حنفية

الحنفية أو الأحناف أو المذهب الحنفي أو الفقه الحنفي ينسب هذا المذهب لأبي حنيفة النعمان (80هـ - 150هـ)، وهو مذهب فقهي من المذاهب الفقهية الأربعة المشهورة عند أهل السنة والجماعة كالمذهب المالكي، والمذهب الشافعي، والمذهب الحنبلي.

يعد المذهب الحنفي من أكثر المذاهب التي كتب لها الاستمرار وتلقتها الأمة بالقبول ويُسمى مذهب أهل الرأي، وهو المذهب الأكثر انتشاراً في العالم، وهو أقدم المذاهب الأربعة، وتتمثل أهمية هذا المذهب في أنه ليس مجرد أقوال الإمام أبي حنيفة وحده، ولكنه أقواله وأقوال أصحابه. ويعتبر مذهب الأحناف من المذاهب التي كان لها فضل كبير على الفقه الإسلامي، من خلال تحرير مسائله، وترتيبها في أبواب، حيث يعد الإمام أبو حنيفة أول من دون علم الشريعة ورتبه أبوابًا، ثم تابعه مالك بن أنس في ترتيب الموطأ، ولم يسبق أبا حنيفة في ذلك أحد، لأن الصحابة والتابعين لم يضعوا في علم الشريعة أبوابًا مبوبة، ولا كتبًا مرتبة، وإنما كانوا يعتمدون على قوة حفظهم، فلما رأى أبو حنيفة العلم منتشرًا، خاف عليه الخلف السوء أن يضيعوه، فدونه وجعله أبوابا مبوبة، وكتبًا مرتبة، فبدأ بالطهارة ثم بالصلاة، ثم بسائر العبادات، ثم المعاملات، ثم ختم الكتاب بالمواريث وهو الأمر الذي اعتمده الفقهاء من بعده.[1][2]

ترجع نشأة المذهب الحنفي إلى أوائل القرن الثاني الهجري، وتحديداً سنة 120 هـ، وذلك يوم أن جلس أبو حنيفة على كرسي الإفتاء والتدريس خلفاً لشيخه حماد بن أبي سليمان، فكان هذا العام شاهداً على نشوء أول مذهب فقهي معتمد.[3] ومن خلال هذه المدرسة الفقهية التي ترأسها الإمام أبو حنيفة نفسه، أخذ المذهب الحنفي في التمدد والانتشار؛ إذ أصبح له تلاميذ وأصحاب يلازمون حلقته، ويدونون أراءه وينشرونها، فكان لهم بذلك - لاسيّما الصاحبين أبي يوسف ومحمد بن الحسن الشيباني - دور كبير في قيام المذهب، وانتشار آرائه وأقواله.[4] يقول ابن عبد البر: "كان لأبي حنيفة أصحاب جلّة، رؤساء في الدنيا، ظهر فقهه على أيديهم، أكبرهم أبو يوسف يعقوب بن إبراهيم الأنصاري".[5] وقال ابن حجر الهيتمي: "ورزق - يعني أبا حنيفة - حظاً وافراً في أتباعه؛ فقاموا بتحرير أصول مذهبه وفروعه، وأمعنوا النظر في منقوله ومعقوله، حتى صار - بحمد الله - مُحكم القواعد، معدن الفوائد".[6]

فأما أبو يوسف: فقد كان أول من صنف الكتب في مذهب أبي حنيفة، فدوّن آراءه ورواياته، وذلك من خلال مصنفاته؛ ككتاب "الآثار" الذي رواه عن أبي حنيفة، وكتاب "اختلاف ابن أبي ليلى" الذي انتصر فيه لشيخه في خلافه مع ابن أبي ليلى، وكتاب "الرد على سير الأوزاعي" الذي انتصر فيه أيضاً لمذهبه وشيخه.[7] بالإضافة إلى ذلك فإن أبا يوسف تولى القضاء للعباسيين طيلة ست عشرة سنة، وأوكل إليه مهمة اختيار القضاة وتوليتهم في أرجاء الخلافة العباسية، وكان لا يولّي في الغالب إلا حنفي المذهب؛ فكان لذلك أثر كبير في نشر فقه أبي حنيفة وأقواله في ربوع أرض الخلافة الإسلامية.[8]

