صحيح مسلم

صحيح مسلم هو أحد أهم كتب الحديث النبوي عند المسلمين من أهل السنة والجماعة، ويعتبرونه ثالث أصحّ الكتب على الإطلاق بعد القرآن الكريم ثمّ صحيح البخاري.[1] ويعتبر كتاب صحيح مسلم أحد كتب الجوامع وهي ما تحتوي على جميع أبواب الحديث من عقائد وأحكام وآداب وتفسير وتاريخ ومناقب ورقاق وغيرها.

جمعه أبو الحسين مسلم بن الحجاج القشيري النيسابوري، وتوخّى فيه ألا يروي إلا الأحاديث الصحيحة التي أجمع عليها العلماء والمحدّثون، فاقتصر على رواية الأحاديث المرفوعة وتجنّب رواية المعلّقات والموقوفات وأقوال العلماء وآرائهم الفقهية، إلا ما ندر، أخذ في جمعه وتصنيفه قرابة خمس عشرة سنة، وجمع فيه أكثر من ثلاثة آلاف حديث بغير المكرر، وانتقاها من ثلاثمائة ألف حديث من محفوظاته.

هو أبو الحسين مسلم بن الحجاج بن مسلم بن ورد بن كوشاذ القشيري النيسابوري،[2] من أبرز علماء الحديث عند أهل السنة والجماعة. ولد في نيسابور حوالي عام 206 هـ،[3] ونشأ في بيت علم وفضل حيث كان أبوه الحجاج من المشيخة.[4] أقبل الإمام مسلم منذ صغره على سماع الحديث وحفظه، وكان أول سماع له عام 218 هـ[5] وعمره آنذاك اثنتا عشرة سنة. أخذ العلم أولاً عن شيوخ بلاده وسمع الكثير من مروياتهم، وكانت له رحلة واسعة في طلب الحديث طاف خلالها البلاد الإسلامية عدة مرات،[6] فرحل إلى الحجاز لأداء فريضة الحج والسماع من أئمة الحديث وكبار الشيوخ، وزار المدينة النبوية ومكة المكرمة ورحل إلى العراق فدخل البصرة وبغداد والكوفة ورحل إلى الشام ومصر والري.[7] فمكث قرابة الخمسة عشرة عامًا في طلب الحديث، لقي فيها عددًا كبيرًا من الشيوخ، وجمع ما يزيد على ثلاثمائة ألف حديث.[8] أثنى عليه علماء عصره ومن بعدهم، واعترفوا له بإمامته وبالتقدم والإتقان في علم الحديث، ومن أقوال العلماء فيه:

توفي الإمام مسلم بن الحجاج في نيسابور عشية يوم الأحد الخامس والعشرين من رجب عام 261 هـ عن عمر يناهز خمسًا وخمسين سنة.[13] وترك العديد من المؤلفات أغلبها في علوم الحديث، وصلنا بعضها ولا يزال بعضها مفقوداً، ومن أهم مؤلفاته المطبوعة:

لم ينص الإمام مسلم -في كتابه الصحيح- على تسميته ولذلك وقع الاختلاف في اسمه، فذُكرت له عدة تسميات:

تواتر عن مسلم بن الحجاج نسبة الجامع الصحيح له. فالعلم القاطع حاصل بأنه من تصنيفه حيث اتصلت الروايات بالإِسناد إليه،[26] وانتقل صحيح الإمام مسلم إلى العلماء بالسماع، أو القراءة، أو المناولة، أو الإجازة جيلًا بعد جيل،[27] فثبتت نسبة الكتاب إلى مؤلفه، قال النووي: «صحيح مسلم رحمه الله في نهاية من الشهرة وهو متواتر عنه من حيث الجملة فالعلم القطعي حاصل بأنه تصنيف أبى الحسين مسلم بن الحجاج»[28] وقال السخاوي: «وهو -أعني الصحيح- تامّ الشهرة عن مصنّفه فالعلم القطعي حاصل بأنه تصنيفه من حيث قوة الشهرة التي يؤمَن معها التواطؤ على الباطل.»،[29] ولم يرد شك أو خلاف بين المؤرخين والمحققين على ثبوت نسبة الكتاب إلى مسلم بن الحجاج، وقد دل على ذلك أمور عديدة أهمها:

نص الإمام مسلم في مقدمة الصحيح على أن سبب تأليفه له هو تلبية طلب وإجابة سؤال، فذكر ذلك في خطبة كتابه حيث قال: «فإنك يرحمك الله بتوفيق خالقك ذكرت أنك هممت بالفحص عن تعرف جملة الأخبار المأثورة عن رسول الله في سنن الدين وأحكامه، وما كان منها في الثواب، والعقاب، والترغيب، والترهيب وغير ذلك من صنوف الأشياء بالأسانيد التي بها نقلت وتداولها أهل العلم فيما بينهم، فأردت -أرشدك الله- أن توقف على جملتها مؤلفة محصاة، وسألتني أن ألخصها لك في التأليف بلا تكرار يكثر، فإن ذلك -زعمت مما يشغلك عما له قصدت من التفهم فيها والاستنباط منها، وللذي سألت أكرمك الله حين رجعت إلى تدبره وما تؤول به الحال إن شاء الله عاقبة محمودة ومنفعة موجودة، وظننت حين سألتني تجشم ذلك أن لو عزم لي عليه وقضي لي تمامه كان أول من يصيبه نفع ذلك إياي خاصة قبل غيري من الناس لأسباب كثيرة يطول بذكرها الوصف، إلا أن جملة ذلك أن ضبط القليل من هذا الشان وإتقانه أيسر على المرء من معالجة الكثير منه ولا سيما عند من لا تمييز عنده من العوام إلا بأن يوقفه على التمييز غيره فإذا كان الأمر في هذا كما وصفنا فالقصد منه إلى الصحيح القليل أولى بهم من ازدياد السقيم.»[30]

وقد ذكر الخطيب البغدادي أن الإمام مسلم جمع الصحيح لأبي الفضل أحمد بن سلمة النيسابوري، فقال في ترجمة أحمد: «ثم جمع له مسلم الصحيح على كتابه.»[31]

بالإضافة للسبب السابق، فقد كان من جملة العوامل التي دفعت مسلماً إلى تصنيف الكتاب ما رآه من سوء صنيع بعض من نصّب نفسه مُحدّثاً وعدم تورّعهم عن نشر الأحاديث الضعيفة، قال: «وبعد، يرحمك الله، فلولا الذي رأينا من سوء صنيع كثير ممن نصب نفسه محدثا، فيما يلزمهم من طرح الأحاديث الضعيفة، والروايات المنكرة، وتركهم الاقتصار على الأحاديث الصحيحة المشهورة مما نقله الثقات المعروفون بالصدق والأمانة، بعد معرفتهم وإقرارهم بألسنتهم أن كثيرا مما يقذفون به إلى الأغبياء من الناس هو مستنكر، ومنقول عن قوم غير مرضيين ممن ذم الرواية عنهم أئمة أهل الحديث مثل مالك بن أنس، وشعبة بن الحجاج، وسفيان بن عيينة، ويحيى بن سعيد القطان، وعبد الرحمن بن مهدي، وغيرهم من الأئمة، لما سهل علينا الانتصاب لما سألت من التمييز، والتحصيل، ولكن من أجل ما أعلمناك من نشر القوم الأخبار المنكرة بالأسانيد الضعاف المجهولة، وقذفهم بها إلى العوام الذين لا يعرفون عيوبها، خف على قلوبنا إجابتك إلى ما سألت.[32]» فحرص على حفظ الدين وصيانة عوام المسلمين عما يخاف عليهم من الوقوع في غرر الأخبار المنكرة والروايات الضعيفة.[33]

جمع الإمام مسلم كتابه الصحيح في بلده نيسابور حيث كانت عنده الدفاتر والورقات التي دوّن عليها الأحاديث التي سمعها في ترحاله من شيوخه، قال الحافظ ابن حجر العسقلاني: «صنف مسلم كتابه في بلده بحضور أصوله في حياة كثير من مشايخه فكان يتحرز في الألفاظ ويتحرى في السياق.»[34] فكانت نتيجة ذلك التحرّي والتحرّز في رواية الحديث بألفاظه تماماً كما سمعها سببا في استغراقه زمناً طويلاً قي تصنيف الكتاب، ذلك ومع الاختصار البليغ والإيجاز التام وحسن الوضع وجودة الترتيب، كما ذكر ذلك السيوطي.[35]

وقد مكث الإمام مسلم قرابة الخمس عشرة سنة في تصنيف الصحيح، كما ذكر ذلك أحمد بن سلمة النيسابوري تلميذ مسلم وصاحبه ورفيقه في الرحلة، قال:« كنت مع مسلم في تأليف صحيحه خمس عشرة سنة»،[36] وقال النووي: «وقد انتخب علمه ولخص ما ارتضاه في هذا الكتاب وبقي في تهذيبه وانتقائه ست عشرة سنة.»[37] والأظهر أن القول الأول أصح فأحمد بن سلمة كان ملازماً للإمام مسلم في تصنيف كتابه وهو أقرب له.

يعتبر صحيح مسلم من أمهات كتب الحديث النبوي عند أهل السنة والجماعة، وهو أحد كتب الجوامع،[38] وثاني الصحيحين، وأحد الكتب الستة. وقد كان الإمام مسلم من أبرز الحفّاظ في عصره بشهادة معاصريه فانتخب أحاديث الصحيح من ثلاثمئة ألف حديث مما يحفظ كما مرّ سابقاً، ولم يروِ في الكتاب إلا الأحاديث التي أجمع العلماء على صحّتها، قال الدهلوي: «توخّى تجريد الصحاح المجمع عليها بين المحدثين المتصلة المرفوعة.»[39] فلم يستوعب الإمام مسلم في الكتاب جميع الأحاديث الصحيحة، قال: «ليس كل شيء عندي صحيح وضعته ها هنا إنما وضعت ها هنا ما أجمعوا عليه.» [40] وقد جرى في ذلك مجرى البخاري في صحيحه، قال البخاري: «ما أدخلت في كتاب الجامع إلا ما صح، وقد تركت من الصحاح خوفا من التطويل.»[41] وقد عمل الإمام مسلم على تنقيح الكتاب ومراجعته وعَرَضه على عدد من شيوخ وقته منهم الإمام أبو زرعة الرازي أحد أكبر الأئمة في علوم الحديث وعلم الجرح والتعديل، قال مسلم: «عرضت كتابي هذا على أبي زرعة الرازي، فكل ما أشار أن له علة تركته، وكل ما قال إنه صحيح وليس له علة خرّجته.»[42]

ابتدأ الإمام مسلم كتابه بمقدمة أوضح فيها عمله في الكتاب وتحدث عن أصول علم الحديث وضمّن فيها منهجه والمبادئ التي سار عليها في تصنيفه وتأليفه والشروط الدقيقة التي توخّاها في اختيار الحديث الصحيح وانتقائه. وتكلّم عن منهج أهل الحديث في الشروط والصفات التي ينبغي أن تتوفر فيمن يُروى عنهم الحديث ويُؤخذ منهم، وتكلّم عن طريقة أخذ الحديث وكتابته وجَمْعِه، واختيار الشيوخ ورجال الإسناد. وقد ذكر بعض العلماء أن الإمام مسلم بن الحجّاج هو أول من وضع مقدّمة علميّة متكاملة لكتابه.[43] ولم يشترط الإمام مسلم في المقدّمة ما اشترطه في متن الكتاب: من التزام الأحاديث الصحيحة وتجنّب الموقوفات والمقطوعات والآراء وغيرها. قال ابن القيم: «ومسلم لم يشترط فيها (المقدّمة) ما شرطه في الكتاب من الصحة فلها شأن ولسائر كتابه شأن آخر ولا يشك أهل الحديث في ذلك.»[44]

ثم رتب الإمام مسلم صحيحه ترتيبًا فقهيًا دقيقًا على الكتب والأبواب دون تكرار أو تجزئة لها،[45] وقد جمع روايات الحديث الواحد في مكان واحد لإبراز الفوائد الإسنادية والفقهية في كتابه، لذلك فإنه يروي الحديث في أنسب المواضع به ويجمع طرقه وأسانيده في ذلك الموضع، واقتصر على الأحاديث المرفوعة المتّصلة، ثم يسوق متن الحديث بتمامه وكماله من غير تقطيع ولا اختصار[46]

وقسّم الإمام مسلم صحيحه إلى كتب حسب الموضوعات ككتاب الإيمان وكتاب الطهارة وكتاب الصلاة وكتاب الزكاة...الخ، وعددها 54 كتاباً. ثم قسّم الكتب إلى أبواب فرعية إلا أنه لم يعنون لتلك الأبواب، قال شبير أحمد العثماني الديوبندي: «واعلم أن صحيح مسلم قد قريء على جامعه مع خلو أبوابه من التراجم.»[47] ورجّح بعض العلماء أن مسلماً إنما فعل ذلك لئلا يزيد بها حجم الكتاب من جهة، وليشحذ القارئ ذهنه في استنباط الترجمة من جهة أخرى.[48] والمعروف أن عنونة تراجم الأبواب الحالية المشهورة هي من وضع النووي أثناء شرحه لصحيح مسلم،[49] وقد وضّح ذلك النووي فقال: «وقد ترجم جماعة أبوابه بتراجم بعضها جيد وبعضها ليس بجيد إما لقصور في عبارة الترجمة واما لركاكة لفظها واما لغير ذلك وانا ان شاء الله أحرص على التعبير عنها بعبارات تليق بها في مواطنها.»[50]

كان الإمام مسلم دقيقاً في جرح الرواة وتعديلهم شأنه في ذلك شأن شيوخه من الأئمة المدققين كأحمد بن حنبل والبخاري وأبو زرعة الرازي وغيرهم، فقد اعتَبَر جرح الرواة بما فيهم جائزاً بل واجباً، وأسند في مقدّمة صحيحه أحاديث تفيد ترك أحاديث المتهمين والكذّابين وعدم الأخذ عنهم ووجوب الأخذ عن الرواة الثقات الأثبات. قال: ابن طاهر: «واعلم أن شرط البخاري ومسلم أن يُخرجا الحديث المُتفق على ثقة نقلته إلى الصحابي المشهور، من غير اختلاف بين الثقات الأثبات، ويكون إسناده متصلاً غير مقطوع، فإن كان للصحابي راويان فصاعداً فحسن، وإن يكن له إلا راوٍ واحد إذا صح الطريقُ إلى الراوي أخرجاه، إلا أن مسلماً أخرج أحاديث أقوامٍ ترك البخاري حديثهم، لشبهةٍ وقعت في نفسه، أخرج مسلم أحاديثهم بإزالة الشبهة، مثل حماد بن سلمة، وسهيل بن أبي صالح، وداود بن أبي هند، وأبي الزبير، والعلاء بن عبد الرحمن، وغيرهم.»[51]

قال ابن رجب: «وأما مسلم فلا يخرج إلا حديث الثقة الضابط، ومن في حفظه بعض شيء، وتكلم فيه لحفظه، لكنه يتحرى في التخريج عنه، ولا يخرج عنه إلا ما لا يقال إنه مما وهم فيه.»[52]

وقد اتّبع الإمام مسلم في صحيحه طريقة لتخريج الأحاديث عن الرواة فقسّمهم إلى ثلاثة أقسام، قال: «فإنا إن شاء الله مبتدئون في تخريج ما سألت وتأليفه، على شريطة سوف أذكرها لك، وهو إنا نعمد إلى جملة ما أسند من الأخبار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فنقسمها على ثلاثة أقسام، وثلاث طبقات من الناس.»[53]، وقد أخرج مسلم في صحيحه للرواة من القسمين الأول والثاني وترك روايات القسم الثالث، وهذه الأقسام هي:

وهذا المنهج ليس خاصّا به أو قاصراً عليه فإنّما هو تطبيق عملي لطريقة أهل الحديث في التعامل مع الرواة والأحاديث. قال ابن الصلاح: «شرط مسلم في صحيحه: أن يكون الحديث متصل الإسناد بنقل الثقة عن الثقة من أوله إلى منتهاه سالماً من الشذوذ، ومن العلة، وهذا هو حد الحديث الصحيح في نفس الأمر.»[56]

اختلف العلماء قديماً وحديثاً في عدد أحاديث الكتاب وذلك لاختلافهم في عدّ الأصول دون المكررات، واختلافهم في عدّ المكررات بالمتابعات والشواهد، قال أبو قريش الحافظ لأبي زرعة الرازي -عن الإمام مسلم-: «هذا جمع أربعة آلاف حديث في الصحيح.»[57] وقد أوضح ابن الصلاح مراد أبي قريش فقال: «أراد والله أعلم إن كتابه هذا أربعة آلاف حديث أصول دون المكررات»،[58] وقال رفيق الإمام مسلم وتلميذه أحمد بن سلمة: «اثنا عشر ألف حديث.»،[59] قال الذهبي معلّقاً: «يعني بالمكرر، بحيث إنه إذا قال: حدثنا قتيبة، وأخبرنا ابن رمح يعدان حديثين، اتفق لفظهما أو اختلف في كلمة.».[36] وقال الميانجي: «ثمانية آلاف حديث.»[60] وعلّق الزركشي: «لعلّ هذا أقرب»،[61] وذكر حاجي خليفة وصديق حسن خان أن عدد أحاديثه 7275 حديثاً.[14][62]

وأما من المعاصرين فقد عدّ أحاديثه محمد فؤاد عبد الباقي في النسخة التي اعتنى بها وقال: بلغت عدة الأحاديث الأصلية في صحيح مسلم 3033 حديثاً. وهذا من دون المكرر. وقد جمع الشيخ مشهور حسن آل سلمان عدد الأحاديث بالمكرر من خلال عدّ محمد فؤاد عبد الباقي فبلغت 5770 حديثاً، إلا أن الترقيم الذي وضعه محمد فؤاد عبد الباقي هو للأحاديث الأصول في الباب دون المتابعات والشواهد، وفد تتبّع عددها الشيخ مشهور فبلغت 1615 حديثاً عدا ثلاثة أحاديث في المقدمة فيكون عدد أحاديث الكتاب بالمكرر ومع الشواهد والمتابعات 7385 حديثاً بدون أحاديث المقدّمة وعددها 10 أحاديث.[63]

يحتل صحيح مسلم مكانة متقدمة بين كتب الحديث المصنفة عند أهل السنة والجماعة حيث يعتبر ثاني أصح الكتب المصنفة في الحديث بعد صحيح البخاري، وثالث أصحّ الكتب على الإطلاق بعد القرآن الكريم ثم صحيح البخاري، وقد ذكر ذلك العديد من العلماء ونقل بعضهم إجماع الأمة على ذلك:

ومما قيل عن صحيح مسلم خاصّة في بيان مكانة الكتاب وفضله ومدح منهجه وطريقته:

وقد اعتنى العلماء على مرّ العصور بصحيح مسلم عناية فائقة وبذلوا جهوداً علمية كبيرة في خدمة هذا الكتاب، وتجلّت مظاهر هذه العناية في الكثير من المجالات من حِفظٍ وتدريسٍ وإقراءٍ وسماع، ودراسة لرجاله وأسانيده وضبط رواياته وتحريرها. واُلّفت حوله الكثير من الكتب من مستخرجات ومستدركات ومختصرات وتراجم وشروح وغيرها.

أُلّف في شرح صحيح مسلم عدد كبير جداً من المؤلفات وصل عددها قرابة 64 شرحاً بالعربية وخمسة بغير العربية[79]، من أهمّ هذه الشروح وأشهرها:[80][81]

حيث أن مسلماً لم يخرج في الكتاب كلّ الأحاديث الصحيحة فقد استدرك عليه جماعة من العلماء، ومن هذه المستدركات:[80][81]

وقام عدد من العلماء بتصنيف المستخرجات على الكتاب، والمستخرج هو أن يأتي أحد العلماء ويروي أحاديث الكتاب بأسانيده هو لنفسه من غير طريق المؤلف، ومن هذه المستخرجات:[80][81]

وصنّف عدد من العلماء كتباً قاموا فيها بجمع الأحاديث التي اتفق على روايتها الإمامان البخاري ومسلم في صحيحيهما، ومن هذه الكتب:[80][81]

وقام عدد من العلماء باختصار الكتاب بحذف الأسانيد وعزو الحديث إلى الصحابي مباشرة، أو حذف الأحاديث المكررة في الباب، ومن هذه المختصرات:[80][81]

كما اعتنى العلماء بدراسة أحوال وتراجم الرواة الذين أخرج عنهم الإمام مسلم في صحيحه، من شيوخه وشيوخ شيوخه وصولاً إلى التابعين والصحابة، ومن هذه الكتب:[80][81]

على الرغم من مكانة الكتاب المتقدمة وإجماع العلماء على أنه ثاني أصح الكتب المصنفة في الحديث بعد صحيح البخاري، إلا أنهم بيّنوا أن هذا ليس معناه أصحيّة كل حديث فيه بالنسبة لما سواه، بل أصحيّة الجملة إلى الجملة، كما هو الحال في تفضيل صحيح البخاري على صحيح مسلم، فليس المقصود منه أن كلّ حديث في صحيح البخاري أصحّ من كلّ حديث في صحيح مسلم، بل أن جملة ما في صحيح البخاري أصحّ. وعلى هذا فلا يستدلّ بكون حديث معيّن في الصحيحين أصحّ من سائر الصحاح إلا بعد تبيّن وجوه الأصحيّة في ذلك الحديث بعينه.[83] قال الألباني: «وليس معنى ذلك أن كل حرف أو لفظة أو كلمة في الصحيحين هو بمنزلة ما في القرآن لا يمكن أن يكون فيه وهم أو خطأ في شيء من ذلك من بعض الرواة، كلا. فلسنا نعتقد العصمة لكتاب بعد كتاب الله تعالى أصلا، فقد قال الإمام الشافعي وغيره: "أبى الله أن يتم إلا كتابه"، ولا يمكن أن يدعي ذلك أحد من أهل العلم ممن درسوا الكتابين دراسة تفهم وتدبر مع نبذ التعصب، وفي حدود القواعد العلمية الحديثة، لا الأهواء الشخصية، أو الثقافة الأجنبية عن الإسلام وقواعد علمائه.»[73]

وقد كان لبعض العلماء مآخذ وانتقادات على الكتاب، قال النووي: «قد استدرك جماعة على البخارى ومسلم أحاديث أخلا بشرطهما فيها ونزلت عن درجة ما التزماه»[84] وعقّب ابن حجر العسقلاني: «ينبغي لكل منصف أن يعلم أن هذه الأحاديث وإن كان أكثرها لا يقدح في أصل موضوع الكتاب فإن جميعها وارد من جهة أخرى. وهي ما ادعاه الإمام أبو عمرو بن الصلاح وغيره من الإجماع على تلقي هذا الكتاب بالقبول والتسليم لصحة جميع ما فيه. فإن هذه المواضع متنازع في صحتها فلم يحصل لها من التلقي ما حصل لمعظم الكتاب. وقد تعرض لذلك بن الصلاح في قوله: إلا مواضع يسيرة انتقدها عليه الدارقطني وغيره»،[34] وقال عبد الرحمن المباركفوري: «أخرج مسلم عن بعض الضعفاء ولا يضره ذلك، فإنه يذكر أولاً الحديث بأسانيد نظيفة ويجعله أصلاً، ثم يتبعه بإسناد أو أسانيد فيها بعض الضعفاء على وجه التأكيد.»[85] وقال ابن تيمية: «ومما قد يسمى صحيحا ما يصححه بعض علماء الحديث وآخرون يخالفونهم في تصحيحه فيقولون: هو ضعيف ليس بصحيح مثل ألفاظ رواها مسلم في صحيحه ونازعه في صحتها غيره من أهل العلم.»[86] وقال: «جمهور ما أنكر على البخاري مما صححه يكون قوله فيه راجحا على قول من نازعه. بخلاف مسلم بن الحجاج فإنه نوزع في عدة أحاديث مما خرجها وكان الصواب فيها مع من نازعه.»[87] وعلّق الشيخ عبد العزيز بن باز: «وإذا كان في بعض الرجال المخرج لهم في الصحيحين ضعف فإن صاحبي الصحيح قد انتقيا من أحاديثهم ما لا بأس به، مثل: إسماعيل بن أبي أويس، ومثل عمر بن حمزة بن عبد الله بن عمر بن الخطاب، وجماعات فيهم ضعف لكن صاحبي الصحيح انتقيا من أحاديثهم ما لا علة فيه؛ لأن الرجل قد يكون عنده أحاديث كثيرة فيكون غلط في بعضها أو رواها بعد الاختلاط إن كان ممن اختلط، فتنبه صاحبا الصحيحين لذلك فلم يرويا عنه إلا ما صح عندهما سلامته.»[88]

وقال ابن تيمية: «جمهور ما صححاه كان قبلهما عند أئمة الحديث صحيحا متلقى بالقبول، وكذلك في عصرهما وكذلك بعدهما قد نظر أئمة هذا الفن في كتابيهما، ووافقوهما على تصحيح ما صححاه، إلا مواضع يسيرة نحو عشرين حديثا، انتقدها عليهما طائفة من الحفاظ، وهذه المواضع المنتقدة غالبها في مسلم، وقد انتصر طائفة لهما فيها، وطائفة قررت قول المنتقدة، والصحيح التفصيل، فإن فيها مواضع منتقدة بلا ريب.»[89]

وفصّل الحافظ ابن حجر العسقلاني في توضيح هذه الانتقادات فقال: «وأما من حيث التفصيل فالأحاديث التي انتقدت عليهما تنقسم أقساما:

وقد ردّ ابن الصلاح على من انتقد الإمام مسلم في روايته عن بعض الضعفاء أو المتوسطين الواقعين في الطبقة الثانية فقال: «والجواب أن ذلك لأحد أسباب لا معاب عليه معها:

ومن أهم الكتب التي صنّفت في هذا الباب:[80][81]

يوجد لصحيح مسلم عدة نسخ خطية محفوظة في مكتبات العالم، ومنها:[80]

توجد لصحيح مسلم طبعات كثيرة جداً قديماً وحديثاً، فمن أهمّ وأشهر الطبعات القديمة:

وأما الطبعات الجديدة فمن أكثرها انتشاراً:

وطبعات أخرى كثيرة جداً.

تخطيط لاسم الإمام مسلم بن الحجاج القشيري النيسابوري مصنّف صحيح مسلم
نيسابور.
نيسابور.
نيسابور
مدينة نيسابور، مسقط رأس الإمام مسلم، حيث صنّف كتابه الصحيح. وموقعها الحالي في إيران
صفحة من مخطوط إكمال إكمال المعلم شرح صحيح مسلم لأبي عبد الله محمد بن خليفة الأبّي المالكي. يرجع تاريخ نسخها إلى عام 878 هـ/ حوالي 1473 م.
صفحة من إكمال إكمال المعلم شرح صحيح مسلم للأبّي. طبعة مكتبة السعادة عام 1328 هـ/ حوالي 1910 م.
الصفحة الأولى من مخطوط صحيح مسلم المحفوظة في مكتبة كوبرولو ويعود تاريخ نسخها إلى عام 629 هـ/ حوالي 1232 م.
الصفحة الأولى من صحيح مسلم طبعة المكتبة العامرة بالآستانة بتركيا. طبعة عام 1330 هـ/ حوالي عام 1911 م.