عبد القادر الجيلاني

عبد القادر الجيلي أو الجيلاني أو الكيلاني (470 - 561 هـ)، هو أبو محمد عبد القادر بن موسى بن عبد الله، يعرف ويلقب في التراث المغاربي بالشيخ بوعلام الجيلاني، وبالمشرق عبد القادر الجيلاني، ويعرف أيضا ب"سلطان الأولياء"، وهو إمام صوفي وفقيه حنبلي شافعي،[2][3] لقبه أتباعه بـ"باز الله الأشهب" و"تاج العارفين" و"محيي الدين" و"قطب بغداد". وإليه تنتسب الطريقة القادرية الصوفية.

أبو محمد عبد القادر بن موسى بن عبد الله بن يحيى بن محمد بن داود[4] بن موسى بن عبد الله بن موسى بن عبد الله بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف بن قصي بن كلاب بن مرة بن كعب بن لؤي بن غالب بن فهر بن مالك بن قريش بن كنانة بن خزيمة بن مدركة بن إلياس بن مضر بن نزار بن معد بن عدنان.[5]

أنجب عبد القادر عدداً كبيراً من الأولاد، وقد عنى بتربيتهم وتهذيبهم على يديه واشتهر منهم عشرة:

ولد في 11 ربيع الثاني سنة 470 هـ/ 1077 م،[10][11] وهناك خلاف في محل ولادتهِ،[12] حيث توجد روايات متعددة أهمها القول بولادتهِ في جيلان في شمال بلاد فارس حالياً على ضفاف بحر قزوين، والقول الآخر أنه ولد في جيلان العراق وهي قرية تاريخية قرب المدائن التي تبعد حوالي 40 كيلو متر جنوب بغداد، وهو ما أثبتته الدراسات التاريخية الأكاديمية وتعتمده العائلة الكيلانية ببغداد،[13][14] وقد نشأ عبد القادر في أسرة وصفتها المصادر بالصالحة، فقد كان والده أبو صالح موسى معروفاً بالزهد، وكان شعاره مجاهدة النفس وتزكيتها بالأعمال الصالحة، ولهذا كان لقبهُ "محب الجهاد".[15]

كان عبد القادر الجيلاني قد نال قسطاً من علوم الشريعة في حداثة سنه على أيدي أفراد من أسرته، ولمتابعة طلبه للعلم رحل إلى بغداد ودخلها سنة 488 هـ الموافق 1095م وعمره ثمانية عشر عاماً[16] في عهد الخليفة العباسي المستظهر بالله. وبعد أن استقر في بغداد انتسب إلى مدرسة الشيخ أبو سعيد المخرمي التي كانت تقع في حارة باب الأزج، في أقصى الشرق من جانب الرصافة، وتسمى الآن محلة باب الشيخ.

وكان العهد الذي قدم فيه الشيخ الجيلاني إلى بغداد تسوده الفوضى التي عمت كافة أنحاء الدولة العباسية، حيث كان الصليبيون يهاجمون ثغور الشام، وقد تمكنوا من الاستيلاء على أنطاكية وبيت المقدس وقتلوا فيهما خلقا كثيرا من المسلمين ونهبوا أموالاً كثيرة. وكان السلطان التركي "بركياروق" قد زحف بجيش كبير يقصد بغداد ليرغم الخليفة على عزل وزيره "ابن جهير" فاستنجد الخليفة بالسلطان السلجوقي "محمد بن ملكشاه" ودارت بين السلطانين التركي والسلجوقي معارك عديدة كانت الحرب فيها سجالا، وكلما انتصر أحدهما على الآخر كانت خطبة يوم الجمعة تعقد باسمه بعد اسم الخليفة.

