السلفية

السلفية هي اسم لمنهجٍ يدعو إلى فهم الكتاب، والسنة بفهم سلف الأمة، والأخذ بنهج، وعمل النبي محمد صلى الله عليه وسلم، وصحابته، والتابعين، وتابعي التابعين باعتباره يمثل نهج الإسلام، والتمسك بأخذ الأحكام من كتاب الله، ومما صح من حديث النبي محمد، ويبتعد عن كل المدخلات الغريبة عن روح الإسلام وتعاليمه، والتمسك بما نقل عن السلف. وهي تمثل في إحدى جوانبها إحدى التيارات الإسلامية العقائدية في مقابلة الفرق الإسلامية الأخرى.[1] وفي جانبها الآخر المعاصر تمثل مدرسة من المدارس السنية التي تستهدف إصلاح أنظمة الحكم والمجتمع والحياة عمومًا إلى ما يتوافق مع النظام الشرعي الإسلامي. برزت بمصطلحها هذا على يد أحمد بن تيمية في القرن الثامن الهجري وقام محمد بن عبد الوهاب بإحياء هذا المصطلح من جديد في منطقة نجد في القرن الثاني عشر الهجري والتي كانت الحركة الإصلاحية التي أسسها من أبرز ممثلي هذه المدرسة في العصر الحديث.

تُطلق السلفية ويراد بها بحسب أحد علمائها الكبار الشيخ محمد بن صالح العثيمين: «اتباع منهج النبي وأصحابه لأنهم سلفنا تقدموا علينا، فاتّباعهم هو السلفية.» وهي ما يعبر عنه بعضهم بقوله: «منهجنا الكتاب والسنة بفهم سلف الأمة.» فالسلفية في جوهرها تقوم على التزام منهج السلف الصالح في فهم النصوص الشرعية، ما يعني أن ثمة اتفاقاً على مرجع جامع يجتمع عليه السلفيون.[2] تأتي السلفية في اللغة بمعنى الرجوع للمتقدمين والسابقين زمنياً، ويُعرف الدكتور عبد الله البخاري النزعة السلفية في كتابه المعنون ما هي السلفية؟ أنها «اتباع الصحابة والتابعون ومن اتبعهم بإحسان وسار على طريقتهم واقتفى أثرهم.» ورغم أن هذا التعريف يبين أن أصحاب هذا المنهج يتبعون لعدد كبير من الشخصيات التراثية الدينية، إلا أنه يمكن القول إن السلفيين عموماً يبجلون أربع شخصيات دينية مهمة في التاريخ الفكري الإسلامي. الشخصية الأولى، هو الصحابي عبد الله بن عمر بن الخطاب والأهمية الخاصة لابن عمر تكمن في كونه عاصر أحداث الفتن والتقلبات التي حدثت منذ مقتل الخليفة الثالث عثمان بن عفان وما تبعها من حروب أهلية بين الصحابة. وكان لابن عمر موقف متميز من الأحداث الجارية حوله فقد اعتزل السياسة ولم ينضم لأي حزب من الأحزاب المتنافسة على السلطة.[3] الشخصية الثانية هو الإمام أحمد بن حنبل الذي تعرض لاختبار في عصر المأمون والمعتصم العباسيين، إبان إثارة ما عرف بفتنة خلق القرآن. موقف ابن حنبل الرافض للاعتراف بخلق القرآن، وإصراره على القول إنه كلام الله وحسب، أدى لإعلاء شأن ابن حنبل، وترسيخ مكانته في العقلية السنية عموماً والسلفية منها خصوصاً، حتى نجد أن اللقب الذي اشتهر به ابن حنبل هو إمام أهل السنة.[3] الشخصية الثالثة هو ابن تيمية الذي عُرف بـ شيخ الإسلام واشتهر برفضه لمظاهر البدع والمخالفات المذهبية الاعتقادية المنتشرة في عصره خصوصاً آراء ومعتقدات الشيعة الإمامية التي تصدى للرد عليها في كتابه منهاج السنة النبوية في الرد على الشيعة القدرية.[3]

الشخصية الرابعة هو محمد بن عبد الوهاب وهو أقرب الرجال الثلاثة إلى عصرنا الحاضر ومنه أخذ السلفيون لقبهم الأكثر شهرة الوهابيون. وقد اكتسب ابن عبد الوهاب مكانته في العقل السلفي باعتباره إماماً مجدداً حارب أشكال الزندقة والبدع التي انتشرت في جزيرة العرب في عصره. فكانت أهم معارك الإمام النجدي ضد الحركات والطرق الصوفية التي قدست المزارات والأضرحة وأحيت الاحتفال بالموالد والأعياد. ويمكن أن نقسم السلفية المعاصرة إلى أربعة اتجاهات مهمة متمايزة، وهي السلفية العلمية والسلفية الحركية والسلفية الجهادية والسلفية المدخلية والجامية.[4][3][5]

ومن أهم أعلامهم: عبد العزيز بن باز ومحمد ناصر الدين الألباني ومحمد بن صالح بن عثيمين.

في اللغة العربية: السَّلَف - بفتح السين واللام - يكشف عنها في مادة (س ل ف) وهو ما مضى وانقضى، والقوم السُّلاَّف: المتقدمون، وسلف الرجل: آباؤه المتقدمون. جمع سالف وهوكل مَن تقدمك من آبائك وذوي قرابتك في السن أوالفضل وقالوا: إنَّه كل عمل صالح قدمته.[6][7] وقال السمعاني (ت 562): السلفي - بفتح السين واللام وفي آخرها فاء - هذه النسبة إلى السلف وانتحال مذاهبهم على ما سُمعت منهم.[8]

أما مصطلح السلف الصالح فهو تعبير يراد به المسلمون الأوائل من الصحابة والتابعين وتابعي التابعين الذين عاشوا في القرون الثلاثة الأولى من الإسلام التي جاء الثناء عليها من رسول الإسلام محمد صلي الله عليه و سلم في قوله:

ويستثنى من ذلك أهل البدع كالخوارج والمعتزلة والقدرية والجهمية و الجبرية غيرهم من الفرق. والمذهب أو المعتقد السلفي: هو ما كان عليه الصحابة والتابعون لهم بإحسان إلى يوم الدين وأئمة الدين ممن شهد له بالإمامة وعرف عظم شأنه في الدين وتلقي الناس كلامهم خلفًا عن سلف. ومن هؤلاء الأئمة: الأئمة الأربعة وسفيان الثوري والليث بن سعد وابن المبارك وإبراهيم النخعي والبخاري ومسلم وسائر أصحاب السنن.[10] والسلفيون أو السلفية: الذين يعتقدون معتقد السلف الصالح وينتهجون منهج السلف في فهم الكتاب والسنة وتطبيقهما.[11]

قال محمد أمان الجامي: ظهر هذا الاصطلاح واشتهر حين ظهر النزاع ودار حول أصول الدين بين الفرق الكلامية وحاول الجميع الانتساب إلى السلف وأعلن أن ما هو عليه هو ما كان عليه السلف الصالح فإذا لابد أم تظهر والحالة هذه أسس وقواعد واضحة المعالم وثابتة الاتجاه السلفي حتى لا يلتبس الأمر على كل من يريد الاقتداء بهم وينسج على منوالهم).[12]

