سفر العدد

سفر العدد (بالعبرية: במדבר) أحد الأسفار المقدسة في التناخ الكتاب المقدس لدى الديانة اليهودية والعهد القديم لدى المسيحية؛ ولا خلاف على قدسيته لدى جميع الطوائف المسيحية واليهودية، يعتبر سفر العدد أحد الأسفار الخمسة الأولى المنسوبة إلى موسى وبشكل جزءًا من التوراة.

أصل التسمية لأن السفر يحتوي تعدادًا سكانيًا لبني إسرائيل بعد سنتين من خروجهم من مصر، وبحسب السفر فإن التعداد تم بناءً على أمر الله لموسى،[1] وكان عدد بنو إسرائيل إثر هذا التعداد يقارب الستمائة ألف شخص،[2] ولا يذكر السفر أسماء جميع المعدودين، إنما أسماء رؤساء العائلات وأفراد عائلاتهم ثم يرتبها حسب الأسباط الإثني عشر.

سفر العدد كسائر الأسفار الخمسة الأولى من العهد القديم ينسب إلى موسى،[3] لكن هذه النسبة تأت من التقليد اليهودي ثمّ المسيحي دون وجود أدلة تثبت ذلك، فعلماء نقد النصوص يرجحون فكرة كون الكاتب الأول مجهولاً، وتبدو علاقته بموسى والفاصل الزمني بين الأحداث وتدوينها مجهولاً أيضًا؛ بيد أن تطابق السفر من الناحية التاريخية في وصفه الممالك والأحداث كما هو معروف وشائع، يحفظ للسفر مكانته التاريخية والوثوقية، إذ من المستبعد في حال ألف السفر بكامله استنادًا إلى نسج الخيال، أن يكون متطابقًا مع أحداث حصلت قبل ألف عام من تاريخه، إذا أخذت فترة حكم داوود أو ابنه سليمان لبني إسرائيل موعدًا لكتابة السفر، أو ربما تحديد الفترة اللاحقة لعودة اليهود من سبي بابل.

فالراجح أن السفر حتى لو لم يكن مؤلفه هو موسى، قد كتب استنادًا إلى تقليد قوي صحيح عن موسى أو عن وثائق قديمة فقدت في العصر الحديث، وهذا رأي ريتشارد سيمون في القرن الثامن عشر إذ وجد أن التوراة كانت مجموعة وثائق مختلفة نسجت في كتاب واحد على يد عزرا بعيدالعودة من سبي بابل، وهذا النسيج لا يقلل من شأن موسى أو من شأن قواعد الشريعة اليهودية.

وفي حين يبدي الليبراليون من اليهود والمسيحيون قبولاً لهذا الرأي يرفض المحافظون ذلك ويتمسكون بالتقليد القديم بكون موسى هو مؤلف السفر.

يستخدم السفر للإشارة إلى الرب عبارة ألوهيم وهي صيغة جمع لأيل وربما استخدمت للتفخيم، أطلقت بشكل عام على الأسفار الخمسة الأولى في التوارة، كما أطلقت في بعض المزامير، يرى المستشرق الفرنسي غوستاف لوبون أن كلمة ألوهيم تعني الإله الأعلى، في وقت كان الاعتقاد بتفريد الإله سائدًا في المجتمع اليهودي،[4] كذلك يطلق عليه اسم بعل وهو إله كنعاني أصبح مرادفًا لكلمة الله في الديانة اليهودية.[5] إلى جانب ورود لفظ يهوه والذي لم يتحول إلى مصطلح رسمي حتى العودة من سبي بابل.

غاية التعداد كما تظهر في السفر تنظيم جيش القبائل الإسرائيلية المتنقلة: احصوا كل جماعة بني إسرائيل بعشائرهم وبيوت آبائهم، بعدد أسماء كل ذكر برأسه من ابن عشرين سنة فاصادًا كل خارج للحرب في إسرائيل.[6] أيضًا تمهيدًا لقسمة الأراضي بين القبائل والأسباط عند الوصول إلى فلسطين،[7] وتنظيم التنقل في الصحراء، فالتنق يتم وفق ترتيب الأسباط أولاً ثم وفق ترتيب القبائل فالعائلات داخل الأسباط ثانيًا،[7] ويختص الفصل الثالث من السفر بإجراء إحصاء خاص لسبط لاوي، سبط الكهنة، في حين أن الفصل الرابع من السفر ينظم عمل كل سبط في خيمة الاجتماع، ويدعى هذا الخدمة الكهنوتية في خيمة الاجتماع للأسباط الإثني عشر.


لكن السفر يعود كسفر الخروج وسفر اللاويين إلى الناحية التشريعية بدءًا من الفصل الخامس، فيذكر أحكام الخيانة الجنسية بين الزوجين وكيفية التأكد في حال الشك بها،[8] أحكام النذور،[9] مراسم افتتاح خيمة الاجتماع والتي تستمر اثني عشر يومًا،[10] تنظيم قواعد عيد الفصح ومن يحتفل به،[11] البوق التقليدي في الديانة اليهودية حتى اليوم،[12] ويذكر قصة تأسيس وتشريع السنهدرين أي المجلس الأعلى لليهود،[13] ويذكر أهمية دور موسى:

يتحول السفر إلى السرد التاريخي بدءًا من الفصل الثالث عشر، فيذكر كيف وصل بنو إسرائيل إلى صحراء النقب وتجسسوا على مدنها وكيف اصطدموا بالعماليق وانتصروا عليهم،[15] ثم كيف طلب منهم الرب عدم دخول فلسطين من ناحية النقب والاستمرار بالسير ودخولها من الشرق من ناحية أريحا؛ وينتقل لذكر قصة قورح،[16] وعصا يشوع التي اخضرت في إشارة إلى أنه سيخلف موسى في حكم الشعب،[17] ثم وفاة مريم أخت موسى وهارون،[18] ثم تقاعد هارون شقيق موسى، وإشراف موسى على تنصيب ابنه لعازر خلفًا له ككاهن أعظم للشعب؛[19] ثم ينتقل لذكر لقاء بني إسرائيل المتنقلين مع مملكة آدوم،[20] ومملكة الأموريين،[21] وأخيرًا مملكة موآب جنوب البحر الميت،[22] ويذكر السفر قصة ملكها بالاق مع النبي بلعام،[23] وهناك أخذ بنو إسرائيل بالزنى مع بنات موآب،[24] ونجسوا خيمة الاجتماع،[25] عبدوا آلهة وثنية،[26] فحكم الرب عليهم حسب السفر بالموت باستثناء يشوع وعدم الدخول إلى فلسطين،[27] لكنه يشير أن أبنائهم سيقومون بالدخول.

يعود السفر بدءًا في الفصل السادس والعشرين إلى التشريع، فيعيد تعداد بني إسرائيل وطرق انتقالهم إلى داخل فلسطين، وكيفية اقتسام الأراضي بين الأسباط الإثني عشر،[28] وإعادة تنظيم الأعياد وذبحائها،[29] والنذور،[30] والتعامل مع الأقوام الغير يهودية بما يخص نهب ممتلكاتها واسترقاقها،[31] القتل ومدن اللاويين ومدن الملجأ،[32] وأحكام منع الزواج بين الأسباط،[33] وينتهي السفر حسبما يذكر في نهر الأردن مقابل أريحا.[34]

يستكمل السفر وضع قواعد الشريعة اليهودية ويقدم عرضًا مفصلاً للأسباط الإثني عشر، كذلك فإن قصصة العامة تبين أهمية الرئاسة والتنظيم لكيلا تكون جماعة الرب كالغنم التي لا راعي لها[35] وتبيان صدق الله في وعودهالله ليس إنسانًا فيكذب ولا ابن إنسان فيندم، هل يقول ولا يفعل؟ أو يتكلم ولا يفي؟[36] وهو يعاقب من يفعل الإثم ويحنث بوعوده الرب طويل الروح كثير الإحسان يغفر الذنب والسيئة لكنه لا يبرئ بل يجعل ذنب الآباء على الأبناء،[37] يرى عدد من اللاهوتيون المسيحيون أن السفر يؤسس لمجيء يسوع من خلال التعداد، ويتمحور حول كون الله هو القائد ويحض على الجهاد القانوني.[38]

ولا يستشهد بهذا السفر كثيرًا في العهد الجديد، فيذكر ضمن ذكر سلالة يسوع،[39] ويحوي السفر أيضًا أولى النبؤات حول المسيح الذي يعتقد المسيحيون أن يسوع: آراه ولكن ليس الآن، أبعث ولكن ليس قريبًا؛ ويبرز كوكب من يعقوب ويقوم قضيب من إسرائيل.[40] سوى ذلك فعندما دار الجدال بين يسوع والفريسيين حول الالتزام بالراحة يوم السبت كما ورد في إنجيل متى،[41] اعتمد يسوع في إحدى التبريرات التي قدمها على سفر العدد من حيث عمل الكهنة في يوم السبت.[42] وطقس وضع اليد الذي لا يزال إلى اليوم في المسيحية عند رسامة قس أو أسقف مستقى من سفر العدد.[43] سوى ذلك تظهر عدة استشهادات من سفر العدد في رسائل بولس إما ضمن عظاته،[44] أو خلال تذكيره بإحدى قواعد الشريعة أو أحداث السفر، أو من خلال تفسيرها على ضوء المعتقدات المسيحية.[45]

ويكتسب الفصل الحادي والعشرون في السفر أهمية خاصة في المسيحية، إذ يتكلم الفصل عن أفاعي سامة لدغت بني إسرائيل من جراء خطاياهم فذاقوا منها عذابًا شديدًا ومات وقوم كثيرون منهم،[46] وعندما طلبوا الصفح أمر الرب موسى بصنع حية نحاسية ورفعها ووضعها على راية فكل من لدغ ونظر إليها يحيا[47] وقد وجد إنجيل يوحنا في الحية النحاسية رمز ليسوع وصلبه:

كذلك تأت أهمية السفر من تأكيده على كون سبط يهوذا هو السبط الرئيس في بني إسرائيل،[49] ومن المعروف حسب الإنجيل أن يسوع هو من سبط يهوذا.[50]

1 بحسب التقليد في الديانة اليهودية المسيحية.


حاخام يهودي ينفخ في البوق التقليدي المسمى شوفار، وقد ورد تشريعه في سفر العدد.
حية موسى، يرى البعض أنها عصا أسكليبيوس.