مشناه


المشناه (بالعبرية: המשנה) كلمة عبرية مشتقة من الفعل العبري «شناّّه» ومعناها بالعربية (يُثنٌّي أو يكرر) ولكن تحت تأثير الفعل الآرامي «تانا» أصبح معناها (يدرس)، ثم أصبحت الكلمة تشير بشكل محدد إلى دراسة الشريعة الشفوية، وهي أول ما ألف في التوراة الشفهية، وتتضمن الشرائع ومجموعة واسعة من الشروح والتفاسير تتناول أسفار العهد القديم التي قالها التنائيم (المفسرين).[1][2][3] وهناك آراء مختلفة حول بداية صياغة المشنا، لكن تم الاتفاق على أن تحريرها وصياغتها النهائية تمت في نهاية فترة التنائيم، في بداية القرن الثالث، بواسطة الرابي يهودا الناسي وحكماء جيله.

تنقسم المشناه لستة أجزاء (شاس):

ومن المعتاد استخدام الاختصارات للمساعدة في تذكر السيدر مثل شاس.

وكل سيدر ينقسم لمسخوت- إجماليها 63، وكل مسيخت تنقسم لأجزاء. كل فصل ينقسم لقطع تسمى «هلخوت» (الاسم الذي كان منتشر قديما) أو «مشنيوت» (الاسم المنتشر حالياً) وبينما كان تقسيم الفصول ثابت نسبياً ومتبع في معظم المخطوطات، فإن تقسيم الهلخوت يشهد اختلافاً وعدم ترابط بين المخطوطات المختلفة. وحجم الفصول لا يختلف فيما بينها، ويبدو أن هذه كانت الرؤية الأساسية في تقسيم الفصول، وليس فقط حسب التقسيم الموضوعي. يوجد في المشناه 523 فصل، لكن معظم النسخ المطبوعة حالياً تتضمن الفصل الرابع من مسيخت بيخوريم (هو الفصل 11 والأخير في سيدر زرعيم)، والتي في الأصل كانت جزءاً من الإضافات، وكذلك فصل «كنيان توراة» الذي أعاد صياغة الفصل السادس من مسيخت أفوت.

لغة المشناه موجزة، وهناك من يشبهها بلغة الشعر. والمشناه تقال شفهياً، وهي مليئة بتعابير لغوية وشكلية وجوهرية تسهل من التذكر. وفي عدة حالات تكون الهلخوت في المشناه صريحة، لكن في حالات كثيرة ترد في المشناه عدة آراء مختلف عليها بدون حسم واضح. وأحياناً يكون تفسير المشناه بعيد عن مضمون الهلخاه، أو تثير جدلاً حول الهلخاه. وقليلة هي الحالات التي تتضمن بها المشناه أقوال ليست تشريعية في الأساس.

وتتطرق أحياناً المشناه لمناقشة شئون الأقداة (الإسرائيليات).

كمثال للتكوين الأساسي للمشنا، نستحضر هنا المشناه الكاشفة الخاصة بمناقشة وقت صلاة شمع في المساء، ويمكن أن نتعلم من المشناه الأولى الكثير عن شكل المشناه بأكملها.

من وقت دخول الكهنة للأكل من هباتهم. حتى نهاية نوبة الحراسة الليلية الأولى- أقوال الرابي اليعازر.

والحاخامات يقولون: حتى منتصف الليل.

رابان جمليائيل يقول: حتى يطلع الفجر

وعندما حضر أبنائه من المطعم

قالوا له: لم نقرأ شمع.

قال لهم: إذا لم يطلع الفجر- ملزمون أنتم بالقراءة.

وليس هذا فقط: بل أن كل ما قاله الحاخامات "حتى منتصف الليل"- وصيتهم حتى يطلع الفجر.

حرق الدهن والأطراف- وصيتهم حتى يطلع الفجر

وكل المأكولات في يوم واحد- وصيتهم حتى تطلع صفحة الفجر.

وإذا كان كذلك، لماذا قال الحاخامات "حتى منتصف الليل؟" : لكي يبعدوا الإنسان عن الإثم.

في هذه المشناه يتواجد جدال فكري بين ثلاثة آراء مختلفة حول نهاية وقت صلاة شمع. ونظراً لأن صلاة شمع يتم تعلمها شفهياً، ويتم كتابة المشناه أحياناً على هيئة حوار أو أسئلة وأجوبة، فكثيراً ما تنتهي تلك الاختلافات بدون حسمها شرعياً. كما أن المشناه أيضا لاتقدم خلفية أساسية للمواضيع التي تناقشها، مثل حقيقة وجوب تلاوة صلاة شمع في كل مساء وفي كل صباح، أو حتى تعريف صلاة شمع ولماذا يجب تلاوتها، والأبعد من ذلك أنها موجه من الرب إلى كتاب المشنا، ولذلك تستهل المشناه فقط بسؤال «منذ متى؟». لإجابات التي وردت على سؤال متى يجب تلاوة صلاة شمع، تُظهِر الاختلاف في المشناه بين القديم والجديد. فهي لا يستدل عليها بواسطة الإشارة إلى مدلول طبيعي مثل ظهور النجوم أو ساعات اليوم، بل يتم تحديد وقتها وفقاً للمناهج المتبعة لدى الكهنة. ويختلف الباحثين بشأن ما إذا كانت صلاة شمع في المساء متبعة عند الكهنة في المعبد، أم تم إتباعها بعد ذلك. ولكن بدون أدنى شك، فإن المشناه تربط بين تلاوة دعاء شمع وبين الهيكل الذي دمر قبل تأليفها بخمسمائة عام، وتظهر الجدال الفكري القائم في أحيان كثيرة بين التجديد من عدمه. وتحدد المشناه ترتيب نظام الحياة اليهودية في العالم الذي دُمِر فيه الهيكل، وإن العبادة لم يبتدعها الكهنة ولكنها منزلة من الرب. من جهة نجد أن المشناه تربط بين نمط الحياة الحديث وتمزجه بنمط الحياة القديم، ولكن المشناه في الوقت نفسه في افتتاحيتها تربط نظام الحياة الجديد وفقاً للنظام الذي كان متبعاً في الهيكل.

إن المتأمل في حكم الآية للمشنا يكتشف على الفور أن مايميزها من بدايتها حتى نهايتها هو الخلاف. وهذه السمة الخاصة بالمشناه أصبحت عنصراً محورياً لكل كتابات «خزال»: كتب التفاسير الشرعية وتفاسير الأساطير والتلمود. هذا النوع من الأدب كان في وقته بمثابة خطوة جديدة، وتغييراً جوهرياً في النسخ المنقولة الخاصة بالاختلاف، التي لم تعط كشريعة واضحة ولكن كمجموعة مناقشات واختلافات. والاختلافات تحدث تحولاً عميقاً بين نموذج الأنبياء ونموذج الكهنة. فالأنبياء يستمدون صلاحياتهم وسلطتهم من وحي مباشر من الرب، الأمر الذي يحول دون وقوع أي اختلاف لأن هناك قول رب واحد وحقيقة واحدة فقط وإذا حدث اختلاف بين نبيين فمعنى ذلك أن أحدهما كاذب. وفي مقابل ذلك يستمد الحاخامات سلطاتهم وصلاحياتهم من كونهم مفسرين، وتلك الصلاحيات استمدت من كونهم أمناء على الطقوس ونقلها للجمهور ومن هنا أيضا تكمن قدرتهم على شرحها وتعليمها. لذلك يجب أن يكون هناك اختلاف بين المفسرين نتيجة أنهم لا يتحدثون باسم الوحي. فالمشناه هنا ترمز لعهد جديد في نمط تعليم التوراة حيث لا يتم الحديث باسم الأنبياء بل باسم الحاخامات، ومنبع هذا المنهاج هو المعابد.

يعتقد غالبية الباحثين أن طريق المدراش أقدم من طريق المشنا. ويستند اعتقادهم هذا على منطقهم وعلى أقوال الرابي شريرا جاؤون. والباحث افراهام جولدبرج، الذي يختلف معهم، بأسس أقواله على مخطوطة الهيكل، والتي تُعد مصدر لتوراة الشفهية الأسيونية المكتوبة منذ عصر يوحنان هوركنوس. والتوراة الشفهية الخاصة بهم ليست مستمدة من المكتوب، ويمكن الافتراض بأن الفريسيون أيضا كان لهم توارة شفهية كهذه.

يشكل تنظيم المشناه في مستهل القرن الثالث خلاصة تعلم الشريعة على مدار مئات السنين التي سبقتها. فالمشناه تتضمن اقتباسات من الشرائع التي جاءت على لسان تنائيم سابقين، وتشتمل تقريباً على جميع نواحي الشريعة من خلال تقسيمها لمواضيع. ولم تدخل معظم أقوال التنائيم إلى المشنا. وتسمى أقوال التنائيم التي لم تدخل في المشناه (برايتا أي خارجي). وبالإضافة إلى المشناه توجد تصنيفات أخرى لأقوال التنائيم، من بينها هتوسفتا، التي رُتبت وفقاً لنفس ترتيب المشنا، ومدراشي هلخاه مثل مخيلتا (أقوال يسمعائيل)، مخيلتا (أقوال الرابي شمعون بار يوحاي)، سفرا، سفري بمدبار، سفري زوتا بمدبار وسفري دفريم، مخيلتا لدفريم وسفري زوتا دفريم. وهناك المزيد من البرايتوت موجودة داخل مؤلفات الأمورييم مثل التلمود البابلي والتلمود اليروشليمي ومدرشي الآجاداه. بينما فُقدت العديد من البرايتوت الأخرى على مر العصور. والمواضيع التي لم تدخل إلى المشناه بشكل مرتب تتضمن شرائع الجاريم (المتهودين)، الختان، والحنوخاه (عيد في اليهودية) وهناك افتراضات مختلفة لأسباب ذلك.

من الدارج تعلم الشريعة في عصر حاخامات الهيكل الثاني بأسلوب الحفظ بدون تدوينها، ولذلك سُميت «توراة شفهية». ويمكن أن نجد أدلة عديدة في مصادر الحكماء تفيد بأن تلاميذ الحكماء عرفوا المشناه شفهياً. وعلى ما يبدو فإن المشناه لم يتم تعلمها كتابتاً إلا مع بداية فترة الجاؤونيم عندما كثرت الشرائع وبدأت كتابة كتب التلمود المختلفة. وهناك آراء في التراث تربط كتابة المشناه بمعاناة تدمير الهيكل والشتات، لكن ليس لهذا القول إي سند في المصادر الدينية. وهناك باحثين يزعمون أن المشناه بالفعل لم يتم تعلمها كتابة في المعبد، لكن الطلاب اعتادوا أن يدونوا لأنفسهم قوائم في المنزل للاستذكار الذاتي. ويمكن أن نجد سنداً على ذلك من القصص المختلفة في التلمود التي تتحدث عن «مخطوطات خفية» كُتبت في أيام التنائيم وعُثر عليها في فترة متأخرة جداً.

يقول الرابي يوحنان في التلمود إن:«مجرد متنيتين (مشنا)الرابي مائير، مجرد توسفتا رابي نحميا، مجرد سفرا رابي يهودا، مجرد سفري رابي شمعون، وذلك بحسب أقوال عقيفا.» (التلمود البابلي، مسيخت سنهدرين صفحة 86، عمود 1) يقصد ببساطة أن كل واحدة من تلك المؤلفات كُتبت وفق شريعة نفس التنائي، وأن مرور هذه الشريعة بالتراث كان بواسطة بيت مدراش نفس التنائي.

في أيام ما بعد تنظيم المشنا، تحولت المشناه إلى مخطوطات شرعية مسيطرة، وغيرت شكل عالم تعليم الشريعة. ومن المألوف وصف القائمين بالنقل بلقب حكماء العصر، وحتى أيام المشناه كان يطلق على الحكماء تنائيم، وبعد ختم المشناه أُطلق على هؤلاء الحكماء أموريم. وتعلم الاموريم في بابل وفي إسرائيل الشريعة بالتوافق مع المشناه وحظروا إلى أنفسهم الاختلاف مع أقوال التنائيم. وبعد عصور أخرى من تعلم الشريعة، تبلورت التقاليد التفسيرية والشرائعية تجاه المشناه في مؤلف منفصل-التلمود. سواء في التلمود البابلي أو في التلمود اليروشلمي، وتعتبر المشناه هي الأساس لكل شيء، وتستند عليها المناقشات المختلفة. مع ذلك، فإن كتب التلمود تتناول في الأساس أجزاء من المشناه المرتبطة بالشريعة، وبناء على ذلك نجد أن جزء من فصول النقاش التلمودي يُعد جزئي، أو غير موجود في الأساس. بالإضافة إلى دورها التشريعي، فإن المشناه تُستخدم اليوم في الأبحاث كمصدر للمعلومة تجاه أساليب الحياة وتجاه لغة العصر التي كتبت به.

معظم المخطوطات اليدوية الخاصة بالمشناه تعود إلى القرن الثالث عشر ولاحقاً، وهناك عدد من المخطوطات اليدوية القديمة موجودة اليوم. أقدمها وأهمها هي مخطوطات وادي القمران، الذي يُقدر زمن كتابتها ما بين القرنين الحادي عشر والثاني عشر للميلاد، وهي مخطوطة يدوية تتضمن كل صيغة المشناه باستثناء صفحة واحدة، وبإضافة تشكيل يبدو أنه تمت إضافته في وقت لاحق. وهذه المخطوطة موجودة حالياً في المكتبة الأكاديمية للعلوم في «بودابست». وهناك مخطوطة أخرى هي مخطوطة برما اليدوية، التي تحتوي على كل صيغة المشنا، والتي كُتبت أيضاً على مايبدو في القرن الحادي عشر في إيطاليا. الجزء الأول من المخطوطة مشكلة تشكيلاً كاملاً، والباقي بتشكيل جزئي. وحتى في هذه المخطوطة اليدوية أيضا يُعتقد أن التشكيل أُضيف إليها في وقت متأخر. وهناك مخطوطة أحدث هي مخطوطة كامبردج لو (Lowe)التي تعود لعام 1350 ميلادياً تقريباً. وهناك أيضا مخطوطات يدوية أقدم ولكنها جزئية، هي المخطوطات اليدوية التي تم العثور عليها في جنيزا القاهرية، والتي يعود جزء منها إلى أيام الجاؤونيم.

كُتب للمشنا العديد من التفسيرات، وهذه التفسيرات تعتبر أقل مما كُتب للتلمود البابلي. وإحدى الأسباب المحتملة لذلك هي أن فهم المشناه أبسط نسبياً، وهي مكتوبة بعبرية أرض إسرائيلية. والسبب المحتمل الثاني هو أن التلمود البابلي أصبح هو المادة الأساسية التي يتم تعلمها، والأساس المباشر لكتب الشُراح (مثل الرابي اسحاق الفاسي والرابي موسى بن ميمون وطلاب الحاخامات) ولذلك كُتبت الغالبية العظمى من التفسيرات عنها.

مخطوطة من مسيخة أفوس وتعتبر من أهم مخطوطات المشناه.
اثنان من اليهود القدامى يقرؤون المشناه في بيت كنيست عام 1924.