وأما محمد بن الحسن الشيباني: فهو راوية المذهب الحنفي، الذي نشر علم أبي حنيفة أيضاً بتصانيفه الكثيرة؛ حيث قام بتدوين الأصول الستة للمذهب الحنفي، أو ما يعرف بكتب ظاهر الراوية، والتي تعد المرجع الأول في فقه الحنفية، وهذه الكتب هي المبسوط (الأصل)، والزيادات، والجامع الصغير، والجامع الكبير، والسّير الصغير، والسّير الكبير.[9]

ويمكن تقسيم الأطوار والمراحل التي مر بها المذهب الحنفي منذ نشأته وحتى يومنا إلى ثلاث مراحل:

وهذه المرحلة تبدأ من عهد الإمام أبي حنيفة حتى وفاة الحسن بن زياد اللؤلؤي204 هـ) أحد كبار تلامذته.[10] ويُعنى بتلك المرحلة: مرحلة تأسيس المذهب وقيامه، ووضع أصوله، وإرساء قواعده، والتي على أساسها يتم استنباط الأحكام، وتخريج الفروع، وقد تم ذلك على يد الإمام نفسه، وبإرشاد منه؛ كما رجح ذلك الشيخ محمد أبو زهرة،[11] مع مشاركة كبار تلامذته؛ حيث كان لأبي حنيفة طريقة فريدة في التدريس؛ تقوم على المحاورة والمناظرة في المسائل الفقهية حتى يستقر الرأي على حكم، وحينئذ يأمر أبا يوسف بتدوينه.[12]

يقول الموفق المكي مبيناً طريقة أبي حنيفة في تدريس أصحابه: "فوضع أبو حنيفة مذهبه شورى بينهم، لم يستبد فيه بنفسه دونهم؛ اجتهاداً منه في الدين، ومبالغة في النصيحة لله ورسوله والمؤمنين، فكان يُلقي مسألة مسألة، يقلبهم ويسمع ما عندهم، ويقول ما عنده، ويناظرهم شهراً أو أكثر من ذلك حتى يستقر أحد الأقوال فيها، ثم يُثبتها القاضي أبو يوسف في الأصول، حتى أثبت الأصول كلها". وبناء على ذلك فإن تلاميذ أبي حنيفة كانوا مشاركين في تأسيس هذا البناء الفقهي، ولم يكونوا مجرد مستمعين، مُسلّمين لما يطرح عليهم. ولم يكن أبو يوسف وحده هو الذي يقوم بتدوين ما استقر عليه الرأي، بل كان يوجد في حلقة أبي حنيفة عشرة يقومون بالتدوين، على رأسهم الأربعة الكبار: (أبو يوسف، محمد بن الحسن الشيباني، زفر بن الهذيل، الحسن بن زياد اللؤلؤي).[13]

ولقد قام هؤلاء الأصحاب - خاصة الصاحبين: (أبا يوسف ومحمد بن الحسن) - بعد وفاة شيخهم بجهود كبيرة في تطوير المذهب وتنقيحه؛ فقاموا بتنقيح تلك الآراء التي اعتمدوها على عهد شيخهم، وأعادوا النظر فيها، وراجعوها في ضوء ما استُجد من أدلة وما حصل من تغيُّر في حياة الناس ومشاكلهم، ولذا وجدنا أبا يوسف ومحمد بن الحسن قد تراجعا عن كثير من الآراء التي اعتمدها إمامهم لمّا اطلعا على ما عند أهل الحجاز.[14] وكان من آثار ذلك أن خالفوا إمامهم في جملة من المسائل الأصلية والفرعية، ومع ذلك فهم مجتهدون ومنتسبون إلى الإمام؛ لأنهم اعتمدوا قواعده، وساروا على طريقته في الاجتهاد.[15] ولذلك دُوّنت آراؤهم مع آراء أبي حنيفة، وعُدّ الجميع مذهباً للحنفية، بل أحياناً تكون الفتوى عندهم على رأي أبي حنيفة، وأحياناً على رأي الصاحبين أو غيرهما.[16]

