طلحة بن عبيد الله

طَلْحَة بن عُبَيْد اللّه التَّيمي القُرشي (28 ق.هـ - 36 هـ / 594 - 656م)، أحد العشرة المبشرين بالجنة، ومن السابقين الأولين إلى الإسلام، وأحد الستة أصحاب الشورى الذين اختارهم عمر بن الخطاب ليختاروا الخليفة من بعده.[4] قال عنه النبي محمد أنه شهيد يمشي على الأرض فقال: «من سره أن ينظر إلى شهيد يمشي على وجه الأرض فلينظر إلى طلحة بن عبيد الله».[1]

أسلم مبكرًا، فكان أحد الثمانية الذين سبقوا إلى الإسلام،[5] وهاجر إلى يثرب التي سُميت فيما بعد بالمدينة المنورة، وشارك في جميع الغزوات في العصر النبوي إلا غزوة بدر حيث كان بالشام، وكان ممن دافعوا عن النبي محمد في غزوة أحد حتى شُلَّت يده، فظل كذلك إلى أن مات.[6] وجعله عمر بن الخطاب في الستة أصحاب الشورى الذين ذكرهم للخلافة بعده، وقال: «هم الذين توفي رسول الله وهو عنهم راض.»،[7] وبعد مقتل عثمان بن عفان خرج إلى البصرة مطالبًا بالقصاص من قتلة عثمان فقُتِلَ في موقعة الجمل،[8] فكان قتله في رجبٍ سنة ستٍّ وثلاثين من الهجرة، وله أربع وستُّون سنة، وقيل اثنان وستُّون سنة.[9] كان لطلحة أحد عشر ولدًا وأربع بنات، وكان يُسمّي أبناءه بأسماء الأنبياء، فمنهم محمد بن طلحة السجاد وعمران بن طلحة وموسى بن طلحة وعيسى بن طلحة، وغيرهم.

وُلِد طلحة في مكة قبل الهجرة بثمانية وعشرين عامًا اعتمادًا على القول بأنه مات وهو ابن أربع وستين سنة، أو قبل الهجرة بستة وعشرين عامًا اعتمادًا على القول بأنه مات وهو ابن اثنين وستين سنة.[19] وكان طلحة آدم[معلومة 1] كثير الشعر، حسن الوجه، أبيض يميل إلى الحمرة، قال ابن منده: «كان رجلا آدم، كثير الشعر، ليس بالجعد القطط ولا بالسبط[معلومة 2]، حسن الوجه، إذا مشى أسرع، ولا يغير شعره.»، وعن موسى بن طلحة قال: «كان أبي أبيض يضرب إلى الحمرة، مربوعًا،[معلومة 3] إلى القصر هو أقرب، رحب الصدر، بعيد ما بين المنكبين، ضخم القدمين، إذا التفت التفت جميعًا.»[2]

كان طلحة بن عبيد الله من السابقين الأولين، وأحد الثمانية الذين سبقوا إلى الإسلام،[5] حيث كان من الذين أسلموا على يد أبي بكر الصديق،[10] قال ابن إسحاق:[20] «فَأَسْلَمَ عَلَى يَدَيْهِ - يعني أَبي بَكْرٍ - فِيمَا بَلَغَنِي: الزُّبَيْرُ بْنُ الْعَوَّامِ، وَعُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ، وَطَلْحَةُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ، وَسَعْدٌ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ، فَانْطَلَقُوا حَتَّى أَتَوْا رَسُولَ اللَّهِ وَسَلَّمَ وَمَعَهُمْ أَبُو بَكْرٍ، فَعَرَضَ عَلَيْهِمُ الإِسْلامَ، وَقَرَأَ عَلَيْهِمُ الْقُرْآنَ، وَأَنْبَأَهُمْ بِحَقِّ الإِسْلامِ، وَبِمَا وَعَدَهُمُ اللَّهُ مِنَ الْكَرَامَةِ، فَآمَنُوا وَأَصْبَحُوا مُقِرِّينَ بِحَقِّ الإِسْلامِ، فَكَانَ هَؤُلاءِ النَّفَرُ الثَّمَانِيَةُ الَّذِينَ سَبَقُوا إِلَى الإِسْلامِ، فَصَلَّوْا وَصَدَّقُوا رَسُولَ اللَّهِ وَآمَنُوا بِمَا جَاءَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ»

ويروي إبراهيم بن محمد بن طلحة قصة إسلامه جده فيقول:[14][21]

ولمّا أَسلم طلحةُ آخى النبي بَيْنَه وبين الزبير بن العوام بمكة قبل الهجرة إلى المدينة،[معلومة 4][10] ولم يهاجر طلحة إلى الحبشة لأنه كان من أكابر قريش، فلم يكن يناله من العذاب ما ينال ضعفاء المسلمين، فلم يحتج للهجرة إلى الحبشة؛ وكذلك أبو بكر الصديق، حيث كانا من بني تيم وهي قبيلة كبيرة لها مَنَعَة،[22]

هاجر طلحة إلى المدينة المنورة بعد هجرة النبي محمد، حيث كان في تجارة في الشام، وفي طريق عودته إلى مكة لقي النبي وأبي بكر وهما في طريقهما إلى يثرب، فكساهما من ثياب الشام، ثم عاد إلى مكة وأخذ أهل بيت أبي بكر وخرجوا مهاجرين إلى المدينة، فعن سعد بن أبي وقاص قال:[23] «لَمَّا ارْتَحَلَ رَسُولُ اللَّهِ مِنَ الْخَرَّارِ فِي هِجْرَتِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ، فَكَانَ الْغَدُ لَقِيَهُ طَلْحَةُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ جَائِيًا مِنَ الشَّامِ فِي عِيرٍ، فَكَسَا رَسُولُ اللَّهِ وَأَبَا بَكْرٍ مِنْ ثِيَابِ الشَّامِ، وَخَبَّرَ رَسُولَ اللَّهِ أَنَّ مِنَ الْمَدِينَةِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ قَدِ اسْتَبْطَئُوا رَسُولَ اللَّهِ ، فَعَجَّلَ رَسُولُ اللَّهِ السَّيْرَ، وَمَضَى طَلْحَةُ إِلَى مَكَّةَ حَتَّى فَرَغَ مِنْ حَاجَتِهِ، ثُمَّ خَرَجَ بَعْدَ ذَلِكَ مَعَ آلِ أَبِي بَكْرٍ، فَهُوَ الَّذِي قَدِمَ بِهِمُ الْمَدِينَةَ.»

ولمّا هاجر طلحة بن عُبيد الله إلى المدينة نزل على أسعد بن زرارة،[معلومة 5][14] وآخى النبي بينه وبين أبي أيوب الأنصاري،[10] وهو القول الأشهر، وقيل بينه وبين كعب بن مالك،[12][24] وقيل بينه وبين سعيد بن زيد، وقيل بينه وبين أبي بن كعب بن قيس.[14] ورُوِى أن النبي محمد اختار له موضع داره، فعن عُبيد الله بن عبد الله بن عُتبة قال:[25] «جعل رسول الله ، لطلحة موضع داره.»

شارك طلحة في جميع الغزوات والمشاهد ما عدا غزوة بدر، حيث بعثه النبي محمد في غزوة العشيرة قبل غزوة بدر لتفقّد عير قريش القافلة من الشام، فقيل:[29] «بَعَثَ رسول الله سَرِيَّةً فِي عَشَرَةٍ، فِيهِمْ طَلْحَةُ، فَقَالَ: شِعَارُكُمْ يَا عَشَرَةُ»، وأبلى طلحة بلاءً حسنًا في غزوة أحد، وشارك في غزوة الخندق، وحضر صلح الحديبية، وبايع بيعة الرضوان، وعن موسى بن طلحة عن أَبيه طلحة قال: «سماني رسول الله يوم أَحد طلحة الخَيْرِ، ويوم العُسْرة طلحة الفَيَّاض، ويوم حنين طلحة الجُود.»[10]

لم يشهد طلحة غزوة بدر ولكن ضرب له النبي محمد سهمه، واُختلِف في سبب تخلفه عن الغزوة، فقال الزبير بن بكار أنه كان في تجارة بالشام عندما وقعت الغزوة،[12] بينما قال الواقدي وغيره - وهو الأشهر - أن النبي محمد أرسله مع سعيد بن زيد ليتحسّبا خبر عير قريش القافلة من الشام، فخرجا حتّى بلغا الحوراء، فلم يزالا مقيمين هناك حتّى مَرّت بهما العِير، ولكن بلغ النبي محمد الخبر قبل رجوع طلحة وسعيد إليه، فنَدَبَ أصحابه وجهز جيشًا لملاقاة القافلة، ولكن استطاعت القافلة الإفلات، ثم عاد طلحة بن عُبيد الله وسعيد بن زيد إلى المدينة المنورة ليُخبرا النبي عن خبر العير؛ ولم يَعْلَما بخروجه، فَقَدِمَا المدينة في اليوم الذي حدثت فيه المعركة بين المسلمين وقريش ببدر، فخرجا من المدينة فلقياه النبي مُنْصَرِفًا من بدر، فلم يشهد طلحة وسعيد غزوة بدر لذلك، فضرب لهما النبي بسهامهما وأجورهما في غزوة بدر فكانا كَمَنْ شَهِدَها.[12] فعن موسى بن عقبة قال:[30] «وَقَدِمَ طَلْحَةُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ مِنَ الشَّامَ، بَعْدَمَا رَجَعَ رَسُولُ اللَّهِ مِنْ بَدْرٍ، فَكَلَّمَ رَسُولَ اللَّهِ فِي سَهْمِهِ، فَقَالَ: لَكَ سَهْمُكَ، قَالَ: وَأَجْرِي يَا رَسُولَ اللَّهِ ؟ قَالَ: وَأَجْرُكَ»

