كتاب الطبقات الكبير

كتاب الطبقات الكبير لمحمد بن سعد بن منيع البصري الزهري المشهور بابن سعد، من أهم الكتب التي ألفت في الطبقات وتراجم الرجال، ولم يسبقه في هذا الموضوع إلا «كتاب الطبقات» لشيخه الواقدي، غير أن كتاب الواقدي لم يصل إلينا، ويُقال إن ابن سعد أفاد منه كثيراً.

يعد كتاب الطبقات الكبير مرجعًا في السيرة النبوية والتراجم والتواريخ، حيث تناول فيه مصنفه السيرة النبوية المطهرة، عارضًا لمن كان يفتي بالمدينة المنورة، ولجمع القرآن الكريم، ثم قدم تراجم للصحابة ومَن بعدهم من التابعين وبعض الفقهاء والعلماء. ومن منهج المصنف في الكتاب أنه يذكر اسم العلم المترجم له، ونسبه، وإسلامه، ومآثره، وما ورد في فضله في ترجمة مطولة، وقد بلغ عدد الأعلام المترجم لهم 4725 علمًا، ويُعد هذا الكتاب من أقدم الكتب التي وصلت إلينا من كتب التواريخ الجامعة لرواة السنة النبوية من ثقات وضعفاء، وهو مرتب على الطبقات، وقد تكلم على الرواة جرحًا وتعديلًا.

هو: محمد بن سعد بن مَنِيع (بفتح أوّله وكسر النون وسكون المثناة تحت الياء ثم عين مهملة)[1][2] البصري الزهري، ولم يتجاوز جميعُ من ترجمه جدّه منيعاً.

وأما نسبه، فالأكثر على أنه مولى لبني هاشم،[3][4][5][6][7][8][9][10]، وفسّر هذا الولاء تلميذه الحسين بن الفهم، فقال: «هو مولى الحسين بن عبد الله بن عبيد الله بن العباس بن عبد المطلب».[11] ولا يعني هذا أنّه هو نفسه مولى للحسين بن عبد الله، فقد يكون جدّه هو المولى، وربما أبوه،[12] لأن هذا الفرع من البيت العبّاسي قد انقرض بموت الحسين بن عبد الله، فقد توفّي الحسين سنة 140هـ، ولم يخلف بعده سوى ابنه عبد الله ومات ولم يعقب.[13]

ويُشار إلى ابن سعد بأنه زهري،[14][15][16] نسبة إلى زهرة بن كلاب من قبيلة قريش، وهذا الاضطراب في نسبته يسبب حيرة من ولائه بين بني هاشم وبني زهرة، لكن الراجح هو اللقب الأول؛ لأن تلامذته هم الذين نسبوه إلى ذلك النسب، وتلامذته هم أعرف الناس به، ويُحتمل أنه انتسب إلى بني زهرة ثم إلى بني هاشم أو العكس.

ويُكنَّى ابن سعد بـأبي عبد الله،[17] وهذه الكنية لا تدل على أنه تزوج ورزق ولداً سماه عبد الله، لا سيما أنه لا يوجد ما يشير إلى أسرته وعائلته في جميع المصادر التي ترجمت له. كما يُعرف بلقب كاتب الواقدي،[18] وصاحب الواقدي،[19] والأول أكثر استعمالاً، وقد يكتفي بعضهم بلفظ الكاتب،[20] وانفرد السمعاني بقوله: «ويعرف بـغلام الواقدي»،[21]، وقد لُقّب بهذه الألقاب بسبب ملازمته لشيخه محمد بن عمر الواقدي.

