لويس الرابع عشر ملك فرنسا

لويس الرابع عشر (بالفرنسية: Louis XIV)‏‏ (5 أيلول 1638 - 1 أيلول 1715م).[5][6][7] المعروف أيضًا باسم لويس العظيم أو ملك الشمس، كان ملكًا لفرنسا منذ 14 مايو 1643 حتى وفاته في عام 1715. كانت فترة حكمه البالغة 72 عامًا و 110 أيام هي أطول فترة مسجلة لأي ملك لدولة مستقلة في التاريخ.[8] كانت فرنسا في عهد لويس الرابع عشر رمزًا لعصر الاستبداد في أوروبا. أحاط الملك نفسه بمجموعة متنوعة من الشخصيات الثقافية والعسكرية والسياسية البارزة مثل مازاران، وكولبير، ولوفوا، وكوندي الأكبر، وتورين، وفوبان، وبول، وموليير، وراسين، وبوالو، ولافونتين، ولولي، وشاربنتييه، وماريز، ولوبرون، وريجو، وبوسويه، ولوفو، ومانسار، وتشارلز بيرو، وكلود بيرو ولو نوتر.[9]

بدأ لويس حكمه الشخصي لفرنسا في عام 1661، بعد وفاة رئيس وزرائه الكاردينال مازارين.[10] واصل لويس، متمسكًا بحق الملوك الإلهي، عمل أسلافه في تأسيس دولة مركزية تحكمها العاصمة. سعى إلى إقصاء بقايا الإقطاعية المستمرة في أجزاء من فرنسا، من خلال إجبار العديد من أعضاء طبقة النبلاء على الإقامة في قصره الفخم في فرساي، ونجح في التخفيف من الأرستقراطية، التي شارك العديد من أفرادها في حروب فروند خلال فترة صباه. أصبح باستخدامه هذه الوسائل أحد أقوى الملوك الفرنسيين، وعزّز نظام الملكية المطلقة في فرنسا الذي استمر حتى الثورة الفرنسية. فرض أيضًا توحيد الدين في ظل الكنيسة الكاثوليكية الغاليكانية. ألغى إبطاله لمرسوم نانت حقوق الأقلية البروتستانتية الهوغونوتية وأخضعهم لموجة من سياسات الدراغونيد، مما أجبر الهوغونوتيين فعليًا على الهجرة أو التحول، ودمر المجتمع البروتستانتي الفرنسي تقريبًا.

برزت فرنسا خلال فترة حكم لويس الطويلة، كقوة أوروبية رائدة وأثبتت بصورة منتظمة قوتها العسكرية. شهد في طفولته كامل الصراع مع إسبانيا، في حين أنه خلال فترة حكمه، شاركت المملكة في ثلاثة نزاعات قارية رئيسية، كل واحد منها ضد تحالفات أجنبية قوية هي: الحرب الفرنسية-الهولندية، وحرب عصبة أوغسبورغ وحرب الخلافة الإسبانية. إضافة إلى ذلك، خاضت فرنسا أيضًا حروبًا أقصر، كحرب نقل السلطة وحرب لم الشمل. ساهمت الحرب في تحديد سياسة لويس الخارجية وساهمت شخصيته في تشكيل نهجه. شعر لويس متأثرًا بمزيج من «الدوافع التجارية ودوافع الانتقام والغضب» أن الحرب كانت الطريقة الأنسب لتعزيز مجده. ركز في أوقات السلم على التحضير للحرب التالية. علم دبلوماسييه أن عملهم هو خلق مميزات إستراتيجية وتكتيكية للجيش الفرنسي.[11]

تشمل إنجازاته البارزة خلال فترة حكمه والتي كان لها تأثير واسع على العصر الحديث المبكر في الثورة الصناعية وحتى اليوم، بناء قناة دو ميدي، وإنشاء قصر فيرساي وحدائقه، ورعاية الفنانين والملحنين مثل جان بابتيست دو لولي، وموليير وهاسينت ريغو، إضافة إلى تأسيس الأكاديمية الفرنسية للعلوم وغيرها.