شهد طلحة بن عبيد الله غزوة أحد مع النبي محمد، وكان فيمن ثَبَتَ معه يومئذ حين ولّى النّاس، وبايعه على الموت،[14] ودافع عنه حتى شُلَّت يده، فلما ولى الناس كان مع النبي محمد اثنى عشر رجلًا، وكان منهم طلحة، فأردكهم مجموعة من جيش قريش تريد قتل النبي محمد، فقال النبي محمد: «من للقوم؟» قال طلحة: «أنا»، فرفض النبي أن يخرج لهم طلحة وقال له: «كما أنت»، فقال رجل: «أنا»، قال: «أنت»، فقاتل حتى قتل، ثم قال: «من لهم؟» قال طلحة: «أنا»، قال: «كما أنت»، فقال، رجل من الأنصار: «أنا»، قال: «أنت»، فقاتل حتى قتل، فلم يزل كذلك حتى لم يبق مع النبي محمد إلا طلحة، فقال: «من للقوم؟» قال طلحة: «أنا»، يقول جابر بن عبد الله: «فقاتل طلحة قتال الأحد عشر حتى قطعت أصابعه، فقال: حس، فقال رسول الله : لو قلت باسم الله لرفعتك الملائكة والناس ينظرون. ثم رد الله المشركين.»[31]

وأثناء دفاع طلحة عن النبي محمد، رمى مالك بن زهير سهمًا فاتّقى طلحة السهم بيده عن وجه النبي محمد، فأصاب يده فََشَلّت، وأُصيب في رأسه، ضَرَبهُ رجلٌ من قريش ضَرْبَتَينِ، ضَرْبَةً وهو مقبل وضربة وهو مُعْرِض عنه، فنُزِفَ منها الدمُ، فكان ضرار بن الخطاب بن مرداس الفهري يقول: «أنا والله ضربتُه يومئذٍ.»[14] وأُصيب أنفُ النّبيّ ورَباعيّتُه، وضرب طلحة ضربات عديدة حتى قيل أنها حوالي خمسٍ وسبعين أو سبعٍ وثلاثين ضربةً، فعن موسى بن طلحة: «رجع طلحة يومئذٍ بخمسٍ وسبعين أو سبعٍ وثلاثين ضربةً، رُبّعَ فيها جبينه، وقُطعَ نَساه، وشَلّت إصبعه التي تلي الإبهام.»[32] وأراد النبي محمد الصعود على صخرة، وكان ظاهرَ بين دِرْعين فلم يستطع النّهوض، فحمله طلحة على ظهره إلى الصخرة، فقال النبي محمد: «أَوْجَبَ طلحةُ»[33] وبعدما انتهت المعركة، كان طلحة قد أُغمَى عليه وأصابه الغَشي، فأمر النبي أبا بكر الصديق وأبا عبيدة بن الجراح بإصلاح شأن طلحة وتطييب جراحه، فيقول أبو بكر الصديق:[28][32]

ثم أخذ النبي محمد يتفاخر بطلحة، فقال:[34] «قَالَ رَسُولُ اللَّهِ : لَقَدْ رَأَيْتُنِي يَوْمَ أُحُدٍ وَمَا فِي الأَرْضِ قُرْبِي مَخْلُوقٌ غَيْرَ جِبْرِيلَ عَنْ يَمِينِي، وَطَلْحَةُ عَنْ يَسَارِي»، فأنشد طلحة يقول:[35][36]

وأنشد حسان بن ثابت في ذلك شعرًا:[2][34]


لما مات النبي محمد كان طلحة ممن بايع أبي بكر الصديق، وأقام معه تحت حكمه،[37] واعترض طلحة على استخلاف أبي بكر لعمر بن الخطاب من بعده، حيث كان يرى أن عمر كان غليظًا في تعامله مع الناس، فذهب إلى أبي بكر وقال له: «اسْتَخْلَفْتَ عَلَى النَّاسِ عُمَرَ، وَقَدْ رَأَيْتَ مَا يَلْقَى النَّاسُ مِنْهُ وَأَنْتَ مَعَهُ، فَكَيْفَ بِهِ إِذَا خَلا بِهِمْ، وَأَنْتَ لاقٍ رَبَّكَ فَسَائِلُكَ عَنْ رَعِيَّتِكَ»، فجلس أبو بكر - وكان مضطجعًا -، وقَالَ لِطَلْحَةَ: «أَبِاللَّهِ تُفَرِّقُنِي، أَمْ بِاللَّهِ تُخَوِّفُنِي، إِذَا لَقِيتُ اللَّهَ رَبِّي فَسَاءَلَنِي، قُلْتُ: اسْتَخْلَفْتُ عَلَى أَهْلِكَ خَيْرَ أَهْلِكَ».[38]

أعضاء الشورى بعد وفاة عمر

عثمان بن عفان
عبد الرحمن بن عوف
علي بن أبي طالب
الزبير بن العوام
سعد بن أبي وقاص
طلحة بن عبيد الله

كان طلحة من أصحاب الشورى الستة الذين اختاروا الخليفة بعد عمر بن الخطاب، فلما طُعِن عمر بن الخطاب ودنت وفاته، أوصى بأن يكون الأمر شورى بعده في ستة ممن توفي النبي محمد وهو عنهم راضٍ، وهم: عثمان بن عفان، علي بن أبي طالب، طلحة بن عبيد الله، الزبير بن العوام، عبد الرحمن بن عوف، وسعد بن أبي وقاص.[4] ورفض تسمية أحدهم بنفسه، وأمرهم أن يجتمعوا في بيت أحدهم ويتشاوروا، كما أمر بحضور ابنه عبد الله بن عمر مع أهل الشورى ليشير بالنصح دون أن يكون له من الأمر شيئًا، ثم أوصى صهيب بن سنان أن يصلي بالمسلمين ثلاثة أيام حتى تنقضي الشورى. ومات عمر بن الخطاب بعد ثلاثة أيام من طعنه، ودُفن يوم الأحد أول محرم سنة 24 هـ، الموافقة لسنة 644 م، بالحجرة النبوية إلى جانب أبي بكر الصديق والنبي محمد، وكان عمره خمسًا وستين سنة. وكانت خلافته عشر سنين وستة أشهر وأربعة أيام وقيل عشر سنين وخمسة أشهر وإحدى وعشرين ليلة،[39]

بعد الانتهاء من دفن عمر بن الخطاب ذهب أهل الشورى إلى الاجتماع في بيت عائشة بنت أبي بكر، وقيل إنهم اجتمعوا في بيت فاطمة بنت قيس الفهرية أخت الضحاك بن قيس.[40] وعندما اجتمع أهل الشورى قال لهم عبد الرحمن بن عوف: «اجعلوا أمركم إلى ثلاثة منكم»، فقال الزبير: «جعلت أمري إلى علي»، وقال طلحة: «جعلت أمري إلى عثمان»، وقال سعد: «جعلت أمري إلى عبد الرحمن بن عوف»،[41] وأصبح المرشحون الثلاثة علي بن أبي طالب، وعثمان بن عفان، وعبد الرحمن بن عوف، فقال عبد الرحمن: «أيكما تبرأ من هذا الأمر فنجعله إليه والله عليه والإسلام لينظرن أفضلهم في نفسه» فأسكت الشيخين، فقال عبد الرحمن بن عوف: «أفتجعلونه إليَّ والله على أن لا آلو عن أفضلكما»، قالا: «نعم».[41]

وأخذ عبد الرحمن بن عوف يستشير المسلمين، وبعد صلاة صبح يوم البيعة (اليوم الأخير من شهر ذي الحجة 23 هـ/ 6 نوفمبر 644م) أعلن عبد الرحمن البيعة لعثمان بن عفان وقال: «أما بعد، يا علي إني قد نظرت في أمر الناس فلم أراهم يعدلون بعثمان، فلا تجعلن على نفسك سبيلاً»، فقال عبد الرحمن مخاطباً عثمان: «أبايعك على سنة الله ورسوله والخليفتين من بعده»، فبايعه عبد الرحمن وبايعه الناس المهاجرون والأنصار وأمراء الأجناد والمسلمون.[42]

كان طلحة أول من بايع عثمان بن عفان؛ حيث بايعه في مجلس الشورى، ثم كان من جملة أنصار عثمان بن عفان في الفتنة، فلما قُتِل عثمان؛ ندم على ترك نصرته وقال:[2] «إنا داهنا في أمر عثمان، فلا نجد اليوم أمثل من أن نبذل دماءنا فيه، اللهم خذ لعثمان مني اليوم حتى ترضى.» ثم بايع علي بن أبي طالب، فيقال: «إن أول من بايعه كان طلحة بيده اليمنى وكانت شلاّء من يوم أحد»،[43] وبعدما بايع علي بن أبي طالب؛ طلب منه طلحة والزبير تعجيل إقامة القصاص،[44] واقترحا أن يخرجا للبصرة والكوفة، فقال طلحة: «دعني فلآت البصرة فلا يفجئك إلا وأنا في خيل»، وقال الزبير: «دعني آت الكوفة فلا يفجئك إلا وأنا في خيل»، فأمرهما علي بالتريّث.[45] وبعد مرور أربعة أشهر من مقتل عثمان؛ خرج الزبير وطلحة معتمرين إلى مكة والتقوا بعائشة بنت أبي بكر وكان وصولهما إلى مكة في ربيع الآخر سنة 36 هـ،[46] ودعوا الناس إلى الأخذ بثأر عثمان.[47]

ثم قرروا الخروج إلى البصرة ثم الكوفة، والاستعانة بأهلها على قتلة عثمان منهم أو من غيرهم ثم يدعون أهل الأمصار الأخرى لذلك،[46] ولما وصلوا البصرة؛ أرسل لهم والي البصرة عثمان بن حنيف الأنصاري يسألهم عن سبب قدومهم، فأرسل إليهم كلا من عمران بن حصين وأبي الأسود الدؤلي، فذهبا إلى عائشة فقالا: «إن أميرنا بعثنا إليك نسألك عن مسيرك فهل أنت مخبرتنا» فقالت: «والله ما مثلي يسير بالأمر المكتوم، ولا يغطي لبنيه الخبر، إن الغوغاء من أهل الأمصار ونزاع القبائل غزوا حرم رسول الله وأحدثوا فيه الأحداث وآووا فيه المحدثين، واستوجبوا فيه لعنة الله ولعنة رسوله مع ما نالوا من قتل إمام المسلمين بلا ترة ولا عذر، فاستحلوا الدم الحرام فسفكوه، وانتهبوا المال الحرام، وأحلوا البلد الحرام، والشهر الحرام، ومزقوا الأعراض والجلود، وأقاموا في دار قوم كانوا كارهين لمقامهم ضارين مضرين غير نافعين ولا متقين لا يقدرون على امتناع ولا يأمنون، فخرجت في المسلمين أعلمهم ما أتى هؤلاء القوم وما فيه الناس وراءنا وما ينبغي لهم أن يأتوا في إصلاح هذا، وقرأت: ﴿لاَّ خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِّن نَّجْوَاهُمْ إِلاَّ مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلاَحٍ بَيْنَ النَّاسِ﴾، ننهض في الإصلاح ممن أمر الله عز وجل وأمر رسول الله الصغير والكبير والذكر والأنثى، فهذا شأننا إلى معروف نأمركم به ونحضكم عليه ومنكر ننهاكم عنه ونحثكم على تغييره»، فأتيا طلحة فقالا: «ما أقدمك»، قال: «الطلب بدم عثمان»، قالا: «ألم تبايع عليا»، قال «بلى، واللج على عنقي وما استقيل عليا إن هو لم يحل بيننا وبين قتلة عثمان»، ثم أتيا الزبير فقالا: «ما أقدمك»، قال: «الطلب بدم عثمان»، قالا: «ألم تبايع عليا»، قال «بلى، واللج على عنقي وما استقيل عليا إن هو لم يحل بيننا وبين قتلة عثمان».[47]

ورأى عثمان بن حنيف أن يمنعهم من دخول البصرة حتى يأتي علي بن أبي طالب، فقام طلحة ثم الزبير يخطبان في أنصار المعسكرين، فأيدهما أصحاب الجمل، ورفضهما أصحاب عثمان بن حنيف. ثم قامت عائشة تخطب في المعسكرين، فثبت معها أصحاب الجمل، وانحازت إليها فرقة من أصحاب عثمان بن حنيف.[47] وجاء حكيم بن جبلة العبدي - وكان من قتلة عثمان - وسب عائشة، وكان لا يمر برجل أو امرأة ينكر عليه أن يسب عائشة إلا قتله. فانتشب القتال، واقتتلوا قتالًا شديدًا، فقُتِل عددًا ممن شارك في قتل عثمان قُدِر بسبعين رجلًا، واستطاع الزبير وطلحة ومن معهما أن يسيطروا على البصرة، وتوجه الزبير إلى بيت المال، وأخلى سبيل عثمان بن حنيف.[47][48]

وصل علي بن أبي طالب إلى ذي قار، وأرسل الرسل بينه وبين طلحة والزبير وعائشة، فأرسل القعقاع بن عمرو إليهم فقال لعائشة: «أي أماه، ما أقدمك هذا البلد؟»، فقالت: «أي بني الإصلاح بين الناس». فسعى القعقاع بن عمرو بين الفريقين بالصلح، واتفقا على الصلح، ولما عاد القعقاع إلى علي وأخبره بما فعل، فارتحل علي حتى نزل بحياهم،[49] ولما نوى الرحيل قال:[50] «وإني راحل غدا فارتحلوا، ألا ولا يرتحلن غدا أحد أعان على عثمان بشيء في شيء من أمور الناس، وليغن السفهاء عني أنفسهم»، فلما قال هذا اجتمع جماعة من قتلة عثمان كـالأشتر النخعي، وشريح بن أوفى، وعبد الله بن سبأ، فقال الأشتر: «قد عرفنا رأي طلحة والزبير فينا، وأما رأي علي فلم نعرفه إلا اليوم، فإن كان قد اصطلح معهم، فإنما اصطلح على دمائنا»، وقال عبد الله بن سبأ:[51] « يا قوم إن عيركم في خلطة الناس، فإذا التقى الناس فانشبوا الحرب والقتال بين الناس، ولا تدعوهم يجتمعون.»

فأشعلوا القتال بين الطرفين، وحاول طلحة إيقاف القتال، فأخذ يقول وهو على دابته: «أيها الناس أنصتوا»، فلم ينصت له أحد، فقال: «أف! فراش النار، وذباب طمع.»، وقام كعب بن سور ومعه المصحف، وأخذ يناشدهم الفريقين للتوقف عن القتال حتى قتل،[2] فأصاب طلحة سهمٌ في ركبته، فقطع من رجله عرق النَّسا، فلم يزل دمه ينزف حتى مات، فكان طلحة من أول قتيل.[12] وقيل أن السهم أصابه في حلقه فقال فَقَالَ: بِسْمِ اللَّهِ ﴿وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَرًا مَقْدُورًاسورة الأحزاب:38، فكان مقتله سنة ست وثلاثين، ودُفِن بالبصرة فِي قَنْطَرَةِ قِرَةَ، وهو ابن ستين سنة، وقيل: ابن اثنتين وستين سنة، وقيل: ابن أربع وستين سنة.[9]

ذُكِر في عدة روايات تاريخية أن قاتل طلحة هو مروان بن الحكم، ومن هذه الروايات ما ذكره الذهبي في سير أعلام النبلاء فقال: «حدثنا إسماعيل بن أبي خالد عن قيس قال: رأيت مروان بن الحكم حين رمى طلحة يومئذ بسهم، فوقع في ركبته، فما زال ينسح حتى مات.» وقال: «أن مروان رمى طلحة بسهم فقتله، ثم التفت إلى أبان، فقال: قد كفيناك بعض قتلة أبيك.»،[2] ولكنّ رجَّح عددًا من المؤرخين والعلماء المسلمين والباحثين المعاصرين بطلان الرواية، وجمع الدكتور علي الصلابي الأسباب التي استدلوا بها في بطلان هذه الرواية وهي:[52]

رُوِى أن طلحة لما قُتِل ورآه علي بن أبي طالب مقتولًا؛ جعل علي يمسح التراب عن وجهه، وقال: «عَزيزٌ عليَّ، أَبا محمد، أَن أَراك مُجَدّلًا تحت نجوم السماءِ»، ثم قال: «إِلى الله أَشكو عجرِي وبُجرِي»، وترحم عليه، وقال: «ليتني متُّ قبل هذا اليوم بعشرين سنة»، وبكى هو وأَصحابه عليه،[10] ورُوِى أن عليًا قال: «بشروا قاتل طلحة بالنار.»[2] ودُفِن طلحة بالبصرة فِي قَنْطَرَةِ قِرَةَ، ويُروى أَنّ رجلًا رأى طلحة في رؤية بعد وفاته يقولَ له:[53] «حَوِّلُونِي عَنْ قَبْرِي، فَقَدْ آذَانِي الْمَاءُ، ثُمَّ رَآهُ أَيْضًا حَتَّى رَآهُ ثَلاثَ لَيَالٍ، فَأَتَى ابْنَ عَبَّاسٍ فَأَخْبَرَهُ فَنَظَرُوا، فَإِذَا شِقُّهُ الَّذِي يَلِي الأَرْضَ قَدِ اخْضَرَّ مِنَ نَزِّ الْمَاءِ، فَحَوَّلُوهُ. قَالَ: فَكَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى الْكَافُورِ بَيْنَ عَيْنَيْهِ لَمْ يَتَغَيَّرْ إِلا عَقِيصَتُهُ فَإِنَّهَا مَالَتْ عَنْ مَوْضِعِهَا»، وروى سعيد بن المسيب:[10] «أَن رجلًا كان يَقَع في علي وطلحة والزبير، فجعل سعد بن مالك ينهاه، ويقول: لا تقع في إِخواني، فأَبى، فقام سعد فصلى ركعتين، ثم قال: اللهم إِن كان مُسْخِطًا لك فيما يقول فأَرني فيه آفة، واجعله للناس آيه، فخرج الرجل فإِذا هو ببخْتيّ يشق الناس، فأَخذه بالبلاط، فوضعه بين كرْكرَته والبلاط، فسحقه حتى قتله، فأَنا رأَيت الناس يَتْبَعون سعدًا ويقولون: هنيئًا لك أَبا إِسحاق، أُجيبت دعوتك.»

وقد قامت وزارة الأوقاف والشؤون الدينية في العراق ببناء مسجد سنة 1973م قرب مرقد قبرهِ في محافظة البصرة، وقامت مجموعة مسلّحة سنة 2006م بتفجير المرقد بعبوات ناسفة، ولم يتبقَ منهُ إلا شاهد قبرهِ.[54]

روى طلحة بن عبيد الله عدة أحاديث عن النبي، فله في مسند بقي بن مخلد بالمكرر ثمانية وثلاثون حديثًا، وله حديثان متفق عليهما، وانفرد له البخاري بحديثين، ومسلم بثلاثة أحاديث. حدث عنه بنوه: يحيى، وموسى، وعيسى، والسائب بن يزيد، ومالك بن أوس بن الحدثان، وأبو عثمان النهدي، وقيس بن أبي حازم، ومالك بن أبي عامر الأصبحي، والأحنف بن قيس التميمي، وأبو سلمة بن عبد الرحمن، وآخرون.[2] وسأله رجل عن كثرة رواية أبي هريرة عن النبي محمد فقال له:[55] «مَا أَشُكُّ أَنْ يَكُونَ قَدْ سَمِعَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ مَا لَمْ نَسْمَعْ وَسَأُخْبِرُكَ عَنْ ذَلِكَ، كُنَّا قَوْمًا لَنَا غَنَاءٌ وَبُيُوتَاتٌ، وَكُنَّا إِنَّمَا نَأْتِي رَسُولَ اللَّهِ طَرَفَيِ النَّهَارِ أَوَّلُهُ وَآخِرُهُ، وَكَانَ أَبُو هُرَيْرَةَ مِسْكِينًا لَا أَهْلَ لَهُ وَلَا مَالٌ إِنَّمَا يَدُهُ مَعَ يَدِ رَسُولِ اللَّهِ يَأْكُلُ مَعَهُ حَيْثُ كَانَ فَوَاللَّهِ مَا نَشُكُّ أَنْ يَكُونَ سَمِعَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ مَا لَمْ نَسْمَعْ.»

كان طلحة ذو ثراء فكان غلته كل يوم ألف ألف، فكان غلته بالعراق أربع مائة ألف، وغلته بالسراة نحو عشرة آلاف دينار، وبالأعراض له غلاّتٌ، ولما مات ترك ألفي ألف درهم ومائتي ألف درهم، ومن الذهب مائتي ألف دينار، وثلاث مائة حمل من الذهب، وقوام أصوله وعقاره ثلاثين ألف ألف درهم.[2] وكان يشتهر بكرمه وكثرة إنفاقه وصدقاته، تقول زوجته سعدى بنت عوف: «كَانَتْ غَلَّةُ طَلْحَةَ كُلَّ يَوْمٍ أَلْفًا وَافِيًا، وَكَانَ يُسَمَّى طَلْحَةُ الْفَيَّاضُ، وَلَقَدْ تَصَدَّقَ يَوْمًا بِمِائَةِ أَلْفٍ.»،[56] فرُوِى أنه فدى عشرة من أسارى غزوة بدر بماله، وتصدّق مرّةً بحائط كان قد اشتراه بسبع مائة ألف،[2] وفي غزوة ذي قرد اشترى بئرًا وأطعم الناس فقال له النبي محمد: «أَنْتَ طَلْحَةُ الْفَيَّاضُ»،[57] وباع أرضًا له بسبع مائة ألف، فبات مهمومًا من مخافة ذلك المال، فلم أصبح فرق المال كله، وكان لا يدع أحدًا من بني تيم عائلًا إلا كفاه، وقضى دينه، وكان يرسل إلى عائشة إذا جاءت غلته كل سنة بعشرة آلاف، ولقد قضى دينًا عن رجل من بني تيم قدره ثلاثين ألفًا.[2]

ذكرت كتب السير أن طلحة بن عبيد الله تزوج زوجات عديدة، وكان من أزواجه أربع نسوة تزوج النبي محمد أخت كل منهن، فقال ابُن السَّكَنِ: «يقال: إن طلحة تزوَّج أربعَ نسوةٍ عند النبيّ أخْتُ كل منهن: أم كلثوم بنت أبي بكر أخت عائشة، وحَمْنة بنت جحش أخت زينب، والفارعة بنت أبي سفيان أخت أم حبيبة، ورقيّة بنت أبي أمية أخت أم سلمة.»، ومن زوجات طلحة:

كان لطلحة أحد عشر ولدًا وأربع بنات، وكان يُسمّي أبناءه بأسماء الأنبياء،[معلومة 8] فأولاده الذكور هم:[14]

وأولاده البنات هم:

يُعدّ طلحة بن عبيد الله أحد أكثر الشخصيات تبجيلاً عند أهل السنة والجماعة، حيث يرون أنه من السّابقين الأوّلين إلى الإسلام، وأحد الثمانية الذين سبقوا إلى الإسلام، وأنه من العشرة المبشرين بالجنة، وأحد الستة أصحاب الشورى الذين اختارهم عمر بن الخطاب ليختاروا الخليفة من بعده، وقد وردت أحاديث وآثار عديدة تبين فضل طلحة ومكانته، منها:

يرى الشيعة الاثنا عشرية أن طلحة بن عبيد الله مات كافرًا لقتاله علي بن أبي طالب، وتروي كتب الشيعة قولًا منسوبًا لعلي يقول فيه:[83] «ألا إن أئمة الكفر في الإسلام خمسة طلحة والزبير ومعاوية وعمرو بن العاص وأبو موسى الأشعري»، وأنه خرج إلى البصرة للغدر بعلي بن أبي طالب، فتروي كتب الشيعة عن علي أنه قال:[84] «والله ما أرادا العمرة، ولكنهما أرادا الغدرة.»

وأن طلحة خذلَ عليَّ بن أبي طالب، وانحاز في صفّ عثمان بن عفّان في مجلس الشورى؛ وأنه كان من المشاركين في قتل عثمان، فيروي ابن أبي الحديد:[85] «أنّه لمّا نزل طلحة البصرة أتاه عبد الله بن حكيم التميمي لكُتب كان كتبها إليه فقال لطلحة:يا أبا محمّد أما هذه كتبك إلينا؟ قال: بَلَى. قال: فكتبتَ أمس تدعونا إلى خلع عثمان وقتله، حتّى إذا قتلتهُ أتيتنا ثائراً بدمه، فلعمري ما هذا رأيك، إنّك لا تريد إلاّ هذه الدنيا، مهلا إذا كان هذا رأيكَ فلِمَ قبلتَ من علي ما عرض عليك من البيعة، فبايعته طائعاً راضياً ثمّ نكثتَ بيعتك، ثمّ جئتَ لتدخلنا في فتنتك»، ثم بايع عليًا بعد مقتل عثمان، لكن سرعان ما نكث البيعة والتحق بالزبير، وخرج إلى البصرة، فقتله مروان بن الحكم.[86]


منظر كاشف لمكة من على متن جبل النور.
منظر عام للمدينة المنورة قديمًا.
صورة حديثة لجبل أحد الذي دارت عنده غزوة أحد
رسم تُركي عُثماني لموقعة الجمل، وقد غُطي وجه كلًا من عائشة وعليّ باللون الأبيض.
شجرة أبناء وزوجات طلحة بن عبيد الله