون من اليهود الذين استقروا في شبه الجزيرة الأيبيرية، واليهود المزراحيين، الذين ينحدرون من اليهود الذين بقوا في الشرق الأوسط.

تُذكَر كلمة «إشكناز» عادةً مقابل «سفارد»، وبالتالي أصبحت كلمة «إشكناز» مرادفة لمعنى «غربي» وأصبحت «سفاردي» بمعنى «شرقي»، وهو تَرادُف خاطئ لأن كثيراً من يهود الشرق (يهود الفلاشاه وبني إسرائيل) ليسوا من السفارد، ولا علاقة لهم بالتراث السفاردي الإثني أو الديني، ومن الأدق استخدام مصطلح «يهود غربيون» للإشارة لما يُسمَّى الآن «اليهود الإشكناز».

وثمة اختلافات دينية غير جوهرية بين الإشكناز والسفارد تعود إلى اختلاف الأصول. فالإشكناز تَبنَّوا الصيغة الفلسطينية لليهودية، مقابل الصيغة البابلية التي تبناها السفارد. ومع أن كلا الفريقين تَبنَّى التلمود البابلي، في نهاية الأمر، مرجعاً وحيداً في الأمور الدينية والفقهية، فقد ظلـت بعض نقط الاختلاف. فالسـفارد، على سـبيل المثال، يتسمون باتساع الأفق، أما الإشكناز فلم ينفتحوا على الحضارات التي عاشوا بين ظهرانيها برغم تأثرهم بها، وانغلقوا على الكتاب المقدَّس والتلمود وعلى تفسير النصوص الجزئية. كذلك لم يحاول الإشـكناز جَمْع الشـريعة وتقنينها والتوصـل إلى مبـادئها العـامة.

والاختلافات بين السفارد والإشكناز في الأمور الدينية ليست عميقة. ولكن يُلاحَظ أن تأثير السفارد الفكري الديني في الإشكناز كان عميقاً. فرغم أن بدايات القبَّالاه إشكنازية، فإن تَحوُّلها إلى نسق متكامل في قبَّالاة الزوهار ثم القبَّالاه اللوريانية تم على يد السفارد، بل إن الفكر القبَّالي ذاته يكاد يكون فكراً سفاردياً، وهو الذي اكتسح الفكر الحاخامي الإشكنازي. كما أن أهم كتب الشريعة اليهودية (الشولحان عاروخ) كتاب سفاردي كتب عليه أحد الإشكناز شروحاً وتعليقات. وقد لاحَظ أحد المفكرين أثر الفكر المسيحي في الفكر الديني للإشكناز، فظاهرة الاستشهاد فيما يُعرَف بمصطلح «تقديس الاسم» (بالعبرية: «قيدوش هاشيم») هي ظاهرة إشكنازية لعلها جاءت نتيجة تأثير واقعة الصلب في المسيحية على اليهود. أما المارانية، وهي شكل من أشكال التَقية، فهي ظاهرة سفاردية. ويمكن ملاحظة تأثير الفكر المسيحي في الحسيدية أيضاً، على عكس الفكر السفاردي الذي تأثر في بعض جوانبه بالفكر الديني الإسلامي.

وكان معظم الإشكناز يتحدثون اليديشية التي اختفت بالتدريج مع عشرينيات هذا القرن، وبالتالي فهم يتحدثون في الوقت الحاضر لغة البلد الذي يوجدون فيه. ولغتهم الأساسية الآن هي الإنجليزية باعتبار أن أغلبيتهم تُوجَد ضمن التشكيل الاستعماري الاستيطاني الأنجلو ـ ساكسوني (الولايات المتحدة الأمريكية ـ كندا ـ أستراليا ـ جنوب أفريقيا). والعبرية السائدة بين الإشكناز مختلفة عن عبرية السفارد حيث ينطقونها بطريقة مختلفة.

وكان أكثر من نصف يهود العالم، في العصور الوسطى وحتى بدايات القرن الثامن عشر، من السفارد ويهود العالم الإسلامي. ولكن، بعد ذلك التاريخ، أخذ الإشكناز في التَزايُد إلى أن حدث الانفجار السكاني في صفوفهم في القرن التاسع عشر وأصبحوا يشكلون نحو 90% من يهود العالم. ولا تزال نسبتهم عالية. ومع أنها قد هبطت قليلاً في الآونة الأخيرة، بسبب تَناقُص معدلات الإنجاب بينهم، فإن الأغلبية الساحقة من يهود العالم تظل إشكنازية (بمعنى: غربية). كما أنهم نظراً لوجودهم في المجتمع الغربي، فإن لهم بروزاً عالمياً. ولذا، فإن معظم مشاهير اليهود الآن من الإشكناز، ابتداءً بأينشتاين ومروراً بكيسـنجر وانتهـاءً براكـيل ويلـش.[24]