ولد لويس الرابع عشر في 5 سبتمبر عام 1638 في شاتو دو سان-جيرمان-أون-لي، لوالده لويس الثالث عشر ووالدته آن من النمسا. سمي لويس ديودوني (لويس هبة الله) وحمل اللقب التقليدي للوريث الظاهر الفرنسي: دوفين. كان والداه متزوجين منذ 23 عامًا عند ولادته. كانت والدته قد مرت بأربع حالات لموت الجنين بين عامي 1619 و 1631. اعتبره بالتالي كبار المعاصرين بأنه هدية إلهية ولادته معجزة من الله.[12]

كانت علاقة لويس بوالدته حينئذ عاطفية بشكل غير عادي. ادعى معاصروه وشهود العيان أن الملكة كانت تمضي كامل وقتها مع لويس. كان كلاهما مهتمًا جدًا بالطعام والمسرح، ومن المرجح أن لويس طوّر هذه الاهتمامات من خلال علاقته المقربة مع والدته. يمكن إثبات علاقة الحب الطويلة هذه من خلال مقتطفات من سجلات مذكرات لويس اليومية، مثل:

«كانت الطبيعة مسؤولة عن العقدة الأولى التي ربطتني بوالدتي. لكن كسر الارتباطات التي تشكلت لاحقًا من خلال صفات الروح المشتركة أصعب بكثير من تلك التي تشكلت عن طريق الدم فقط».[13]

كانت والدته هي من جعلته يؤمن بالسلطة الإلهية والمطلقة لحكمه الملكي.

خلال طفولته، اعتنت به المربية فرانسوا دو لانساك وماري-كاثرين دو سينيسي. في عام 1646، أصبح نيكولاس في دو فيروي مدرسًا للملك الشاب. أصبح لويس الرابع عشر صديقًا لأطفال فيليروي، وبشكل خاص فرانسوا دو فيليروي، وقسم وقته بين القصر الملكي وفندق فيليروي القريب.

قرر لويس الثالث عشر، عندما شعر أن موته وشيك، أن يرتب شؤونه في ربيع عام 1643، وذلك عندما كان لويس الرابع عشر في الرابعة من عمره. في تحد للعادات، التي كانت ستجعل الملكة آن الوصي الوحيد على فرنسا، أصدر الملك مرسومًا يقضي بأن يحكم نيابةً عن ابنه مجلس وصاية. كان عدم إيمانه بقدرات الملكة آن السياسية هو سببه الأساسي لذلك. مع ذلك، فإنه منحها امتياز تعيينها رئيسةً للمجلس.[14]

توفي لويس الثالث عشر في 14 مايو عام 1643، وجعلت الملكة آن برلمان باريس (هيئة قضائية تتكون في أغلبها من النبلاء ورجال الدين) يلغي وصية زوجها في 18 مايو. ألغى هذا الإجراء مجلس الوصاية وجعل آن الوصي الوحيد لفرنسا. نفت آن بعض وزراء زوجها (شافيني، بوثيلييه)، ورشحت بريين ليكون وزيرًا للعلاقات الخارجية.[15]

سيطرت آن على اتجاه السياسة الدينية إلى حد بعيد حتى عام 1661؛ كان أهم قراراتها السياسية هو ترشيح الكاردينال مازارين لمنصب رئيس وزرائها واستمرار سياسة زوجها الراحل والكاردينال ريشيليو، رغم اضطهادهما لها، وذلك من أجل مصلحة ابنها. أرادت آن منح ابنها سلطةً مطلقة ومملكةً منتصرة. كانت أسبابها الرئيسية لاختيار مازارين هي قدراته واعتماده الكامل عليها، على الأقل حتى عام 1653 عندما لم تعد وصية. حمت آن مازارين من خلال اعتقال ونفي أتباعها الذين تآمروا ضده في عام 1643: وهم دوق بوفورت وماري دو روهان. تركت توجيه إدارة السياسة اليومية للكاردينال مازارين.[16]

يظهر أفضل مثال على حنكة آن السياسية والتغيير الجزئي في قلبها تجاه موطنها إسبانيا من خلال إبقائها لأحد رجال ريشيليو، مستشار فرنسا بيير سيغير، في منصبه. كان سيغير الشخص الذي استجوب آن في عام 1637، وعاملها كما لو أنها «مجرمة رخيصة» حسب وصفها لكيفية معاملته لها بعد اكتشاف أنها كانت تقدم أسرارًا عسكرية ومعلومات إلى إسبانيا. بقيت آن فعليًا قيد الإقامة الجبرية لعدة سنوات خلال فترة حكم زوجها. كانت آن، من خلال إبقائه في منصبه، تعطي إشارة بأن مصالح فرنسا وابنها لويس هي الروح الموجهة لجميع أعمالها السياسية والقانونية. سعت لإنهاء الحرب بانتصار فرنسي، من أجل إقامة سلام دائم مع الدول الكاثوليكية.[17]

أضفت الملكة أيضًا توجهًا كاثوليكيًا جزئيًا على السياسة الخارجية الفرنسية. شعرت هولندا بذلك، كانت حليفًا بروتستانتيًا لفرنسا، وتفاوضت على سلام منفصل مع إسبانيا في عام 1648.

في عام 1648، نجح آن ومازارين في التفاوض على السلام مع ويستفاليا، التي أنهت حرب الثلاثين عامًا. ضمنت شروطها الاستقلال الهولندي عن إسبانيا، ومنحت بعض الحكم الذاتي للعديد من الأمراء الألمان في إمبراطورية رومانيا المقدسة، ومنحت السويد مقاعد في المجلس التشريعي الإمبراطوري والأراضي للسيطرة على مصبات أنهار أودر وإلبه وفيزر. من ناحية ثانية، استفادت فرنسا إلى حد بعيد من التسوية. تنازلت النمسا، التي حكمها إمبراطور هابسبورغ فريديناند الثالث، عن جميع أراضي هابسبورغ وعن مطالباتها بألساك لصالح فرنسا واعترفت بسيادتها الفعلية على أسقفيات متز، وفيردان وتول. علاوة على ذلك، وحرصًا منها على تحرير أنفسها من سيطرة هابسبورغ، سعت الدول الألمانية الصغيرة للحصول على الحماية الفرنسية. ساهم ذلك في تشكيل عصبة الراين عام 1658، مما أدى إلى مزيد من التقليص للسلطة الإمبراطورية.[18]

حكم فرنسا 54 عاماً (1661- 1715)[19]، وطبع مصيرها بطابعه إلى حد لا يمكن تصور تاريخ فرنسا من دونه، وقد ترافق في أثناء حكمه المجد والبؤس معاً، مما جعل المؤرخين ينقسمون تجاهه بين مادح وقادح. ارتكزت قاعدة العمل السياسي لديه على الطاعة في الداخل والسمعة الحسنة في الخارج. وهو يعتقد أنه مصدر السلطات، بسبب الملكية المطلقة، فهو صاحب الكلمة الشهيرة الدولة أنا، وأنا الدولة. بعد موت لويس الثالث عشر، تكفل الوزير الأول «مازاران» "Mazarin" والملكة آن بتربيته، فأحسنا تعليمه وزوّداه بشتى أنواع المعارف، شهد كثيراً من الأحداث في طفولته منها: هروبه إلى«سان جرمان» قبل أن يتجاوز العاشرة، وهجوم بعض سكان باريس على مهجعه تعبيراً عن رفضهم الحرب الإسبانية، والاضطرابات المتكررة في باريس، والتي وصلت في أحد الأيام إلى القصر الملكي نفسه، واضطراب المواصلات بين باريس والضواحي، إلى جانب الحرب الأهلية التي واجهها في صيف 1652، وعندها اتخذ قراره الحاسم بإيقاف «الكاردينال روتز» مفاجئاً الجميع بحزمه وسريته. في الفترة بين 1653-1661، فوّض تصريف البلاد إلى وزيره الأول مازاران على الرغم من بلوغه سن الرشد، وفي هذه الأعوام الثمانية صار الملك ناضجاً، عالج كثيراً من مشكلات الحرب الأهلية، وتوصل إلى سلام مع إسبانيا باتفاق «البيرينيه» Pyrénées عام 1659، وظهر حب الملك للترف والأعياد والاحتفالات. ولحسابات سياسية تزوج «ماري تيريز» "Marie-Thérèse" الإسبانية، وأنجبت له ستة أطفال، عاش منهم ولي العهد ولده البكر لويس (1661-1710). وإثر وفاة مازاران عام 1661 دخل الملك إلى الحكم بقوة، وكان على قناعة تامة بأن يحكم بنفسه ولا يمكن لأحد أن يحل محله، لذلك قرر إبعاد وزيره الأول والأمراء والشخصيات العامة في القصر عن مركز القرار، وألغى كثيراً من المؤسسات الإدارية وقلّص دور المسؤولين عنها، وعلى نطاق الإدارة الحكومية (كمجلس المراسلات، ومجلس التمويل) لم يقبل لويس الرابع عشر مفوضين من أصل غير برجوازي من دون مساواتهم بالنبلاء. وكانت حكومته الملكية مثقلة بالديون، ولم تستطع الجهود الجبارة التي بذلها وزير ماليته «كولبير»" Colbert" في جمع الأموال بتشجيع الإنتاج والتصدير وإقامة مصانع حكومية وإعطاء امتيازات للمشروعات الخاصة للقيام بما هو مطلوب، لأن أحلام الملك التوسعية كانت تحتاج إلى المزيد من الأموال من الخزينة التي لا طاقة لها بتحملها، إذ إن الحروب والإنفاق على مظاهر الترف والسلطان أدّيا إلى ابتلاع كل ما كان يدخل الخزينة من أموال. خاض لويس الرابع عشر حروباً كثيرة كان أولها حرب الوراثة في الأراضي المنخفضة (1667- 1668) غداة موت ملك إسبانيا فيليب الرابع، ومطالبة لويس الرابع عشر بحق زوجته - ابنة الملك فيليب - بوراثة الأراضي المنخفضة، فشن الحرب على إسبانيا واستولى على حصون إسبانيا وقلاعها، فتصدى له حلف بريطاني -هولندي- سويدي اضطره إلى التفاوض معه وتوقيع صلح «إكس لاشابل» "Aix-la-Chapelle". ثانيها حربه مع هولندا (1672- 1679)، سعياً لتفكيك الحلف آنف الذكر، فحاول غزو هولندا، واستمالة السويد، لكن حذر الدول الأوربية من خطر التوسع الفرنسي جعل لويس الرابع عشر يضطر إلى عقد معاهدة «نيميغ» "Nimègue" عام 1678. وثالثها حرب البلاطينات في الأراضي المنخفضة (1688-1697) مدعياً حق وراثة عرش ولاية البلاطينات لمصلحة زوجة أخيه المتوفى «دوق أورليان» لكونها أخت «شارل» أمير البلاطينات الذي لا وريث له غيرها، فهاجم ولاية البلاطينات عام 1689، وامتدت الحرب لتشمل أوروبا إلى أن هزمه الإنكليز في معركة «لاهوغ» La Hogue 1692، وانتهت بتوقيع معاهدة «رزويك» Ryzwick. أما رابعها فكانت حرب الوراثة الإسبانية (1701-1713) بعد وفاة شارل الثاني. فقد طالب لويس الرابع عشر بوراثة العرش لولي عهده من «ماري تيريز» ابنة ملك إسبانيا، إلا أن إحساس إنكلترا وهولندا بخطر ذلك دفعهما إلى تشكيل التحالف الأعظم وشن الحرب ضد القوات الفرنسية التي انتهت بتوقيع اتفاقية «أوترخت» "Utrecht" في نيسان/إبريل 1713 التي وضعت حداً لحروبه من دون أن يحقق أطماعه التوسعية.

شيّد القصر محل المنزل في فيرساي من 1682. وانتقل الملك لويس الرابع عشر في هذا العام من باريس إلى القصر، وظل القصر مقر الإقامة الملكية حتى اضطرت الأسرة الحاكمة إلى العودة إلى العاصمة في العام 1789. رغم هذا ظل قصر فيرساي مركزا للسلطة في العهد القديم بفرنسا. كما صار رمزاً للحكم الملكي المطلق من قبل لويس الرابع عشر المسمى بملك الشمس. وبعد 100 عام سكنه ملك آخر وهو الملك لويس السادس عشر وزوجته الملكة ماري إنطوانيت اللذان أجبرتهما الثورة الفرنسية في العام 1789 على مغادرة القصر، ومن ثم تم إعدامهما بالمقصلة أو «سكين الجيلاتين».

وفي عهده ازدهرت الحضارة الفرنسية في ميادين العلوم والآداب والفن، وظهرت المآثر الأدبية الكبيرة للشعراء الفرنسيين الكبار مثل «كورنيّ» "Corneille" و«راسين» "Racine" و«موليير» "Molière"، وفي عهده أُنشئت أكاديمية الرسم والنحت، وأكاديمية العلوم، وأكاديمية الهندسة. لكن التاريخ حفظ بالمقابل عن لويس الرابع عشر صورة الملك المستبد الذي جسد خير تجسيد مبدأ الحكم الإلهي المطلق.

توفي في 1 سبتمبر، 1715 في «قصر فرساي» وذلك قبل يوم ميلاده السابع والسبعين بأربعة أيام. بعد أن أُصيب بمرض الغرغرينا، وتعد فترة حكم لويس الرابع عشر ثاني أطول فترة حكم عرفت منذ القدم التي استمرت اثنتين وسبعين سنة وثلاثة أشهر بعد سوبهوزا الثاني ملك سوازيلند (1899 - 1982)، والأطول في تاريخ أوروبا.[20]

لوحة للويس الرابع عشر
Louis14-G.jpg
Château de Chambord buste Louis XIV.jpg
Cour royale de Versailles.jpg