وقال الشيخ بكر أبو زيد: «وقد كان المسلمون الأوائل وهم الصحابة رضي الله عنهم قبل بزوغ بذرة التفرق والانشقاق ليس لهم اسم يتميزون به لأنهم كما ذكر يمثلون الإسلام والامتداد الطبعي له لكن لما حصلت تلك الفرق الضالة التي يشملها لفظ: أهل الأهواء لغلبة اتباع الهوى عليهم ولفظ أهل البدع لاتباعهم ما هو خارج عن الدين أجنبي عنه وأهل الشبهات لأنهم يلبسون الحق بالباطل فيشبهون به على العامة لبناء خروجهم عن السنة على مرض الشبهة الفاسدة وقدوتهم في هذا العدو الأول إبليس لعنه الله فإنه أول من قاس قياسا فيما ذكر الله عنه: [ قال أنا خير منه خلقتني من نار وخلقته من طين ] لما حصلت تلك الفرق منتسبة إلى الإسلام منشقة عن العمود الفقري للمسلمين ظهرت ألقابهم الشرعية المميزة لجماعة االمسلمين لنفي الفرق واالأهوااء عنهم سواء ما كان من الأسماء ثابتا لهم بأصل الشرع: الجماعة – جماعة المسلمين – الفرقة الناجية الطائفة المنصورة، أو بواسطة، التزامهم بالسنن أمام أهل البدع ولهذا حصل لهم بالصدر الأول فقيل لهم: السلف – أهل الحديث – أهل الأثر – أهل السنة وهذه الألقاب الشرعية تخالف أي لقب كان لأي لقب كان لأي فرقة كانت ..»[13]

فمن ذلك: ما أخرجه البخاري ومسلم واللفظ له من حديث عائشة – وفيه: أن فاطمة – – قالت{{أنه – النبي - حدثني أن جبريل كان يعارضه بالقرآن كل عام مرة وأنه عارضه في العام مرتين ولا أراني إلا قد حضر أجلي وإنك أول أهلي لحوقا بي ونعم السلف أنا لك}}.[14]

قال النووي: «والسلف المتقدم ومعناه أنا متقدم قدامك فتردين علي»[15]

وعن أنس رضي الله عنه قال: « لو أن رجلا أدرك السلف الأول ثم بعث اليوم ما عرف من الإسلام شيئا، قال: ووضع يده على خده ثم قال (إلا هذه الصلاة)». ثم قال : أما والله - على ذلك - لمن عاش في النكر ، ولم يدرك ذلك السلف الصالح ، فرأى مبتدعا يدعو إلى بدعته ، ورأى صاحب دنيا يدعو إلى دنياه ، فعصمه الله من ذلك ، وجعل قلبه يحن إلى ذلك السلف الصالح ، يسأل عن سبلهم ، ويقتص آثارهم ، ويتبع سبيلهم ، ليعوض أجرا عظيما ، وكذلك فكونوا إن شاء الله )[16]

وعن ميمونة بن مهران عن أبيه قال: « لو أن رجلا أُنشر فيكم من السلف ما عرف غير هذه القبلة»[17]

قال ابن حجر . «مهران والد ميمون الجزري قال البغوي: ذكره البخاري في الصحابة».[18] بوّب الإمام البخاري في صحيحه فقال: «باب الركوب على الدابة الصعبة والفحولة من الخيل» وقال راشد بن سعد: «كان السلف يستحبون الفحولة لأنها أجرى وأجسر». قال ابن حجر: «راشد بن سعد هو المقرأ بفتح الميم وتضم وسكون القاف وفتح الراء بعدها همزة تابعي وسط شامي». وقال: ((قوله) «كان السلف» أي من الصحابة فمن بعدهم).[19]

وبوّب أيضا في كتاب: « الأطعمة – باب: ما كان السلف يدخرون في بيوتهم وأسفارهم من الطعام».[20] وقال الإمام أبو عمرو الأوزاعي: « اصبر نفسك على السنة وقف حيث وقف القوم وقل بما قالوا وكف عما كفوا واسلك سبيل سلفك الصالح فإنه يسعك ما وسعهم».[21] وقال أيضا: «عليك بآثار من سلف وإن رفضك الناس وإياك وآراء الرجال وإن زخرفوا لك بالقول».[22]

وقال أبو عاصم النبيل: «سمعت سفيان الثوري وقد حضر مجلسه شاب من أهل العلم وهو يترأس ويتكلم ويتكبر بالعلم على من هو أكبر منه قال: فغضب سفيان وقال: لم يكن السلف هكذا».

كان أحدهم لا يدعي الإمامة ولا يجلس في الصدر حتى يطلب هذا العلم ثلاثين سنة وأنت تتكبر على من هو أسن منك قم عني ولا أراك تدنوا من مجلسي).[23] وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: « لا عيب على من أظهر مذهب السلف وانتسب إليه واعتزى إليه بل يجب قبول ذلك منه بالاتفاق فإن مذهب السلف لا يكون إلا حقا».[24] ونقل ابن تيمية عن أبى سليمان الخطابي في رساله (الغنية عن الكلام وأهله) قال: «فأما ما سألت عنه من الصفات وما جاء منها في الكتاب والسنة فإن مذهب السلف إثباتها وإجراءها على ظواهرها ونفي الكيفية والتشبيه عنها».[25]

وقال شمس الدين ابن مفلح: «فصل: في رد جواب الكتاب وأسلوب السلف في المكاتبة كالسلام»[26] وقال الإمام الذهبي: «فالذي يحتاج إليه الحافظ أن يكون تقيا ذكيا نحويا لغويا زكيا حييا سلفيا يكفيه أن يكتب بيده مائتي مجلد ويحصل من الدواوين المعتبرة خمسمائة مجلد وأن لا يفتر من طلب العلم إلى الممات بنية خالصة وتواضع وإلا فلا يتعن»[27] وقال أيضا: «وصح عن الدارقطني أنه قال: ما شيء أبغض إلي من علم الكلام». قلت: «أي الذهبي لم يدخل الرجل أبدا في علم الكلام ولا الجدال ولا خاض في ذلك بل كان سلفيا».[28]

وقال أيضا: «فالسلفي مستفاد مع مع السلفي – بفتحتين – وهو من كان على مذهب السلف»[29] وقال أيضا: «... وكان غلى عقيدة السلف..»[30] وقال أيضا: «... وكان ديّنا خير سلفيا مهيبا..»[31] وقال أيضا: «... وكان متواضعا سلفيا حميد الأحكام...»[32] وقال أيضا: «... فإن أحببت يا عبد الله الإنصاف، فقف مع نصوص القرآن والسنن، ثم انظر ما قاله الصحابة والتابعون وأئمة التفسير في هذه الآيات وما حكوه من مذاهب السلف...»[33]

وقال ابن كثير عند قوله تعالى [ثم استوى على العرش]: «فللناس في هذا المقام مقالات كثيرة جدا ليس هذا موضع بسطها وإنما يسلك في هذا المقام مذهب السلف الصالح مالك والأوزاعي والثوري والليث بن سعد والشافعي والأوزاعي والثوري واللبث بن سعد والشافعي وأحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه وغيرهم من أئمة المسلمين قديما وحديثا..»[34] وقال ابن أبي العز الحنفي: «وقد أحببت أن أشرحها سالكا طريق السلف ففي عباراتهم وأنسج على منوالهم متطفلا عليهم لعلي أن أنظم في سلكهم وأدخل في عدادهم وأحشر في زمرتهم»[35] وقال الشيخ محمد بن عبد الوهاب التميمي:(فنحن والحمد لله متبعون غير مبتدعين، مقلدون[36] للكتاب والسنة وصالح سلف الأمة على مذهب أهل السنة والجماعة هو أمر الله ورسوله)[37] وقال الشيخ عبد الله بن الشيخ محمد بن عبد الوهاب: « مذهبنا في أصول الدين مذهب أهل السنة والجماعة وطريقتنا طريقة السلف التي هي الطريق الأسلم بل والأعلم والأحكم خلافا لمن قال طريق الخلف أعلم»[38] وقال الإمام عبد العزيز بن عبد الرحمن آل فيصل: (وهذه هدية[39] نهديها إليكم من كلام علماء المسلمين وبيان ما نحن ومشايخنا عليه من الطريقة المحمدية والعقيدة السلفية ليتبين لكم حقيقة ما نحن عليه وما نحن ندعوا إليه نحن وسلفنا الماضون، نسأل الله لنا ولكم التوفيق والهدداية لأقوم منهج وطريق والسلام).[40] وقال الشيخ عبد العزيز بن باز: «وليست الوهابية مذهبا خامسا كما يزعمه الجاهلون والغرضون وإنما هي دعوة إلى العقيدة السلفية وتجديد لما درس من معالم الإسلام واالتوحيد».[41] وسئل أيضا عن الفرقة الناجية فقال: «هم السلفيون وكل من مشى على طريقة السلف الصالح».[42] وقال الشيخ محمد بن صالح العثيمين : « فأهل السنة والجماعة هم السلف معتقدا حتى المتأخر إلى يوم القيامة إذا كان على طريق النبي وأصحابه فإنه سلفي».[43] وقال الشيخ صالح الفوزان : « والسلف ومن سار على نهجهم مازالوا يميزون اتباع السنة عن غيرهم من المبتدعة والفرق الضالة ويسمونهم أهل السنة والجماعة وأتباع السلف ومؤلفاتهم مملوءة بذلك حيث يردون على الفرق المخالفة لفرقة أهل السننة واتباع السلف».[44]

تبين مما سبق ذكره أن لفظة «سلف» كانت معلومة منذ القدم وأنها تسمية شرعية لا حزبية وقد أحجمت عن نقل كثير من أقوال العلماء في استعمالها خشية الإطالة لأن المقصود هو بيان شرعية الانتساب إلى السلف فـ« إن الانتساب إلى السلف فخر وأي فخر وشرف ناهيك به من شرف فلفظة السلفية لا يطلق عند علماء السنة والجماعة إلا على سبيل المدح والدعوة السلفية عريقة أصيلة واسم شرعي لا غبار عليه».[45]

يعتقد بأن السلفية ما هي إلا امتداد لمنهاج النبوّة، ثم الصحابة، فالتابعون، فتابعوهم، ثم مدرسة أهل الحديث والأثر الذين برزوا في القرن الثالث الهجري في مواجهة المعتزلة في العصر العباسي تحت قيادة أحمد بن حنبل أحد أئمة السنة الأربعة فكان المعتزلة يتخذون مناهج عقلية في قراءة النصوص وتأويلها واستمدوا أصولهم المنطقية من الحضارة الإغريقية عن طريق الترجمة والتعامل المباشر، ورأى أهل الحديث في هذه المناهج العقلية خطراً يهدد صفاء الإسلام ونقاءه وينذر بتفكك الأمة وانهيارها. وانتهى هذا النزاع حين تولى الخليفة المتوكل أمر الخلافة وأطلق سراح ابن حنبل وانتصر لمنهجه ومعتقده. ويعتبر الكاتب حسن أبو هنية محنة ابن حنبل في فتنة خلق القرآن بأنه: «كان حاسماً في بلورة وعي سلفي عمل على بلورة موقف سلفي واضح ومتميز لأول مرة».[46]

وقال محمد أبو زهرة أنه في القرن الرابع هجرياً ظهرت جماعة من أهل الحديث تنسب آرائها لابن حنبل في إثبات بعض صفات لله بدعوى أن الله أثبتها لنفسه في القرآن والسنة وذلك الأخذ بظواهر النصوص ثم تفويض الكيف والوصف.[47] ثم أقر هذا المنهج كمنهج رسمي للدولة العباسية في زمن الخليفة القادر بالله بناء على منشور العقيدة القادرية الذي كتبه الخليفة وأمر أن يتلى في المساجد يوم الجمعة وأخذ عليه خطوط العلماء والفقهاء.[48] وبحسب ما ذكره ابن الجوزي في المنتظم فقد أقر هذا المنهج كمنهج رسمي للدولة العباسية عام 433 هـ في زمن الخليفة القائم بأمر الله بناء على منشور العقيدة القادرية الذي كتبه الخليفة القادر.[49]

بعد ذلك شهدت السلفية انحسارًا ملحوظًا شعبيًا وسياسيًا بعد انقسام الفقهاء الإسلاميين وأهل الحديث إلى حنابلة وأشعرية [50] حتى قوي جانب الأشاعرة وتبنى بعض الأمراء مذهبهم [51] إلى أن ظهر ابن تيمية في القرن السابع بالتزامن مع سقوط عاصمة الدولة العباسية بغداد على أيدي التتار سنة 656 هـ فعمل على إحياء الفكر السلفي وقام بشن حملة على من اعتبرهم أهل البدع داعياً إلى إحياء عقيدة ومنهج السلف من أجل تحقيق النهضة. ولقد أثارت دعوته جدلاً في الأوساط الإسلامية حينها فاستجاب بعض العلماء وطلبة العلم لأفكاره مثل الذهبي وابن قيم الجوزية والمزي.[52][53][54] ومن أفراد الطبقة الحاكمة مثل الأمير المملوكي سلار نائب السلطنة.[55]

ثم شهدت السلفية انحساراً كبيراً مرة أخرى بعد ذلك. لتعاود الظهور مرة أخرى في القرن الثامن عشر الميلادي متمثلة في دعوة محمد بن عبد الوهاب في شبه الجزيرة العربية والتي واكبت عصر انحطاط وأفول نجم الدولة العثمانية وصعود الاستعمار الغربي. وأحدثت هذه الدعوة تأثيراً كبيراً في مختلف أنحاء العالم الإسلامي، وأحدثت لغطاً كبيراً بين مؤيديها ومعارضيها.[46]

يعتمد السلفية في تلقي دينهم على المصادر التالية:[56]

السلفية يؤمنون بوحدانية الله ويؤمنون بأن الله هو رب هذا الكون وخالقه. ويؤمنون بأن لله أسماء وصفات أثبتها لنفسه في القرآن وفي سنة نبيه؛ فيثبتون لله كل ما أثبته لنفسه في القرآن والسنة الصحيحة من الأسماء والصفات. ويوجبون الإيمان بها كلها، وإمرارها على ظاهرها معرضين فيها عن التأويل، مجتنبين عن التشبيه، معتقدين أن الله لا يشبه شيء من صفاته بصفات خلقه، كما لا تشبه ذاته ذوات الخلق، كما ورد في القرآن: { لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ } سورة الشورى. وعلى هذا مضى سلف الأمة، وعلماء السنة، تلقوها جميعاً بالإيمان والقبول، وتجنبوا فيها عن التمثيل والتأويل، ووكلوا العلم فيها إلى الله.[59]

كما يعتقدون أن الله وحده هوالمستحق للعبادة، فلا تصرف العبادة إلا لله. ويوجبون على العباد أن يتخذوا الله محبوباً مألوهاً ويفردونه بالحب والخوف والرجاء والإخبات والتوبة والنذر والطاعة والطلب والتوكل، ونحو هذا من العبادات. وأن حقيقة التوحيد أن ترى الأمور كلها من الله رؤية تقطع الالتفات إلى الأسباب والوسائط، فلا ترى النفع والضرر إلا منه. وأن من صرف شيئاً من العبادة لغير الله، متخذاً من الخلق أنداداً ووسائطاً وشفعاء بينه وبين الله، فهو مشرك.[60]

يؤمن أتباع المدرسة السلفية بالقدر خيره وشره، ويؤمنون به على جميع مراتبه. وهي:[61]

يؤمن أتباع الدعوة السلفية أن الإيمان قول باللسان، وإخلاص بالقلب، وعمل بالجوارح. ويزيد بزيادة الأعمال، وينقص بنقصانها. ولا يكمل قول الإيمان إلا بالعمل، ولا قول ولا عمل إلا بنية، ولا قول ولا عمل ولا نية إلا بموافقة السنة، وأنه لا يكفر أحد بذنب من أهل القبلة.[62] وهم متفقون على أن للإيمان أصل وفروع، وأن الإيمان لا يزول إلا بزوال أصله. لذا فهم لا يكفرون أحداً من أهل القبلة بذنب ولا معصية، إلا أن يزول أصل الإيمان. ولا يوجبون العذاب ولا الثواب لشخص معين إلا بدليل خاص.[63]

يحب أتباع الدعوة السلفية صحابة محمد وأهل بيته وأزواجه أجمعين ويؤمنون بفضائلهم ومناقبهم التي ثبتت لهم في القرآن والسنة. ويؤمنون بأفضلية الخلفاء الراشدين على جميع البشر بعد الأنبياء، وأن ترتيبهم حسب الأفضلية هو: أبوبكر ثم عمر بن الخطاب ثم عثمان بن عفان ثم علي بن أبي طالب ثم باقي العشرة المبشرين بالجنة وهم الزبير بن العوام وطلحة بن عبيدالله وسعد بن أبي وقاص وأبو عبيدة بن الجراح وسعيد بن زيد وعبد الرحمن بن عوف. ويؤمنون أن أزواجه هن أمهات المؤمنين، وهن أزواجه في الآخرة، خصوصاً خديجة بنت خويلد وعائشة بنت أبي بكر. وهم لا يؤمنون بعصمة أحد من الصحابة بعينه، بل تجوز عليهم الذنوب. ويعتقدون بعصمة إجماعهم فقط. ويسكتون عما شجر بينهم، وأنهم فيه مجتهدون معذورون، فإما مخطئون وإما مصيبون. وهم بالجملة خير البشر بعد الأنبياء.[64]

يعتقد السلفيون بأن آل النبي هم من أفاضل الأمة، وقد يرى البعض أن الجدل الذي يحدث بين السلفية والشيعة حول آل النبي أن ذلك دلالة على عدم تقدير السلفية لآل محمد، وهذا القول ربما لا يكون دقيقا، خاصة إذا رجعنا إلى مصادر أعلام السلفية، نجدهم يروون الروايات في فضائل آل النبي، ويرون ذلك جزءا من الدين. يقول ابن تيمية مثلا: «ولا ريب أنه لآل محمد صلى الله عليه وسلم حقا على الأمة لا يشركهم فيه غيرهم ويستحقون من زيادة المحبة والموالاة مالا يستحقه سائر بطون قريش»[65]
ويقول عن قاتل الحسين: «وأما من قتل الحسين أو أعان على قتله أو رضي بذلك فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين ؛ لا يقبل الله منه صرفاً ولا عدلاً»[66]

يعتقد السلفية بأن البدعة هي طريقة في الدين مخترعة تضاهي الشرعية يقصد بالسلوك عليها ما يقصد بالسلوك على الطريقة الشرعية.[67] مستشهدين يقول الله تعالى: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُم مِّنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَن بِهِ اللَّهُ﴾. وبحسب هذا التعريف فمن معالم العقيدة السلفية كراهيتهم لما يعتبرونه بدعًا. كما يبغض السلفيون من يعتبرونهم أهل البدع الذين أحدثوا في الدين ما ليس منه وقد يصل موقفهم من المبتدعة إلى هجرهم وترك مجالستهم إذا كانوا يدعون إليها، ويحذرون منهم ومن بدعهم ولا يألون جهداً في نصحهم وزجرهم عن بدعهم.[68]

يعتقد السلفية بوجوب إفراد الله بالحكم والتشريع. وأن أحكام الشريعة الإسلامية الواردة في الكتاب والسنة واجبة التطبيق في كل زمان ومكان حسب فهمهم لها. ويعتقدون أن من أشرك في حكمه أحداً من خلقه سواءً كان حاكماً أو زعيماً أو ذا سلطان أو مجلساً تشريعياً أو أي شكل من أشكال السلطة فقد أشرك بالله. ولكنهم يفرقون بين من كان الأصل عنده تحكيم الشريعة ثم حاد عنها لهوى أو لغرض دنيوي وبين من أنكر أصلاً وجوب الاحتكام إلى أحكام الشريعة الإسلامية ومال إلى غيرها من الأحكام الوضعية.[61] ولذلك يعتقد السلفيون أن الأيديولوجيات العلمانية التي تحكم اللعبة السياسية في البلدان الإسلامية هي أيديولوجيات غربية مستوردة وغريبة عن روح الإسلام وتعاليمه. ويرفضون الديمقراطية كنظرية سياسية ويروجون لمصطلح "الشورى" كبديل شرعي إسلامي لها. كما يرفضون كافة المذاهب السياسية العلمانية السائدة يمينية كانت أو يسارية.

ولا يعارض السلفية الانتخابات كآلية للوصول إلى بعض المناصب ولكنهم يعترضون على بعض تفاصيلها مثل تزكية المرشحين لأنفسهم وتساوي كافة أفراد المجتمع في أصواتهم أياً كانت درجة علمهم وانضباطهم السلوكي والأخلاقي. كما يعترضون على الأطر الأيديولوجية التي تتم فيها عمليات الانتخابات في سائر الدول الإسلامية. فلذلك يعزف السلفيون عن المشاركة في أغلب عمليات الانتخابات في الدول العربية والإسلامية.

يعتقد السلفية أن باب الاجتهاد كان ولا يزال مفتوحاً لأهل الاجتهاد والاستنباط على عكس بعض الفقهاء الذين زعموا أن باب الاجتهاد قد أغلق ولم يبق للمسلمين إلا التقليد. ويشترطون للمجتهد أن يستكمل شروط الاجتهاد العلمية من معرفة القرآن وتفسيره وناسخه ومنسوخه ومحكمه ومتشابهه وأسباب النزول ومعرفة الحديث النبوي ومعرفة الجرح والتعديل وعلم الرجال والناسخ والمنسوخ فيه وأسباب ورود الحديث والمحكم والمتشابه والصحيح والسقيم ومعرفة علم أصول الفقه ومعرفة اللغة العربية نحوها وصرفها وبلاغتها ومعرفة الواقع الذي تطبق عليه أحكام الشريعة وأن يكون ممن آتاه الله فطنة وذكاء.[10] والسلفية يحاربون التعصب للمذاهب الفقهية ويدعون لتلقي الأحكام مباشرة من الكتاب والسنة قدر المستطاع حتى لو خالف ذلك جميع الآراء المذهبية.

كما يجيز السلفية التقليد في مواطن عدة منها الجاهل المحض الذي لا يفهم المقصود من الآية والحديث. كذلك المسائل الاجتهادية التي ليست فيها نص من الكتاب أو السنة نص صحيح صريح يدل على المعنى بوضوح فتختلف أنظار العلماء وأفهامهم للنص وبعضهم يستدل به على قضية والآخر يستدل به على عكس القضية. فهذه المسائل الاجتهادية الخلافية أيضاً يجوز فيها التقليد.[11] والسلفية يتبعون المذاهب الفقهية المعروفة عند أهل السنة والجماعة ويكاد المذهب الحنبلي أن يكون مقصوراً عليهم. كما يكثر بينهم إتباع المذاهب الأخرى: الشافعي والمالكي والحنفي. كما يتبع بعضهم المذهب الظاهري.[69]

يعتقد السلفية أن الجهاد بموجب أحكام الشريعة الإسلامية هو فريضة كفاية قد تتعين على أهل مكان معين أو زمن معين. وأنها فريضة طلب ودفع يقصد بها الدعوة إلى الله ونشر كلمته كما يقصد بها الدفاع عن المقدسات الدينية وعن النفس والعرض والمال والعقل. ولهذا فقد حرص أئمة السلفية على الدعوة إلى الجهاد والحث عليه كما قاموا بأداء واجبهم الجهادي بأنفسهم في مقاومة أعداء الأمة الإسلامية. ومن الأمثلة المعاصرة على ذلك: الشيخ أحمد عرفان باعث فكرة الجهاد ضد الإنجليز في الهند والشيخ عز الدين القسام في فلسطين [70] والشيخ جميل الرحمن الأفغاني أول من دعى للجهاد ضد السوفيت في أفغانستان. ومع ذلك فهم يرون بأن للجهاد شروطاً وضوابطَ لا يمكن مباشرته إلا بتوفرها فإن كانوا في حال ضعف وعدم قدرة فيكفون أيديهم ويعملون بآية الصبر والصفح ويكتفون بالدعوة إلى الله باللسان والحجة والبيان كما كان حال الرسول وأصحابه في مكة.

يؤمن السلفية بأن علم الكلام هو علم دخيل على الإسلام استمده أوائل المتكلمين من فلسلفة اليونان وحكمة الفرس.[71] وأن طريقة علماء الكلام كالحديث عن الجواهر والأعراض والحادث والقديم هي طريقة مبتدعة لم يكن عليها سلف الأمة الصالح ولذا فهم يؤمنون بأن علم الكلام لا يصلح لاستنباط أصول الدين ومعرفة الله وأن النصوص الإسلامية من قرآن وسنة نبوية فيها ما يكفي من الحجج العقلية والبراهين المنطقية لمجادلة المخالفين ودعوتهم إلى الإسلام.[72]

ذهب بعض السلفية إلى جواز استعمال علم الكلام في باب الرد على أهل الكلام ولدفع مزاعمهم بنفس طريقتهم وإن التزموا بطريقة السلف في عدم الاستدلال ابتداءً بالحجج الكلامية لإثبات الحقائق الشرعية ومن هؤلاء الحافظ ابن تيمية [73] والحافظ جمال الدين المزي.[74] ولكن هذه الطريقة لم تلق قبولاً عند بعض السلفية الذين منعوا الخوض في علم الكلام مطلقاً مثل الحافظ الذهبي [74] والمحدث الألباني.[73]

يعتقد السلفية بجواز زيارة القبور للإتعاظ والتدبر، والتفكر فيما إليه المآل من موت وحساب، ويعتقدون أنه قد وردت نصوصٌ صحيحة في الحث على زيارة القبور لأنها تذكر الموت، ولكنهم يمنعون بعض الممارسات المتعلقة بالقبور، مثل إقامة الأبنية والمساجد والأضرحة عليها، أو الطواف حولها، أو التوجه بالطلب والدعاء من الموتى في قبورهم ظناً أنهم يقضون هذه الحوائج، أو النذر والذبح عندها، أو زيارتها في الأعياد، أو إقامة الموالد عندها. ويعتقد السلفية أن كل هذه الممارسات تحتوي على مخالفات شرعية نهت عنها النصوص الصحيحة الثابتة.[75]

يعتقد السلفية بجواز التوسل بالأنبياء من عدة وجوه، فهم يجيزون التوسل إلى الله بمحبتهم، وبإتباع تعاليمهم، وبالانقياد لهم وطاعتهم فيما بلغوه عن الله. ويجيزون التوسل إلى الله بدعائهم (أي بطلب الدعاء منهم في حال حياتهم)، والتوسل بطلب شفاعة النبي محمد من الله. ويرون بعدم مشروعية التوسل إلى الله بذوات الأنبياء والصالحين (كأن يقول: اللهم إني أسألك بفلان، أو أتوسل إليك بحق فلان، أو بجاه فلان)، عبادة غير مشروعة لم ترد بها نصوص صحيحة، وإن كانوا يقرون بأنها مسألة خلافية لا يجوز الغلو في الإنكار على فاعلها، أو تكفيره.[76][77] أما التوسل إلى الأنبياء والصالحين بعد وفاتهم، بالتوجه إلى قبورهم وطلب قضاء الحاجات منهم ظناً أنهم يقضون هذه الحوائج، فهو ما ينكره السلفية بشدة، ويرون أنه غير مشروع، وأنه مخالف لمقتضيات التوحيد وإخلاص العبادة لله.[78]

يؤمن السلفية بشفاعة النبي محمد العامة في أمته، وأنها منزلة رفيعة خصه الله بها دوناً عن سائر الخلق. ويعتقدون أن الإيمان بالشفاعة هو من الأمور المجمع عليها، وعلمت من الدين بالضرورة.[78]

يعتقد السلفية بجواز التبرك بكل ما انفصل من جسد النبي محمد(صلّى اللّه عليه وسلّم) (كشعره وريقه وعرقه) أو ما اتصل به (كثوبه وقميصه وعمامته)، إن وجد شيء من هذا وثبت بإسناد صحيح متصل، وأن هذا خاص بالنبي محمد(صلّى اللّه عليه وسلّم) فقط، وأن هذا النوع من التبرك لم يحدث مع غيره من الصحابة والتابعين. كما أنهم لا يجيزون التبرك بالأحجار والأشجار وما إلى ذلك.[79][80]

يعتقد السلفية أن الاحتفال بالمولد النبوي هو أمر مبتدع غير مشروع، أول من قام به هم العبيديون (المعروفون بالفاطميين).[81] وأن الاحتفال بالمولد النبوي لم يقم بعمله أحد من السلف الصالح، ولذا فهم ينكرون الاحتفال به وينهون عن إقامته.[82][83]

في السنوات الأخيرة، وفقًا لبعض الباحثين، [84][85] كان هناك «إعادة فتح» لقضية العبودية وتبريرها من قبل بعض علماء السلفية الإسلامية المحافظة بعد «إغلاقها» في وقت مبكر من القرن العشرين عندما حظرت الدول الإسلامية العبودية، حيث وجد العديد من الفقهاء المسلمين أن الممارسة «تتعارض مع الأخلاق القرآنية».[86]

قال الفقيه السعودي، الشيخ صالح الفوزان، في محاضرة: «العبودية جزء من الإسلام. العبودية جزء من الجهاد، والجهاد سيبقى طالما يوجد الإسلام».[87] ووصف الكتاب المُسلمين المعارضين للعبودية على «إنهم جاهلون، وليسوا علماء ... ومن يقول إن مثل هذه الأشياء هو كافر».[88]

الديمقراطية كلمة يونانية وهي مجموعة من كلمتين الأولى DEMOS ديموس وتعني عامة الناس أو الشعب والثانية KRATIA كراتيا وتعني حكم فمعناها حكم عامة الناس أو حكم الشعب.

يعتبر السلفية إن نظام الديمقراطية نظام مخالف للإسلام حيث يجعل سلطة التشريع للشعب أو من ينوب عنهم كأعضاء البرلمان وعليه فيكون الحكم فيه لغير الله بل للشعب ونوابه والعبرة ليست بإجماعهم بل بالأكثرية ويصبح اتفاق الأغلبية قوانين ملزمة للأمة ولو كانت مخالفة للفطرة والدين والعقل ففي هذه النظم تم تشريع الإجهاض، وزواج المثليين، والفوائد الربوية، وإلغاء الأحكام الشرعية، وإباحة الزنا وشرب الخمر.

وقد أخبر الله تعالى في كتابه أن الحكم له وحده، وأنه أحكم الحاكمين، ونهى أن يُشرك به أحد في حكمه، وأخبر أن لا أحد أحسن منه حكماً. قال الله تعالى Ra bracket.png ذَلِكُمْ بِأَنَّهُ إِذَا دُعِيَ اللَّهُ وَحْدَهُ كَفَرْتُمْ وَإِنْ يُشْرَكْ بِهِ تُؤْمِنُوا فَالْحُكْمُ لِلَّهِ الْعَلِيِّ الْكَبِيرِ Aya-12.png La bracket.png وقال تعالى Ra bracket.png مَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا أَسْمَاءً سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ Aya-40.png La bracket.png وقال تعالى Ra bracket.png أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ Aya-8.png La bracket.png وقال تعالى Ra bracket.png قُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثُوا لَهُ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَبْصِرْ بِهِ وَأَسْمِعْ مَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَدًا Aya-26.png La bracket.png وقال تعالى Ra bracket.png أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ Aya-50.png La bracket.png فالله هو خالق الخلق وهو يعلم ما يَصلح لهم وما يُصلحهم من أحكام، والبشر يتفاوتون في العقول والأخلاق والعادات، وهم يجهلون ما يصلح لهم فضلاً أن يكونوا على علم بما يَصلح لغيرهم.

يعتمد مبدأ المواطنة في الإسلام على حماية غير المسلمين والحفاظ على ممتلكاتهم ودورهم، بالمقابل يجب عليهم حماية بلاد المسلمين التي يسكنون معهم فيها ؛ فقد ثبت في عهد الرسول أنه في تعامله مع اليهود كان يكفل لهم حق العبادة وحق ممارسة شعائرهم الدينية.

ينتشر السلفية في مختلف أنحاء العالم الإسلامي، فيتواجدون في شبه الجزيرة العربية واليمن ومصر والعراق والشام وشمال أفريقيا والملايو. وتتبنى السعودية الفكر السلفي بشكل رسمي، كما أن في هذه الدول وغيرها جماعات وجمعيات تتبنى المنهج السلفي وتسعى لنشره، مثل: جماعة أهل الحديث في باكستان والهند وبنغلاديش ونيبال، وجماعة الدعوة إلى القرآن والسنة في أفغانستان، والجمعية المحمدية في إندونيسيا وسنغافورة وماليزيا، وجمعية أنصار السنة المحمدية في مصر والسودان واريتريا وجمعية إحياء التراث الإسلامي في الكويت وجمعية دار البر في دبي وغيرهم.[92]

وفي الآونة الأخيرة بدأ السلفية بانتشار بشكل كثيف وسريع في جمهورية داغستان الواقعة في شمال القوقاز الروسي. وأسسوا رابطة علماء أهل السنة في داغستان التي تعني بشؤون المسلمين السلفية بجانب الإدارة الدينية لمسلمي داغستان التي تدير المنشآت الإسلامية وأئمة المساجد والدعاة الصوفية.

أثرت حركة محمد بن عبد الوهاب السلفية على سائر الحركات الإصلاحية التي ظهرت في العالم الإسلامي في مواجهة المستعمر الغربي ومن ثم ازدهرت الدعوة إلى العودة للأصول التي قامت عليها الحضارة الإسلامية من خلال الدعوة إلى ما يسمونه نبذ البدع والخرافات التي أدت إلى حالة الجمود والتخلف.[46] وتأثر بهذه الدعوة طائفة من الدعاة الإصلاحيين وأخذوا ببعض مبادئها وإن ظلت العديد من معتقداتهم وآرائهم السياسية والدينية مخالفة للمنهج السلفي التقليدي المعروف. ومن أبرز هؤلاء الدعاة الشيخ حسن البنا.[93] وحركته الإصلاحية المعروفة بجماعة الإخوان المسلمين.

نشأت الدعوة السلفية بالإسكندرية في سبعينيات القرن الماضي بين عامي 1972 - 1977 على أيدي مجموعة من الطلبة المتدينين، كان أبرزهم محمد إسماعيل المقدم، وأحمد فريد، وسعيد عبد العظيم، ومحمد عبد الفتاح أبو ادريس، ثم ياسر برهامي وأحمد حطيبة فيما بعد، التقوا جميعاً في كلية الطب بجامعة الإسكندرية، إذ كانوا منضوين في تيار الجماعة الإسلامية الذي كان معروفاً في الجامعات المصرية في السبعينيات أو ما عرف بـالفترة الذهبية للعمل الطلابي في مصر.

رفضوا جميعاً الانضمام إلى جماعة الإخوان المسلمين تأثراً بالمنهج السلفي الذي وصل إليهم عن طريق المطالعة في كتب التراث الإسلامي، ومجالسة شيوخ السلفية، ثم تأثرهم بدعوة محمد إسماعيل المقدم، الذي كان قد سبقهم إلى المنهج السلفي من خلال سماعه لشيوخ جمعية أنصار السنة المحمدية منذ منتصف الستينيات، وقراءاته لكتب ابن تيمية وابن القيم ومحمد بن عبد الوهاب وغيرهم. وبمرور الوقت تكونت النواة الأولى للشباب السلفيين تحت اسم المدرسة السلفية عام 1977 بعد انسحاب هؤلاء الطلاب المتأثرين بالمنهج السلفي من الجماعة الإسلامية، التي هيمن عليها طلاب الإخوان وفرضوا منهجهم، حيث شرع محمد إسماعيل في تأسيس النواة الأولى من خلال درس عام كان يلقيه كل يوم خميس في مسجد عمر بن الخطاب بالإبراهيمية، وكان هذا الدرس بمثابة الملتقى الأسبوعي لهذه المجموعة الصغيرة إلى جانب حلقة أخرى بمسجد عباد الرحمن في بولكلي صباح الجمعة، ولم يكن مع المقدم أحد في هذه الفترة غير زميله أحمد فريد، الذي يحكي في مذكراته عن هذه الفترة، قائلا:«كان الحضور في هذه الحلقة لا يتجاوز عشرة أفراد، ولم يكن معنا أحد من قادة الدعوة السلفية الآن، وكان الشيخ محمد يحفظنا متن العقيدة الطحاوية، وكذا تحفة الأطفال، وكلفني بتدريس كتاب مدارج السالكين.»

ومن أبرز المتأثرين بالدعوة السلفية كذلك الأديب والمفكر المصري سيد قطب ولكن تأخر التزامه بالمنهج الإسلامي وطول فترات اعتقاله مع اعتلال صحته ومرضه حال دون تعرفه على المنهج السلفي بشكل كامل ما أدى لمخالفته للسلفية في بعض القضايا الفكرية والاعتقادية. وتأثر بفكر سيد قطب وحمل رايته العديد من نشطاء العمل الإسلامي ومنهم أيمن الظواهري الذي أسس في مصر حركة الجهاد الإسلامي.

واعتماداً على آراء كل من سيد قطب ومحمد سرور زين العابدين الفكرية ونظرتهم للمجتمع المسلم ونظريات حسن البنا الحركية ذات التوجه الديني نشأ تيار عريض يدعو للجهاد ضد كل أعداء الأمة الإسلامية ويجعل منه قضيته الرئيسية وشغله الشاغل. كما يدعو للثورة على جميع النظم الحاكمة في مختلف الأقطار المسلمة ويذهب لتأثيم جميع أفراد الأمة لقعودهم عن الجهاد ودحر الغزاة والمعتدين. ويعتبر الشيخ عبد الله عزام هو مؤسس هذا التوجه من خلال جهاده ضد السوفيت في أفغانستان. وتأثر به العديد من شباب وشيوخ المسلمين في ذلك الوقت ومن أبرزهم الملياردير السعودي السابق أسامة بن لادن، مؤسس تنظيم القاعدة.

ولم يسلم هذا التيار من انتقادات دعاة وعلماء السلفية فاتهموهم بأنهم تغاضوا عن الدعوة للتوحيد وترسيخ العقيدة في نفوس المسلمين وأنهم أخطؤوا في دعوتهم للثورة على النظم الحاكمة واعتمدوا في جهادهم على بعض الفتاوى والتطبيقات الخاطئة. كما ظهرت جماعات مسلحة وصفت بالإرهابية وتزعم أنها ترتبط بالسلفية على صعيد الانتساب للسلف لكنها تتميز بتكفير كل من يخالف عقيدتها وتستبيح قتله كمرتد لذا يعتبرها البعض أنها تسعى لتبييض صورتها أمام العالم الإسلامي من خلال نسب نفسها للسلف في حين يدافع السلفية عن منهجهم بأنه وسطي ليس به تكفير ولا تفجير. يرى الكثير من المحللين أن هذة النزعة التكفيرية الجهادية نتجت لأسباب سياسية أهمها الهيمنة الأمريكية على العالم ودعمها لإسرائيل في الصراع العربي الإسرائيلي بالإضافة لاعتقادهم بأن الحكومات العربية عميلة للغرب المتمثل في أمريكا مما دفعهم لاعتناق ذلك الفكر الجهادي كنوع من المقاومة والنضال ضد الهيمنة الغربية.[94]

من أبرز الإشكاليات التي أحاطت بعلاقة تلك الجماعات الجهادية بالحكومات تتمثل في تجارب اشتباك تلك الحركات مع بعض الحكومات اشتباكاً إيجابياً يقترب كثيراً من التحالف أوالاندماج مثلما حدث في السودان من عام 1992 م إلى عام 1996 م ثم في أفغانستان من عام 1996م إلى عام 2001م وبينهما تجربة جبهة الإنقاذ في الجزائر غير أن هذه التجارب لم تتعرض للفحص الدقيق أوالدراسة المستفيضة حول معطياتها ونتائجها حتى الآن.[95] وفي المقابل التزم أتباع التيار السلفي التقليدي بالمنهج النصي للسلفية والالتزام بنموذج السلف الصالح كنموذج متكامل بحد ذاته وهو السبيل الوحيد لتقدم أمة المسلمين في كل زمان ومكان.[96]

منذ بداية القرن الـ 20 انقسمت السلفية إلى عدة أجزاء وأهمها السلفية العلمية (1920) والسلفية الجهادية (1979) والسلفية السرورية (1984) والسلفية الجامية (1990) كما أنه توجد انقسامات أخرى لكنها جميعها تندرج تحت هذه التيارات الأربعة الرئيسية منها السلفية المدخلية والسلفية الألبانية (نسبة إلى الإمام ناصر الدين الألباني) وتعرف أيضاً بالسلفية الأردنية أحياناً والسلفية البازية (نسبة إلى الإمام عبد العزيز بن باز) والسلفية العثيمينية ( نسبة إلى الإمام بن عثيمين) والسلفية الكويتية (بقيادة عبد الرحمن عبد الخالق) والسلفية النجدية والسلفية الأمريكية (نسبة إلى المنحازين للتوجه الأمريكي العالمي) وأخيراً السلفية الوهابية (نسبة محمد بن عبد الوهاب).

السلفية العلمية هي ذلك التيار السلفي الذي يهتم في المقام الأول بالنواحي التعليمية المرتبطة بعلوم القرآن والسنة النبوية ؛ لذلك فإن العلماء والدعاة المنتسبين للاتجاه السلفي العلمي يركزون جهودهم في تنشئة جيل جديد من الشباب المسلم الملتزم دينياً، ويطلقون على ذلك المنهج اسم التصفية والتربية وهو ما يعرفه الشيخ الألباني بكونه:

ومن أهم الجماعات السلفية العلمية التي حاولت تطبيق ذلك المنهج جماعة الشيخ مقبل الوادعي في اليمن وجماعة أنصار السنة المحمدية في مصر. وبحسب بعض الخبراء يوجد رافدان أساسيان للاتجاه السلفي العلمي المعاصر: الاتجاه الأول هو الشيخ ناصر الدين الألباني المعروف بشهرته في تدريس علوم الحديث النبوي، والاتجاه الثاني يتمثل في شيوخ السعودية من أمثال الشيخ عبد العزيز بن باز والشيخ ابن العثيمين واللذين اشتهرا بعلمهما الغزير في مسائل الاعتقاد والتوحيد والأصول، ومن هذين الاتجاهين نهل جميع الشيوخ السلفيين العلميين المعاصرين في شتى الدول العربية ؛ فالشيخ أبي إسحاق الحويني مثلاً، وهو أحد أهم وأشهر رموز السلفية في مصر، درس علم الحديث على يد الشيخ الألباني. وشيوخ الدعوة السلفية بالإسكندرية من أمثال ياسر برهامي ومحمد إسماعيل المقدم وغيرهما تأثروا كثيراً بشيوخ السعودية.[3]

وتعتبر السلفية العلمية من أكثر أنماط وأطياف السلفية انتشاراً في العالم الإسلامي عموماً والدول العربية خصوصاً فامتاز منهجها التقليدي بالبعد عن أمور السياسة من جهة والالتزام بالمناهج التربوية الدعوية العلمية من جهة أخرى، وهو الأمر الذي وفر لها إمكانية التوسع والانتشار دون الدخول في صدام مع الدولة. لكن حدث انحراف عن ذلك الخط التقليدي في الفترة التي أعقبت ثورات الربيع العربي، إذ بدأت بعض الجماعات السلفية العلمية في انتهاج منهج حركي سياسي، فشاركت في الانتخابات النيابية والرئاسية وشكلت أحزاباً سياسية. ومن أهم الأمثلة على ذلك جماعة الدعوة السلفية بالإسكندرية في مصر، التي انبثق عنها حزب النور والذي كان له حضور واسع في المشهد السياسي المصري في ما بعد ثورة 25 يناير 2011.[3]

السلفية الجهادية يُعتبر مفهوم الحاكمية من أهم المفاهيم المركزية المؤسسة لفكر السلفية الجهادية، والمقصود بالحاكمية هو أن الله وحده له الحق في الحكم، وقد استند الجهاديون للعديد من الآيات القرآنية التي تعرضت لمفهوم الحاكمية ؛ ومن تلك الآيات «إن الحكم إلا لله». ويظهر مفهوم الحاكمية بشكل واضح في كتابات العديد من منظري السلفية الجهادية المعاصرين، ولعل أول هؤلاء وأهمهم هو سيد قطب الذي توسع في شرحه لمفهوم الحاكمية في كتابه في ظلال القرآن والذي جاء فيه: «أن التصور الإسلامي يؤكد على أن الاتجاه إلى الله وحده بالعبودية والعبادة. وعن هذا التصور تنشأ الحاكمية لله وحده.» ويرتبط بالحاكمية مفهوم آخر لا يقل عنه أهمية في العقلية الجمعية للسلفية الجهادية المعاصرة وهو مفهوم الجاهلية، فبحسب آراء منظري السلفية الجهادية ومنهم محمد عبد السلام فرج في كتابه الجهاد الفريضة الغائبة إن المجتمع المسلم يجب أن ينصاع لحكم الله بشكل كامل، ويرتضي أحكام الشريعة الإسلامية ويعمل بها جميعاً بدون استثناء، وأنه في حالة رفض ذلك من قبل الحكام، فإنه يجب قتالهم لكونهم في ردة عن الإسلام وتربوا على موائد الاستعمار. فهم لا يحملون من الإسلام إلا الأسماء وإن صلوا وصاموا وادعوا أنهم مسلمون.[3]

ومن أهم الجماعات السلفية التي انتسبت إلى الفكر السلفي الجهادي الجماعة الإسلامية في مصر التي قام عناصرها بتنفيذ العديد من عمليات الاغتيال في ثمانينيات وتسعينيات القرن الماضي، قبل أن يعلن قادة الجماعة التراجع عن موقفهم المعادي للدولة، ويطالبون أتباعهم بترك السلاح والاتجاه للعمل السياسي السلمي عام 1995. كذلك، فإن تنظيم قاعدة الجهاد والمعروف إعلامياً باسم تنظيم القاعدة يُعتبر واحداً من أهم تجليات السلفية الجهادية المعاصرة، فقام هذا التنظيم بالعديد من العمليات العسكرية داخل الدول العربية وخارجها، ولعل حادثة تفجير برجي مركز التجارة العالمي في أميركا في 11 سبتمبر 2001 أشهر تلك العمليات وأكثرها تأثيراً وصخباً. كما أن تنظيم الدولة الإسلامية في بلاد العراق والشام يعتبر الإصدار الأكثر حداثة للفكر السلفي الجهادي. ورغم اتحاد جميع تلك التنظيمات في الأهداف الفكرية العليا «الحاكمية وقتال الدولة التي لا تطبق الشريعة الإسلامية» إلا أنه يوجد بينها وبين بعضها العديد من التناقضات والاختلافات الفكرية.[3]

تعتبر السلفية السرورية نموذجا مثالياً لتطور وتشابك العلاقات داخل الحركات الإسلامية، كما يعد انعكاساً حقيقياً لتأثر الجماعات الإسلامية ببعضها، وقد نشأت السرورية بين تيارين أحدهما يتبنى الجانب الحركي ويتمثل في جماعة الإخوان المسلمين كجماعة سياسية سلطوية تجعل الجانب العلمي في مرحلة متأخرة عن الجانب الحركي وتقدم السياسة على الدعوة، وبين تيار السلفية العلمية الذي يستند إلى الجانب العقدي ويؤمن بأهمية تغليب الشرع على المصلحة أيا كانت، وفي الغالب لا يخرج هذا التيار عن طاعة الحاكم، فلا تجد له ذكرا في مغالبة الحكام في أمور السياسة، فهم يسيرون وفق منهج إسلامي يدعو إلى تقديم الكتاب والسنة وفق سلف الأمة. بين هذين الاتجاهين ظهر التيار السروري ليجمع بين الجانب الحركي لدى جماعة الإخوان المسلمين خاصة التيار القطبي الذي يعتبر سيد قطب منظّره وموجهه الأول وبين السلفية العلمية المحافظة التي تتبنى منهج ابن تيمية ومحمد بن عبد الوهاب.[97]

كما لعبت السرورية دوراً بارزاً فيما يسمى ثورات الربيع العربي خاصة في دعم الثورة السورية وتحول عدد كبير من أتباع السرورية للعمل مع الجماعات المسلحة، ووقّع عدد من رموز التيار السروري منهم سلمان العودة على البيان الختامي الذي عقده المجلس التنسيقي الإسلامي العالمي «مساع» تحت عنوان «موقف علماء الأمة تجاه القضية السورية»، وقد استجاب الكثير من شباب التيار الإسلامي لهذا البيان وتشكلت منهم أغلب الجماعات المسلحة المتصارعة في سوريا والعراق، ويسيطر السرورية اليوم على عدد كبير من المراكز والجمعيات الإسلامية والقنوات الفضائية في الكثير من الدول الإسلامية.[97]

على النقيض التام من السلفية الجهادية تأتي السلفية الجامية، فإذا كانت الأولى ترى تكفير الحاكم المسلم الظالم وضرورة الخروج بالسيف والسلاح عليه، فإن الثانية ترى حتمية طاعته والصبر على أحكامه الجائرة. ويُنسب هذا الاتجاه إلى الشيخ محمد أمان الجامي كما يعرف هذا الاتجاه في بعض الأحيان باسم «السلفية المدخلية» نسبة إلى الشيخ ربيع بن هادي المدخلي الذي كان من أبرز تلاميذ الشيخ الجامي. وقد ظهر هذا التيار أول ما ظهر في السعودية، فمع اجتياح قوات صدام حسين للكويت عام 1990 قامت السلطات الحاكمة باستدعاء قوات أمريكية للوقوف في وجه الجيوش العراقية التي كان من المحتمل تقدمها في الأراضي السعودية. وأثارت تلك الخطوة غضب العديد من الشيوخ والمتدينين داخل السعودية وخارجها، إذ رأوا فيها مخالفة للنصوص الدينية التي تنهي عن إدخال المشركين لجزيرة العرب، وأمام تلك الظروف تعالت أصوات الشيخ الجامي وتلاميذه وأتباعه، للإنكار على المعترضين، واتهمتهم بمعصية أولي الأمر والخروج عن الحاكم الشرعي المفترض الطاعة.[3]

ورغم أن التيار السلفي الجامي أو المدخلي لم يظهر كتيار مستقل ومتمايز إلا في فترة زمنية قريبة نسبياً، إلا أن ذلك التيار اعتمد في أسسه وأصوله على تراث هائل من الأدبيات الإسلامية التي تشمل تأويلاً تعسفياً للعديد من الآيات القرآنية والأحاديث النبوية تلك التي شرعنت حكم الحاكم الظالم وأخرجت المجتمع والشعب من معادلة الاختيار السياسي للسلطة التي تحكمه. وقد توسعت أفكار الجامية المدخلية في الكثير من البلاد العربية. ففي مصر نجد أن عدداً من الشيوخ الذين تأثروا بأفكارها ومبادئها من أمثال أسامة القوصي ومحمد سعيد رسلان ومحمود لطفي عامر واستطاع هؤلاء تكوين قواعد شعبية واسعة لهم. وقد لعب السلفيون الجاميون دوراً مهماً، بعد ثورات الربيع العربي فكان لهم دور كبير في إفشال تلك الثورات بعدما أذاعوا مبدأ البعد عن السياسة وترك الدولة للساسة ورجال الحكم وتحريم المشاركة في العملية الانتخابية الديموقراطية والتأكيد على عدم شرعية المعارضة والاحتجاجات المناهضة للحاكم.[3]

حدد الدكتور محمد السعيدي أستاذ الفقه وأصوله في جامعة أم القرى بمكة المكرمة مسارين لاختلافات السلفيين وانقساماتهم:

المسار الأول يقع في دائرة ما يجوز الخلاف فيه كما هو حاصل بين السلفية العلمية والحركية، فأكثر خلافاتهما إنما تكون في أسلوب التعامل مع الواقع، إذ ترى العلمية الاكتفاء بالتصفية والدعوة وتربية المجتمع، في الوقت الذي تدعو فيه الحركية إلى المشاركة في التغيير من داخل هذا الواقع. وطبقا للسعيدي فإن كلا الرؤيتين مما يصح الاختلاف فيه، مع الإقرار بوقوع الخطأ في التطبيق، وهما ليستا قطعيّتين في إصابة الحق من حيث الجملة، موجها نقده لكلا الطرفين لأن كلاً منهما يعتبر نظريته قطعية، وهو ما أحدث بين أتباع النظريتين حالة من القطيعة والتدابر.[2]

المسار الثاني اختلافات السلفيين كما حددها السعيدي فهو الخلاف بين اتجاهي السلفية العلمية والحركية من جهة وبين السلفية الجهادية من جهة أخرى، مرجعاً أسبابه إلى اختلافات كبيرة وعميقة بينهما في فهم مقاصد الشريعة وأولوياتها، وتنزيل النصوص على الواقع وحول حد الإسلام والكفر، وفي تطبيق النبيعليه السلام والخلفاء من بعده لفريضة الجهاد.[2]

من جهته أرجع الدكتور عصر محمد النصر - داعية سلفي متخصص في الحديث النبوي وعلومه - أسباب اختلاف الاتجاهات السلفية إلى طبيعة الاختيارات العلمية في أوساط تلك الاتجاهات ممثلاً لذلك بالسلفية العلمية في الأردن أتباع الشيخ الألباني الذين لا يرون الاشتغال بالسياسة أخذا برأي الشيخ الذي كان يقول إن «من السياسة ترك السياسة.» في المقابل كان سلفيو الكويت يرون جواز دخول المعترك السياسي والمشاركة في البرلمانات وتشكيل الأحزاب أخذاً برأي الشيخ عبد الرحمن عبد الخالق الذي كان بمثابة الموجه والمرشد لسلفيي الكويت والمحرض لهم على المشاركة السياسية ودخول الانتخابات.

تحفظات عصر محمد النصر وانتقاداته للسلفية الجهادية انصبت على اتباعها للمنهج الظاهري من الناحية الفقهية وافتقارها إلى البعد الأصولي المنهجي ومن جانب آخر تأثر بعض مؤسسيها بالثورة اليسارية ثم تحولهم إلى السلفية بحملهم الفكري القديم. كما أن بعض منظريها الكبار مثل أبي محمد المقدسي وأبي قتادة الفلسطيني لم تكن خلفياتهم سلفية أصلاً بل تبنوا أفكاراً ثم بحثوا لها عن أسانيد من أقوال ابن تيمية وتراث أئمة الدعوة النجدية.[2]

وسط احتدام الاختلافات في أوساط الاتجاهات السلفية القائمة واستفحال النزاعات بينها وإلحاح كل اتجاه منها على أن منهجيته واختياراته وطريقته في العمل هي الموافقة لمنهج السلف الصالح وغيرها بعيدة عنه إن لم تكن خارجة عنه بالكلية.[2]

صرح مسؤولو الحكومة الألمانية أن السلفية لها صلة قوية بالإرهاب لكنهم أوضحوا أن السلفيين ليسوا جميعهم إرهابيين.[98] تم نقل تصريحات مسؤولي الحكومة الألمانية التي تنتقد السلفية من قبل دويتشه فيله خلال أبريل 2012.[99][100]

يعتقد السلفيون أنهم ليسوا إلا امتداداً لمنهج أهل الحديث. لذا فهم يرون أن أتباع هذا المنهج على مدار التاريخ الإسلامي يمثلون ذات منهجهم ومعتقدهم. ومن أعلام السلفية في العصر الحديث: