ظاهرية

الظاهرية مذهب فقهي، وقيل منهج فكري وفقهي، نشأ المذهب في بغداد في منتصف القرن الثالث الهجري (وبذلك يعد من ضمن الثلاث القرون الأولى)، إمامهم داود بن علي الظاهري ثم تزعمهم وأظهر شأنهم وأمرهم الإمام علي بن حزم الأندلسي. وتعد بعض المصادر أن الظاهرية هو المذهب السني الخامس.

المدرسة الظاهرية تنادي بالتمسك وفق رؤيتها بالقرآن الذي هو كلام الله وسنة الرسول وذلك بحسب الدلالة المتيقنة منهما وإجماع الصحابة، وطرح كل ما عدا ذلك من الأمور التي تعتبرها ظنية (كالرأي والقياس واستحسان ومصالح مرسلة وسد الذرائع وشرع من قبلنا...)، فالظاهرية تسعى لتقرير مراد الله من العباد في اتباع البراهين وهي الأدلة الثابتة من كتاب الله والسنة وأجماع الصحابة، وشاع كثيرا أن أتباع المدرسة الظاهرية يقولون بالقياس الجلي، وهذا باطل إذ الظاهرية المنتسبون للظاهر ينكرون هذا وعلى رأسهم الإمام ابن حزم في المحلى، وقد نقل ابن الصلاح عنهم أنهم لا يقولون به وعد هذا من الشذوذ.

يعتقد الظاهرية أن أصول منهجهم ومدرستهم مستمدة مما كان عليه النبي محمد وأصحابه من غير زيادة ولا نقصان إلا ما يعتري البشر من الخطأ والنسيان، فهم يرون العمل بالقطعيات المتيقنات وترك الظنون والآراء (ذهب بعضهم بجواز الأخذ بغالب الظن)لأن القطعيات هي ما أجمعت عليه الأمة وهو لايفي أبدا في إثبات الأدلة من السنن الثابتة، فالشريعة عندهم هي ما أمر الله ورسوله بحيث نقطع أنه مرادهما، وهذا ما يلزم جميع الأمة بحسب منهجهم.

بينما يعتقد مخالفوهم أنهم اخترعوا هذا المنهج وخالفوا فيه جماهير علماء الإسلام فبينهم من يخرج الظاهرية من عموم العلماء ومنهم من يعتقد بأنهم من علماء الأمة ويقبل اجتهادهم وأنهم يدخلون في الإجماع وينخرم الإجماع من دونهم

وعن الظاهرية اقرر انها قسمان:

وانما الظاهر النصي في الكلام المركب، وهو ماثبت بيقين أو رجحان انه مراد المتكلم سواء اكان الخطاب بحقيقة الوضع اللغوي، ام كان بسعة المجاز اللغوي أو الأدبي..

وليس الظاهر مايتبادر للمتسامح من كونه خلاف الجلي الواضح، بل الظاهر مادل عليه الخطاب بوجوه الدلالة المعروفة في كلام العرب سواء اكان المدلول جليا واضحا، ام كان خفيا لايظهر الا باستنباط واجتهاد..

وغير الظاهر مالا تدل عليه اللغة في خطاب المتكلم كجعل شرب اللبن رضاعا.

والظاهر العقلي ليس هو كل احتمال يتصوره العقل، بل هو مالا يحتمل العقل غيره.

المذهب الظاهري ليس مذهب لغويا ؛ ولكنه مذهب نصي شرعي بمقتضى فكري لغوي.

ومعنى انه فكري انه يفصل بين المعرفة الشرعية والمعرفة البشرية؛ فالمعرفة الشرعية على التوقيف والاتباع الا مافوضه الشرع إلى العقل، والمعرفة البشرية اوسع دائره في الحرية.

وميزة الشرع انه عبودية الله، وليس حرية للشهوات والشبهات والآراء.

والظاهر بجناحيه الفكري واللغوي موجه لتحرير مراد الشرع وتخليصه من الاوشاب البشرية.

*وموجزه : ان الشرع لايعرف الا بلغة العرب التي نزل بها الشرع، وماصح نقله من مراد للرسول محمد عرف بغير اللغة من ايمائه وسكوته ؛ فيؤخذ بالاصطلاح الشرعي ان وجد، فأن لم يوجد اخذ بالمعنى المجازي الغالب للاستعمال، فأن لم يوجد اخذ بالمعنى الحقيقتي الوضعي.

هذا إذا تجرد الخطاب من قرائن ودلالات سياق واحاله إلى معهود شرعي بنص آخر. وان مراد الشرع هو مايتيقنه العقل أو يرجحه عند تعدد الاحتمالات.

المذهب الظاهري اتباع لرجحان الفكر بواسطة الخطاب الشرعي، ومعنى هذا انه ليس مذهب امام بعينه كالشافعي أو مالك.

فالظاهر اتباع للنص بمنهج فكري في نظريتي المعرفة.

والظاهرية اتباع لإمام اخذ بالظاهر وربما اخطأ في التطبيق كالاخذ بالحرفية والغفلة عن معقول النص ومعهوده.

"لكن له بالتنبيه على ماذكرنا منزلة رفيعة, ومحلة عالية ؛ ويستحق بذلك التقدم بالفقه، وليس ذلك بموجب تقليده؛ لما ذكرنا من انه لم يعصم من الخطأ بعد رسول الله أحد من الناس، ولا يحل ان يقلد من يخطئ وان اصاب في كثير".

وكلام الإمام علي بن حزم الأندلسي في مثل هذا كثير.

لما وجدت المذاهب وتحزبت تجرد لإحياء الاصل من الاخذ بالظاهر الإمام داود بن علي الظاهري وهو معاصر للامام أحمد بن حنبل، وما زال المذهب في عز حتى كان هو المذهب الرسمي للدولة في خراسان والعراق.

فلما ضعفت دولته آخر القرن الرابع بزغ نجمه في الأندلس على يد منذر بن سعيد وابن مفلت ثم الإمام علي بن حزم الأندلسي الذي بقيت جملة من مؤلفاته، ثم كانت له دولة في القرن السادس وما بعده بالأندلس.