فيصل بن تركي بن عبد الله آل سعود

الإمام فيصل (الأول) بن تركي بن عبد الله بن الإمام محمد بن سعود بن محمد بن مقرن بن مرخان بن إبراهيم بن موسى بن ربيعة بن مانع بن ربيعة المريدي، والمردة من بني حنيفة من بكر بن وائل بن قاسط بن هنب بن أفصى بن دعمي بن جديلة بن أسد بن ربيعة بن نزار بن معد بن عدنان. تولى إمامة الدولة السعودية الثانية في فترتين، الأولة منذ 1250هـ حتى 1254هـ، والثانية منذ 1259هـ حتى 1282هـ. ووالدته هي الأميرة هياء بنت حمد بن علي الفقيه العنقري التميمي (من أهل ضرماء).

دافع الإمام فيصل بن تركي عن الدرعية ضمن عدد من أفراد أسرة آل سعود وأهل العاصمة السعودية عند هجوم إبراهيم باشا عليها عام 1233هـ، لكنه أُسر ضمن من أُسروا في ذلك الهجوم من أبنائه وأسرته وأبناء عمه وتم نقلهم إلى القاهرة، إلا أنه تمكن من مغادرة مصر والعودة إلى نجد عام 1243هـ وأصبح مساعد والده الأيمن في توطيد دعائم الدولة واستتباب الأمن، وعندما علم بمقتل والده اتجه مسرعاً من شرق البلاد إلى الرياض؛ فدخلها وحاصر مشاري بن عبد الرحمن بن حسن بن مشاري آل سعود في قصر الحكم وبموافقة من الإمام فيصل اتصل عبد الله بن رشيد بسويّد بن علي الذي كان مع مشاري بن عبد الرحمن داخل القصر، وتم الإتفاق على أن يسهل سويد بن علي دخول ابن رشيد وعدد من أتباع فيصل إلى القصر مقابل إعادته أميراً على بلدة جلاجل التي سبق أن عزله عن إمارتها الإمام تركي بن عبد الله، وقد تمكن ابن رشيد وعدد من اتباع فيصل بن تركي من دخول القصر حيث قبض على مشاري بن عبد الرحمن وقُتل وذلك بعد أربعين يوماً من اغتيال الإمام تركي بن عبد الله بن محمد آل سعود.[1][2]

كان الإمام تركي بن عبد الله قد أرسل ابنه فيصل إلى القطيف لحل بعض المشاكل حين استغل ابن عمته مشاري بن عبد الرحمن وجوده هناك؛ فدبّر مؤامرة دنيئة تسببت بمقتل الإمام تركي بن عبد الله ومن ثَم الاستيلاء على الحكم بالقوة.

اتحد فيصل بن تركي مع كل من: عبد الله بن علي الرشيد حاكم حائل، تركي الهزاني أمير بلدة الحريق، وعبد العزيز بن محمد بن حسن أمير بريدة، وعمر بن عفيصان أمير الأحساء، وأمير بلدة جلاجل سويد بن علي الذي جاء لزيارة الأمير تركي دون علمه بمقتله. وعندما حُوصر مشاري في القصر وضع سويد بن علي خطه لتسهيل مهمة دخول الجنود وتسلق الأسوار بالحبل ليدخلوا الرياض ويقتلوا مشاري بن عبد الرحمن وأعوانه مقابل أن يهبه الداهنة [3][4] ، وبايع الناس فيصل بن تركي إماماً لهم في شهر صفر عام 1250هـ، وقد بذل بعد ذلك أقصى جهده من أجل تثبيت حُكم أبيه في جميع المناطق.[5][6]

وكان محمد علي باشا قد غضب من أعمال فيصل بن تركي الهادفة إلى توحيد البلاد فأرسل قوة بقيادة خورشيد باشا مع الأمير خالد بن سعود الذي أصبح من أعوان محمد علي، وكان بذلك قد خرج على الإمام الشرعي، فمنحه محمد علي لقب قائمقامية وبذلك أراد محمد علي ان يوضح أن الحكم في نجد هو عبارة عن سلطة محلية وطنية تتم عن طريق تنصيب الأمير خالد بن سعود حاكماً لنجد. دارت معارك عدة بين الإمام فيصل بن تركي والحملة العسكرية، وحين علم الإمام فيصل أن كبار من معه قد راسلوا جماعتهم الذين مع خورشيد باشا يطلبون الأمان، اضطر أن يكتب إلى خورشيد باشابطلب الصلح ومن معه من الجنودوأن يحقن الدماء، فأعطاه خورشيد باشا الامان مقابل أن يتوجه إلى مصر لمقابلة محمد علي باشافوافق، فسيطرت قوات محمد علي على البلاد عام 1254 هـ، وسار الإمام فيصل بن تركي ومعه أبناؤه وإخوته إلى المدينة المنورة في نهاية شهر رمضان من عام 1254هـ ومنها إلى مصر.[7]

