محمد غني حكمت

مُحمد غَني حِكمت (المُلقب بِشَيخ النَحاتين)[1] (1929-2011)، نَحات عِراقي لهُ مَجموعة نُصب وتَماثيل تُعَد مِن أبرز مَعالِم العاصِمة بَغداد. حِكمت مَعروف أيضًا كعضو مُبكر في المَجموعات الفِنية العِراقية الأولى مِن القرن العشرين، بما في ذلك مَجموعة الرواد ومَجموعة بَغداد للفن الحَديث، مَجموعَات ساعَدت على سَد الفَجوة بَين التَقاليد والفَن الحَديث. كما كان لهُ دور فَعال في استِعادة العَديد من الأعمال الفَنية العِراقية المَفقودة، والتي نُهبت بَعدَ غزو 2003.[2]

ولد مُحمد غَني حِكمت عام 1929 في حي الكاظمية ببغداد.[3] بدأ في قولبة الأشياء من الطين الذي وَجده في مُحيطه في سن الرابعة فََقط، وسرعان ما تم ملاحظة موهبته. لم يكن أحد من أفراد عائلته قد مارس فن الرسم أو النَحت، وتُعتبر أُسرته من الأُسر المُحافظة حيثُ كان يَنظر البَعض إلى فَن النَحت على أَنه من الأُمور المُحرمة في نظر الشرع. استناداً إلى مقابلة مع النحات محمد غني حكمت ذكرَ فيها أنَّ قد يكون هُناك أثر لِطفولته في سبب اختياره لهذه المِهنة، حيثُ كانَ يَذهب إلى نَهر دجلة وَيعمل من الطين الحر أَشكالاً لحيوانات أو قد تكون الزخارف والمقرنصات والقباب التي كانت تزين الأضرحة في مدينة الكاظمية لها الأثر الخفي في نُزوعه إلى فن النحت.[4][4]

درس حكمت النَحت على يَد الفَنان الكَبير جواد سَليم في مَعهد الفنون الجميلة في بَغداد وَتخرّج مِنه عام 1953، ثُمَ بعث إلى روما وَحَصل على دُبلوم النَحت مِن أكاديمية الفنون الجميلة هُناك عام 1955،[5] قضى سَبع سنوات في إيطاليا، وفي عام 1957 حصلَ على دبلوم النَحت من مَعهد زاكا في روما، وَبعدها تَوجه إلى فلورنسا وَحصل فيها على شِهادة الاختصاص في صَب البرونز عام 1961.[6][7] أثناء وجوده في روما، قام بنحت الأبواب الخشبية لكنيسة تيستا دي ليبرا، ليصبح أول نَحات مُسلم ينتُج أعمالًا للكنيسة الكاثوليكية.[1]

عِند عَودته إلى بَغداد عام 1961، وجد المَدينة قَد شهدت تغيرًا جوهريًا. وكان الملك قد أطيح به وقتل في انقلاب عسكري في يوليو 1958، وتبع ذلك عِدة انقلابات بلغت ذروتها في صَعود حزب البعث عام 1968.[8] واصل حكمت العَمل، وقام بالتدريس في مَعهد الفنون الجميلة وقسم الهندسة المعمارية في جامعة بغداد.[9]

كان حِكمت نشطًا جدًا في مُجتمع الفنون العراقي، مِن خِلال مُشاركته في عدد من المَجموعات الفنية. انضم إلى مَجموعة الرُواد، أول مَجموعة فنية عراقية، شكلها الرسام العراقي فائق حسن في الثلاثينيات. جماعة بغداد للفن الحديث عام 1953 ومجموعة الزاوية عام 1967.[6] حاولت هذه المَجموعات دَمج الظواهر المحلية في أعمالها الفنية بعدة طرق. رفضت مَجموعة الرواد الجو الاصطِناعي لاستوديو الفنان وشجعت الفنانين على الانخراط في المَشهد المحلي والحياة العراقية التقليدية.[10] بَينما أرادت مجموعة بغداد للفن الحديث ربط الفن الحديث بالفن التقليدي للقرن الثالث عشر. وكانت الفلسفة الكامنة وراء المجموعات الفنية العراقية المبكرة هي الرغبة في ربط تقاليد الفن العراقي القديم بالاتجاهات الدولية بطريقة ساهمت في تكوين لغة بصرية عراقية وطنية حقيقية. تبنى حِكمت هذه الفَلسفة من خلال تضمين التفاصيل المِعمارية الآشورية والبابلية والزخرفة عربية والخط العربي في مَنحوتاته.[11] وبذلك، ساعد الفنانون، مثل حِكمت، في توليف التراث والحداثة وإعادة تأكيد الشُعور بالهوية الوطنية.[12]

بين عامي 1959 و 1961، عمل حِكمت كمُساعد لصَديقه النَحات جواد سليم في مَشروع نَصب الحُرية في ساحة التحرير ببغداد. كان دور حِكمت يَقتَضي بصب الأشكال البرونزية للنَصب التِذكاري. بعد وفاة سليم المبكرة في عام 1961، تولى حِكمت مَسؤولية استكمال المَشروع.[13] يتكون النَصب التذكاري من 14 مسبوكة من البرونز، تمثل 25 شخصية على لوح من الحجر الجيري، ترتفع 6 أمتار عن الأرض. ويقدم سردا لثورة 1958 في العِراق مع إشارات إلى التاريخ العِراقي باستخدام النقوش الآشورية والبابلية.[14] ظهر النَصب على الورقة النقدية فئة 10.000 دينار للعام 2013-2015.[15]

مُنذُ عام 1969 عندما تمت الإطاحة بالنظام الملكي وتحول العراق إلى جمهورية، نفذ حِكمت عددًا من المَعالم العامة البارِزة التي تنتشر الآن في جَميع أنحاء العاصِمة بَغداد. استلهمت العَديد من الَمنحوتات المُبكرة لحِكمت من الفولكلور العراقي، وخاصة شخصيات ألف ليلة وليلة.[16] كانت أعماله الأولى تصويرية وتضمنت تماثيل البحار، سندباد؛ شاعر العرب، المتنبي؛ الخليفة العباسي الأول، أبو جعفر المنصور؛ حمورابي؛ وجلجامش.[17] مع نُضجه، أصبحت أعماله مًجَرَدة بشكل متزايد، لكنه لم يغفل أبدًا عن الحاجة إلى الرجوع إلى تقاليد الفن العراقي القديم من خلال استخدام الخط العربي والزخرفة العربية والميزات المِعمارية السومرية.[18]

خلال الثمانينيات، أنجز إحدى بوابات مُنظمة اليونيسيف في باريس، فضلاً عن إنجازه جدارية الثَورة العَربية الكُبرى في عَمان وَأعمال مختلفة وَمتنوعة لَه في البحرين تَتضمن خمسة أبواب لِمسجد قديم وَتماثيل كبيرة وَنوافير.[19]

أثناء حرب 2003، وإسقاط حِكومة البَعث، غادر حِكمت بَغداد متوجهاً إلى عمان في الأردن، حيث واصل العمل.[20] بعد عدة سنوات، بعد عودته إلى بغداد، وَجَدَ مُتحف بَغداد للفن الحديث في حالة خراب. وتم نهب حوالي 8500 لوحة ومنحوتة. بالإضافة إلى ذلك، تمت سرقة حوالي 150 عملاً فنيًا من الاستوديو الخاص بحِكمت.[21] وتعرضت المَعالم العامة مثل الملكة شهرزاد، الواقعة على ضفاف نهر دجلة، للتخريب الشديد. وأصرت قوات الاحتلال على العودة الطوعية للأعمال الفنية المَسروقة، الأمر الذي أدى إلى إعادة القليل من الأعمال الفنية. اشترت عَدد قليل من المَعارض المُستقلة الأعمال الفنية بهدف إعادتها بُمجرد إنشاء مُتحف وطني مناسب، لكن التقدم في استعادة الأصول الثقافية كان بطيئًا.[22]

في حوالي عام 2007، أنشأ حِكمت لجنة، ضم أعضاؤها العَديد من الفنانين العراقيين المُحترمين، بهدف استعادة الأعمال الفنية المَسروقة.[23] لم يترأس حِكمت اللجنة فَحسب، بل قام بتمويلها شخصيًا أيضًا. استخدم شبكة اتصالاته لتأمين تمويل إضافي وناشد المُواطنين العاديين لإعادة الأعمال الفنية التي كانت مَحفوظة في مجموعات خاصة. بحلول عام 2010، تمت إعادة حوالي 1500 عمل من أهم الأعمال، وكانت لجنة حِكمت مسؤولة بشكل مباشر عن استعادة 150 من الأعمال الأكثر أهمية. بالإضافة إلى ذلك، تمت إعادة تمثال «الأمومة» للنَحات الكبير جواد سليم، الذي سرق من استوديو حِكمت الخاص.[22]

غالبًا ما يتذكر حِكمت في المقابلات الإعلامية كيف شَعر بالتواضع لكرم أفراد الجمهور، الذين اقتربوا منه في شوارع بغداد، راغبين في إعادة الأعمال الفنية التي كانوا في حوزتهم لحِفظها. في إحدى الحالات، عرض شَخص غريب إعادة اثنتين من منحوتات غني الخاصة التي تم شراؤها من السوق السوداء، على أمل إعادتها في يوم من الأيام إلى المتحف.[20]

في عام 2010، كلف أمين بغداد حِكمت باستكمال سلسلة من المعالم الأثرية للمدينة. بدأ الفنان العمل على أربع مَنحوتات جَديدة ستقام في مواقع مختلفة حول بَغداد. ومع ذلك، سيكون هذا هو مَشروعه الأخير، لأن النحات مات قبل اكتماله. أشرف نجل حِكمت على إنجاز المشروع.[24] كانَت هَذه الأعمال الجديدة: "نَصب أشعار بغداد" نافورة تحتوي على خَط برونزي لقصيدة لمصطفى جمال الدين. "نَـصِـب إنـقـاذ الـثَـقـافـة" ختم اسطواني سومري في يد مواطن عراقي. «الفانوس السحري»، نافورة بها مصباح من ألف ليلة وليلة، و"نصب بغداد"، نصب تذكاري للمدينة كفتاة جميلة، جالسة ترتدي الزي العَباسي التقليدي.[25]

توفيَ مُحمد غَني حِكمت في عَمان، الأردُن، حَيث كانَ يَتَلقى العِلاج، في 12 سِبتمبر 2011، عن عُمر يُناهِز 82 عامًا. زَوجته غايا الرحال، وله أبن (ياسر) وبنت (هاجر).[5] قُرب نِهاية حَياته، يُمكِن العُثور على عَمل لحكمت في كُل زاوية مِن زَوايا العاصِمة بَغَداد وما حَولها. عُرفَ مُحمد غَني حِكمت في وَطنه بـ «شَيخ النَحاتين».[1] انَتهى العَمل الأخير لمُحمد غَني حِكمت، "نَـصِـب إنـقـاذ الـثَـقـافـة"، في عام 2013 (بعد وفاة النَحات). يُذكر حِكمت اليَوم لَتفانيه في ِخدمة شَعبه وتَصويره الجَميل للحِياة العِراقية.[16][24]

الوصف: تِمثال نُحاسي لشاعِر العَرب أبو الطيّب المُتنبّي، يَستَند التِمثال على قاعِدة نُحاسية مُصَمَمة عَلى شَكل ديوان شعري.

المادة: برونز

الأبعاد: 13.5 متر (أرتفاع)

التاريخ: 1977

الموقع: شارع المتنبي، بغداد.[26]

الوصف: زَوجان مِن التَماثيل تُصَور شَخصيات من ألف ليلة وليلة. شهرزاد، الابنة الجميلة للوزير المَلكي الذي تطوعت للزواج من المَلك شهريار القاتل، الذي كان يأخذ عروسًا مُختلفة إلى الفِراش كل ليلة، ويُعدمها قبلَ الفجر التالي. ابتكرت شهرزاد خطة بارعة لدرء إعدامها. في كل ليلة كانت تحكي قصة أسرت الملك، ولا تكشف ذروة القصة حتى الفجر، مِما أدى إلى تأخير إعدامها. من خلال أفعالها، وبعد 1001 ليلة، تمكنت من تَحويل المَلك إلى روح أكثر رقة.[27] ويظهر تمثال حِكمت وهي تروي قصة للملك المتكئ.[28]

المادة: برونز

الأبعاد: 4.25 متر

التاريخ: 1971

الموقع: شارع أبو نؤاس، بغداد.[29]

الوصف: نافورة، تُصَور شَخصية من قصة علي بابا والأربعون لص، الفتاة الخادِمة، مرجانا، التي أقنعت اللصوص، الذين جاءوا لمُهاجمة سَيدها، بالاختباء في أوعية التَخزين. ثم صَبت الزيت المغلي في البرطمانات وقَتَلتهُم.[30]

المادة: برونز

الأبعاد: 3.3 متر

التاريخ: 1971

الموقع: شارع سعدون، بغداد.[31]

الوصف: عِبارة عَن عَمود أسطواني مِنَ الحَجر مَكسور وآيل إلى السُقوط يُمثل الثَقافة العِراقية، وهناك جذع مُتعدد الأيدي مُحيطة به تعبيراً عن مُحاولتها دَعمه كي لا يَسقط (كُتبت عليه رموز وكتابة بالخَط المسماري تُتَرجَم للعَرَبية: «مِن هُنا بَدأت الكِتابة».[32] تم عرض النصب على شعار Google احتَفلًا بالذِكرى ال87 لِميلاد محمد غني حِكمت في عام 2016.[33]

المادة: برونز

الأبعاد: 10 أمتار (أرتفاع)

التاريخ: تم افتتاحه عام 2013

الموقع: منطقة المنصور، بغداد.[34]

الوصف: عَمود طَويل تَجلس فَوقه امرأة ترتدي الزي العباسي. العَمود مَنقوش بحروف عربية، مأخوذ من قصيدة شهيرة للشاعر مُصطفى جَمال الدِين. يَهدف التِمثال إلى تَمجيد المَدينة وتُراثها القَديم. أبيات من القَصيدة:


المادة: برونز

الأبعاد: 13.5 متر (أرتفاع)

التاريخ: تم افتتاحه عام 2013

الموقع: ساحة الأندلس، بغداد.[35]

الوصف: عِبارة عَن نافورة ذات شَكل بَيضوي، مُكَونه مِن كَلمات وخُروف عَربية مَأخوذة من قَصيدة للشاعِر مُصطفى جَمال الدِين، تم ضَغطُها معًا لتُكَون الشَكل النِهائي. العَمل مِثال غَير عادي للنحت المُستوحى مِنَ الحَركة الحُروفية.

المادة: برونز

الأبعاد: 3 متر زائد قاعدة 2 متر (الإجمالي = 5 متر)

التاريخ: تم افتتاحه عام 2013

الموقع: بغداد، حي الكرخ، ساحة الدلال، بالقرب من مقهى البيروتي.[35]

«من المحتمل أن أكون نُسخة أخرى لروح نَحات سومري، أو بابلي، أو آشوري، أو عباسي، كان يُحب بلده»

في 20 أبريل 2016 احتَفل مُحرك البَحث جوجل بالذِكرى ال87 لِميلاد محمد غني حِكمت.[16]

مُحمد غَني حِكمت خَلال العَمل على نَحت نُصب كهرمانة، بَغداد، 1969.
تمثال المتنبي
نصب شهرزاد وشهريار
نصب كهرمانة
نصب إنقاذ الثقافة
نَصب بغداد
نصب أشعار بغداد
الفانوس السحري
بساط الريح
حمورابي
الجنية والصياد
احتِفال جوجل بذكرى ميلاد محمد حكمت