معاوية بن أبي سفيان

أبو عبد الرحمن معاوية بن أبي سفيان الأموي القرشي، من أصحاب الرسول محمد وأحد كتّاب الوحي.[3] سادس الخلفاء في الإسلام ومؤسس الدولة الأموية في الشام وأوّل خلفائها. ولد بمكة وتعلم الكتابة والحساب، [4] وأسلم قبل فتح مكة، [5] ولما استُخلف أبو بكر الصدّيق ولاه قيادة جيش تحت إمرة أخيه يزيد بن أبي سفيان، فكان على مقدمته في فتح مدينة صيداء وعرقة وجبيل وبيروت. ولما استُخلف عمر بن الخطاب جعله واليا على الأردن، ثم ولاه دمشق بعد موت أميرها يزيد (أخيه) ثم ولّاه عثمان بن عفان الديار الشامية كلها وجعل ولاة أمصارها تابعين له. وبعد حادثة مقتل عثمان أصبح علي بن أبي طالب الخليفة فنشب خلاف بينه وبين معاوية حول التصرف الواجب عمله بعد مقتل الخليفة عثمان إلى أن اغتال ابن ملجم الخارجي عليًا فتولى ابنه الحسن بن علي الخلافة ثم تنازل عنها لمعاوية عام 41 هـ[4] وفق عهد بينهما، فأسس معاوية الدولة الأموية واتخذ دمشق عاصمةً له.

هو: معاوية بن صخر بن حرب بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف بن قصي بن كلاب بن مرة بن كعب بن لؤي بن غالب بن فهر بن مالك بن النضر وهو قريش بن كنانة[6] بن خزيمة بن مدركة بن إلياس بن مضر بن نزار بن معد بن عدنان.

وأمّه: هند بنت عتبة بن ربيعة بن عبد شمس بن عبد مناف العبشمية القرشية.[7]

يلتقي نسبه بنسب الرسول محمد في عبد مناف.

ولد قبل البعثة بخمس سنين، وقيل بسبع، وقيل: بثلاث عشرة، والأول أشهر.[8] وقد تفرس فيه أبوه وأمه منذ الطفولة بمستقبل كبير، فروي أن أبا سفيان نظر إليه وهو طفل فقال: «إن إبني هذا لعظيم الرأس، وإنه لخليق أن يسود قومه»، فقالت هند: «قومه فقط؟ ثكلته إن لم يسد العرب قاطبة.»[9] وعن أبان بن عثمان قال: «كان معاوية يمشي وهو غلام مع أمه هند فعثر فقالت قم لا رفعك الله وأعرابي ينظر إليه فقال لم تقولين له فوالله إني لأظنه سيسود قومه فقالت لا رفعه الله إن لم يسد إلا قومه.»[10]

له من الأخوة: يزيد بن أبي سفيان، وعتبة بن أبي سفيان، وعنبسة بن أبي سفيان. ومن الأخوات: أم المؤمنين أم حبيبة بنت أبي سفيان، وأم الحكم بنت أبي سفيان، وعزة بنت أبي سفيان، وأميمة بنت أبي سفيان.

ومن بناته: رملة تزوجها عمرو بن عثمان بن عفان. وهند تزوجها عبد الله بن عامر. وعائشة وعاتكة وصفية.[11][12]

قيل أنه أسلم هو وأبوه وأمه وأخوه يزيد يوم فتح مكة، [13] وقيل أنه أسلم قبل الفتح وبقي يخفي إسلامه حتى عام الفتح، قال الذهبي: «أسلم قبل أبيه في عمرة القضاء، وبقي يخاف من الخروج إلى النبي صلى الله عليه وسلم، من أبيه.»[14] وروي عن معاوية أنه قال:«لما كان عام الحديبية صدت قريش رسول الله صلى الله عليه وسلم عن البيت ودافعوه بالراح وكتبوا بينهم القضية، وقع الإسلام في قلبي، فذكرت ذلك لأمي هند بنت عتبة فقالت: إياك أن تخالف أباك، أو أن تقطع أمرا دونه فيقطع عنك القوت، فكان أبي يومئذ غائبا في سوق حباشة قال: فأسلمت وأخفيت إسلامي، فوالله لقد دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم من الحديبية إني مصدق به، وأنا على ذلك أكتمه من أبي سفيان، ودخل رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة عام عمرة القضية وأنا مسلم مصدق به، وعلم أبو سفيان بإسلامي فقال لي يوما: لكن أخوك خير منك، فهو على ديني، قلت: لم آل نفسي خيرا. وقال: فدخل رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة عام الفتح فأظهرت إسلامي ولقيته فرحب بي.»[15]

ذكر ابن أبي الدنيا، وغيره: أن معاوية كان طويلا، أبيض، جميلا، إذا ضحك انقلبت شفته العليا، وكان يخضب.[16]

كان كريما سخيا خاصة مع أهل البيت والصحابة ولذلك شواهد منها:

تولى قيادة جيش إمداد لأخيه الصحابي يزيد بن أبي سفيان في خلافة أبي بكر ، وأمره أبو بكر بأن يلحق به فكان غازيا تحت إمرة أخيه، وقاتل المرتدين في معركة اليمامة، ومن بعد ذلك أرسلهُ الخليفة أبو بكر مع أخيهِ يزيد لفتح الشام وكان معه يوم فتح صيدا وعرقة وجبل وبيروت وهم من سواحل الشام.

تولى معاوية بن أبي سفيان ولاية الأردن في الشام سنة 21 هـ في عهد عمر بن الخطاب. وبعد موت أخيه يزيد بن أبي سفيان من طاعون عمواس، ولاه عمر بن الخطاب ولاية دمشق وما يتبع لها من البلاد، ثم جمع له الخليفة عثمان بن عفان على ولاية الشام كلها، فكان من ولاة أمصارها. وبعد موت عثمان بن عفان سنة 35 هـ نادى بأخذ الثأر من قتلة الخليفة عثمان بن عفان وحرض على قتالهم. وقبل ذلك وقعت موقعة الجمل حيث كانت عائشة بنت أبي بكر زوجة النبي محمد في جيش يقاتل للقصاص من قتلة الخليفة عثمان بن عفان وكان في قيادة الجيش طلحة بن عبيد الله والزبير بن العوام وكانوا خرجوا جميعا لأخذ الثأر من قتلة عثمان بن عفان [26]، وبعد موقعة الجمل قاد معاوية جيشاً ضد خليفة المسلمين علي بن أبي طالب وكانت موقعة صفين التي انتهت بالتحكيم الجبري، وبعد مقتل أمير المؤمنين علي بن أبي طالب تولى الحسن بن علي الخلافة فثار معاوية على الحسن وحاربه فما كان من الحسن إلا أن حقن دماء المسلمين وأقام عهداً مع معاوية ينص على أنه يبايع معاوية على مابايع المسلمون عليه أبابكر وعمر وان يسير بسيرتهم وان الأمر يعود للمسلمين لاختيار خليفتهم بعد وفاة معاوية وهذا ما لم يحدث، وبموجب ذلك العهد تسلم معاوية الحكم فأصبح خليفة المسلمين في دمشق عاصمة دولة الخلافة الإسلامية.

توفّي في دمشق عن 78 سنة بعدما عهد بالأمر إلى ابنه يزيد بن معاوية ودفن في دمشق وكانت وفاته في رجب سنة 60 هـ كان خلالها والياً لـ 20 عامًا وخليفة لـ 20 عامًا أخرى.

تولى معاوية بن أبي سفيان الشام بعد أخيه يزيد في زمن عمر بن الخطاب، ولم يزل بها متوليا حاكما إلى أن مات، ودام حكمه أربعون سنة منها في أيام عمر أربع سنين أو نحوها، ومدة خلافة عثمان، وخلافة علي بن أبي طالب وابنه الحسن بن علي، وذلك تمام عشرين سنة، ثم استوثق له الأمر بتسليم الحسن بن علي إليه في سنة إحدى وأربعين هجرية، ودام له عشرين سنة. ومات في شهر رجب بدمشق، وله ثمان وسبعون سنة. وكان أصابته في آخر عمره لقوة، وكان يقول في آخر عمره: ليتني كنت رجلا من قريش بذي طوى، ولم أر من هذا الأمر شيئا. قال الملا علي القاري: «وكان عنده إزار رسول الله ورداؤه وقميصه وشيء من شعره وأظفاره فقال: كفنوني في قميصه، وأدرجوني في ردائه، وأزروني بإزاره، واحشوا منخري وشدقي ومواضع السجود من شعره وأظفاره، وخلوا بيني وبين أرحم الراحمين».[28]

يلقبه أهل السنة والجماعة بخال المؤمنين، ويذكرون أنه كان بعد إسلامه يكتب الوحي بين يدي الرسول محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم.[29][30]

وأخرج البخاري في صحيحه (2636)، ومسلم (5925) عن أنس بن مالك عن خالته أم حرام بنت ملحان قالت : نام النبي يوماً قريباً مني ثم أستيقظ يبتسم فقلت : ما أضحكك ؟ قال : « أناس من أمتي عرضوا علي يركبون هذا البحر الأخضر كالملوك على الأسرة » ، قالت : فادع الله أن يجعلني منهم، فدعا لها ثم نام الثانية ففعل مثلها فقالت قولها، فأجابها مثلها، فقالت : أدع الله أن يجعلني منهم، فقال : « أنت من الأولين » فخرجت مع زوجها عبادة بن الصامت غازياً. أول ما ركب المسلمون البحر مع معاوية فلما انصرفوا من غزوتهم قافلين فنزلوا الشام فقربت إليها دابة لتركبها فصرعتها فماتت وهذا الحديث فيه منقبة لمعاوية بن أبي سفيان رضي الله عنه وذلك لأن أول جيش غزى في البحر كان بإمرة معاوية (فتح الباري (11/75).) وقال المناوي في « فيض القدير » (3/84) : « أي فعلوا فعلاً وجبت لهم به الجنة أو أوجبوا لأنفسهم المغفرة والرحمة ». قال ابن عبد البر في « التمهيد » (1/235) : « وفيه فضل لمعاوية رحمه الله إذ جعل من غزا تحت رايته من الأولين ورؤيا الأنبياء صلوات الله عليهم وحي ».

عن أبي إدريس الخولاني قال لما عزل عمر بن الخطاب عمير ابن سعد عن حمص ولى معاوية فقال الناس عزل عميرا وولى معاوية قال عمير بن سعد رضي الله عنه : لا تذكروا معاوية إلا بخير فإني سمعت رسول الله ? يقول : « اللهم أجعله هادياً مهدياً واهد به ».[31]

وروى مسلم في صحيحه في باب "باب من لعنه النبى -- أو سبه أو دعا عليه وليس هو أهلا لذلك كان له زكاة وأجرا ورحمة." عن ابن عباس قال «كنت ألعب مع الصبيان فجاء رسول الله -- فتواريت خلف باب - قال - فجاء فحطأني حطأة وقال « اذهب وادع لي معاوية ». قال فجئت فقلت هو يأكل - قال - ثم قال لي « اذهب وادع لي معاوية ». قال فجئت فقلت هو يأكل فقال «لا أشبع الله بطنه». قال ابن المثنى قلت لأمية ما حطأني قال قفدني قفدة.[32]» وقال الإمام النووي في شرح صحيح مسلم (16/156) «وقد فهم مسلم من هذا الحديث أن معاوية لم يكن مستحقا للدعاء عليه فلهذا أدخله في هذا الباب وجعله غيره من مناقب معاوية لانه في الحقيقة يصير دعاء له[33]» وقال الحافظ الذهبي في « تذكرة الحفاظ » (2/699) : « لعل هذه منقبة لمعاوية لقول النبي ? : "اللهم من لعنته أو شتمته فاجعل ذلك له زكاة ورحمة".

والجدير بالذكر أن الرسول صلي الله عليه وسلم قد أشار أن خلافة النبوة من بعده ثلاثون عاما ثم ملك ورحمة، ومن المعروف أن الرسول محمد بن عبد الله قد توفي سنة 11 هـ، أي أن في عام 41 هـ قد اكتملت الثلاثون عاما التي قد أشار إليها النبي محمد. حيث قال النبي محمد: «الخلافة بعدي في أمتي ثلاثون سنة، ثم ملك بعد ذلك»[34] بالإضافة إلى الحديث الصحيح الآخر الذي أورده البخاري في صحيحه وهو:«أخرج النبي ذات يوم الحسن، فصعد به على المنبر، فقال: ابني هذا سيد، ولعل الله أن يصلح به بين فئتين من المسلمين.»[35]

وبالجملة فالصحابة كلهم عدول قال النووي في التقريب: "الصحابة كلهم عدول من لابس الفتن وغيرهم بإجماع من يعتد به (تقريب النواوي مع شرحه تدريب الراوي 2/214) قال الذهبي في « السير » (3/132) : « حسبك بمن يؤمره عمر ثم عثمان على إقليم - وهو ثغر - فيضبطه ويقوم به أتم قيام ويرضى الناس بسخائه وحلمه وإن كان بعضهم تألم مرة منه وكذلك فليكن الملك وإن كان غيره من أصحاب رسول الله ؟ خيراً منه بكثير، وأفضل وأصلح، فهذا الرجل ساد وساس العالم بكمال عقله وفرط حلمه، وسعة نفسه وقوة دهائه، ورأيه وله هنات وأمور، والله الموعد. وكان محبباً على رعيته، عمل نيابة الشام عشرين سنة والخلافة عشرين سنة ولم يهجه أحد في دولته، بل دانت له الأمم وحكم على العرب والعجم، وكان ملكه على الحرمين ومصر والشام والعراق وخراسان وفارس والجزيرة واليمن والمغرب وغير ذلك.

وقد ألَّف الإمام ابن حجر الهيتمي (ت 974هـ) كتاباً في فضائل معاوية، جمع فيه أقوال علماء أهل السنة فيه وردودهم على الطاعنين به، وسماه "تطهير الجنان واللسان عن ثلب معاوية بن أبي سفيان"، ومن تلك المناقب المذكورة:[36]

يرى الشيعة معاوية بن أبي سفيان بأنه خارج على إمام زمانه علي بن أبي طالب وحارب عليا في صفين ونافيا الصحابي أبا ذر الغفاري من الشام وقائد الفئة الباغية التي قتلت الصحابي عمار بن ياسر والذي قال فيه الرسول «ويح عمار تقتله الفئة الباغية، يدعوهم إلى الجنة ويدعونه إلى النار»[37] وكان من مؤيدي والساعين لإشعال معركة الجمل ففي رسالة بعث بها إلى الزبير بن العوام قال :«فإني قد بايعت لك أهل الشام فأجابوا واستوسقوا كما يستوسق الجلب، فدونك الكوفة والبصرة، لا يسبقك إليها ابن أبي طالب، فإنه لا شي بعد هذين المصريين، وقد بايعت لطلحة بن عبيد الله من بعدك، فأظهرا الطلب بدم عثمان، واعدوا الناس إلى ذلك، وليكن منكما الجد والتشمير، أظفركما الله وخذل مناوئكما[38]»

إضافة إلى ذلك فمعاوية سنّ سب علي بن أبي طالب على المنابر والانتقاص والاستهزاء منه ومن أهله وأنصاره، فعن عامر بن سعد بن أبي وقاص عن أبيه قال : «أمر معاوية بن أبي سفيان سعداً، فقال : مامنعك أن تسب أبا التراب، فقال : أما ما ذكرت ثلاثا قالهن له رسول الله فلن أسبه لأن تكون لي واحدة منهن أحب إلي من حمر النعم» [39] وكانت من وصايا معاوية للمغيرة عندما ولاه الكوفة «أما بعد فإن لذي الحلم قبل اليوم ما تقرع العصا، وقد أردت إيصاءك بأياء كثيرة فأنا تاركها اعتمادا على بصرك... ولست تاركا إيصاءك بخصلة لا تتحمّ عن شتم علي وذمه والترحم على عثمان والاستغفار له والعيب على أصحاب علي والاقصاء لهم» [40]

وإضافة إلى طمعه في الخلافة فقد أوصى بالخلافة لغير أهلها كما ذكر ذلك معاوية بن يزيد بقوله «إنّ هذه الخلافة حبل الله وأنّ جدّي معاوية نازع الأمر أهله ومَن هو أحقّ به منه عليّ بن أبي طالب، وركب بكم ما تعلمون حتّى أتته منيّته فصار في قبره رهيناً بذنوبه، ثمّ قلّد أبي الأمر وكان غير أهل له ونازع ابن بنت رسول الله ، فقصف عمره، وانبتر عقبه، وصار في قبره رهيناً بذنوبه، ثمّ بكى وقال: مِنْ أعظم الاُمور علينا علمنا بسوء مصرعه وبؤس منقلبه، وقد قتل عترة رسول الله ، وأباح الخمر وخرّب الكعبة» [41]

قدمت شخصية معاوية بن أبي سفيان في عدد من المسلسلات التلفازية العربية والفارسية