بدأت أوروبا تخشى من نفوذ محمد علي واضطرته لسحب قواته من نجد، وجعل الإمام خالد بن سعود حاكماً عليها مع عدد من الجنود للحماية، إلا أن خالداُ كان مكروهاً من قبل الأهالي؛ فاستغل عبد الله بن ثنيان تلك المشاعر السلبية تجاه الإمام خالد بن سعود والاستياء العام منه؛ فرفع راية المقاومة التي انتهت بانتصاره وتولّيه الحكم عام 1257 هـ -1259 هـ الذي دام عامين فقط، واتصف حكمه بالقوة والشدة حتى استاء الأهالي منه أيضاً، وفي تلك الأثناء عام 1259هـ كان الإمام فيصل بن تركي قد تمكن من الهرب من السجن مرة أخرى ومعه ابنه عبد الله وبعض أقاربه، أو كما رجح بعض المؤرخين أن الحكومة المصرية قررت إعادته إلى إمارة نجد إعجاباً برجاحة عقله، فأخرجوه وأقاربه من السجن ليلاً وكانت تنتظرهم بعض الجمال والخيول، ولم يفشِ سر خروجه لإبراهيم باشا إلا بعد يومين، ليأمر بتتبع أثره، لكنهم لم يعثروا عليه.[8][9]

حكم الإمام فيصل بن تركي في الفترة الثانية وذلك بعد هروبه من سجنه في القاهرة وعودته إلى الرياض، وكان قد تمكن من الهرب بمساعدة مجموعة من فرسان قبيلة عتيبة منهم ناصر ابن وهق أحد شيوخ عتيبة والبراق الثبيتي ورجال من قبيلة العصمة من عتيبة واستطاعوا العودة به إلى الرياض وقد أكدَ ذلك الأمير تركي العبد الله الفيصل في رواية له أثناء زيارته لمهرجان مزايين قبيلة عتيبة للإبل، وأيضاً هناك قصيده تمثّل بها أحد الشعراء من قبيلة عتيبة وذكر الأشخاص الذين قاموا بمساعدة الإمام فيصل، ودامت فترة حكمه الثانية 23 سنةً، قضاها في السيطرة على حركات التمرد وتحسين علاقاته بالحكومة المصرية والدولة العثمانية ووصفت بأنها فترةً هادئةً، وكانَ قد أرسل جيشاً بقيادة صالح ابن شلهوب من أهالي الدرعية إلى القصيم. ومن ثم دانت له سدير، وعسير، وأطراف الحجاز، واهتم بالرياض العاصمة ونظم شؤون الدولة وأمنها واستقرارها.[10][11][12]

كانت العلاقة بين قطر والدولة السعودية حسب حالات الضعف والقوة للجانبين، ففي فترة الدولة السعودية الأولى استطاع الإمام سعود بن عبد العزيز إخضاعها وإرغامها على دفع الزكاة واستمر هذا الوضع حتى سقوط الدرعية، وتلاشى بذلك النفوذ السعودي في المنطقة، لكنه عند تولي الإمام فيصل بن تركي لزمام الحكم وسيطرته على كثير من المناطق الوسطى، اتجهت أنظاره إلى الصعيد الخارجي وبعد إخضاعه للبحرين جهز حملة بقيادة ابنه عبد الله وأرسلها إلى قطر وحاصرت الحملة قصر البدع، وبعد معارك دامية بين الطرفين استطاع السيطرة عليها، ودفع أميرها الزكاة.[15]

سارت إليها حملة بقيادة سعد بن مطلق المطيري، واستعاد بها نفوذ الدولة السعودية، واستمر الحكم السعودي لواحات البريمي متقطعاً، وكانت قبائلها تستقل أحياناً كلما سنحت لها الفرصة، علاوة على أنها خضعت في بعض الفترات التاريخية إلى حكّام أبوظبي وذلك خلال الأعوام 1264-1265 هـ/1848-1849م. ولذا أرسل الإمام فيصل ابنه عبد الله في حملة عسكرية في جماد الثاني 1269هـ/مارس 1853م، أعلن من خلالها أمراء ساحل عمان الولاء والطاعة لسلطة الدولة السعودية.[16][17]

ظلت عسير إمارة مستقلة بذاتها تحت حكم آل عائض خلال النصف الثاني من القرن الثالث عشر الهجري والقرن التاسع عشر الميلادي، فلذلك كانت العلاقة بين عسير والدولة السعودية الثانية تقوم على التقدير وتبادل الهدايا.[18][19]

حافظ حكامها آل صباح على علاقات ودية مع الحكام السعوديين، ولم يخضعو للدولة السعودية إلا في بعض الفترات التاريخية؛ وكان ذلك خلال الأعوام 1229-1276هـ/1814-1859م، حيث كان اهتمام شيوخ الكويت منصبّاً على تجارتهم العابرة إليهم من منطقة نجد أكثر من اهتمامهم بالأوضاع السياسية لتلك المنطقة.

وعندما تولى خالد بن سعود زمام الأمور في نجد تأزمت العلاقة بين الطرفين نظراً لأسلوبه الجاف في التعامل معهم، إلا أنه في عام 1248هـ/1833م استطاع الإمام تركي بن عبد الله آل سعود فرض سيطرته على عمان، واستمرت هذه السيطرة في عهد ابنه الإمام فيصل في فترة حكمه الثانية حتى وفاته.[20]

كانت بريطانيا شديدة الحرص على منطقة الخليج، وكان أكثر ما يهمها أن تكون تلك المناطق آمنة، وطرقها مفتوحة، وذلك من أجل سلطتها في الهند، فهي تعترف دائماً بالأقوى في المنطقة إذا رأت في ذلك مصلحتها، وفي الوقت نفسه تعارض قيام أي سلطة تحاول المساس بأملاكها في الهند، ففي فترة حكم الإمام فيصل ازداد نفوذ الدولة السعودية في المنطقة وامتد خصوصا بعد انسحاب القوات المصرية منها، وأصبحت مصالح بريطانيا أكثر عرضة للخطر، فلذلك فضّلت تحسين علاقاتها مع الإمام فيصل فأعلنت سياسة الحياد وعدم التدخل في مصالح الجزيرة العربية، فامتنعت عن مساعدة المعارضين للإمام فيصل، إضافة إلى أنها أقنعت حاكمي عُمان والبحرين بدفع الزكاة للدولة السعودية بدلاً من سقوطهما واستيلاء الإمام فيصل بن تركي على بلديهما، وكان موقف الإمام فيصل بن تركي إزاء موقف بريطانيا وسياستها بعدم التدخل إظهار رغبة صادقة في تطوير العلاقات بين الطرفين.[21]

كانت الدولة السعودية في القرن التاسع عشر -كما كان الحال في عهد الإسلام الأول- تُمثل مزيجاً من الحكم العربي التقليدي، ففي الدولة السعودية الثانية كان الإمام هو القائد الأعلى ورئيس القضاء والرئيس التنفيذي للدولة، تحال إليه مباشرة جميع الأمور المهمة الداخلية والخارجية، السياسية والمالية والحربية. كما كان أيضاً يتولى إيفاد الممثلين الدبلوماسيين واستقبالهم، ويتلقى المكاتبات الرسمية، وينظر في جميع الشؤون المتعلقة بالحلفاء والجيران بما في ذلك البدو. كان أمراً طبيعياً أن يفوض الإمام السلطة إلى من هو أقل منه مرتبة من الموظفين، ولكن الديوان الملكي كان صغيراً وغير رسمي، ويتكون أهم أعضائه من أقارب الإمام المقربين وممن كان إخلاصهم يسمو على أية مصالح محلية، أما أفراد عائلة الشيخ محمد بن عبد الوهاب فكان لهم دوراً بارزاً خاصة بالشؤون الدينية. ومع ذلك كانت الجماعة الحاكمة صغيرة ومتواضعة.

وكانت فكرة استخدام أعضاء من الأسرة نفسها وخصوصاً الإخوة والأبناء تخدم غرضين:

ولهذا حاول الإمام فيصل تيسير الأمور بإعلانه أن عبد الله هو ولي العهد وأعطاه الرياض والمناطق الوسطى، وفي الوقت نفسه منح سعود استقلالاً ذاتياً في حرية إدارة المناطق الجنوبية تعويضاً له، أما ابنه الثالث محمد فقد منحه المسؤوليات الإدارية في المناطق الشمالية، أما عبد الرحمن أصغر أبناء الإمام لم يعيّن في وظيفة مستقلة؛ نظراً لصغر سنه.[22][23][24]

بالنسبة لدرجة السلطة التي تمارس في المناطق والأقاليم المختلفة من الدولة السعودية كانت تختلف بحسب بعد المنطقة المعنية عن الرياض، وتبع أيضاً للأسس ارتباطها الحقيقي وقوتها والعقيدة الدينية فيها.

ومن أبرز القضاة في عهده:

كان نظام القوات الحربية السعودية في عهد الإمام فيصل ما هو إلا استمرار للنظام الذي كان معمولاً به في المرحلة الأولى من التاريخ السعودي، حيث كان نظاماً على مستوى عالٍ من القدرة والكفاءة، وكان يتميّز بالحماس السعودي أو الوطني. فكان لكل مدينة وقبيلة نصيب محدود من الحيوانات، والرجال الذين كانوا عرضة للاستدعاء، وكانت تسجل تلك البيانات في سجلات خاصة؛ وتفيد هذه السجلات عند جمع الزكاة. فإذا كانت الحاجة تدعو إلى الاستدعاء كان الإمام يبلغ المدير المحلي عن عدد الرجال المطلوب استدعاؤهم، وكانت مسؤوليته تحتم عليه التأكد من استعداد الرجال ومن وصولهم إلى مكان معين متفق عليه من قبل. فكان يستدعي نصف البادية أولاً ثم يأتي النصف الآخر بالتناوب، أما في حالة الضرورة الملحة فإنه كان يستدعي جميع الرجال المقيدين. ويكون المحارب مزوّدا من حال نفسه بالمطية والأسلحة، أما الذخيرة فتزودهم بها الحكومة. وعند تجمع القوات كانت كل قبيلة أو مدينة تكوّن وحدة منفصلة، تحمل كل وحدة منها علمها الخاص بها. وبالنسبة للمرتبات فلم يكن للمحاربين مرتبات منتظمة، ولكنهم كانوا يتبعون التعاليم الإسلامية في تقسيم الغنائم التي يتم الإستيلاء عليها. وطبقاً للشريعة الإسلامية فإن خمس الغنائم يؤول للدولة، اما تقسيم الأربعة أخماس الباقية فيكون بين المحاربين. ولم يكن هناك جيش عامل، إلا أن القوة الوحيدة التي يطلق عليها هذا الأسم هي هيئة الحرس، وتتكون من الأتباع ويبلغ عددهم مئتين تقريباً؛ وهذه الهيئة التي احتفظ بها الإمام. وعادةً ما يكون أفرادها من العبيد والمعتوقين، وكانت مهامها شخصية واجتماعية أكثر منها وطنية. أما الحاميتان المهمتان الوحيدتان خارج الرياض، فهمًا: حاميتا الهفوف والبريمي. وكان أفرادها بالعادة من أهل نجد.

كانت لدولة خطوط ساحلية طويلة إلا أن الإمام فيصل لم يحاول مطلقاً إنشاء أسطول بحري منظم، واعتمد بدلاً عن ذلك على المعونات البحرية من البلدان الساحلية كالبحرين، وكان من مساؤى ذلك:

وكانت قوات الإمام فيصل تتكون بصفة أساسية من المشاة والفرسان.[22][26]

أمر الإمام فيصل بإنشاء الجامع الكبير في وسط الرياض، وقد راعى في موقعه قربه من الأحياء السكنية، بالإضافة إلى قربه من قصره، وقد أصبح من أكبر مساجد الرياض والمكتظة بطلاب العلم وحلقات الذكر، وقد عيّن فيما ابنه الإمام عبدالله بن فيصل الشيخ محمد بن إبراهيم بن محمود أبرز علماء نجد آنذاك إماماً بالمسجد.[27]

توفي الإمام فيصل في الرياض عام 1282 هـ الموافق 1865 ، وخلفه ابنه الإمام عبد الله بن فيصل بن تركي آل سعود.[28][29]


1250 هـ - 1254 هـ


1259 هـ - 1282 هـ