ذكر العلماء كتاب الطبقات الكبير باسمين:

وقد يجرّد بعض العلماء الكتاب عن وصفه فيقول: كتاب الطبقات،[25]" كما فعل تلميذ المصنف الحسين بن الفهم، حيث قال: «... وهو الذي ألّف هذا الكتاب، كتاب الطبقات، واستخرجه وصنفه».[26] وكذا فعل تلميذه البلاذري في كتاب أنساب الأشراف.[27] ويقع أصل كتاب الطبقات في خمسة عشر مجلداً.[28]

لم يرد في المراجع أن هناك أدنى شك أن هذا الكتاب، كتاب الطبقات الكبير، لمحمد بن سعد، ومما يدل على ذلك أمور عدة، منها:

يتعلق بسيرة النبي محمد، وقد أبدع ابن سعد في هذا القسم، وظهر فيه- بالإضافة إلى كونه من المحدّثين- بشخصية المؤرخ البصير المطلع، حيث تناول فيه كل ما يتعلق بالسيرة النبوية، وخدم هذا الموضوع بمقدمات وممهدات لفترة ما قبل النبوة والرسالة، وأضاف فصولاً وأبواباً يندر أن تجدها مجتمعة (هكذا) عند غيره، بأسلوب سهل سلس محبوك الفصول والأبواب، مدعوماً بالروايات المسندة التي سمعها من شيوخه، أو مما استقاه من مصادر أخرى سبقته.[31] ويمكن إجمال موضوعات هذا القسم في النقاط الآتية:

1. الأمور المتعلقة برسول الله قبل مولده، من نسبـه الشـريف، وعلاقته بالأنبيـاء قبله- بدءاً بآدم عليه السلام، ثم من بعده ممّن له صلة برسالة النبي، فذكر إدريس ونوحاً وإبراهيم وإسماعيل عليهم السلام- ثم أسرته، وزواج والديه، والحمل به، ووفاة والده، وولادته وما يتعلق بها من أسمائه وكنيته ومرضعاته، ثم وفاة أمّه آمنة، وكفالة عمّه أبي طالب له.[32]

2. أحواله قبل البعثة، وما يتعلق بذلك من تواريخ وأحداث مرت به، وفيه[33]

3. مبعثـه وما بعث به حتى هجـرته، وما تعلق بذلك من أحداث جرت له ولأصحابه في تلك المرحلة.[34]

4. هجرته وما وقع فيها من أحداث، وما فعله حين قدم المدينة من مؤاخاة بين المهاجرين والأنصار، وبناء المسجد، وما جرى فيها من نزول بعض الأحكام كصيام رمضان وزكاة الفطر وصـلاة العيدين والأضحية ونحوها.[35]

5. كتابتـه للملوك والعظماء ووجهـاء الناس في عصره، يدعوهم للإسلام.[36]

6. وفادات العرب عليه، وذكر فيه اثنين وسبعين (72) وفداً.[37]

7. صفته الخَلْقية والخُلقية، وأحواله في معيشته، ونسائه، وعبادته ولباسه، وأدواته، ودوابه، وخدمه، ومواليه، وبيوته، وصدقاته، والآبار التي شرب منها.[38]

8. مغازيه وسراياه، وعمره، وحجة الوداع.[39]

9. مرضه ووفاته، وما حصل أثناء ذلك من أمور، مع ذكر من رثى النبي.[40] وهذه السيرة المطولة بمثابة مدخل لكتاب الطبقات، وهي جزء أساسي لا ينفك عمّا يأتي بعدُ من إحداث منهجية تقسيم الرجال والنساء إلى طبقات، وتقديم بعضهم على بعض، وإضفاء المصطلحات والألقاب المميزة لدرجاتهم حسب قربهم وبعدهم عن الرسول.

يتعلق بطبقات الصحابة والتابعين فمن بعدهم، وقد أفصح عن ذلك مؤلِّف الكتاب حيث قال في أوّل الطبقات:" تسمية من أحصينا من أصحاب رسول الله، من المهاجرين والأنصار وغيرهم، ومن كان بعدهم من أبنائهم وأتباعهم من أهل الفقه والعلم والرواية للحديث، وما انتهى إلينا من أسمائهم وأنسابهم وكناهم وصفاتهم طبقة طبقة ".[41] وراعى ابن سعد في ترتيبه للطبقات عدة جوانب: نوعي، وزماني، ومكاني، ونسبي، وعلو الرواية والإسناد.[42] وقسم تـراجم الطبقات إلى قسمين: قسم للرجـال، ويمثل مـعظم الكتاب[43]، وآخر للنساء يمثل جزءاً يسيراً من الكتاب.[44] وجعل الصحابة خمس طبقات، مراعياً في تقسيمه هذا السبق في الإسلام والفضل، ثم راعى في إيراد التراجم داخل كل طبقة عنصر النسب والشرف.[45]