وكانت فرقة الباطنية قد نشطت في مؤامراتها السرية واستطاعت أن تقضي على عدد كبير من أمراء المسلمين وقادتهم فجهز السلطان السلجوقي جيشاً كبيراً سار به إلى إيران فحاصر قلعة "أصفهان" التي كانت مقراً لفرقة الباطنية وبعد حصار شديد استسلم أهل القلعة فاستولى عليها السلطان وقتل من فيها من المتمردين، وكان "صدقة بن مزيد" من أمراء بني مزيد من قبيلة بني أسد قد خرج بجيش من العرب والأكراد يريد الاستيلاء على بغداد فتصدى له السلطان السلجوقي بجيش كبير من السلاجقة فتغلب عليه. وكان المجرمون وغيرهم من العاطلين والأشقياء ينتهزون فرصة انشغال السلاطين بالقتال فيعبثون بالأمن في المدن يقتلون الناس ويسلبون أموالهم فإذا عاد السلاطين من القتال انشغلوا بتأديب المجرمين.[17]

لقد تدهورت الحياة الاجتماعية في القرن السادس الهجري بسبب الفساد السياسي الذي استنزف القدرات الاجتماعية والمادية والمعنوية، كما يرجع الأمر إلى الفتن المختلفة وإلى الأزمات الاقتصادية وانتشار الأوبئة، وهذه العوامل كلها ساهمت في تدمير البنيات الاجتماعية المادية والمعنوية التي كانت من مقومات القوة والنماء، لذلك خربت المدن وانقطعت الطرق وانتشرت السرقة، ولم تسلم منها حتى قوافل الحجاج، حيث يغار عليها جهارا نهارا، لذلك ساءت العلاقات الاجتماعية المختلفة. ويشهد على ذلك ما وقع خلال هذه السنوات:

ومن الكوارث الطبيعية التي شهدها هذا القرن الزلازل والجفاف والفيضانات، فالزلازل لم تتوقف طوال هذا القرن، وقد اهتم المؤرخون بذكرها ووصف أحوالها وآثارها، وكانت تضرب البلاد الكثيرة وتحدث أضرارا كبيرة في البنايات سواء كانت منازل أو مرافق عامة كالجسور وغيرها. وكذلك كارثة الجفاف التي كانت آثارها وخيمة على معيشة ناس واستقرارهم، لأن انقطاع الأمطار أدى إلى قلة الغلة والمحاصيل ثم إلى الغلاء وإلى ارتحال الناس عن الديار والبلاد، وإلى موت الحيوانات التي هي من المصادر الأساسية لمعاش الإنسان، وقد أسهم ذلك كله في إضعاف المسيرة الحضارية للمسلمين.[29]

كان الصراع الفكري على أشده في هذا القرن بين الفرق الكلامية وبينها وبين المذاهب الفقهية، وما وقع في هذا القرن إنما هو استمرار للاختلاف القديم في مسائل السياسة والعقائد، مع العلم أن الاختلاف الفكري في حد ذاته ليس نقمة بكامله، ولا هو ميزة خاصة بالثقافة الإسلامية، لأن جميع الديانات الأخرى عرفت أشكالا وأنواعا من الاختلافات في الأصول والفروع معا. وقد نشأ علم الكلام من الاختلاف في الأصول، ونشأ علم الفقه من الاختلاف في الفروع، وكان الاختلاف في الأصول في أربع مسائل كبرى: أولا: الصفات والتوحيد، ثانيا: القضاء والقدر، ثالثا: الوعد والوعيد، ورابعا: النبوة والإمامة.[30] ويتميز القرن السادس الهجري من الناحية الفكرية باتساع موضوع التفكير في العلوم الشرعية، وكذلك الحال في العلوم الأخرى، كالعلوم العقلية والطبيعية والاجتماعية، كما تتميز بكثرة الإنتاج في جميع تلك العلوم، وبنمو سلطة الفرق والمذاهب في ضم وتجنيد الناس في صفوفها. أما كثرة العلماء المناصرين للفرق والمذاهب فقد عمقت مجال الصراع الفكري وأعطته حماسا كبيرا، ولم يكن الهدف عندهم إلا الانتصار على الخصم. ويتميز هذا القرن أيضا بوجود كثرة الزهاد والمتصوفة، وهذا يعني أن المسلمين صاروا يندفعون إلى البحث عن الخلاص الفردي لا الجماعي، اندفاعا جعل الحياة الاجتماعية مشلولة، وفتحوا بذلك بابا على مصراعيه أمام اليهود والنصارى، الذين تغلغلوا في وظائف الدولة، وشؤون الحياة المختلفة، وهذا من الأمور التي ساهمت في انتشار الأهواء والبدع. ويشعر الخلفاء والأمراء في بعض الأحيان بهذا التغلغل، فيأمرون بعزل اليهود والنصارى من دواوين الدولة، مثلما أمر الخليفة العباسي الناصر لدين الله أن لا يستخدم في الديوان يهودي أو نصراني، وأن لا يستعان بهم مهما كانت الحاجة ملحة. مع العلم أن هذه الأوامر النهاية عن استخدام اليهود قليلة وتعد على الأصابع.[31] ونتيجة لسوء الأحوال الاجتماعية سياسيا واقتصاديا مال الناس إلى التقليد ورفضوا الاجتهاد والتجديد، لأن أفهامهم صماء وعقولهم جدباء في بعض العهود كهذا العهد، وكان ذلك كله من علامات بداية الانحطاط. وأدى الصراع الفكري بدوره إلى إثارة فتن دموية في بعض الأحيان، مثل الفتنة التي نشبت بين العلويين الشيعة والشافعية في سنة 554 هـ باستراباذ[32] وفتنة أخرى سنة 560 هـ في أصفهان بسبب التعصب للمذاهب وهي فتنة قتل فيها كثير من الناس.[33] وهذا أما محاكمات العلماء تعسفا وطردهم من البلاد أو حملهم على الخروج منها أو تحريض العامة عليهم أو حرق كتبهم، فلم يسلم منها إلا القليل، ومنها على سبيل المثال لا الحصر، محاكمة الركن عبد السلام بن عبد الوهاب الكيلاني (548-611 هـ) الذي كان حنبليا، عارفا بالمنطق والفلسفة، وقد اتهم بأقوال الفلاسفة، لذلك وقعت له محنة في عهد الوزير ابن يونس فأحرقت مكتبته في رحبة ببغداد، وخرجت مدرسة جده من يده ويد أبيه عبد الوهاب، وفوضت إلى أبي الفرج ابن الجوزي597 هـ)، وأدخل السجن مدة ثم أفرج عنه سنة 589 هـ لما قبض على الوزير ابن يونس فرد إليه ما سلب منه.[34] وهناك خروج سيف الدين الآمدي (551-631 هـ) من العراق إلى الشام ثم إلى مصر سنة 592 هـ لأنه متهم بفساد العقيدة ومذهب الفلاسفة لما أظهر من علوم الأوائل، ومرة أخرى انتقل خفية من مصر إلى الشام ولم يكن حظه سعيدا هنالك، حيث عزل عن التدريس وأقام مختفيا في بيته حتى توفى.[35] هذا في المشرق وأما في المغرب فقد عاش ابن رشد (520-595 هـ) محنة شديدة فأحرقت كتبه وأخرج من قرطبة. وأما فخر الدين الرازي فطرد من بلاد كثيرة بسبب آرائه الفلسلفية والدينية لأنها ليست متحجرة ولا مقلدة، كما كان حال الفقهاء وأشباه العلماء في عصره، وإنما كان مجتهدا ومجددا في العلوم العقلية والنقلية معا، وكان جريئا ومدافعا بقوة عن آرائه. يذكر المؤرخين أن أعظم فتنة وقعت له سنة 595 هـ بهراة، وقد قيل: لما بنى ابن أخت غياث الدين مدرسة له، نزل ذلك كالصاعقة على الكرامية، وفي راوية أخرى: أن الفتنة حصلت بسبب مناظرة الرازي لابن القدوة، وهو مقدم الكرامية ولم تخمد إلا بإخراج الرازي من هراة.[36]

نلاحظ مما سبق أن عصر الجيلاني يتميز باضمحلال الخلافة العباسية، وتفكك السلطة المركزية إلى دول كثيرة، حيث تتناحر هذه الدول على استقطاب الخلفاء، ويدخلون في حروب فيما بينهم وبين الخليفة، مما أثر سلبا على جميع ميادين الحياة. بالإضافة إلى ذلك فهذا العصر لم ينج من الكوارث الطبيعية الكثيرة كزلازل والجفاف التي اهتم المؤرخون بذكرها وإحصاء الخسائر المترتبة عنها وآثارها على المسيرة الحضارية. كما يتميز أيضا بظهور العلماء الأعلام في كل علم وفن، ويمكن الإشارة إلى أهم الظواهر التي سادت هذا العصر، وإلى العوامل التي كانت سببا في الاضمحلال والتقوقع، وهي بإيجاز:

وفي غمرة هذه الفوضى كان الشيخ عبد القادر يطلب العلم في بغداد، وتفقه على مجموعة من شيوخ الحنابلة ومن بينهم الشيخ أبوسعيد المُخَرِمي، فبرع في المذهب والخلاف والأصول وقرأ الأدب وسمع الحديث على كبار المحدثين. وقد أمضى ثلاثين عاما يدرس فيها علوم الشريعة أصولها وفروعها.[20]

وللشيخ عبد القادر، سفرة ثانية في حياته وهي من بغداد إلى مدينة بعقوبة، بقصد الكسب وقد وصفها بقوله: كان جماعة من أهل بغداد يشتغلون بالفقه فاذا كان أيام الغلة يخرجون إلى الريف يطلبون شيئا من الغلة فقالوا لي يوما أخرج معنا إلى بعقوبة نحصل منها شيئا.... فخرجت معهم وكان في بعقوبة رجل صالح يقال له الشريف البعقوبي فمضيت لأزوره فقال لي: مريدو الحق والصالحون، لا يسئلون الناس شيئا، ونهاني أن أسئل الناس فما خرجت إلى موضع قط بعد ذلك. وكان لهذهِ السفرة وقع بليغ في نفس الشيخ عبد القادر، حيث تركت فيهِ اثرًا عميقًا وعلمته درسًا بليغًا نافعًا، ويظهر من امتناع الجيلي عن السؤال قوة الإرادة الصادقة في الامتثال لقبول النصيحة كما يظهر استعداده للطاعة عند صدور الأمر الصالح.[38]

عقد الشيخ أبو سعيد المُخَرِمي لتلميذه عبد القادر مجالس الوعظ في مدرسته بباب الأزج في بداية 501 هـ، فصار يعظ فيها ثلاثة أيام من كل أسبوع، بكرة الأحد وبكرة الجمعة وعشية الثلاثاء، ولقد كان أول كلامه: "غوّاص الفكر يغوص في بحر القلب على درر المعارف، فيستخرجها إلى ساحل الصدر، فينادي عليها سمسار ترجمان اللسان، فتشترى بنفائس أثمان حسن الطاعة، في بيوت أذن الله أن ترفع"، واستطاع الشيخ عبد القادر بالموعظة الحسنة أن يرد كثيراً من الحكام الظالمين عن ظلمهم وأن يرد كثيراً من الضالين عن ضلالتهم، حيث كان الوزراء والأمراء والأعيان يحضرون مجالسه، وكانت عامة الناس أشد تأثراً بوعظه، فقد تاب على يديه أكثر من مائة ألف من قطاع الطرق وأهل الشقاوة، وأسلم على يديه ما يزيد على خمسة الآف من اليهود والمسيحيين. والجيلاني ألتقى بالغزالي وتأثر به حتى أنه ألف كتابه "الغُنية لطالبي طريق الحق" على نمط كتاب "إحياء علوم الدين".[39][40] وكان الشيخ عبد القادر يسيطر على قلوب المستمعين إلى وعظه حتى أنه استغرق مرة في كلامه وهو على كرسي الوعظ فانحلت طية من عمامته وهو لا يدري فألقى الحاضرون عمائهم وطواقيهم تقليداً له وهم لايشعرون.

وبعد أن توفي أبو سعيد المبارك المخزومي فوضت مدرسته إلى الشيخ عبد القادر الجيلاني فجلس فيها للتدريس والفتوى، وجعل طلاب العلم يقبلون على مدرسته إقبالا عظيما حتى ضاقت بهم فأضيف إليها من ما جاورها من المنازل والأمكنة ما يزيد على مثلها وبذل الأغنياء أموالهم في عمارتهم وعمل الفقراء فيها بأنفسهم حتى تم بناؤها سنة 528 هـ الموافق 1133م. وصارت منسوبة إليه.

وكان الشيخ عبد القادر عالما متبصرا يتكلم في ثلاثة عشر علماً من علوم اللغة والشريعة، حيث كان الطلاب يقرأون عليه في مدرسته دروسا من التفسير والحديث والمذهب والخلاف والأصول واللغة، وكان يقرأ القرآن بالقراءات وكان يفتي على مذهب الإمام الشافعي والإمام أحمد بن حنبل وهناك رواية تقول أنه أفتى على مذهب الإمام أبي حنيفة النعمان.[41]

يضع عبد القادر الجيلاني لتحقيق ذلك، بالاتصاف بصفات أساسها المجاهدة، والتحلي باعمال عشرة هي :

تتجسد أهم هذه المفردات فيما يلي :

قال الشيخ عبد القادر الجيلاني في القصيدة العينية:

لقد أسس الجيلاني طريقته وفق الكتاب والسنة ووضع لها ضوابط شرعية حتى لا يكثر الشطط والنقصان والتغيير والابتداع ويدعي المشيخة من يقدر ومن لا يقدر ومن يعلم ومن لا يعلم. فوضع الشيخ ضوابط وشروط ينبغي أن تتوفر بالشيخ المرشد الذي يتصدر للإرشاد وهذه الشروط هي:[44]

لقد بين الشيخ في هذه الأبيات بعض شروط الشيخ المربي وهي خمس. فإن لم تتوفر فيه فليس لديه الأهلية للإرشاد وهذه الشروط هي:

وينتشر أتباع المدرسة التربوية القادرية في كثير من البلاد أشهرها سوريا وتركيا والعراق والمغرب والجزائر وموريتانيا والسنغال وفلسطين ولبنان وموزمبيق والكاميرون ونيجيريا والصين وفرنساوبلجيكاوالاتحاد السوفيتي وغانا وإيران والجزائر والسودان والنيجر ومالي وغينيا وتشاد وأفغانستان وباكستان والصومال وأندونيسيا ويوغسلافيا ومصر وتونس وماليزياوارتيريا.[48]

استطاع الشيخ عبد القادر بالموعظة الحسنة أن يردَّ كثيراً من الحكام الظالمين عن ظلمهم وأن يردَّ كثيراً من الضالين عن ضلالتهم وخصَّ الحاكمين بانتقاداته وحذّر الناس من الانصياع لهم بما يخالف الشريعة يقول في أحد مجالسه "صارت الملوك لكثير من الخلق آلهة. قد صارت الدنيا والغنى والعافية والحول والقوة آلهة، ويحكم جعلتم الفرع أصلاً، المرزوق رازقاً، والمملوك مالكاً، الفقير غنياً، العاجز قويا والميت حياً،.. إذا عَّظمت جبابرة الدنيا وفراعينها وملوكها وأغنياءها ونسيت الله عز وجل ولم تعظِّمه، فحكمك حكم من عبد الأصنام، تصيّر مَنْ عظّمتَ صنمَك"، وانتقد الولاة والموظفين الذين يجتهدون في تنفيذ أوامر السلاطين دون تحرز ولم تتوقف انتقادات الشيخ عبد القادر للحكام عند المواعظ العامة، وإنما تناولت المواقف الخاصة التي تبرز فيها انحرافات أو مظالم، ففي عام 541ه /1146م ولّى الخليفة محمد المقتفي لأمر الله يحيى بن سعيد المعروف بابن المرجم القضاء. فمضى الأخير في ظلم الرعايا ومصادرة الأموال وأخذ الرشاوي، فكتبت ضده المنشورات وألصقت في المساجد والشوارع دون أن يستطيع أحد أن يجهر بمعارضته. ويذكر سبط ابن الجوزي أن الشيخ عبد القادر، اغتنم وجود الخليفة في المسجد وخاطبه من على المنبر قائلاً "وليت على المسلمين أظلم الظالمين وما جوابك غداً عند رب العالمين"، فعزل الخليفة القاضي المذكور ولقد تكررت هذه المواقف مع الوزراء والرؤساء والحجاب، وتذكر المصادر التاريخية أن هؤلاء كانوا يستمعون لملاحظات الشيخ عبد القادر لاعتقادهم بصلاحه وصدق أغراضه، فلقد حرص الشيخ عبد القادر على أن يبقى بعيداً عن مواطن الشبهات أو التقرب للحكام، فقد ذكر عنه أنه ما ألمّ بباب حاكم قط.[49]

قام بحركة تجديدية في بث روح الإيمان وفتح مدرسته ببغداد معتمداً فيها على الوقف الخيري، تغذية وسكن لرواد المدرسة، ثم انطلق رواد المدرسة في سائر أقاليم العالم الإسلامي وعلى نفس المدرسة نهجاً وممارسة، فتحوا قرابة “400” مدرسة، وكان الشعار هو “لكلّ مذهبه الفقهي والفكري وهدفنا واحد هو تحرير القدس من نير الاحتلال الصليبي” الذي جثم عليها قرابة “90” عاماً لقد اعتمد الجيلاني منهجاً سلوكياً في التزكية ـ صناعة الإنسان على مائدة الإيمان ـ وفعلاً نجح الجيلاني في إعداد جيل “الرواد” الذين حملوا الفكرة ثم نشروها عبر مدارسهم في سائر الأقاليم فظهر جيل جديد من الجنسين حيث سجل التاريخ نساءً بدرجة الإفتاء في الشام “فقط في الفترة التي تولى فيها صلاح الدين الأيوبي” بلغ العدد “800” امرأة خريجات مدرسة الجيلاني الأصلية أو فروعها! ليأتي صلاح الدين على قمة جيل يفور حيوية وتضحية، منسجم الرؤية “في قواسم مشتركة” أبرزها تطهير القدس من رجس الاحتلال وكذا احترام الآخر أياً كان مذهبه الفكري أو الفقهي، وكذا الزهد في الدنيا ـ بأن يجعلوها في اليد لافي القلب وهذا أكد عليه الجيلاني في خطابه تكراراً أو مراراً ودعا للأخذ بالأسباب مخالفاً ومحارباً لما كان قد ترسخ في الخطاب الصوفي المنحرف، مؤكداً أن ترك الأسباب مخالف للشريعة، إذ لا فرق بين تارك الأخذ بالأسباب وتارك الصلاة التي تعد من أقوى الأسباب المانعة من الوقوع في الفحشاء والمنكر، وكذا سائر الشعائر التعبدية.[50]

كما أن الجيلاني استفاد من تجارب المدارس الإصلاحية التي سبقته كمدرسة أستاذه “أبي حامد الغزالي” التي كانت ضمن المدرسة الفكرية النظامية، حيث كان الداعم لمدرسة الغزالي، الوزير السلجوقي نظام الملك وهنا استفاد الجيلاني من فكرة المدرسة النظامية وبنفس المنهج التزكوي، الجيلاني رفع شعاره “لكل مذهبه....في إطار الكتاب والسنة”.[51]

صنف عبد القادر الجيلاني مصنفات كثيرة في الأصول والفروع وفي أهل الأحوال والحقائق والتصوف، منها ما هو مطبوع ومنها مخطوط ومنها مصوّر، وفيها المنسوب، وترجمت أغلب مؤلفاته إلى اللغات العالمية ولا سيما اللغة الإنجليزية بواسطة (مختار هولاند 1935_2010)[52] منها:

"لم يكن الجيلاني شاعرا بالمعنى الدقيق لهذه الكلمة، وإنما كان الشعر عنده أداة تناسب التعبير عن المعاني الصوفية الدقيقة، لا تكمن في قيمتها الأدبية، بقدر ماترجع إلى خطورتها في التعبير عن الحقائق الصوفية والتي إختبأت بين حروف الكلمات، ويشار إليها تلويحا وتلميحا لنفس الأسباب، التي جعلت شعر الصوفية رمزياً، ولابد من الإشارة إلى أن بعض القصائد المنسوبة إلى الجيلاني، غير صحيحة في نسبتها إليهِ، وذلك لما حوته من خروج على المنهج المعروف للجيلاني الملتزم،.[56] ومن أجمل قصائد ديوان الجيلاني رائعته المعروفة باسم "بلبل الأفراح"، وهي تعبير "كما يقول الشاعر فالح الكيلاني الذي قام بشرح ديوان الجيلاني" عن فرط المحبة وفيضان الوجد، وقد عمد الجيلاني فيها إلى الرمزية الصوفية، التي طالما أشار بها الصوفية لمعانيهم الذوقية.[57][58]


لقد تعددت موضوعات النثر عند الشيخ عبد القادر الجيلاني فكانت عبارة عن خطب ووصايا ورسائل وحكم وأقوال وأدعية ومناجاة ومحاورات وأهتم في أكثرها بموضوعات يكثر فيها القول عن التصوف السليم وأحواله ومقاماته وعن المناجاة والحب الإلهي والورع والتقوى، هذا فضلا عن مؤلفاته الكثيرة وأقواله التي تنم عن فكر واسع ومنهج سليم وخطوات متوازنة في التأليف والكتابة، ومن روائع خطبه التي يتجلى فيها أسلوبه "أيها الناس، يا ابن آدم، عش ماشئت في الدنيا فإن الموت سيأتيك، وشيد القصور ما أردت فإن التراب سيواريك، وأحبب الدنيا ما أستطعت فأنك ستفارقها وهي تعاديك، وأعمل ما أستطعت فإن الله بعملك سيجازيك، وأضحك ما قدرت، ففراق الأحباب يحزنك ويبكيك، يا ابن آدم أقتنع من الدنيا بمنزل يأويك ورزق يكفيك، ولاتكسل من طلب الرزق، فإن الذي تكفل به يطعمك ويسقيك، ولو ملكت الدنيا بأكملها فعن الله لا تغنيك، فأحذر أن تغرك بنعيمها، فأنه يشغلك عن ذكر الله ويلهيك وصالح أعمالك فأنها ستلاقيها وهي تلاقيك".[41]

ومن جميل نثره دعائه " اللهم من لا تراه العيون ولا تخالطه الظنون ولا يصفه الواصفون، ولا يخاف الدوائر، ولا تفنيه العواقب... اللهم اجعل خير عملي خواتمه، وخير أيامي يوم ألقاك فيه، أنك على كل شيء قدير" لقد اختار الجيلاني في موضوعاته النثرية الالفاض والمعاني التي تناسب مقام دعوته فظهرت الفاض تنم عن قدرة بلاغية عالية وظهرت معان توضح لنا حسن أختيار المعنى المناسب في المكان المناسب، فكانت الفاظه ومعانيه تشح صدقا عظيما نتج عنه عاطفة متأججه بتأجج الوضع الذي عاصره.[59]

يقع في ثلاث مجلدات، ذكر فيه ثلاثة علوم، فابتدأ بالفقه في باب العبادات ثم العقائد والفرق الإسلامية، ثم الأخلاق والآداب الإسلامية والمواعظ الحسنة (التصوف).[60] عده بعض الباحثين، من مختصرات كتاب أحياء علوم الدين للغزالي كونه كتب على نفس المنهجية والنفس ولكن الجيلاني توسع فيه بشكل كبير ووضع فيه جل خبرته العلمية مما جعله مرجعا مقبولا عند العلماء والناس.[61] سبب تسمية الكتاب بالغنية هو القناعة التي وصل لها الجيلاني بأن العلم والفقه الحقيقي هو الذي ينعكس على سلوك الإنسان نتيجة يقينه بأن الآخرة خيرٌ من الأولى، وهو بذلك يذم ما يسمى علوماً دينية وتبنى على الإغراق في التفاصيل الفقهية وترتيب المناظرات والفوز بها، وقد قسم الكتاب إلى أربع أجزاء بعد مقدمة عن العلم والتفريق بين أنواعه.

معظم ما كتبه الجيلاني في الغنية يبدأ عادة بشرح واستدلال بآية من القرآن الكريم ثم بحديث ثم بأخبار الصحابة ثم بأخبار الصالحين. إن الجدال والنقاش والرد على استدلالات أصحاب الفرق يعد أبرز معالم منهج الجيلاني في الغنية. فقد اشتهر بمناظراته لأصحاب الملل والمذاهب المختلفة مثل المعتزلة، والمرجئة، والخوارج، والشيعة، والكرامية، والفلاسفة، وغيرهم، والمتتبع للكتاب يجد كثيراً من رده على أصحاب هذه المذاهب.[62] فقد كان مجادلاً ماهراً حيث كان يثير الأسئلة ويسرد أدلة الخصم بكل دقة وأمانة، ثم يرد عليها وينقضها بأسلوب يتمثل بالعلمية والمنهجية والموضوعية.[63] قد بنى الجيلاني كتابه على أربعة أرباع، على النحو الاتي:

كان الجيلاني يفتي على المذهب الشافعي بالإضافة إلى المذهب الحنبلي لذلك قال عنه النووي: إنه كان شيخ الشافعية والحنابلة في بغداد. ولقد علّق على ذلك أبو عبد الله محمد المسناوي الدلائي (ت 1136هـ) فيما كتبه عن الشيخ قائلاً: «وهذا مما يدل على أنه لم يكن متقيداً بمذهب أحمد حتى في الفروع، وكأنه كان يختار من المذهبين، بمقتضی غزير علمه، وسدید نظره، الأحوط للدين، والأوفق باليقين، كما هو شأن أهل الرسوخ في العلم والتكوين».[64] وقد بين الجيلاني عقيدته في المقالة التي وردت في آخر كتابه (فتوح الغيب) كما أوردها إسماعيل بن محمد سعيد القادري في كتاب (الفيوضات الربانية في المآثر والأوراد القادرية).[65]

أبو الثناء شهاب الدين الآلوسي يقول : « معنى الباز الأشهب عند الصوفية : المتمكن في الأحوال، فلا تزحزحه الطوارق عن درجات الرجال، مع الخلق بظاهره ومع الحق بسرائره، رؤيته سنية، وهمته عليّة وهو عون للخائفين وحظ للعارفين، ويتمم جمال الدين فالح الكيلاني بقوله الباز: طائر جارح طويل الذيل وحاد البصر، يعيش في الغابات، ويصطاد بالانقضاض على الفريسة بسرعة كبيرة من مكان مرتفع ومخفي، والأشهب: الذي غلب البياض على لونه، وهو لقب أطلق على بعض العلماء في التاريخ، ولكنه بات مصطلحا على الجيلاني، ومثل تمكنه من العلم، كمثل طائر الباز المنقض على فريسته والمعروف بكونه [ "قطب بغداد عند الصوفية" ] صاحب القدح المعلى من ذلك لقب بما ذكر، وكان هو أيضاً يقول : أَنَا بُلْبُلُ الأَفْرَاحِ أَمْلأَ دَوْحَها.... طَرَباً وَفِي الْعَلْيَاءِ بَازٌ أَشْهَبُ »!.[66]

كما أشاد به سبط ابن الجوزي الحنفي في كتابه (مرآة الزمان في تاريخ الأعيان).[65]

توفي الجيلاني ليلة السبت 10 ربيع الثاني سنة 561 هـ، جهزه وصلى عليه ولده عبد الوهّاب في جماعة من حضر من أولاده وأصحابه، ثم دفن في رواق مدرسته،[79] ولم يفتح باب المدرسة حتى علا النهار وهرع الناس للصلاة على قبره وزيارته، وبلغ تسعين سنة من عمره. ذكر العلامة سالم الالوسي، ان الرئيس أحمد حسن البكر في بداية حكمه، طالب إيران باسترجاع رفات الخليفة هارون الرشيد، كونه رمز لبغداد في عصرها الذهبي، وذلك بدعوة وحث من عبد الجبار الجومرد وزير الخارجية العراقي السابق في عهد عبد الكريم قاسم، ولكن إيران امتنعت، وبالمقابل طلبت استرجاع رفات الشيخ عبد القادر الكيلاني، كونه من مواليد كيلان في إيران، وعندها طلب الرئيس من العلامة مصطفى جواد، بيان الامر، فأجاب مصطفى جواد: ان المصادر التي تذكر ان الشيخ عبد القادر مواليد كيلان في إيران، مصادر تعتمد رواية واحدة وتناقلتها بدون دراسة وتحقيق، اما الاصوب فهو من مواليد قرية تسمى (الجيل) قرب المدائن، ولاصحة كونه من إيران أو ان جده اسمه جيلان، وهو ما اكده العلامة حسين علي محفوظ في مهرجان جلولاء الذي اقامه اتحاد المؤرخين العرب وكان الالوسي حاضرا أيضا سنة 1996، وفعلا أبلغت مملكة إيران بذلك ولكن بتدخل من دولة عربية اغلق الموضوع.[80]، بل في عام 1958م و1960م ذُكرتْ نُسبته إلى الجيلي[81] فقط حيناً، ولم يُكتب (الكيلاني) إلا بين قوسين.[82]

وقيل في رثاء الشيخ عبد القادر قصيدة لنصر النميري قالها غداة دفن الشيخ عبد القادر، فيها دلالات على مكانة الجيلاني في الفقه والتصوف، فمنها قوله:[83]


الخوارزمي


مبنى الحضرة القادرية في عام 1914
مبنى مدرسة باب الأزج التي تسمى الآن جامع الشيخ عبد القادر وفيها ضريحه ببغداد
ضريح الإمام عبد القادر الجيلاني