مسند أحمد

مسند أحمد المعروف بـ المسند، هو أحد أشهر كتب الحديث النبوي وأوسعها، والتي تحتلّ مكانة متقدمة عند أهل السنّة؛ حيث تعتبر من أمهات مصادر الحديث عندهم، وهو أشهر المسانيد، جعله المحدِّثون في الدرجة الثالثة بعد الصحيحين والسنن الأربعة.[6] يُنسب للإمام أبي عبد الله أحمد بن محمد بن حنبل الشيباني الذهلي (164 هـ - 241 هـ / 780 - 855م[ْ 1] يحتوي حسب تقديرات المحدثين على ما يقارب 40 ألف حديث نبوي، منها حوالي 10 آلاف مكررة،[7] مُرتَّبة على أسماء الصحابة الذين يروون الأحاديث، حيث رتبه فجعل مرويات كل صحابي في موضع واحد، وعدد الصحابة الذين لهم مسانيد 904 صحابي، وقسَّم الكتاب إلى ثمانية عشر مسندًا، أولها مسند العشرة المُبشرين بالجنة وآخرها مُسند النساء، وفيه الكثير من الأحاديث الصحيحة التي لا توجد في الصحيحين.[8]

كان ابن حنبل يكره التصنيف لأنه يرى أنه لا ينبغي أن ينشغل المسلم بكتاب غير القرآن والسنة، ولكنه آثر أن يكتب الحديث، فانتقى ابن حنبل أحاديث المسند مما سمعه من شيوخه، ليكون للناس حجة ليرجعوا إليه، حيث قال عن مسنده في المقدمة: «عملت هذا الكتاب إماما، إذا اختلفت الناس في سنة رسول الله رجع إليه.»،[9] وقد اختلف العلماء في صحة أحاديث المسند، فمنهم من جزم بأن جميع ما فيه حجة كأبي موسى المديني، ومنهم من ذكر أن فيه الصحيح والضعيف والموضوع كابن الجوزي والحافظ العراقي وابن كثير، ومنهم من ذكر أن فيه الصحيح والضعيف الذي يقرب من الحسن، وليس فيه موضوع مثل ابن تيمية والذهبي وابن حجر العسقلاني وجلال الدين السيوطي، وقد زاد فيه ابنه عبد الله بن أحمد بن حنبل زيادات ليست من رواية أبيه، وتعرف بزوائد عبد الله، وزاد فيه أيضًا أبو بكر القطيعي الذي رواه عن عبد الله عن أبيه زيادات عن غير عبد الله وأبيه.[6]

انتهى ابن حنبل من تأليف المسند سنة 227 هـ أو 228 هـ تقريبًا، حيث ذكر الذهبي في سير أعلام النبلاء أن عبد الله بن أحمد بن حنبل سمع المسند من أبيه في هاتين السنتين. استجمع أحمد مادة مطوَّلة من مشايخه ضمن إقامته في بغداد، ورحلاته إلى بلاد الشام واليمن والحجاز، حتى جمع أكثر من سبعمائة ألف حديث كما أخبر، ويشمل ذلك المرفوع والموقوف والمقطوع وغيره. كان أحمد يجمع المسند فيكتبه في أوراق مفردة ومفرَّقة في أجزاء منفردة، على نحو ما تكون المسودة، وقبل وفاته بادر بإسماعه لأولاده وأهل بيته، ومات قبل تنقيحه وتهذيبه فبقي على حاله، ثم إنَّ ابنه عبد الله أَلْحق به ما يُشاكله، وضمَّ إليه من مسموعاته ما يشابهه، فسمع القطيعي من كتبه النسخة الموجودة حاليًا، وبقي كثير من الأحاديث في الأوراق والأجزاء لم يُظفر بها.[9]

أبو عبد الله أحمد بن محمد بن حنبل الشيباني الذهلي المشهور بـابن حنبل (164 هـ - 241 هـ) إمام أهل الحديث في زمانه، ورابع الأئمة الأربعة عند أهل السنة والجماعة، وصاحب المذهب الحنبلي في الفقه الإسلامي.[10] اشتُهر بعلمه الغزير وحفظه القوي، وكان معروفاً بالأخلاق الحسنة كالصبر والتواضع، وقد أثنى عليه كثير من العلماء منهم محمد بن إدريس الشافعي بقوله: «خرجتُ من بغداد وما خلَّفتُ بها أحداً أورع ولا أتقى ولا أفقه من أحمد بن حنبل».[11]

وُلد أحمد بن حنبل سنة 164 هـ في بغداد ونشأ فيها يتيماً، وفي سنة 179 هـ بدأ ابن حنبل يتَّجه إلى الحديث النبوي، فبدأ يطلبه في بغداد عند شيخه هُشَيم بن بشير الواسطي حتى توفي سنة 183 هـ، فظل في بغداد يطلب الحديث حتى سنة 186هـ، ثم بدأ برحلاته في طلب الحديث، فرحل إلى العراق والحجاز وتهامة واليمن، وأخذ عن كثير من العلماء والمحدثين، وعندما بلغ أربعين عاماً في سنة 204 هـ جلس للتحديث والإفتاء في بغداد، وكان الناس يجتمعون على درسه حتى يبلغ عددهم قرابة خمسة آلاف.[12][13]

اشتُهر ابن حنبل بصبره على المحنة التي وقعت به والتي عُرفت باسم فتنة خلق القرآن، وهي فتنة وقعت في العصر العباسي في عهد الخليفة المأمون، ثم المعتصم بالله والواثق من بعده، إذ اعتقد هؤلاء الخلفاء أن القرآن مخلوق محدَث، وهو رأي المعتزلة، ولكن ابن حنبل وغيره من العلماء خالفوا ذلك، فحُبس ابن حنبل وعُذب، ثم أُخرج من السجن وعاد إلى التحديث والتدريس، وفي عهد الواثق مُنع من الاجتماع بالناس، فلما تولى المتوكل الحكمَ أنهى تلك الفتنة إنهاءً كاملاً. وفي شهر ربيع الأول سنة 241 هـ، مرض أحمد بن حنبل ثم مات، وكان عمره سبعاً وسبعين سنة.[14][15]

الكتاب المسند في علم مصطلح الحديث هو الكتاب الذي يروي مؤلفه أحاديث كل صحابي على حدة،[16] وهو مأخوذ من السند، وهو ما ارتفع وعلا عن سفح الجبل؛ لأن المُسْنِد يرفعه إلى قائله، ويقال: فلان سَنَد، أي: اعتمد، وتُسمى الإخبار عن طريق المتن: مسندًا؛ لاعتماد النقاد في الصحة والضعف عليه،[17] قال الخطيب البغدادي: «ومنهم من يختار تخريجها على المسند، وضم أحاديث كل واحد من الصحابة بعضها إلى بعض»،[18] وقال الزركشي: «ومنهم من جمع حديث كل صحابي وحده، ثم رتبهم على حروف المعجم، ومنهم من رتب على سوابق الصحابة، فبدأ بالعشرة المبشرين ثم بأهل بدر ثم بأهل الحديبية ثم من أسلم وهاجر بين الحديبية وفتح مكة وختم بأصاغر الصحابة ثم النساء.»،[17] أما المُعجم فهو الكتاب الذي يُورِدُ ترتيب أسماء الرواة من الصَّحابة على حروف المعجم، ولكن المسند لا يشترط أن يكون مُرتبًا على حروف المعجم بل عادةً ما يكون حسب سبق الصحابة وفضلهم، أو حسب نهج المصنِّف الذي ينتهجه في مسنده.[19]

جعل المحدثون المسانيد في الدرجة الثالثة بعد الصحيحين والسنن،[18] يقول الخطيب البغدادي:[20] «وَمِمَّا يَتْلُو الصَّحِيحَيْنِ سُنَنُ أَبِي دَاوُدَ السِّجِسْتَانِيِّ وَأَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ النَّسَوِيِّ وَأَبِي عِيسَى التِّرْمِذِيِّ وَكِتَابُ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ بْنِ خُزَيْمَةَ النَّيْسَابُورِيِّ الَّذِي شَرَطَ فِيهِ عَلَى نَفْسِهِ إِخْرَاجَ مَا اتَّصَلَ سَنَدُهُ بِنَقْلِ الْعَدْلِ عَنِ الْعَدْلِ إِلَى النَّبِيِّ ، ثُمَّ كُتُبُ الْمَسَانِيدِ الْكِبَارِ مِثْلُ مُسْنَدِ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ حَنْبَلٍ»، وذلك لأنها عادة لا يتم فيها جمع كل مرويات الصحابي دون النظر إلى الصحة من عدمها، يقول ابن الصلاح:[21] «عادتهم فيها - يعني أصحاب المسانيد - أن يخرجوا في مسند كل صحابي ما رووه من حديثه، غير متقيدين بأن يكون حديثًا محتجًّا به، فلهذا تأخرت مرتبتها - وإن جَلّت لجلالة مؤلفها - عن مرتبة الكتب الخمسة،(1) وما التحق بها من الكتب المصنفة على الأبواب»، لكن هناك من المصنفين من خالف الأصل في ذلك، بمعنى أنه انتقى مروياته في المسانيد، أو اقتصر على الصحيح - بناء على شرطه - يقول ابن حجر العسقلاني: «بعض من صنف على المسانيد انتقى أحاديث كل صحابي فأخرج أصح ما وجد من حديثه»،[22] وبالرغم من ذلك، فإن انتقاء الحديث لكونه أصح من غيره، أو أصح ما في الباب، لا يلزم منه أن يكون صحيحًا في ذاته، فالضعيف أصح من الموضوع، لذلك فإن في المسانيد أحاديث صحيحة وأخرى ضعيفة على تفاوت في درجات الصنفين، وإنه وإن قُدمت المسانيد المنتقاة عما سواها من المسانيد، فإن الاحتجاج بالحديث منها يبقى خاضعًا لمدى توافر شروط الاحتجاج، وفق ما يُبينه المحققون من الحفاظ والمحدثين.[23] قال عبد الرحيم العراقي في ألفيته:[24]


بدأت عناية أهل العلم بتأليف المسانيد في أوائل عصر تدوين الحديث، وذلك في أواخر القرن الثاني الهجري ومطلع القرن الثالث الهجري، يقول ابن حجر العسقلاني: «رأى بعض الأئمة أن يفرد حديث النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - خاصة، وذلك على رأس المائتين، فصنف عُبيد الله بن موسى العَبْسي الكوفي مسندًا، وصنف مُسَدَّد بن مُسَرْهَد البصري مسندًا».[25]

صح نسبة المسند لأحمد بن حنبل من عدة طرق، منها كلام أحمد بن حنبل نفسه وكلام تلاميذه، فعن حنبل بن إسحاق قال:[26] «جمعنا عمي - يعني أحمد بن حنبل - أنا وصالح وعبد الله، وقرأ علينا المسند، وما سمعه منه - يعني من أحمد بن حنبل - غيرنا، وقال لنا: إن هذا الكتاب قد جمعته وأتقنته من أكثر من سبعمائة وخمسين ألفًا، فما اختلف المسلمون فيه من حديث رسول الله فارجعوا إليه، فإن كان فيه إلا فليس بحجة»، أسنده أبو موسى المديني في خصائص المسند، وابن الجوزي في مناقب الإمام أحمد من طريقين عن حنبل، وجزم به الذهبي في سير أعلام النبلاء. وقال أبو بكر بن يعقوب المُطّوّعي: «اختلف إلى أبي عبد الله أحمد بن حنبل اثنتي عشرة سنة وهو يقرأ المسند على أولاده»، وغير ذلك من الروايات المروية عن ابن حنبل من طريق ابنه عبد الله وغيره من المُحدثين.[27]

بالإضافة إلى ذلك لم يختلف العلماء والمُحدثين في نسبة المسند إلى ابن حنبل، ونقل المُحدثون والمُفسّرون والفقهاء منه في كتبهم بالعزو إليه، مثل ابن عساكر، وضياء الدين المقدسي في كتابه الأحاديث المختارة، ومجد الدين بن تيمية في كتابه المنتقى من أخبار المصطفى، وكذلك أكثر من الاقتباس منه كلٌ من ابن تيمية وابن قيم الجوزية وابن كثير الدمشقي والنووي وجمال الدين الزيلعي وجلال الدين السيوطي وابن حجر العسقلاني ونور الدين الهيثمي وغيرهم.[27]

كان ابن حنبل يكره التصنيف لأنه يرى أنه لا ينبغي أن ينشغل المسلم بكتاب غير القرآن والسنة، قال ابن الجوزي: «وكان ينهى الناس عن كتابة كلامه، فنظر الله إلى حسن قصده فنقلت ألفاظه وحفظت، فقلَّ أن تقع مسألة إلا وله فيها نص من الفروع والأصول، وربما عدمت في تلك المسألة نصوص الفقهاء الذين صنَّفوا وجمعوا»،[28] وقال ابن قيم الجوزية: «وكان أحمد شديد الكراهة لتصنيف الكتب، وكان يُحِبُّ تجريد الحديث ويكره أن يُكتَب كلامه، ويشتدُّ عليه جدًا»،[29] ولكنه آثر أن يكتب الحديث لأنه من السنة وليس من كلامه.[9]

اختلف المؤرخون في زمن بدأ ابن حنبل بتأليف المُسند، فذكر بعضهم أنه ابتدأ جمعه عندما بدأ طلب الحديث في السادسة عشر من عمره سنة 180 هـ،[9] ورأى أبو موسى المديني أنه بدأ تصنيف المسند لمَّا رجع من عند عبد الرزاق الصنعاني من اليمن سنة 200 هـ حين كان في السادسة والثلاثين من عمره، ويُرجح أنه قام بتصنيفه بعد عام 220 هـ بعد محنة خلق القرآن، لأن ابن حنبل لم يُحدِّث في مسنده عن مَن وقع في المحنة، فمثلًا اختار أحاديث علي بن المديني قبل المحنة ولم يُحدِّث عنه بشيء بعدما وقع في المحنة، مما يدل على أن تأليف المسند كان بعد انتهاء محنة خلق القرآن.[30] وانتهى ابن حنبل من تأليف المسند سنة 227 هـ أو 228 هـ تقريبًا، حيث ذكر الذهبي في سير أعلام النبلاء أن عبد الله بن أحمد بن حنبل سمع المسند من أبيه في هاتين السنتين.[31]

استجمع أحمد مادة مطوَّلة من مشايخه ضمن إقامته في بغداد، ورحلاته إلى بلاد الشام واليمن والحجاز، حتى جمع أكثر من سبعمائة ألف حديث كما أخبر، ويشمل ذلك المرفوع والموقوف والمقطوع وغيره.[32]

جمع أحمد المسند فكتبه في أوراق مفردة ومفرَّقة في أجزاء منفردة، على نحو ما تكون المسودة، وقبل وفاته بادر بإسماعه لأولاده وأهل بيته، ومات قبل تنقيحه وتهذيبه فبقي على حاله، ثم إنَّ ابنه عبد الله أَلْحق به ما يُشاكله، وضمَّ إليه من مسموعاته ما يشابهه، فسمع القطيعي من كتبه النسخة الموجودة حاليًا، وبقي كثير من الأحاديث في الأوراق والأجزاء لم يظفر بها.[29] قال حنبل بن إسحاق:[26] «جمعنا عمي - يعني أحمد بن حنبل - أنا وصالح وعبد الله، وقرأ علينا المسند، وما سمعه منه يعني منه غيرنا.» مما يعني أن الإمام أحمد لم يُسمِع المسند إلا لأولاده وأهل بيته.[9]

وقد ذكر الذهبي أن أحمد كان يُملي المسند على ابنه عبد الله، وأن عبد الله هو من اعتنى بالمسند ورتبه وهذّبه، قال: «وهذا المسند لم يصنفه هو ولا رتبه ولا اعتنى بتهذيبه بل كان يرويه لولده نسخًا وأجزاءً ويأمره أن ضع هذا في مسند فلان وهذا في مسند فلان»،[33] بينما يرى أبو صهيب الكرمي أن المسند من تصنيف أحمد وكتابته، وأن عبد الله قرأ المسند على أبيه وقُرئ عليه، وأنه سمع من أبيه ملاحظات وعللًأ على بعض الأحاديث، فوجد بعض الأحاديث مما قد يجوز إدخالها في المسند، ودون ملاحظات أبيه، وزاد عليها أخرى من عنده، وظن في بعض الأحاديث جواز إيرادها على شرط أبيه، فألحقها بالمسند إما لبيان فائدة حديثية أو بيان علة أو زيادة طريق، وبعضها لم يكن على شرط أبيه.[34]

انفرد عبد الله بن أحمد بن حنبل (213 هـ - 290 هـ) برواية المسند عن أبيه، مع أنَّه سمعه مع أخيه صالح وابنِ عم أبيه حنبل بن إسحاق، ولكن صالح كان كثيراً ما يتغيَّبُ عن السماع سعياً وراءَ عياله، وحنبلَ بن إسحاق اهتمَّ بفقه ابن حنبل أكثر من اهتمامه بحديثه، والرواية الأشهر للمسند هي رواية ابنِ الحُصَيْن عن أبو علي بن المُذْهِب، عن القطيعي، عن عبد الله بن أحمد، عن أحمد بن حنبل،[35] كما جاء في أول رواية المسند قال حنبل بن عبد الله المكبِّر:[36]

وهناك روايات أخرى للمسند من طرق أخرى عن عبد الله بن أحمد ولكنها لم تصل كاملة، فقد روى المسند عن عبد الله بن أحمد كلٌ من:[37]

وسمع المسند من القطيعي كلٌ من:[37]

وروى عن ابن المذهب كلٌ من:

الزيادات هي إِضافة راوي الكتاب فيه ما ليس منه من مروياته أَو مرويات مؤلفه في كتاب آخر، مع تمييزه لها،[38] وزيادات عبد الله على المسند هي ما رواه عبد الله عن غير أبيه. وقد بلغت الأحاديث والآثار التي رواها عبد الله في المسند 229 حديثًا منها 31 أثرًا موقوفًا على الصحابة و4 آثار موقوفة على التابعين، أكثرها في مسند علي بن أبي طالب وأبي بن كعب، ولم يكن عبد الله يتحرى الأحاديث الصحيحة ولم يكن ينتقي عن الرواة الثقات بل كان أحيانًا يروي أحاديث ضعيفة، حيث كان يتبع قاعدة من أسند لك فقد أحالك.[39]

وزيادات عبد الله تنقسم إلى: أحاديث تامةً سندًا ومتنًا، وأحاديث شارك والده فيها وزاد عليها بعض الألفاظ والصحابي فيها واحد، وأحاديث أخرى من رواية غير الصحابي الذي روى له والده والمتن واحد، وطرق أخرى غير الذي روى بها والده، وتعتبر أشبه بالمستخرج على مسند والده.[40]

ذكر عدد من العلماء كابن تيمية والحافظ العراقي واللكنوي أن القطيعي زاد في المسند زيادات غير زيادات عبد الله، وقال ابن حجر العسقلاني: «فِيهِ شَيْء يسير من زيادات أبي بكر القَطِيعي الرَّاوِي عَن عبد الله»،[41] وذكر أحمد البنا الساعاتي أن له أحد عشر حديثًا زائدًا، بينما ذكر المحقق عامر حسن صبري أنه لا يوجد للقطيعي أحاديث عن غير عبد الله سوى حديث واحد، رواه في مسند أبي مسعود بن عقبة الأنصاري، كما رجح أن البنا اعتمدت على نسخة قديمة من المسند سقط منها اسم عبد الله من بعد الأحاديث فظن أنها زيادات للقطيعي.[42] بينما ذهب محمد ناصر الدين الألباني في كتابه «الذَّبُ الأحمد عن مسند أحمد» إلى نفي زيادات القطيعي بالكلية، وذكر أن كل الأحاديث التي قيل عنها أنها من زيادات القطيعي من مرويات شيوخ عبد الله بن حنبل أي أنها في الأصل من زيادات عبد الله وليس القطيعي، وأن كل مرويات القطيعي عن شيخه عبد الله بن أحمد.[43]

اشتمل المسند على الأحاديث المرفوعة وهو الغالب في الكتاب، وعلى خلاف شرط المسانيد احتوى على قليل من المرسل، وقليل من الموقوف على الصحابي، وقليل من المقطوع مثل أقوال عطاء وعكرمة، كما اشتمل على بعض الآثار المروية في التفسير مثل أقوال مالك بن أنس وأقوال أحمد بن حنبل نفسه، وتواريخ موت بعض الحُفاظ، وبعض رحلاته العلمية، وجرحه وتعديله في بعض الرواة.[44] وإيراد الأحاديث الموقوفة والمُرسلة يعتبره بعض المُحدثين زيادة في فؤائد المسند، حيث كان إيرادها لبيان الاختلافات في الإسناد إرسالًا ووصلًا ورفعًا ووقفًا، ليبين أن الأسانيد في خلاف قد يُعلّ أصل الحديث، أو يبين أصله ومعناه، أو يوضح أن الحديث المرفوع المُسند لا يؤثر فيه ذلك الخلاف.[45]

ولم يتكلم ابن حنبل في الجرح والتعديل في أغلب مسنده، لأن موضع التفصيل هو كتب العلل، فلم يكن يذكر الخلاف أو بعضه، بل اكتفى بإيراد الأحاديث، وهناك بعض التعليقات الحديثية الموجودة في المُسند والتي يُرجح العلماء أنها من إيراد ابنه عبد الله.[45]

لم يشترط الإمام أحمد الصحة في مسنده حيث قال: «قصدت في المسند الحديث المشهور، وتركت الناس تحت ستر الله تعالى، ولو أردت أن أقصد ما صح عندي لم أرو من هذا المسند إلا الشيء بعد الشيء، ولكنك يا بني تعرف طريقتي في الحديث لست أخالف ما ضعف إذا لم يكن في الباب ما يدفعه»،[46] وقال أيضا: «إذا جاء الحديث في فضائل الأعمال وثوابها تساهلنا في إسناده، وإذا جاء الحديث في الحدود والكفارات والفرائض تشددنا فيه».[47] ومن هذين القولين يظهر رأي الإمام أحمد بن حنبل في الأحاديث الضعيفة، فهو يَقبلها إذا كانت في ميدان فضائل الأعمال ولا يَقبلها في الأحكام، وإذا كان الحديث ضعيفًا ولم يكن في الباب ما يدفعه، أي: إذا لم يخالف القواعد العامة، ولم يعارض حديثا صحيحًا في الباب.[48]

يشترط ابن حنبل أن يكون يتحقق في الراوي التوثيق والعدالة، وألا يكون من الكذابين المتروكين؛(2) حتى يكون ممن يصلح للاحتجاج به، كما كان لا يروي عن من اتُهم في عقيدته، ولا عن من أجاب في محنة خلق القرآن، فلم يرو عن علي بن المديني بعدما أجاب في المحنة، وروى عنه 68 حديثًا سمعها منه قبل المحنة، فلمَّا كانت المحنة امتنع عن الرواية عنه،[49] قال أبو زرعة الرازي:[50] «كان أحمد لا يرى الكتابة عن علي بن الجعد، ولا سعيد بن سليمان، ورأيت في كتابه مضروبًا عليهما»، وقال:[51] «ولا يرى الكتابة عن أبي نصر التمار، ولا عن أبي معمر، ولا يحيى بن معين، ولا أحد ممن أجاب في المحنة.» ويقول أحمد بن حنبل: «لو حدثت عمن أجاب في المحنة، لحدثت عن اثنين: أبو معمر، وأبو كريب؛ أما أبو معمر، فلم يزل بعدما أجاب يذم نفسه على إجابته وامتحانه، ويحسن أمر من لم يجب. وأما أبو كريب، فأجري عليه ديناران، وهو محتاج، فتركهما لما علم أنه أجري عليه لذلك.»[52] كما لا يروي عن من اتُهم بالتشيّع أو من يقع في الصحابة، ويترك الرواية عن الداعي إلى مذهب الإرجاء والقدرية، أما إن كان حاله مستترًا ولم يكن داعيًا لهذه المذاهب روى عنه، قال إبراهيم الحربي:[53][54] «قيل لأحمد بن حنبل: يا أبا عبد الله، سمعت من أبي القطن القدري، قال لم أره داعية، ولو كان داعية لم أسمع عنه.»

ويرى ابن تيمية أن شرط مسند أحمد أقوي من شرط سنن أبي داود، فيقول:[55][ْ 2] «شرط أحمد في المسند أقوى من شرط أبي داود في سننه، وقد روى أبو داود عن رجال أعرض عنهم أحمد في المسند، كمن يُعرف أنه يكذب مثل محمد بن سعيد المصلوب ونحوه، ولكن قد يروي عن من يُضعَّف لسوء حفظه، فإنه يكتب حديثه ليعتضد به ويعتبر، وهذا يقتضي أن مسند أحمد أعلى شرطًا من سنن ابن ماجه، لأنها أدنى كتب السنن.»

مسند أحمد مُرتب كباقي المسانيد على أحاديث الصحابة، حيث يحتوي مسند أحمد على 18 مسندًا وهي المسانيد المُجملة، تنقسم هذه المسانيد إلى مسانيد صغار يبلغ عددها 1065 مسندًا،[56] تحتوى هذه المسانيد على 904 صحابي منهم مائة من النساء، بمن فيهم من النساء أو الذين لم ترد تسميتهم، حسب فهرس محمد ناصر الدين الألباني الذي وضعه المكتب الإسلامي في مقدمة الجزء الأول للمسند.[29]

يبدأ بمسند العشرة المبشرون بالجنة ابتداءً بالخلفاء الأربعة ثم باقي العشرة، ثم بعض متعلقات مسند العشرة مثل مسند عبد الرحمن بن أبي بكر ومسند سعد مولى أبي بكر، من أجل أبو بكر الصديق. ثم مسند آل البيت، ابتدأ بالحسن والحسين، عقيل وجعفر وعبد الله بن جعفر. ثم مسند بني هاشم، من العباس وبنيه وآخرهم عبد الله بن عباس.

ثم بدأ بذكر المُكثرين من الحديث تعقيبًا على ابن عباس، فبدأ بمسانيد العبادلة: عبد الله بن مسعود وعبد الله بن عمر بن الخطاب وعبد الله بن عمرو بن العاص. ثم مسند أبي رمثة، وعقَّب المحققون أن مكانه غريب، حيث عاد بعده لذكر مسانيد باقي المُكثرين وهم: أبو هريرة وأبو سعيد الخدري وأنس بن مالك وجابر بن عبد الله، وقدَّم أبي هريرة عليهم لأنه الأكثر رواية، ثم بدأ بذكر المسانيد حسب البلدان والمواقع التي سكنها الصحابة بعد الفتوحات، فبدأ بمسند المكيين، ذكر فيه كل من جاور مكة من الصحابة ولم يُهاجر أو يسكن بلداً غيرها، فمن سكن غيرها بعد الفتوحات عدَّه من أهل غيرها، ثم مسند المدنيين ثم الشاميين والكوفيين والبصريين، ثم مسند النساء، فبدأ بحديث عائشة بنت أبي بكر لأنها الأكثر رواية، ثم فاطمة ثم أزواج النبي وباقي النساء وتخلله مسند القبائل، ويبدو أنه خطأ في الترتيب.[57]

كما أن هناك عدة طرق لترتيب الأحاديث داخل المسند الواحد، فأحيانًا يرتبها ترتيبًا زمنيًا حسب شيوخه، فيذكر الحديث الذي سمعه من شيخه أولا، ثم يذكر بقية أحاديثه عنه، ثم يذكر أحاديث شيخ آخر،[58] وأحيانًا يرتبها حسب الرواة عن الصحابي راويًا راويًا.[59]

وقد أشكل عدد من العلماء على الترتيب عدة أمور منها: إدراج أحاديث بعض الصحابة في مسانيد غيرهم، وتكرار بعض الأحاديث سندًا ومتنًا، وتفريق أحاديث الصحابي الواحد في أكثر من موضع، وتباعد روايات الحديث الواحد عن بعضها بحيث يفصل بينها أكثر من ألف حديث أحيانا،[60] ويعود السبب في ذلك ما نقله ابن الجزري في كتابه المصعد الأحمد بقوله: «إن الإمام أحمد شرع في جمع هذا المسند، فكتبه في أوراق مفردة، وفرّقه في أجزاء مفردة على نحو ما تكون المسودّة، ثم جاء حلول المنية قبل حصول الأمنية، فبادر بإسماعه لأولاده وأهل بيته، ومات قبل تنقيحه وتهذيبه، فبقي على حاله»،[61] وقد رجح ابن عساكر أن ذلك سببه أن ابن حنبل تُوفي قبل إتمام تهذيب المسند.[60]

اختلف في عدد أحاديث مسند الإمام أحمد، وأغلب ما جاء في كتب المحدثين القدماء أنه ما بين ثلاثين ألف حديث إلى أربعين ألف حديث، منها حوالي عشرة آلاف حديث مكرر، يقول ابن عساكر: «والكتاب كبير العدد والحجم، مشهور عند أرباب العلم، تبلغ عدد أحاديثه ثلاثين ألفًا سوى المعاد، وغير ما ألْحق به ابنه عبد الله من عالي الإسناد»، ويقول أحمد شاكر:[62] «هو على اليقين أكثر من ثلاثين ألفًا، وقد لا يبلغ الأربعين ألفًا»، وقدَّرها جولد تسيهر بما يتراوح بين 28 إلى 29 ألف حديث، وكذلك قدرها المستشرق الإيطالي نالينو.[29] بينما النسخة المطبوعة تحتوى على عدد أقل من ذلك، فحسب ترقيم عادل عبد الشكور الزرقي:[29]

وقد رتب ابن عساكر المسند حسب ترتيب أسماء الصحابة فيه، فقسمه حسب الأسماء، والكنى، والأبناء، والمبهمات، وأدرجها على ما يلي:[63]

ذكر علماء الحديث في أحاديث المسند ثلاثة آراء:[6]


أخذ عددٌ من علماء الحديث بعض المآخذ على المسند، منها:

وقد رجح ابن عساكر أن ذلك سببه أن ابن حنبل تُوفي قبل إتمام تهذيب المسند.[60]

وقد عمل بعض المشتغلين بالحديث على محاولة إصلاح ترتيبه والعيوب التي تخللته، قال الذهبي:[81] «فلعل الله يقيض لهذا الديوان العظيم - مسند الإمام أحمد- من يرتبه ويهذبه، ويحذف ما كُرر فيه، ويصلح ما تصحف، ويوضح حال كثير من رجاله، وينبه على مرسله، ويوهن ما ينبغي من مناكيره، ويرتب الصحابة على المعجم، وكذلك أصحابهم على المعجم، ويرمز على رؤوس الحديث بأسماء الكتب الستة، وإن رتبه على الأبواب فحسن جميل.»

تخطيط لاسم أحمد بن حنبل صاحب المسند ومؤسس المذهب الحنبلي.
الصفحة الأولى من مخطوطة مسند الإمام أحمد المحفوظة في جامعة الملك سعود، نُسخت في القرن الثالث عشر الهجري، تبدأ من أول مسند علي بن أبي طالب بحديث: «هذا الموقف وعرفة كلها موقف».
أشهر طرق رواية مسند أحمد.
الصفحة الأخيرة من الجزء الأول لمخطوطة لمسند الإمام أحمد تعود إلى 1185 هـ - 1772 م، كُتب عليه أنه وقف لطلبة العلم.
غلاف الترجمة الأردية لمسند أحمد، طبعة المكتبة الرحمانية، باكستان.
الصفحة الأولى من نسخة المكتبة القادرية لمسند أحمد.