وهم أهل بدر، بدأهم برسول الله، ثم الأقرب فالأقرب إليه في النسب، فذكر من شهدها من بني هاشم ومواليهم[46]، ثم من شهدها من بني عبد شمس وحلفائهم ومواليهم[47]، ثم من شهدها من بني أسد بن عبد العزى وحلفائهم[48]، ثم من شهدها من بني عبد الدار وعبد ابن قصي[49] ثم من شهدها من بني زهرة وحلفائهم[50]، ثم من شهدها من بني تيم بن مرة ومواليهم[51]، وهكذا حتى أنهى بطون قريش. ثم بدأ بذكر الأنصار؛ فبدأ بالأوس قبل الخزرج، حتى أنهى بطون الأوس، ويذكر مع كل بطن مواليهم وحلفاءهم[52]، ثم بدأ بذكر بطون الخزرج وحلفائهم ومواليهم[53]، وأنهى الحديث عن الطبقة الأولى بالحديث عن النقباء الإثنى عشر في بيعة العقبة.[54]

وهم من لم يشهد بدراً ولهم إسلام قديم، وقد هاجر عامتهم إلى الحبشة، وشهدوا أحداً وما بعدها.[55] وسلك في ترتيبهم المسلك السابق في الطبقة الأولى.

وهم من شهد الخندق وما بعدها، ومن أسلم فيما بين الخندق وفتح مكة.[56] واتّبع في ترتيبهم نفس الترتيب السابق.

وهم من أسلم عند فتح مكة، وما بعد ذلك.[57]

وهم من قبض رسول الله وهم أحداث الأسنان، ولم يغز منهم أحد مع الرسول، وقد حفظ عامتهم ما حدثوا به عنه، ومنهم من أدركه ورآه ولم يحدث عنه شيئاً.[58] وبعد انتهاء ابن سعد من ذكر طبقات الصحابة، والقائمة أساساً على العنصر الزماني، أتبعهم بذكر طبقات التابعين ومن بعدهم، مراعياً في ذلك عنصراً آخر، وهو العنصر المكاني، حيث رتبهم بحسب البلدان التي نزلوها واستقروا بها.[59] فبدأ بالمدينة النبوية باعتبارها دار الهجرة، وعاصمة الإسلام، ثم مكة، فالطائف، فاليمن، فاليمامة، فالبحرين[60]، ثم الكوفة[61]، والبصرة[62]، وواسط، والمدائن، وبغداد، وخراسان، والرّي، وهمدان، وقم، والأنبار، ثم الشـام والجزيرة، والعواصم والثغور، ثم مصـر، وأيلـة، وإفريقيـة والأندلس.[63]

أورد ابن سعد في هذا القسم طائفة من تراجم المهاجرين، ثم أعقبهم بتراجـم الأنصار، ومن الملاحظ أن ابن سـعد راعى في ترتيبهم الأسبقية إلى الإسلام، حيث بدأ بالبدريين قبل غيرهم، وفي داخل طبقات البدريين أنفسهم راعى ترتيباً آخر هو عنصر النسب، حيث رتبهم حسب قربهم من النسب النبوي الشريف، فقدم المهاجرين على الأنصار بناءً على هذا الأساس.[64] وفي المهاجرين بدأ ببني هاشم، وأول من ذكره فيهم حمزة بن عبد المطلب عم النبي، وختم بطون قريش ببني فهر بن مالك بن النضر، وأول من ذكره فيهم أبا عبيدة بن الجراح.[65]

وفي الأنصار بدأ بالأوس ثم الخزرج، فبدأ ببني عبد الأشهل مقدما فيهم سعد بن معاذ البدري العقبي النقبي[66]، ثم بني حارثة، ثم بني ظفر... وهكذا حتى أتى على آخر بطون الأوس، ويذكر مع كل بطن مواليهم وحلفائهم غالباً.[67] وبعد أن أنهى بطون الأوس بدأ بذكر بطون الخزرج، فبدأ ببني غنم بن مالك بن النجار مقدماً فيهم الصحابي الجليل أبا أيوب الأنصاري[68]، ثم بني عمرو بن مالك بن النجار، ثم بني عامر بن مالك بن النجار... وهكذا حتى أتى على آخر بطون الخزرج، ويذكر مع كل بطن مواليهم وحلفائهم غالباً.[69] وبعد أن أنهى بطون الأوس والخزرج أفرد باباً خاصاً للنقباء الاثنى عشر الذين اختارهم رسول الله من الأنصار ليلة العقبة بمنى.[69]

وجعل ابن سعد الصحابة الكرام المحور الأساسي الذي يربط بين الأحداث والوقائع التي جرت في عهدهم، فهو يذكر في ترجمة الصحابي ما وقع له من أحداث ووقائع، ويقتصر في تلك الأحداث على ما يخدم ترجمة ذلك الصحابي دون إسهاب في ذكر أحداث تلك الوقائع، إذ هي تأتي تبعاً للترجمة. ومن أبرز تلك الوقائع التي ذكرها المؤلف موزعة ضمن تلك التراجم: غزوة مؤتة (وكانت بين المسلمين والروم)[70]، وحادثة سقيفة بني ساعدة (وفيها كان اجتماع المهاجرين والأنصار لاختيار الخليفة بعد وفاة رسول الله)[71]، ويوم اليمامة (وهو أشهر معارك حروب الردة)[72]، ومعركة القادسية (وكانت بين المسلمين والفرس)[73]، وعام عمـواس (وهي الواقعة التي استشهد فيها عدد كبير من الصحابة بالشـام بسبب الطاعون)[74]، ويوم صفين (وهي الواقعة التي جرت بين علي بن أبي طالب ومعاوية)[75]، وغزو القسطنطينية( وكانت في عهد معاوية)[76]، وغيرها.

ويذكر ابن سعد في تراجم الصحابة من شهد منهم تلك الوقائع والأحداث، أو من كان له فيها رأي بارز، أو من قُتل بها، هذا بالإضافة إلى عنايته بصفة خاصة بذكر المشاهد التي شهدها صاحب الترجمة مع رسول الله من غزوات ونحوها، حتى لا تكاد تخلو ترجمة من ذلك. وقد تنوعت التراجم في كتاب الطبقات من حيث الطول والتوسط والاختصار الشديد، وذلك حسب توفر عناصر الترجمة لدى المؤلف، وشهرة المترجم له أو عدمها.

ويمكن إجمال عناصر الترجمة في النقاط التالية:

تلك هو جملة العناصر التي ظهرت لي من خلال القسم الذي قمت بتخريجه، وهي تكاد تشتمل جميع الأمور التي تتعلق بجوانب حياة المترجم له ابتداء من نسبة إلى أن يلتحق بالرفيق الأعلى، وقد تفاوتت تلك التراجم من حيث الطول والقصر لدى المؤلف حسب توفر تلك العناصر في ترجمة الصحابي كمَّا وكيفاً.

وأما بالنسبة لترتيبه للنصوص داخل تلك التراجم، فلم يظهر لي أن المؤلف اتبع في ذلك منهجاً معيناً، وذلك أن موضوع الطبقات يختلف عن مقاصد التأليف الأخرى كالتأليف على طريقة الجوامع والسنن والمصنفات ونحوها، فهو ينتقي من المتون ما يتعلق بترجمة الصحابي غالباً، ويمكن إجمال الملحوظات في هذا الباب على النحو التالي:

فإنه بعد انتهاءه من سرد الإسناد المفرد أو الإسناد الجمعي يسوق المتن بتمامه، والمتون هذه على نوعين: متن لإسناد مفرد، وهو الغالب على الكتاب، ومتن لأسانيد مجموعة قد ينبه على أن حديث بعضهم دخل في حديث بعض[109]، وأغلب الأحيان لا ينبه على ذلك.

وممكن إجمال طريقته في إيراد المتون في النقاط التالية:

بالرغم من كون كتاب ابن سعد من كتب الطبقات التي تعنى بتراجم الصحابة- وغيرهم-، فإن مؤلّفه اعتنى بالإسناد عناية بالغة، واعتمده في أغلب المادة التي ساقها، وبالأخص في طبقات الصحابة ويمكن إبراز معالم سياقه للأسانيد في النقاط التالية:

ويمكن تقسيم مصادره إلى قسمين رئيسين، قسم قد أفصح المؤلِّف عن مصادره فيه، وقسم آخر لم يصرّح فيه بمصادره، وهو الأكثر، وإنما يظهر ذلك من خلال رواياته عن شيوخه ممّن كانت لهم تصانيف وكتب. وقد اعتمد ابن سعد في المادة التي أوردها على الأسانيد في الغالب، سواء كانت تلك المصادر ممّا صرّح باسمها أو لم يصرّح بذلك.

ذكر ابن سعد في أوّل طبقات الصحابة قائمة بأسماء الرواة وهؤلاء- على الترتيب الذي ذُكِر- هم:

ثم قال ابن سعد:" فكل هؤلاء قد أخبرني في تسمية أصحاب رسول الله، ومن كان بعدهم من التابعين من أهل الفقه والرواية للحديث بشيء، فجمعت ذلك كله وبيّنت من أمكنني تسميته منهم في موضعه".[124] ويُلاحظ أن المصدر الثاني (أبو معشر)، والثالث (ابن إسحاق)، والرابع (موسى بن عقبة) ليسوا من شيوخه الذين أخذ عنهم مباشرة، وإنما أخذ عنهم بواسطة، وقد ساق إسناده إليهم، وهذه المصادر الثلاثة- بالإضافة إلى المصدر الأول(الواقدي)- هي المصادر الأساسية التي اعتمدها ابن سعد في إيراد مادته في كتاب الطبقات الكبرى، وكل واحد منها يعدّ رأساً في فنّه، وعمدة في تخصّصه. وتعتبر هذه المصادر (أيضاً) من المصادر الرائدة في هذا الباب، وممّن أرست قواعد وأصول علم السير والمغازي، وأخبار الصحابة وأنسابهم، وكل من جاء بعدها فهو عيال عليها، وبالرغم من تضعيف المحدّثين لبعض هذه المصادر، غير أنهم يعترفون بفضلهم وعلمهم في المغازي والسير وأخبار النّاس. وقد استخدم ابن سعد للتعبير عن تلك المصادر عند العزو إليها كلمة (قالوا)، وهي تعني: الواقدي، وابن إسحاق، وأبا معشر، وموسى بن عقبة[125]، وتكرّرت هذه الكلمة في الطبقات كثيراً. وأما المصادر الأخرى- وهم: عبد الله بن محمد الأنصاري، وأبو نعيم، ومعن بن عيسى، والكلبي-، فقد أفاد منها أيضاً، لكن بشكل أقل من المصادر الأساسية، وأفاد منها بكثرة في الطبقة التي تلي طبقات الصحابة والتابعين كما ذكر ذلك بعض الباحثين.[126]

وهي أكثر من المصادر التي صرح بها، وقد قاربوا ثلاثمائة شيخ، وفيهم طائفة ممن عُرف بالتصنيف، كيزيد بن هارون[127]، ووكيع بن الجراح[128]، وإسماعيل بن علية[129]، وروح بن عبادة[130]، وأبي داود الطيالسي[131]، وسعيد بن منصور [132] وغيرهم.

وبعد هذا العرض لمصادر ابن سعد في كتابه هناك جملة من الملحوظات على تلك المصادر، وهي:

ظل كتاب الطبقات الكبرى لابن سعد حبيس الرفوف والمكتبات العالمية لعدة قرون، شأنه في ذلك شأن باقي كتب التراث، إلى أن جاءت النهضة العلمية الحديثة وما لحق بها من ظهور الطباعة، وتحرك للنشاط الاستشراقي الذي أولى عناية خاصة بالتراث الإسلامي، بدافع استعماري في المقام الأول. فكان كتاب الطبقات من الكتب الأولى التي طبعت ضمن هذا النشاط وقد تم إخراجه إلى حيز الوجود لأوّل مرة بإشراف المستشرق الألماني إدوارد سخاو، وحقّقه بالاشتراك مع:" بروكلمان، وهورفتس، وليبرت، ومايسنر، وميتفوخ، وشفالي، وتسترستين"، وحقق الكتاب عن خمس مخطوطات، واستغرقت طباعته أربعة عشر عاماً من سنة 1904-1918م في ليدن بهولندا، فخرج في ثمانية أجزاء، يشمل كل منها قسمين، ما عدا الجزأين الخامس والثامن، فلم يشملهما تقسيم، وأما المجلد التاسع، فخصّص للفهارس، ظهر القسم الأوّل منه سنة 1920م، ثم صدر القسم الثاني بعد ثمان سنوات، أي سنة 1928م، وبه فهارس الأماكن، والقبائل، وكلمات الرسول، والقوافي، وآيات القرآن. وفي عام 1940م ظهر القسم الثالث من المجلد التاسع، وهو عمل المستشرق جوتشالك، وفيه فهرس لأسماء الأشخاص الذين ورد ذكرهم في الكتاب. وبهذا يكون الكتاب قد تم طبعه في خلال ستة وثلاثين عاماً، من 1904م إلى 1940م.[133] وقد بذلوا جهداً واضـحاً في ضبط الكتاب، والتعليق على النص، وإثبات الفروق، وبالرغم من الجهود الكبيرة التي بذلوها في إخراج هذا الكتاب - لا سيما محاولاتهم لاستكمال نسخه-، فقد سقط منه ما يعادل مجلدين أو أكثر.[134]

ثم أعيدت طباعته في القاهرة عن دار التحرير عام 1388هـ عن طبعة ليدن، وترجمت معها هوامش المستشرقين[135]، وتعليقاتهم ومقدماتهم.

ثم أعيدت طباعته في لبنان سنة 1957م اعتماداً على طبعة المستشرقين (أيضاً)، بإشراف إحسان عباس، وحذفت الهوامش والتعليقات، وفي هذه الطبعة تصحيفات كثيرة، وهي دون طبعة ليدن في الجودة والدقة، ولم يستدرك فيها شيء مما فات المستشرقين.[136]

ثم قام بعض الباحثين بإكمال النقص الموجود وتحقيقه، فقام الدكتور زياد منصور بإخراج طبقة تابعي المدينة فمن بعدهم. من ربع الطبقة الثالثة إلى منتصف الطبقة السادسة- في رسالة تقدم بها لنيل درجة الماجستير بالجامعة الإسلامية، وطبع بنفس الجامعة سنة 1403هـ. ثم قام الدكتور محمد بن صامل السُّلمي بإخراج الطبقة الخامسة من الصحابة في رسالة علمية تقدم بها إلى جامعة أم القرى لنيل درجة الدكتوراه وذلك سنة 1409هـ.[137] ثم جاء بعده الدكتور عبد العزيز السلومي، فقام بإخراج الطبقة الرابعة من الصحابة، في رسالة علمية تقدم بها لنيل درجة الدكتوراه وذلك بجامعة أم القرى، سنة 1412هـ.[138] وقد طبـع الكتاب كاملاً بدار إحيـاء التراث العربي، ببيروت، وذلك سنة 1417هـ، وتضّمن السّقـط الذي قام بتحقيقـه الأساتذة المشار إليهم آنفاً. وأما مخطوطاته، فلا تخلو مكتبة من مكتبات العالم من نسخة أو قطعة منه، وقد ذكر له الدكتور فؤاد سزكين ستّ عشر نسخة موزعة في مكتبات العالم، ولا تكاد توجد له نسخة كاملة خالية من السقط والخروم.[139] ولعل من أكمل تلك النسخ نسخة مكتبةأحمد الثالث[140] الموجودة بتركيا( استانبول)، في مجموعة من القرن السابع، وتتكون في أصلها من أحد عشر جزءاً، فقد منها الثاني والعاشر، وهي نسخة جيدة مسندة عليها سماعات مقابلة على الأصل المنقول عنه، وعليها علامات المقابلة، وخطها نسخي واضح مشكول، وقد دون في هامشها بعض تفسير الغريب، ولم يدون عليها اسم الناسخ، وعلى الورقة الأولى من كل جزء ختم تملك المكتبة. والجزآن الأول والثالث من رواية الحارث بن أبي أسامة، أما الخامس والسادس والسابع والثامن فمن رواية الحسين بن الفهم، والتاسع من روايتهما معاً.[141]

تضافرت أقوال العلماء في الثناء على كتاب الطبقات وتعظيمه، فيما يلي بعض من أقوال الأئمة الأعلام في ذلك: فيقول الخطيب البغدادي: "وصنف كتاباً كبيراً في طبقات الصحابة والتابعين، والخالفين إلى وقته فأجاد فيه وأحسن".[142] وكذا قال السمعاني[143]، وابن خلّكان.[144] ويقول أبو عمر بن الصلاح الشهرزوري:" وكتاب الطبقات الكبير لمحمد بن سعد كاتب الواقدي كتاب حفيل كثير الفوائد".[145] ويقول الذهبي: " وكان من أوعية العلم، ومن نظر في الطبقات خضع لعلمه".[146] ويقول ابن كثير: "ومن أجلّ الكتب في هذا- يعني معرفة الطبقات -طبقات محمد بن سعد كاتب الواقدي ".[147] ويقول الحافظ ابن حجر العسقلاني في معرض الحديث عن طبقات ابن سعد:" وكتابه أجمع ما جمع في ذلك ".[148] ويقول السّخاوي: "والطبقات الكبير كتاب حفيل جليل كثير الفائدة".[149] وتظهر أهمية كتاب الطبقات في كونه حوى كثيراً من الفنون العلمية في شتى الميادين المتخصصة، مما أهّله ليكون مرجعاً أساسياً لدى العلماء والباحثين، فهو مرجع أساسي في سيرة المصطفى وغزواته، ومعرفة دلائل نبوّته وشمائله، وهو مرجع أساسي في معرفة السنن والآثار لاشتماله على كمّ هائل من أقوال الصحابة والتابعين- بالإضافة إلى الأحاديث-، وهو مرجع أساسي في معرفة تراجم الرواة وأحوالهم وأنسابهم، ومنزلتهم في ميزان الجرح والتعديل، هذا فضلاً عن كونه مرجعاً أصلياً في علم الطبقات. فهو كتاب ينهل منه المحدّث والفقيه والمفسّر والمؤرخ والنسّابة والواعظ والداعية، وغيرهم. ولأجل هذا وغيره فقد اهتم العلماء بكتاب الطبقات اهتماماً كبيراً، ولم يترددوا في النقل عنه والاعتماد عليه على نطاق واسع كل حسب تخصصه وحاجته، ومن أبرز هؤلاء:

ومن مؤلفاته التي أفاد فيها من كتاب الطبقات الكبرى ونقل منه: ميزان الاعتدال[167]، والسير[168]، وتذكرة الحفاظ[169]، وتاريخ الإسلام.[170]

وقد اعتمد ابن حجر كتاب الطبقات في كتابه "الإصابة"[174]، وجعله من موارده الأساسية، ونقل منه كثيراً في كتابه تهذيب التهذيب أيضاً.

وقد صـرح بالنقل عنه عنه في كتابه الحافل "النجـوم الزاهرة في ملوك مصر والقاهرة" حيث قال: "ونقلنا عنه كثيراً في الكتاب رحمه الله تعالى".[175]

فهؤلاء طائفة من مشاهير العلماء الأعلام ممّن أفاد من كتاب الطبقات، ونقل عنه، وبعضهم جعله من موارده الأساسية. وقد اختصر ابن منظور كتاب الطبقات وسماه "مختار الطبقات"[176]، وكذا اختصره السيوطي في كتاب سماه: "إنجاز الوعد المنتقي من طبقات ابن سعد".[177]

صورة لغلاف نسخة أخرى من الكتاب
صورة عن الصفحة الأولى من المجلد الأول للنسخة الخطية المحفوظة بمكتبة أحمد الثالث في إسطنبول