موسى الكاظم

موسى الكاظم بن جعفر (7 صفر 128هـ-25 رجب 183هـ) أحد أعلام المسلمين، والإمام السابع عند الشيعة الإثنا عشرية، والده هو الإمام جعفر بن محمد الصادق أحد فقهاء الإسلام، قضى جزءاً من حياته في السجن، وعاصر فترة حساسة من تاريخ المسلمين. كنيته أبو إبراهيم وأبو الحسن، ومن ألقابه: الكاظم والعبد الصالح وباب الحوائج وسيد بغداد، وقد سُمي بالكاظم لشدة ما كظم من الغيظ وصبر على ظلم الظالمين له.[3]

ولد موسى الكاظم بن جعفر في قرية يُقال لها الأبواء [5] وكانت ولادته يوم الأحد السابع من شهر صفر من سنة 128 وقيل سنة 129 هجرية[4]، في أيام حكم مروان بن محمد. وبعد فترة وجيزة من ولادته ارتحل أبوه الإمام جعفر الصادق إلى المدينة المنورة فأطعم الناس إطعاماً عاماً لمدة ثلاثة أيام تيمناً بولادة موسى الكاظم.[6] وتشير بعض المصادر إلى أن الصادق كان يوليه عناية ومحبة خاصة حتى أنه حينما سُئل عن مدى حبه لولده الكاظم أجاب : «وددت أن ليس لي ولدٌ غيره لئلا يشركه في حبي أحد»[7] ترى الشيعة أن هذا ليس مجرد حب غريزي كما يحب أيّ والد ولده، بل يرون أن الإمام الصادق كان يريد أن يبيّن لشيعته أن موسى الكاظم هو الإمام الشرعي من بعده؛ انطلاقاً من عقيدتهم في أن الإمامة مقامٌ كمقام النبوة لا يمكن أن تتحكم به المحاباة أو الغريزة العاطفية.[8] ومن هذا المنطلق وردت روايات تشير إلى أن الإمام جعفر الصادق كان ينبّه شيعته دائماً إلى أن موسى الكاظم هو الإمام من بعده، وكان موسى الكاظم وقتها صغيراً لم يتجاوز الخامسة من العمر، فمن ذلك ما ورد في الكافي (وهو من أهم الكتب الشيعية) عن صفوان الجمال: «عن أبي عبد الله عليه السلام قال : قال له منصور بن حازم : بأبي أنت وأمي إن الأنفس يغدا عليها ويراح ، فإذا كان ذلك فمن ؟ فقال أبو عبد الله عليه السلام : إذا كان ذلك فهو صاحبكم وضرب بيده على منكب أبي الحسن عليه السلام الأيمن - في ما أعلم - وهو يومئذ خماسي وعبد الله بن جعفر جالس معنا.» [9] ويرى بعض الباحثين أن البيئة الدينية التي تربى بها الكاظم في كنف أبيه وأسرته كان لها أبلغ الأثر في تكوين شخصيته وصفاته، يقول القرشي: «وكانت البيئة التي عاش فيها الإمام بيئة دينية تسودها القيم الإنسانية والمُثل العليا، وأما البيت الذي عاش فيه فقد كان معهداً من معاهد الفضيلة، ومدرسة من مدارس الإيمان والتقوى، قد غمرته المودة، وعدم الكلفة، واجتناب هجر الكلام ومرّه، وبذلك فقد توفرت للإمام جميع عناصر التربية الرفيعة.» [10]

كان عمُر موسى بن جعفر 55 عاماً، قضى منها 20 عاماً في حياة والده جعفر الصادق و35 بعد وفاته. وقد عاش تلك الفترة في زمن أبيه وارتاد مدرسته العلمية الكبرى التي أنشأها في الكوفة، والتي خرّجت الآلاف من العلماء والفلاسفة والفقهاء والمحدثين، حتى قال الحسن الوشّاء عند مروره بمسجد الكوفة:«أدركت في هذا المسجد 900 شيخ كلهم يقول: "حدثني جعفر بن محمد"»،[11] وأما منزل أبيه الصادق فكان أيضاً مدرسة علمية يرتادها كبار العلماء والفقهاء، قال محمد صادق نشأت :«كان بيت جعفر الصادق كالجامعة يزدان على الدوام بالعلماءالكبار في الحديث والتفسير والحكمة والكلام، فكان يحضر مجلس درسه في أغلب الأوقات ألفان، وفي بعض الأحيان أربعة آلاف من العلماء المشهورين . وقد ألّف تلاميذه من جميع الأحاديث والدروس التي كانوا يتلقّونها في مجلسه مجموعة من الكتب تعدّ بمثابة دائرة علميّة للمذهب الشيعي أو الجعفري.»[12] وتربى الكاظم في هذا الجوّ العلمي المشحون بالمناظرات والنقاشات.

وكانت الفترة التي عاشها في أواخر حياة والده الصادق وبعد وفاته هي فترة علمية حساسة جداً في تاريخ المسلمين حيث سيطرت فيها الفلسفة اليونانية على الفكر العام، وكثرت فيها الاتجاهات الفكرية وتنوّعت، وامتد ذلك إلى صلب العقيدة والدين، فمن حركات تدعو إلى الإلحاد ومن حركات فلسفية تشكك في بعض العقائد الدينية، فكان على الكاظم أن يتحمل مسؤوليته من الناحية العلمية.فواصل منهج أبيه الصادق في رئاسة المدرسة التي أسسها هو وأبوه الباقر. وكانت مدرسته في داره في المدينة وفي المسجد كما كان آباؤه، فحضرها كثير من أعلام المسلمين، وتخرج من هذه المدرسة نخبة من الفقهاء ورواة الحديث، قدّر عددهم بـ(319) عالماً وفقيهاً.[13]

وممن أخذ عن الكاظم وروى عنه الخطيب البغدادي في تاريخ بغداد، و أبو المظفر السمعاني في الرسالة القوامية، وأبو صالح المؤذن في الأربعين، وأبو عبد الله ابن بطة العكبري في الإبانة، وأبو إسحاق الثعلبي في الكشف والبيان. وكان أحمد بن حنبل إذا روى عنه قال: «حدثني موسى بن جعفر، قال: حدثني أبي جعفر بن محمد، قال: حدثني أبي محمد ابن علي، قال: حدثني أبي علي بن الحسين، قال: حدثني أبي الحسين بن علي، قال:حدثني أبي علي بن أبي طالب، قال: قال رسول الله. ثم قال أحمد: وهذا إسناد لو قرئ على المجنون لأفاق».[14]

وحتى بعد أن سُجن الكاظم في عهد هارون الرشيد، فإنه لم ينقطع عن العمل العلمي فكانت الأسئلة تأتيه إلى السجن ويجيب عليها بصورة تحريرية.[15] وخصوصاً تلك المسائل الفقهية حول الحلال والحرام، ولذا يرى بعض الباحثين أن الإمام موسى بن جعفر هو الرائد الأول في كتابة الفقه، يقول محمد يوسف موسى: «ونستطيع أن نذكر أن أول من كتب في الفقه هو الإمام موسى الكاظم الذي مات سجيناً عام 183 هـ ، وكان ما كتبه إجابة عن مسائل وجّهت إليه تحت اسم (الحلال والحرام).» [16]

كانت العلاقة التي تربط العلويين بالخلافة متأزمة دائما فقد ورث الامام موسى الكاظم تاريخا داميا من تعامل السلطة مع ابائه واجداده، فكونهم ائمة للشيعة ورؤساء لتلك الجماعة التي تمثل اشرس فئات المعارضة للحكم العباسي والأموي جر عليهم الكثير من التضييق والاضطهاد الذي وصل في كثير من الاحيان إلى التصفية الجسدية.

أُعتقل موسى الكاظم في زمن حكم الخليفة المهدي الذي امر عامله على المدينة باعتقال موسى الكاظم وارساله لبغداد، لكن سرعان ما اطلق سراح الكاظم واعيد إلى المدينة. وتقول الروايات ان المهدي راى حلما افزعه فقام باطلاق سراح الكاظم على الفور.[17]

ومع تربع الخليفة موسى الهادي على سدة الحكم، زاد التشنج مع العلويين ليتوج ذلك في موقعة فخ التي ذهب ضحيتها ثلة من اعيان العلويين، الامر الذي زاد من التضييق على موسى الكاظم الذي كان يراه الخليفة المسؤول والمحرض للحسين بن علي بن الحسن المثلث وأصحابه المقتولين في فخ، إذ قيل إن الخليفةَ الهادي قال : والله ما خرج حسين إلا عن أمره، ولا اتبع الا محبته، لانه كان صاحب الوصية في اهل هذا البيت، قتلني الله ان ابقيت عليه.[18] لكن اجل الخليفة الهادي لم يسمح له بتنفيذ تهديده حيث توفي بعد مدة قليلة من وقعة فخ.

علي · الحسن · الحسين · زين العابدين · الباقر · الصادق · الكاظم · الرضا · الجواد · الهادي · الحسن العسكري · المهدي المنتظر

استلم الحكم بعد وفاة الهادي أحد اقوى الخلفاء العباسيين هارون الرشيد الذي لم يختلف كثيرا عن ابائه في الحرص على التضييق على الشيعة وعلى راسهم الامام موسى الكاظم. حيث يرى الشيعة ان الائمة الاثنا عشر هم الخلفاء الحقيقيين وان لا شرعية لاي حاكم في وجودهم. وقد لعب الوشاة دورا هاما في تاجيج الوضع حيث دخل علي بن إسماعيل على هارون الرشيد وقال: "ما ظنت ان في الارض خليفتين حتى رايت عمي موسى بن جعفر يُسلم عليه بالخلافة" وزاد على ذلك فابلغ الخليفة بان الاموال تُحمل اليه من المشرق والمغرب وبان له بيوتاً من المال.[19]

ولم يكن لهارون الرشيد ان يتهاون مع مايمكن ان يهدد كرسيه وحكم آل عباس فامر باعتقال موسى الكاظم، فاعتقل وهو يصلي في المسجد النبوي وكان اعتقاله في 20 من شوال 179هـ.[20] وكانت السلطات حريصة على عدم وقوع اضطرابات فارسلت موكبان وهميان احدهما للبصرة والاخر للكوفة ليوهموا الناس عن مسير موسى الكاظم ووجهة اعتقاله، وأمر هارون الرشيد بتسيير موسى الكاظم ليلا وبشكل سري إلى البصرة.[21]

أودع الكاظم في سجن البصرة تحت اشراف رئيس سجنها عيسى بن أبي جعفر، ويبدو ان شخصية الكاظم الكارزمية قد اثرت على عيسى ومن معه بالسجن، فكان لهذا اثر في قدرة العلماء الوصول اليه بشكل سري ورواية الحديث عنه. وقد تكون السلطات في بغداد وجلت من انباء تاثير الكاظم على من حوله فطلب الخليفة من عيسى بن أبي جعفر ان يغتال الكاظم، فرد عيسى برسالة يقول فيها بانه اختبر الكاظم ولم يجد منه سوءا ويطلب اعفاءه من تنفيذ هذه المهمة.[22] فامر الرشيد بحمل الكاظم إلى بغداد بعد ان قضى عاماً بحبس البصرة.[23]

لما وصل الكاظم إلى بغداد لم يحبس في السجن مع عامة الناس وانما حبس في بيت الفضل بن الربيع وقد يكون السبب من ذلك الخشية من تاثير الكاظم على الناس.[24] وبعد فترة غير معروفة امر الرشيد باطلاق سراح الكاظم وتقول المصادر ان اطلاق السراح هذا كان بسبب رؤيا راها الرشيد في منامه. لكن الكاظم لم يُغادر بغداد ويذهب العديد من المؤرخين بانه كان تحت الإقامة الجبرية فيها. وخلال هذه الفترة كان يلتقي بصورة متواصلة مع الرشيد ويخوضون المناقشات الدينية.[17]

أعاد هارون الرشيد اعتقال الكاظم مرة اخرى وحبس عند الفضل بن الربيع مجدداً، لكن الفضل عمد إلى الترفيه عن الكاظم وعدم اذيته. كما اوعز هارون الرشيد إلى الفضل باغتيال الكاظم الا ان الفضل امتنع وماطل في ذلك. وقد وصلت اخبار الترفيه الذي فيه الكاظم إلى هارون الرشيد الذي كان في الرقة آنذاك. فامر بمعاقبة الفضل وإرسال الكاظم إلى السندي بن شاهك. وبالفعل تم اعتقال الفضل وتجريده وجلده مائه سوط أمام الناس حتى كاد يفقد عقله.[25]

قال الشيخ المفيد أنه كان له سبعة وثلاثون ولداً ذكراً وأنثى، منهم:

قال ابن الخشاب: ولد له عشرون ابنا وثمانية عشر بنتا أسماء بنيه: علي الرضا، وزيد، وإبراهيم، وعقيل، وهارون، والحسن، والحسين وعبد الله، وإسماعيل، وعبيد الله، وعمر، وأحمد، وجعفر، ويحيى، وإسحاق والعباس، وحمزة، وعبد الرحمن، والقاسم، وجعفر الأصغر، ويقال موضع عمر: محمد. وأسماء البنات: خديجة، وأم فروة، وأسماء، وعلية، وفاطمة، وفاطمة وأم كلثوم، وآمنة، وزينب، وأم عبد الله، وزينب الصغرى، وأم القاسم وحكيمة، وأسماء الصغرى، ومحمودة، وأمامة، وميمونة.[26][27][28]

نُقل الكاظم إلى سجن السندي بن شاهك حسب أوامر الرشيد، وقد جهد السندي في ارهاق الكاظم والتنكيل به والتضييق عليه بكل الوسائل ابتغاء لمرضاة الخليفة. وذهب مؤرخون شيعة إلى ان الكاظم قد سجن في بيت السندي. وعلى الرغم من التضييق في السجن فان الكاظم استطاع استمالة خادم السندي وغيره الذين كانوا يساعدون الكاظم على الاتصال بالعلماء واجابة مسائلهم الدينية.[29] ولم يدم هذا الوضع طويلاً حتى توفي الكاظم في سجنه وكان ذلك عام 183هـ، ويذهب رواة شيعة إلى أن الكاظم لم يمت حتف انفه وانما جرى تسميمه والمشهور عند الشيعة أن هارون الرشيد عمد إلى وضع السم في الرطب وامر السندي ان يجبر الكاظم على اكله.[30][31]

عمدت السلطات على تبرئة نفسها من اي مسؤولية محتملة، فعمد السندي إلى جمع 80 شخصا من السجن قبل وفاة الكاظم وطلب منهم ان يطلعوا على حال الكاظم وان يسالوه ما إذا كان احدا قد اذاه فالتفت الكاظم للشهود وقال: أشهدوا علي اني مقتول بالسم منذ ثلاثة أيام، أشهدوا اني صحيح الظاهر، لكني مسموم وساحمر في هذا اليوم حمرةً شديدة، وأبيض بعد غد، وأمضي إلى رحمة الله ورضوانه فاصيب السندي بالصدمة.[32]

واجرت الشرطة التحقيق في وفاة الكاظم فجلبت 25 ممن يعرفون الكاظم شخصياً فقام السندي بالكشف عن ملابسه وسؤالهم "أترون فيه ماتنكرونه؟" فاجابوا بلا وتم تسجيل شهاداتهم. ثم جلب غيرهم ممن شهد على عدم وجود اثر جرح في جسد الكاظم. ثم جمع هارون الرشيد شيوخ الطالبيين والعلويين وموسى الكاظم مسجى فقال لهم: هذا موسى بن جعفر قد مات حتف انفه، وماكان بيني وبينه ماستغفر الله منه فانظروا اليه. فنظروا إلى جثمانه من دون ان يجدوا فيه اثر جرح أو خنق.[33][34]

ووضع بعد ذلك على جسر الرصافة في بغداد تنظر له المارة. ويرى الشيعة ان القصد من ذلك هو اذلال إمامهم والتشهير به والحط من كرامته. وقد اثارا هذا قريحة الشعراء فقال الشيخ محمد الملا:

فالغيُ بات بموته طرب الحشا وغـدا لمأتمه الرشاد مـقيما

ثم حمل الجنود نعشه وصاروا يصيحون: هذا موسى بن جعفر الذي تزعم الرافضة انه لايموت، فانظروا له ميتا. وحُمل الجثمان وسط الجماهير المجتمعة ليوارى الثرى في المقبرة المعروفة بمقبرة قريش.[35]

يا بني إياك أن يراك الله في معصية نهاك عنها، وإياك أن يفقدك الله عند طاعة أمرك بها، وعليك بالجد، ولا تخرجن نفسك من التقصير في عبادة الله وطاعته، فإن الله لا يعبد حق عبادته، وإياك والمزاح فإنه يذهب بنور إيمانك، ويستخف بمرؤتك، وإياك والضجر والكسل، فإنهما يمنعان حظك من الدنيا والآخرة.

أي فلان إتق الله وقل الحق وإن كان فيه هلاكك فإن فيه نجاتك، أي فلان إتق الله ودع الباطل وإن كان فيه نجاتك، فان فيه هلاكك.

اجعلوا لأنفسكم حظاً من الدنيا باعطائها ما تشتهي من الحلال، ومالا يثلم المرؤة وما لا سرف فيه، واستعينوا بذلك على أمور الدين، فإنه روي: ليس منا من ترك دنياه لدينه، أو ترك دينه لدنياه. تفقهوا في الدين، فإن الفقه مفتاح البصيرة، وتمام العبادة، والسبب إلى المنازل الرفيعة، والرتب الجليلة في الدين والدنيا، وفضل الفقيه على العباد، كفضل الشمس على الكواكب، ومن لم يتفقه في دينه لم يرض الله له عملا. و[42]

765 – 799


صندوق ضريح موسى الكاظم, صنع في 624 هجرية, محفوظ في المتحف العراقي
الحضرة الكاظمية حيث دفن الامام الكاظم في بغداد