نجدات

النجدات اسم فرقة إسلامية وهي أحد فرق الخوارج، أتباع نجدة بن عامر الحنفي، يختلف مذهبهم قليلًا عن بقية الفرق، واشتهروا باختلافهم بين بعضهم البعض وخروجهم حتى على قادتهم[1]

تنتسب النجدات إلى زعيمهم الأول نجدة بن عامر بن عبد الله بن ساد بن المفرج الحنفي أو الثقفي كما يقول بعضهم. وقد سمي أتباعه: بالنجدية، ويقال لهم أيضًا: النجدات العاذرية لأنهم يعذرون من أخطأ في أحكام الفروع لجهالته دون من أخطأ في الأصول[2]

كان نجدة بن عامر مع نافع بن الأزرق الخارجي، ثم هجره وتبرأ منه، وخرج بمن معه من جبال عمان فقتل الأطفال، وأسر النساء، وأهرق الدماء، وأباح الفروج والأموال،[3] استقبله أبو فديك، وعطية بن الأسود الحنفي وجماعة من أتباعهما، وقد فارقا ابن الأزرق وأطلعاه على ما أحدث ابن الأزرق من خلاف بتكفيره القعدة عنه، وغير ذلك مما ابتدع. وبعد مداولات اتفق الجميع على مبايعة «نجدة» فبايعوه، ولقبوه بأمير المؤمنين، وكفروا من يقول بإمامة ابن الأزرق[4]

ويختلف النقل في مكان خروجه؛ فبعضهم يرى أنه كان من اليمامة ومنها انتشر أمره إلى بقية البلدان وهذا هو المشهور، بينما يذكر الملطي أنه خرج من جبال عمان.

ووصف نجدة بأنه كان شجاعًا يتابع الغارات على من حوله حتى بلغ ملكه صنعاء جنوبًا والبحرين والقطين، أي أنه أخذ مساحات واسعة من الدولة الإسلامية.[5]

اختلف أصحاب نجدة عليه فتفرق أمرهم وأصبحوا ثلاث فرق فرقة تبعت عطية بن الأسود الحنفي إلى سجستان وتبعهم خوارجها، وسمي خوارج سجستان باسم «عطوية»، وفرقة تبعت أبي فديك، وفرقة عذروا نجدة في أحداثه التي أتاها وأبقوا على إمامته.[4][6]

وكان أشد هذه الفرق على نجدة هي أتباع أبو فديك، وحين علم نجدة بتآمر أبو فديك ومن معه على قتله استخفى في قرية من قرى حجر، إلا أنه اكتشف أمره فاستخفى عند أخواله من بني تميم وعندها عزم على المسير إلى عبد الملك بن مروان فأتى بيته ليعهد إلى زوجته بما يلزم، ولكن الفديكية غشوه فقتلوه، وكان يقاتلهم بشجاعة نادرة وهو يتمثل بهذا البيت:


وقد تعددت الأسباب التي ثار من أجلها أصحاب نجدة عليه وهي أسباب وقعت متفرقة، إلا أن الحقد الذي امتلئت به قلوب الخارجين عليه ساعد على تجميعها وتضخيمها حتى صارت بحيث لم يطق الفديكيون الصبر على طاعة نجدة فدبروا قتله وقد تم لهم ذلك. ومن هذه الأسباب ما يلي:

أن أبا سنان، ويسمى حي بن وائل، أشار على نجدة بأن يقتل كل من أجابه تقية بعد أخذهم، ولكن نجدة قابله بعنف وشتمه قائلًا له: كلف الله أحدًا علم الغيب؟ قال: لا، قال: فإنما علينا أن نحكم بالظاهر.

أن نجدة سير سريتين الأولى منهما بحرًا والثانية برًا، وعند القسمة فضل سرية البحر على سرية البر فأغضب ذلك عطية بن الأسود وغضب نجدة أيضًا عليه وشتمه، فأخذ هذا يحرض الناس على الخروج عن طاعة نجدة وعصيانه.

ونقم عليه أصحابه بأنه عطل حد الخمر وكان سبب ذلك أن رجلًا من عسكره كان يشرب الخمر فبلغوا أمره إلى نجدة، فقال لهم: «إنه رجلٌ شديد النكاية على العدو وقد استنصر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمشركين»، ولكن هذا الجواب كان غير مقنع لهم.

أنه حين أغار على مدينة رسول الله صلى الله عليه وسلم وقعت جارية من بنات عثمان بن عفان في يد أحد جنوده فاشتراها منه وردها إلى عبد الملك بن مروان، فأغضب هذا أتباعه وقالوا له: «إنك رددت جارية لنا على عدونا».

ومن الأسباب أيضًا: أنه جرت بينه وبين عبد الملك مكاتبات كان عبد الملك يطلب منه الدخول في طاعته وأن يوليه اليمامة ويهدر له كل ما أصاب من مال أو دماء، فقال عطية: ما كاتبه عبد الملك إلا وهو يعرف أنه مداه في الدين.

وأن بعض قومه فارقوه وشرطوا لعودتهم أن يتوب ففعل ذلك، ولكنهم عادوا فقالوا: إنه لا ينبغي لنا أن نستتيبه وهو الإمام وطلبوا منه أن يتوب من توبته تلك؛ فوقع بينهم الاختلاف.

وأنه حكم بالشفاعة؛ وذلك حينما كلمه أصحابه في رجل فأعطاه فرسًا.

ونقموا عليه أيضًا عطاءه مالك بن مسمع ما يقدر بعشرة آلاف درهم حين أمر عامله هميان بن عدي السدوسي بذلك.

وهكذا ألقت تلك الأسباب الظاهرة وغيرها جوًا من العداء المستحكم لنجدة، وهي في ظاهرها حجج واضحة إن صحت نسبتها إليه، وبالإضافة إلى تلك الأسباب لعب التعصب القبلي دورًا كبيرًا بتعزيز الخلاف بين بني حنيفة وبني قيس بن ثعلبة الذي ينتسب إليهم أبو فديك؛ حيث أراد هؤلاء نقل السلطة من يد بني حنيفة إليهم هم، وفعلًا تم لهم ما أرادوا وذلك بعد تولية أبي فديك مكان نجدة الحنفي. ثم نقل أبو فديك عاصمة الحكم من اليمامة إلى البحرين مقر قبيلته قيس بن ثعلبة.[5]

ولقد كانت فرقة النجدات من الفرق المشهورة كالأزارقة، وحينما يذكر العلماء سيرتهم يختلفون، فبينما هم عند المطلي ومن يرى رأيه خرجوا يقتلون الأطفال ويسبون النساء ويهرقون الدماء ويستحلون الفروج والأموال، وهم عند آخرين من الرحماء يجوزون التقية ويرون رد الأمانات إلى أهلها وجوبًا، ولم يقبلوا بقتل الأطفال، ويرون المقام بين مخالفيهم لا بأس به، وأنهم يمثلون الاتجاه المعتدل الذي يقربهم إلى آراء عامة المسلمين، ومنهم من اشتد عليهم حتى حكم عليهم بالكفر الصريح، ومنه من قال عنهم غير ذلك. ومن الذين وقفوا منهم موقف التشدد ونسبوا إليهم الأفعال القبيحة التي تخرج الشخص من الإسلام غير الملطي، صاحب كتاب (الأديان) والدبسي.[7]

ومن الذين قالوا عنهم خيرًا ونسبوا إليهم الاعتدال واللين في مسامحة مخالفيهم من المسلمين: ابن الجوزي، والأشعري، والبغدادي، والشهرستاني، وغيرهم[8]

يضاف إلى ذلك: