محمد بن سعد البغدادي

هو محمد بن سعد بن مَنِيع - بفتح أوّله، وكسر النون، وسكون المثناة تحت، ثم عين مهملة-[4]، لم يتجاوز جميع من ترجمه جدّه منيعاً. وأما نسبته، فالأكثر على أنه مولى لبني هاشم[5]، ومنهم تلميذاه ابن أبي الدنيا والبلاذري[6]، وفسّر هذا الولاء تلميذه الحسين بن الفهم، فقال : " هو مولى الحسين بن عبد الله بن عبيد الله بن العباس بن عبد المطلب ".[7] ولا يعني هذا أنّه هو نفسه مولى الحسين بن عبد الله، فقد يكون جدّه، وربما أبوه[8]؛ لأن هذا الفرع من البيت العبّاسي قد انقرض بموت الحسين ابن عبد الله، فقد توفّي الحسين في سنة أربعين ومائة، ولم يخلف بعده سوى ابنه عبد الله ومات ولم يعقب.[9] ويشار إليه بأنه زهري[10]، نسبة إلى زهرة بن كلاب من قريش، وهذا الاضطراب في نسبته يجعلنا في حيرة من ولائه بين بني هاشم وبني زهرة، والراجح لديّ الأول ؛ لأن من نسبه إلى ذلك هم تلامذته، وهم أعرف الناس به، ويُحتمل أنه انتسب إلى بني زهرة، ثم إلى بني هاشم أو العكس، ويكنى بأبي عبد الله[11]، وهذه الكنية لا تدل على أنه تزوج ورزق ولدا سماه عبد الله، لا سيما أنه لا يوجد ما يشير إلى أسرته وعائلته في جميع المصادر التي ترجمت له، ويُعرف ابن سـعد بكاتب الواقـدي[12]، وصاحب الواقدي[13]، والأول أكثر استعمالاً، وقد يكتفي بعضهم بلفظ (الكاتب)[14]، وانفرد السمعاني بقوله : " ويعرف بغلام الواقدي "[15]، ولُقّب بذلك نظراً لملازمته لشيخه محمد بن عمر الواقدي.

ولد محمد بن سعد بالبصرة[16]، ولم يوجد من نص على تاريخ ولادته من المتقدمين، أما الذهبي فقال:" وُلد بعد الستين ومائة، فقيل مولده سنة ثمان وستّين"[17]، وهذا استنتاج من الذهبي فهمه من تاريخ وفاة ابن سعد- فقد ذكروا أنه توفي سنة ثلاثين ومائتين، ومن المدة التي عاشها، حيث نص تلميذه الحسين بن الفهم على أنه مات عن اثنتين وستين سنة.[18]

ولم يوجد شئ في مصادر ترجمته مما يتعلق بنشأته وأسرته، وكيف كانت بدايته لطلب العلم، والذي يظهر أن والده لم يكن من أصحاب الجاه، ولا من أرباب الرواية، إذ لو كان كذلك لعرّف به ابنه، فقد خصّص جزءاً كبيراً من كتاب الطبقات للتعريف بالعلماء من محدثين وفقهـاء، ولو كان من أصحـاب الجاه والنفـوذ لكان له ذكر في كتب التراجم.[19] ومن خلال أسانيد ابن سعد ومصادره في كتاب الطبقات يتبين أنه تحمل عن بعض الشيوخ البصريين من أهل بلده في نشأته الأولى بالبصرة، ومن أقدم هؤلاء وفاة: عبد الله بن بكر السهمي (ت188هـ)، ثم إسماعيل بن علية (ت193)، مما يدل على تبكيـره في طلب العـلم، ولذا قال الذهبي في السير: "طلب العلم في صباه ولحق الكبار ". وكان من أبرز شيوخه البصريين أيضاً: عارم بن الفضل، وعفّان بن مسلم وأبو الوليد الطيالسي. ثم انتقل ابن سعد إلى بغداد عاصمة الخلافة العباسية، أكبر المراكز العلمية آنذاك، ومحط أنظار العلماء، ونقطة التقائهم من مختلف أنحاء البلاد الإسـلامية، فسمـع بها عن جمع من المحدثين من المقيمين بها أو الواردين عليها.[20] وبها اتصل بشيخه الواقدي، ولزمه ملازمة شديدة وكتب عنه، حتى عُرف به، ونُسب إليه. وكانت بغداد في هذه الفترة تزخر بجملة من خيرة العلماء، وفحولهم، أمثال: هشيم بن بشير (ت183 هـ)، وإسماعيل بن علية (ت193 هـ)، وهما من شيوخه، ومن الفقهاء: القاضي أبو يوسف (ت182هـ)، ومن النحويين: سيبويه (ت183هـ)، ومن القراء: يعقوب بن إسحاق الحضرمي (ت205هـ)ومن أصحاب السيرة والمغازي:عبد الملك بن هشام(ت208 هـ) ومن النسابين مصعب بن عبد الله الزبيري (ت233 هـ)، وغيرهم كثير.

تنقل ابن سعد في طلب العلم بين أشهر المراكز العلمية في عصره، فمن البصرة حيث كانت نشأته الأولى، إلى بغداد التي أخذت من عمره الوقت الكثير، يدل على ذلك ملازمته لشيخه الواقدي الذي قدم بغداد سنة ثمانين ومائة، واستقر بها حتى وافاه الأجل[21]، ورحل ابن سعد أيضاً إلى المدينة المنورة، وومكة المكرمة، والكوفة[22]، ولم تكشف مصادر ترجمته عن الترتيب الزمني لهذه الرحلات، ولا عن تاريخ كل منها، إلا ما ذكره ابن سعد في الطبقات في ترجمة أبي علقمة عبد الله بن محمد الفروي، حيث قال:"وكان قد لقي نافعاً وسعيد بن أبي سعيد المقبري ...، ولكنه عُمّر حتّى لقيناه سنـة تسع وثمانين ومائة بالمدينـة المنورة "[23]، وكانت وفاة الفروي سنة (190هـ).[24] ومن شيوخه المدنيين معن بن عيسى القزاز ( ت198هـ )، وأنس بن عياض الليثي ( ت200هـ )، ومحمد بن أبي فديك ( ت 199هـ )، وأبي بكر بن أبي أويس الأصبحي ( ت202 هـ)، وغيرهم. فدخوله المدينة المنورة كان قبل سنة مائتين، مع احتمال تردّده عليها، وهذا يدل على تبكير ابن سعد في الرحلة لطلب العلم، مقتدياً في ذلك بسلفه من الأئمة الحفّاظ. ورحل إلى مكة أيضاً، وبها سمع من سفيان بن عيينة (ت198هـ)، ولم يكثر عنه، ومؤمل بن إسماعيل (ت206هـ)، وغيرهما من الأئمة الحفاظ من أهل مكة المكرمة، أو ممّن قدمها لأداء المناسك، حيث كانوا يعقدون فيها مجالس الحديث. ويظهر أنه تكرر قدومه إلى مكة، فسمع ممن ماتوا بعد سفيان ابن عيينة، كسعيد بن منصور (ت227هـ)، وعبد الله بن مسلمة القعنبي (ت221هـ)، وغيرهما. وقد صرح ابن سعد في الطبقات[25] أنه كان بمكة المكرمة، وسأل أحد العارفين بأخبارها– وهو أبو بكر بن محمد بن أبي مرة المكي– عن منزل عمر بن الخطاب الذي كان في الجاهلية، فذكره له. وأما الكوفة فقد صرح[26] بأنه كان فيها مع شيخه عبد الله بن إدريس الأودي الكوفي ( ت192هـ)- وكان يمشي معه في حاجة لـه- فدله على دار الحكم بن عتيبة.[27] ويشـكل علماء الكوفة قسـماً كبيراً من ثقافتـه، ومن أقدم شيوخه الكوفيـين الذين أخذ عنهم ولم يذكروا لـه قدوماً إلى بغداد حميد بن عبد الرحمن الرُؤاسي (ت189هـ).[28] وسمع بالكوفة ممّن كان فيها من كبار المحدّثين – بالإضافة إلى عبد الله ابن إدريس - مثل: عبيد الله بن موسى العبسي (ت213هـ)، وعبد الله بن نمير (ت 199هـ)، وغيرهما. على أن هناك طائفة من مشايخه الكوفيين ممن قدموا بغداد وحدثوا بها، أو نزلوها، لا يمكن لنا الجزم بأن ابن سعد سمع منهم بالكوفة أو ببغداد من أمثال : أبي معاوية الضرير محمد بن خازم ( ت195هـ)، ووكيع بن الجرّاح (ت197هـ)، وأبي نعيم الفضل بن دُكين (ت219هـ)، ومحمد بن فضيل بن غزوان (ت195هـ)، وغيرهم. وغيرهم. وقد عدّه الحافظ ابن عساكر في تاريخه الحافل[29] ممن دخل دمشق وسمع بها من سليمان بن عبد الرحمن، وإسماعيل بن عبد الله السّكري، وزيد بن يحيى بن عبيد، وعمر بن سعيد الدمشقي، والوليد بن مسلم. ولم أر أحداً سبقه إلى ذلك، فلعل سماع ابن سعد لبعض من كان ببلاد الشام ممن تقدمت أسماؤهم، وغيرهم، إنما كان ببغداد، لكثرة من يرد عليها من العلماء والمحدثين في ذلك العصر، أو في مواسم الحج، إذ يجتمع فيه المسلمون من كل مكان، وفيهم العلماء من محدثين وفقهاء ومفسرين وغيرهم. وبعد هذا العرض الموجز لرحلات ابن سعد، فإن الأمر يحتاج إلى مزيد بحث وتتبع، ليعرف الباحث تاريخ دخوله لهذه المدن ومدى إقامته فيها، وذلك بمعرفة وفيات شيوخه في البلدان التي زارها، مع النظر في إكثاره وإقلاله عنهم. وعلى كلٍ فإن الأمصار التي دخلها ابن سعد، وتلقّف العلم من أهلها كانت تشكل في عصره أقوى مراكز النشاط العلمي، وأزهى العصور الإسلامية، لما ظهر فيها من فطاحل العلماء في مختلف التخصصات العلمية المتنوعة مثل علم الحديث، والتراجم، والجرح والتعديل، والعلل، والسير والمغازي، وغيرها من العلوم الأخرى : كالفقه والتفسير واللغة، ونحوها. وقد أفاد ابن سعد من هذه العلوم، وكتابة "الطبقات الكبرى " خير شاهد على ذلك.

سمع ابن سعد من شيوخ كثر، وروى عن طوائف من المحدّثين يطول ذكرهم، وقد بلغ عدد من صُرّح باسمه في مصادر ترجمته واحداً وثلاثين شيخاً[30]، وعند بعضهم ما ليس عند الآخر. وقد أحصى د. عز الدين عمر موسى في كتابه " ابن سعد وطبقاته " شيوخه فبلغوا تسعة.[31] كما قام الدكتور زياد منصور بجرد أسماء شيوخ ابن سعد في القسم المتمم لتابعي أهل المدينة المنورة، فبلغوا عنده تسعة وأربعين شيخاً[32]، منهم خمسة عشر راوياً مصرّحًا بأسمائهم في مصادر ترجمة ابن سعد، وثلاثة غير موجودين في إحصاء عز الدين عمر موسى. وأحصى د. محمد بن صامل السُّلمى شيوخه في الطبقة الخامسة من الصحابة[33]، فبلغوا تسعة وتسعين شيخاً، منهم ثلاثة عشر غير واردين في الإحصاء المذكور أعلاه، كما نص هو على ذلك. كما قام د. عبد العزيز بن عبد الله السلومي بإحصاء شيوخه في الطبقة الرابعة من الصحابة، ممن أسلم عند فتح مكة، وما بعد ذلك[34]، فبلغوا عنده أربعة وسبعين شيخاً. وأما شيوخ ابن سعد الواردون في قسم مضامين أخبار النبي- ويمثل المجلد الأول والثاني من المطبوع - فقد قام بإحصائهم الباحث محمد باقشيش[35]، فبلغ عددهم تسعة وخمسين ومائة شيخ، منهم سبعة وثلاثون لم يشملهم الإحصاء السابق، وواحد استدركه على عز الدين عمر موسى، فيكون مجموع شيوخ ابن سعد بهذا الإحصاء - بالإضافة إلى إحصاء السابقين وعدده 259- سبعة وتسعين ومائتي شيخ (297). ولم يتسن للباحث محمد باقشيش الاطلاع على الطبقة الرابعة من الصحابة، والتي حققها د. عبد العزيز السّلومي، حتى يجزم بالعدد الذي ذكره، فقمت بمقابلة ما استدركه على الرواة الذين عدهم الأستاذ السلومي في الطبقة الرابعة من الصحابة، فلم أجد عنده راويا واحداً ممّن استدركهم عليه محمد باقشيش، فيكون في عده هذا أقرب ما يكون إلى الصواب في تحديد عدد شيوخ ابن سعد. ومع هذا فإن حصر شيوخ ابن سعد، والوصول إلى تحديد دقيق لهم في كتاب الطبقات يحتاج إلى دراسة واسعة، لا سيما وأن إحصاء عز الدين عمر موسى عليه بعض الملحوظات، وقد اعتمد جلّ من أحصى شيوخ ابن سعد عليه، وبنوا عليه استدراكاتهم.

ومن خلال هذا السرد الموجز لشيوخ ابن سعد يتبين لنا أن أكثر شيوخه في هذا القسم ثقات أثبات، وفيهم طائفة من كبار الأئمة الحفاظ ممن يشار إليهم في هذا الشأن، ويعتمد قولهم في الجرح والتعديل ونقد الأخبار، كيحيى بن معين، وعلي بن المديني، وسفيان بن عيينة، وسليمان بن حرب، وحمّاد بن أسامة، وعبد الله بن نمير، وعفان بن مسلم، ووكيع بن الجراح، ويزيد بن هارون، وغيرهم، وفيهم جملة من الرواة ممن قيل فيهم صدوق، وهم أنزل مرتبة من هؤلاء، وعددهم تسعة شيوخ، وواحد ضعيف، وآخر فيه تفصيل، وشيخه الواقدي متروك مع سعة علمه.

بالرغم من كثرة شيوخ ابن سعد وسعة مروياته في كتاب الطبقات الكبرى، إلا أننا لا نجد من تلاميذه وحملة علمه إلا عدداً لا يتجاوز عدد رؤوس الأصابع، بالإضافة إلى أن ابن سعد كان من المشهورين، يظهر ذلك من خلال ورود اسمه على رأس القائمة التي أرسلها المأمون إلى والي بغداد ليستدعي جماعة من العلماء لامتحانهم في القول بخلق القرآن.[36] ولعل السبب في قلة تلاميذه يرجع إلى عدة أمور، منها:

بعض الباحثين أضاف عدداً آخر من الرواة عن ابن سعد، وهؤلاء ممن لا يصح أن يطلق عليه كلمة ( تلميذ ):

مما لا شك فيه أن ابن سعد قد حاز مكانة عليّة، وحظى بالقبول والرضا لدى أهل العلم، متقدّمين ومتأخرين، ووصفه غير واحد منهم بأنه من أهل العلم والفضل، وأحد المصنّفين المجيدين، وأحد الحفّاظ الكبار - كما سيأتي بيانه فيما يأتي -، وكتابه (الطبقات الكبرى) خير شاهد على ذلك. والذي يخصّنا بالدرجة الأولى في هذا المقام مكانته عند المحدّثين من حيث الجرح والتعديل، لما يترتب على ذلك من نتائج مهمة تتعلق بالحكم على حديثه قبولاً أو ردّاً، وإن كان من المقبول، فهل هو من قبيل الصحيح أو الحسن ؟، ونحو ذلك من المسائل، كالتدليس والاختلاط وغيرهما. ولم أجد من تكلم فيه سوى يحيى بن معين، وهو من شيوخه المباشرين له - وكلامه لا يستهان به في الجرح والتعديل ومعرفة الرّجال -، فقد روى الخطيب البغدادي بسنده عن الحسين بن الفهم قال : " كنت عند مصعب الزبيري فمرّ بنا يحيى بن معين، فقال له : مصعب : يا أبا زكريا حدّثنا محمد بن سعد الكاتب بكذا وكذا، فقال له يحيى : كذب ".[44] وهذه العبارة من يحيى بن معين كادت أن تعكر على ابن سعد مكانته الحديثية، ولا سيما أنها صدرت من إمام جبل عارف بأحوال الرّجال، غير أن العلماء لم يحملوا هذه العبارة على ظاهرها، ووجهوها توجيهات أخرى ودافعوا عن ابن سعد بما يليق بحاله. فقال الخطيب البغدادي - معقباً على تلك الحكاية - : " ومحمد بن سعد عندنا من أهل العدالة، وحديثه يدل على صدقه، فإنه يتحرى في كثير من رواياته، ولعل مصعباً الزبيري ذكر ليحيى عنه حديثاً من المناكير التي يرويها الواقدي فنسبه إلى الكذب ".[45] وقال السمعاني : " لعل الناقل عن ابن معين غلط أو وهم ؛ لأنه من أهل العدالة، وحديثه يدل على صدقه، فإنه يتحرى في كثير من رواياته".[46] وقال الذهبي : " هذه لفظة ظاهرها عائد إلى الشئ المحكي، ويحتمل أن يقصد بها ابن سعد، لكن ثبت أنه صدوق ".[47] ولعلّ ابن سعد أُوتي من قبل شيخه الواقدي، وإكثاره من الرواية عنه - ومعلوم حال الواقدي عند المحدّثين -، كما أشار إلى ذلك الخطيب في جوابه السابق، وقد أفصـح ابن الصـلاح عن ذلك بقولـه : " هو ثقة، غير أنه كثير الرواية عن الضعفاء، ومنهم الواقدي، وهو محمد ابن عمر ".[48] وقال السخاوي عند ذكره لابن سعد : " وهو في نفسه ثقة ... والمرء قد يضعف بالرواية عن الضعفاء مثل هؤلاء، لا سيما مع عدم تمييزهم، ومع الاستغناء عنهم بمن عنده من الثقات الأئمة ".[49] وفي الجملة فإن كلام ابن معين في ابن سعد مُجملٌ غير مفسّر، ومعلوم أن ابن معين من المتعنتين في الجرح، وقد قابل كلامه توثيق أئمة معتبرين في هذا الشأن، وعلى رأسهم أبو حاتم الرازي حيث قال : " يصدق، رأيته جاء إلى القواريري، وسأله عن أحاديث، فحدّثه ".[50] والقاعدة تقول: إذا ضعّف النّاقد المتعنّت راوياً، ووثقه آخر مُعتبر، فلا يقبل منه جرحه إلا مفسّراً[51]، وهي تنطبق تماماً على ما نحن فيه. وفي الحكاية التي ذكرها أبو حاتم عن ابن سعد مع عبيد الله بن عمر القواريري، دليل واضح على صدق ابن سعد وتواضعه، إذ القواريري من أقرانه، فلم يستنكف ابن سعد أن يسأله عن أحاديث شيوخ قد شاركه في الرواية عن كثير منهم، أو بعضهم. وقد وقفت في الطبقات[52]- وهو في القسم الذي خرّجت أحاديثه وآثاره- على حديث قال فيه : " حدثنا سفيان بن عيينة قال : سمعت جعفر بن محمد يُخبر عن أبيه، لعله إن شاء الله عن جابر ... " فذكر خبراً. ثم ساقه بعد ذلك بواسطة فقال : " أخبرنا بعض أصحابنا، عن سفيان ابن عيينة أنه سمع منه هذا الحديث عن جعفر بن محمد، عن أبيه، عن جابر ابن عبد الله، ولم يشك ".

وهذا دليل آخر على تحرّيه وصدقه، وأنّه لا يستجيز التدليس عن شيوخه، مما يزيد في مكانة هذا الإمام.

فيما يلي بعض أقوال العلماء الذين وثّقوه، أو أثنوا عليه - إضافة إلى أقوال من ذُكروا آنفا -.

قال تلميذه الحسين بن الفهم - في ترجمته التي أضافها إلى الطبقات- : " كان كثير العلم، كثير الحديث والرواية، كثير الكتب، كتب الحديث وغيره من كتب الغريب والفقه ".[53]

وقال ابن النديـم:

.

وقال النووي :

.[54]

وقال ابن خلكان :

.[55]

وقال الذهبي :

[56]، وقال أيضـاً :

".[56]

وقال مرّةً :

.[57]

وقال ابن الجزري :

.[58]

وقال الحافظ ابن حجر :

.[59]

وقال ابن تغري بردي:

.[60]

ورد في وفاته ثلاثة أقوال، أولها وأرجحها ما سطّره تلميذه الحسين بن الفهم حيث قال:" توفي ببغداد يوم الأحد لأربع خلون من جمادى الآخرة سنة ثلاثين ومائتين، ودفن في مقبرة باب الشام، وهو ابن اثنتين وستين سنة "؛ فهو أعرف الناس به، لكثـرة ملازمتـه له، بالإضافـة إلى أن أغلب المصادر ذكرت هذا التاريخ.[61] وقال ابن أبي حاتم في الجرح والتعديل : " توفي سنة ست وثلاثين ومائتين"، ويبدو أن ما في الجرح والتعديل وقع فيه تصحيف ؛ لأن ابن الجزري في طبقات القراء نقل ترجمة ابن سعد من الجرح والتعديل وصرّح بذلك ثم حدّد وفاته بثلاثين ومائتين، ولم يشر إلى خلاف في ذلك.[62] وقيل سنة اثنتين وعشرين ومائتين.[63] وأما الكتاني، فقد أضاف قولاً رابعاً في تاريخ وفاته، حيث قال:" توفي ببغداد سنة ثلاثين، أو خمس وثلاثين ومائتين"، ولم يقل بهذا أحد غيره.

محمد بن إسماعيل البخاري مسلم بن الحجاج أبو داود أبو عيسى محمد الترمذي