وتبدأ هذه المرحلة من وفاة الإمام الحسن بن زياد اللؤلؤي204 هـ)، وتنتهي بوفاة الإمام عبد الله بن أحمد بن محمود النسفي710 هـ) صاحب المتن المشهور "كنز الدقائق"، وهذا يعني أن ابتداء هذه المرحلة كان من بدايات القرن الثالث الهجري، وحتى نهاية القرن السابع الهجري.[17] وقد مثلت هذه المرحلة أزهى وأغنى المراحل التي مر بها الفقه الحنفي، من حيث التوسع والانتشار، ومن حيث توسع اجتهاداته، وتطور آرائه؛ فقد ظهر في بداية هذه المرحلة طبقة المشايخ، أو كبار علماء المذهب، الذين بذلوا جهوداً ضخمة في تحرير المذهب، وتحديد مصطلحاته، وبيان أصول الترجيح والتخريج، وكانت كتب محمد بن الحسن الشيباني أو ما اصطلح على تسميتها بكتب "ظاهر الراوية" هي الممثل الأول للمذهب، والناطق بآرائه وأقواله.[18]

كما نشطت حركة التأليف والتدوين، وطرقت شتى الأبواب والمسائل الفقهية، وتعرضت لبيان رأي المذهب فيما استجد من نوازل وقضايا في تلك المرحلة، فظهرت المتون أو المختصرات؛ كمختصر الطحاوي321 هـوالكَرْخي340 هـوالقدوري428 هـ)، وبداية المبتدي لبرهان الدين المرغيناني593 هـ)، وغيرهما. كما ظهرت الشروح والمطوّلات؛ كالمبسوط لشمس الأئمة السرخسي490 هـ)، وبدائع الصنائع لعلاء الدين الكاساني587 هـ)، والهداية للمرغيناني، وغيرها. كما ظهرت كتب الفتاوى والنوازل؛ كفتاوى النوازل للفقيه أبي الليث السمرقندي375 هـ)، وفتاوى الحسن بن علي الحلواني (ت 448 هـ)، وفتاوى الصدر الشهيد536 هـ)، وفتاوى قاضيخان (ت 592 هـ)، وغير ذلك كثير من المصنفات والمدونات التي تعد ثروة علمية ضخمة من التراث الحنفي، خلّفتها لنا تلك المرحلة النشطة من تاريخ المذهب الحنفي.[19]

وظهر في تلك المرحلة أيضاً، وتحديداً في القرن الرابع الهجري نوع آخر من التأليف عن الحنفية، وهو ما يُعرف بالتأصيل الحديثي للمذهب؛ كما تشير إلى ذلك مصنفات الإمام الطحاوي الحديثية؛ كشرح معاني الآثار، ومُشكِل الآثار.[20] كما برزت مدرستان أصوليّتان عند الحنفية، لكل منهما ما يميّزها عن الأخرى، وهما:

وتبدأ تلك المرحلة من وفاة الإمام حافظ الدين النسفي710 هـ)، أو من بداية القرن الثامن الهجري، وحتى وقتنا المعاصر.[21] وأهم ما يميز هذه المرحلة هو غلبة الركود والجمود الفقهي، على عكس ما كانت عليه المرحلة السابقة؛ حيث اكتفى أصحاب هذه المرحلة بالاعتماد على ما خَلّفه الأوّلون من الآراء والأقوال الفقهية، دون تجاوز إلا على سبيل الشرح، أو التعليق، أو الردود؛ فكانت كل مصنفات تلك المرحلة وفقاً لذلك. وقد ترتّب على ذلك أن أُشبعت مسائل المذهب وفروعه بحثاً، ومناقشة، وإيضاحاً، وتأييداً، مما جعل المذهب أو الرأي الراجح فيه يظهر بصورة أكثر وضوحاً.[22] ومما يصوّر لنا الجمود الذي كان سمة لتلك المرحلة؛ أن المجتهد الذي بلغ رتبة الاجتهاد لا يسعه الخروج عن أقوال المذهب إلا للضرورة، وإن كان ما توصَّل إليه باجتهاده أقوى دليلاً من سائر أقوال المذهب؛ يقول الإمام ابن عابدين معلقاً على المقولة المأثورة عن الإمام أبي حنيفة: "إذا صح الحديث فهو مذهبي": «ينبغي تقييد ذلك بما إذا وافق قولاً في المذهب؛ إذ لم يأذنوا في الاجتهاد فيما خرج عن المذهب بالكلية؛ مما اتفق عليه أئمتنا؛ لأن اجتهادهم أقوى من اجتهاده».[23] وبناء على ذلك ردُّوا ترجيحات الإمام الكمال بن الهمام، وهو خاتمة المحققين كما نعته ابن عابدين، ولم يعملوا بها، حتى قال تلميذه العلامة قاسم: "لا يُعمل بأبحاث شيخنا التي تخالف المذهب".[24]

رغم أن الإمام أبا حنيفة لم يُؤثر عنه تفاصيل المنهج الذي اعتمده في بناء مذهبه، ولا القواعد التفصيلية التي جرى عليها في بحثه واجتهاده، إلا أنه قد رُويت عنه عدة روايات توضح الخطوط العريضة التي سار عليها، والمنهج العام الذي اعتمده في إرساء قواعد المذهب وأصوله،[25] ومن هذه الروايات ما يلي: ما رواه الصّيمَري والخطيب البغدادي عن يحيى بن ضُرَيس قال: "شهدت سفيان وأتاه رجل، فقال له: ما تنقم على أبي حنيفة؟ قال: وما له؟ قال: سمعته يقول: آخذ بكتاب الله، فما لم أجد فبسُنة رسول الله، فإن لم في كتاب الله ولا سُنة رسول الله، أخذت بقول أصحابة؛ آخذ بقول من شئت منهم، وأدع من شئت منهم، ولا أخرج من قولهم إلى قول غيرهم، فأما إذا انتهى الأمر، أو جاء إلى إبراهيم، والشعبي، وابن سيرين، والحسن، وعطاء، وسعيد بن المسيّب، وعدد رجالاً، فقوم اجتهدوا فأجتهد كما اجتهدوا".[26]

وروى الموفق المكي في كتابه مناقب الإمام أبي حنيفة عن عبد الكريم بن هلال عن أبيه قال: سمعت أبا حنيفة يقول: "إذا وجدت الأمر في كتاب الله تعالى أو في سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، أخذت به، ولم أصرف عنه، وإذا اختلف الصحابة اخترت من قولهم، وإذا جاء من بعدهم أخذت وتركت".[27] وروى ابن المكي أيضاً عن سهل بن مزاحم قال: "كلام أبي حنيفة أخذٌ بالثقة، وفرار من القبح، والنظر في معاملات الناس وما استقاموا عليه، وصلُح عليه (أمرهم)، يُمضي الأمور على القياس، فإذا قَبُح القياس يمضيه على الاستحسان ما دام يُمضي له، فإذا لم يُمضِ له، رجع إلى ما يتعامل المسلمون به، وكان يوصل الحديث المعروف الذي أجمع عليه، ثم يقيس عليه ما دام القياس سائغاً، ثم يرجع إلى الاستحسان، أيهما كان أوفق رجع إليه. قال سهل: هذا علم أبي حنيفة رحمه الله، علم العامة".[28] وروى أيضاً عن الحسن بن صالح قال: "كان أبو حنيفة شديد الفحص عن الناسخ من الحديث والمنسوخ، فيعمل بالحديث إذا ثبت عنده عن النبي صلى الله عليه وسلم، وعن أصحابه، وكان عارفاً بحديث أهل الكوفة، وفقه أهل الكوفة، شديد الاتّباع لما كان عليه الناس ببلده".[29]

ومن خلال هذه الروايات التي تنبّه على منهج الإمام وطريقته في الاستنباط، بَلْور أئمة الحنفية هذه المنهجية، وحدّدوا معالمها، ووضعوها في قالبها الأصولي، وجعلوا أصول الاستنباط عند الإمام على النحو التالي:[30]

فهو أصل الأصول، ومصدر المصادر، وما من مصدر إلا يرجع إليه في أصل ثبوته، وهو نور الشريعة الساطع.[31]

وهي المصدر الثاني من مصادر الشريعة، المبيّنة، والشارحة، والمفسرة للكتاب؛ فكان أبو حنيفة يأخذ بما صح عن النبي، فإذا صح عن النبي قولان وتعارضا؛ أخذ بالأخير منهما.[32] وهذا في السنة المتواترة والمشهورة، وكذا أخبار الآحاد، إلا إذا خالفت قياساً راجحاً؛ - والقياس الراجع عن الحنفية هو الأصل العام الذي ثبتت قطعيته، وكان تطبيقه على الفرع قطعياً - فحينئذ يُقدِّم القياس، ليس عن هوى، ولا إعراض عن حديث صحيح، وإنما لمزيد من الحرص والاحتياط. ومعلوم تشدد أبي حنيفة في قبول الرواية؛ صيانة لحديث النبي،[33] أو لأن تلك الأخبار -أخبار الآحاد- عارضت أصلاً عاماً من أصول الشرع ثبتت قطعيته، وكان تطبيقه على الفرع قطعياً؛ فحينئذ يُضعِّف تلك الأخبار، ويحكم بالقاعدة العامة التي لا شُبهة فيها.[34] والشاهد أن الأصل عن أبي حنيفة تقديم خبر الآحاد على القياس؛ كما يقول أبو زيد الدبُّوسي: "الأصل عند علمائنا الثلاثة -يعني أبا حنيفة وأبا يوسف ومحمد بن الحسن الشيباني- أن الخبر المروي عن النبي صلى الله عليه وسلم من طريق الآحاد مقدَّم على القياس الصحيح".[35]

لكنه قد يخرج عن هذا الأصل لتأويل محتمل عنده؛ كما يقول ابن عبد البر: "وكان ردُّه لما رَدَّ من أخبار الآحاد بتأويل محتمل، وكثير منه قد تقدَّمه إليه غيره، وتابعه عليه مثله ممن قال بالرأي، وجُلُّ ما يوجد له من ذلك ما كان منه اتباعاً لأهل بلده؛ كإبراهيم النخعي، وأصحاب ابن مسعود...". إلى أن قال: "ليس لأحدٍ من علماء الأمة يُثبت حديثاً عن النبي صلى الله عليه وسلم ثم يردُّه دون ادعاء نَسْخ عليه بأثرٍ مثله، أو بإجماع، أو بعملٍ يجب على أصله الانقياد إليه، أو طعن في سنده، لو فعل ذلك أحدٌ سقطت عدالته، فضلاً عن أن يُتّخذ إماماً، ولزمه إثمُ الفسق".[36]

وذلك إذا لم يجد في المسألة نصاً من القرآن، ولا من السنة، ووجد إجماعاً؛ فإنه يأخذ به ويقدمه.[37] ويشير إلى ذلك قوله في معرض حديثه عن القياس: "وهذا القياس الذي نحن فيه... ويكون العمل على الكتاب والسنة والإجماع".[38]

وذلك إذا اختلفوا وتعددت أقوالهم، فإنه يتخيّر منها ما يراه أقرب إلى روح الشريعة، ولا يخرج عن أقوالهم.[39]

وذلك إذا لم يجد شيئاً مما سبق، فحينئذٍ يجتهد فيقيس إذا ما وجد القياس سائغاً،[40] ولا يقدّم القياس على شيء مما سبق، حتى إنه في بعض المسائل كان يرى القول بالقياس فيها ظاهراً، لكنه يترك ذلك لأجل النص؛ كما في خبر أبي هريرة في الذي يأكل أو يشرب ناسياً؛ فإنه أعمله وقال به رغم مخالفته للقياس عنده، وقال: "لولا الرواية لقلتُ بالقياس".[41]

وذلك إذا قَبُح القياس ولم يستقم، فحينئذٍ يستحسن.[42] والاستحسان عنده ليس قولاً بالتشهي، ولا عملاً بما يستحسنه من غير دليل قام عليه شرعاً، فهو أجلُّ قدراً، وأشد ورعاً من أن يفعل ذلك. وإنما الاستحسان عنده كما قال أبو الحسن الكَرْخي: "أن يَعْدل الإنسان عن أن يحكم في المسألة بمثل ما حكم به في نظائرها إلى خلافه؛ لوجه أقوى يقتضي العدول عن الأول".[43] وهو أحسن ما قيل في تعريف الاستحسان كما قال الشيخ محمد أبو زهرة.[44]

وذلك إذا لم يكن نص، ولا إجماع، ولا حمل على النصوص بطريق القياس أو الاستحسان؛ فإنه ينظر في معاملات الناس، ويبني الحكم على ما تعارفوا عليه.[45]

المذهب الحنفي هو أوسع المذاهب انتشاراً، وأكثرها أتباعاً، وبناءً على ذلك فقد كثرت مصنفاته ما بين متون ومختصرات، وشروح ومطولات، وحواشٍ وتعليقات، وفتاوى ومنظومات...، غير أن بعض هذه المصنفات طار ذكرها، وانتشر خبرها، وسار الرُّكبان بها، وتلقّاها علماء المذهب بالقبول، واعتمدوها أكثر من غيرها؛ إذ هي مَعنيّة بنقل الصحيح والراجح من المذهب.[46] ومعلوم أن المحققين من متأخري الحنفية كابن عابدين، وعبد الحي اللكنوي قسموا الكتب المصنفة في المذهب إلى كتب معتمدة في نقل المذهب، وكتب غير معتمدة، ولا يجوز الإفتاء منها.[47]

وقد ذكروا في أسباب عدم اعتمادها: كونها تجمع الأقوال الضعيفة والمسائل الشاذة، وإن كان مؤلفوها من كبار الفقهاء؛ كما هو الحال في كتاب القُنية للزاهدي (ت 658 هـ)، والسراج الوهاج شرح مختصر القدوري لأبي بكر الحدادي (ت 800 هـ)، والدر المختار لعلاء الدين الحصكفي1088 هـ). أو لكونها لم يُطّلع على حال مؤلفيها؛ هل كانوا فقهاء معتمدين، أم كانوا جامعين بين الغث والسمين؛ كما هو الحال بالنسبة لشمس الدين القهستاني953 هـ) صاحب شرح النُقاية المسمّى بجامع الرموز، وكما هو الحال بالنسبة لمنلا مسكين (ت 954 هـ) صاحب شرح كنز الدقائق.[48] وقد يكون عدم اعتمادها راجعاً إلى إعراض أجلّة العلماء وأئمة الفقهاء عنها، فإن هذا يُعدّ علامة واضحة على عدم اعتبارها عندهم.[49]

أما المصنفات المعتمدة فكثيرة، وهي مُقسّمة على النحو التالي: ويأتي على رأسها كتب ظاهر الراوية.[50] ومرتبة هذه الكتب في المذهب كمرتبة الصحيحين في الحديث؛[51] إذ هي الأصل الذي يُرجع إليه في فقه أبي حنيفة وأصحابه.[52] ولذا عُني بها العلماء عناية كبيرة حتى إن الإمام محمد بن محمد ابن أحمد المروزي المعروف بالحاكم الشهيد (ت 334 هـ) قام بجمعها واختصارها في كتاب واحد سمّاه: الكافي.[53] ولذا عدّه أئمة الحنفية أصلاً من أصول المذهب،[54] وتباروا في شرحه، فكان أجلّها وأشهرها كتاب المبسوط لشمس الأئمة السرخسي.[55]

قال ابن عابدين في منظومته:


ونقل ابن عابدين عن العلامة قاضي القضاة عماد الدين الطرطوسي قوله في مبسوط السرخسي: "مبسوط السرخسي لا يُعمل بما يخالفه، ولا يُركن إلا إليه، ولا يُفتى ولا يعوّل إلا عليه".[56]

ثانياً: المتون المعتمدة: وهذه المتون تنقسم إلى:[46]

والمراد بالمتقدمين: قيل: هم من أدرك الأئمة الثلاثة (أبا حنيفة، وأبا يوسف، ومحمد بن الحسن الشيباني)، والمتأخرون من لم يدركهم. وقيل: الحد الفاصل بين المتقدمين والمتأخرين: رأس القرن الثالث؛ فالمتقدمون قبله، والمتأخرون بعده.[57] أما المتون المعتمدة عند المتقدمين: فهي تلك التي صنّفها كبار المشايخ والفقهاء؛ كأبي بكر الخصّاف (ت 261 هـوأبي جعفر الطحاوي321 هـ)، والحاكم الشهيد (ت 334 هـوأبي الحسن الكَرْخي340 هـوأبي بكر الجصّاص370 هـ)، وغيرهم.[58] فهذه المتون والمختصرات ملحقة بمسائل الأصول، وظواهر الروايات في صحتها وثقة رواتها.[59] يقول العلامة المطيعي: "فاللازم أن يأخذ بما في رواية الأصول، ثم بما في المتون والمختصرات؛ كمختصر الطحاوي، والكرخي، والحاكم الشهيد، فإنها تصانيف معتبرة، ومؤلفات معتمدة، قد تداولها العلماء...".[60] وأما المتون المعتمدة عن المتأخرين: فقد نص عليها ابن عابدين بقوله: "المتون المعتبرة كالبداية، ومختصر القُدُوري، والمختار، والنُّقاية، والوقاية، والكنز، والملتقى، فإنها الموضوعة لنقل المذهب مما هو ظاهر الرواية.[61]

وفيما يلي عرض لهذه المتون، وبعض شروحها بإيجاز، وذلك على النحو التالي:

ومن أبرز هذه الشروح: شرح أكمل الدين البابرتي786 هـ) المسمّى بالعناية شرح الهداية. ومنها شرح الكمال بن الهمام861 هـ) المسمى بفتح القدير للعاجز الفقير؛ وهو من أشهر شروح الهداية المتداولة بين العلماء والمعتمدة عندهم.[68] وغير ذلك من الشروح.[69]

وقد وُضِعت عليه شروح كثيرة؛ منها: شرح العلامة علاء الدين الحَصْكَفي1088 هـ) والمسمى بـ(الدر المنتقَى في شرح الملتقى).[85] ومنها: شرح العلامة عبد الرحمن بن محمد بن سليمان، المشهور بـ(شيخي زادة) (ت 1078 هـ) المسمّى بـ(مجمع الأنهر شرح ملتقى الأبحر).[86] وهذا الشرح من الشروح التي برزت بعد الألف من الهجرة، وقصدها علماء المذهب وأتباعه.[87] ومن الشروح التي ذاع صيتها، وانتشر خبرها: (بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع) للإمام علاء الدين الكاساني الملقب بملك العلماء (ت 587 هـ)؛ وهو شرح عظيم وضعه على كتاب تحفة الفقهاء لأستاذه علاء الدين السمرقندي539 هـ).[88] قال حاجي خليفة: "وهذا الشرح تأليف يطابق اسمه معناه".[89]

ومن الشروح التي ذاع صيتها، وانتشر خبرها أيضاً لكن بعد الألف من الهجرة، بحيث أصبحت عمدة في المذهب عند المتأخرين ما يلي:

وهذا الكتاب -كما قال محمد أحمد علي-: "يكاد يتسنّم ذُرى الشهرة بين كتب الفترة المتأخرة؛ فهو معتمد أكثر العلماء المعاصرين. والكتاب حاشية على كتاب الدر المختار لعلاء الدين الحصكفي الذي شرح فيه كتاب تنوير الأبصار لمحمد بن عبد الله التّمُرْتاشي (ت 1004 هـ)، لكنه لم يتمه؛ إذ وافته المنية، فأكمله ابنه محمد علاء الدين ابن عابدين".[91]

وإضافة إلى ما سبق من الكتب والمتون والشروح؛ فقد وُجد للحنفية كتب للفتاوى طار ذكرها، وانتشر خبرها، وتلقّاها علماؤهم بالقبول والإعجاب، من أشهرها: الفتاوى الولوالجية لعبد الرشيد بن أبي حنيفة الوَلْوَالجي (ت 540 هـ)، والسراجية لسراج الدين علي بن عثمان بن محمد التميمي الأوشي (ت 575 هـوالفتاوى الخانية لفخر الدين قاضيخان (ت 592 هـ)، والبزّازيّة لمحمد بن محمد البزّازي827 هـوالفتاوى الهندية التي قام عليها مجموعة من علماء الهند بأمر من السلطان محمد أورنك عالِم كير1118 هـ)؛ فجمعوا فيها ما اتُفق عليه، وأفتى به الفحول، ووضعوا فيها من نوادر المسائل ما تلقّاه العلماء بالقبول، إضافة إلى الفتاوى الحامديّة لحامد بن علي بن إبراهيم العمادي (ت 1171 هـ)، التي اختصرها ونقّحها ابن عابدين في كتابه: العقود الدُّرّيّة تنقيح الفتاوى الحامدية.

لقد حفل المذهب الحنفي بمكتبة كبيرة من الكتب التي ترجمت لعلمائه، ومن هذه الكتب:

للحنفية -كغيرهم- مصطلحات اصطلحوا عليها، وعبارات تعارفوا عليها في مصنفاتهم، ولذا كان لابد لمن أراد التعرف على مذهبهم، وفهم رموزه ومفاتيحه، أن يطّلع على هذه المصطلحات، وأن يعرف مرادهم بها، حتى يتسنى له فهم كلامهم وفق مرادهم. وفيما يلي بعض لأشهر مصطلحاتهم:

وتنقسم إلى قسمين: كلميّة، وحرفيّة.[93]

من أشهرها ما يلي:

من أشهرها ما يلي:[98]

ومن أشهرها ما يلي:

أماكن انتشار المذهب الحنفي (اللون الأخضر الفاتح) في العالم.
كتاب الآثار/ للإمام محمد بن الحسن الشيباني المتوفى سنة 189هـ (تلميذ الإمام أبي حنيفة) من أوائل كتب أدلة المذهب الحنفي.
كتاب الفتاوى الهندية المعروفة بالفتاوى العالمكيرية في مذهب الإمام الأعظم أبي حنيفة النعمان/ هي مجموعة من الأحكام الفقهية المأخوذة من مذهب الحنفية قام بتأليفها جماعة من علماء الهند برئاسة الشيخ نظام الدين البرنهابوري بأمر من سلطان الهند أبي المظفر محيي الدين محمد أورنك زيب الملقب باسم عالَم كَير؛ أي: فاتح العالم.
كتاب الفتاوى التاتارخانية/ كتاب مهم في الفقه الحنفي جمعه المؤلف من أكثر من ثلاثين كتابا وسمي بالفتاوى التاتارخانية نسبة إلى تاتارخان وهو من كبار الأمراء والوزراء في الهند الإسلامية في القرن الثامن الهجري وقد جاء الكتاب موزعا على أبواب الفقه فبدأ بكتاب الطهارة ثم كتاب الصلاة...الخ.
كتاب الخلاصة البهية في مذهب الحنفية/ تأليف: حسين عبد الرحمن البنجاوي (من علماء الأزهر) كتاب مهم في تعلم الفقه وتعليمه فهو يشتمل على متن كاف وواف من المتون المجملة التي أعدت في الفقه الحنفي وقد اشتمل الكتاب على عدد من الموضوعات الهامة مثل تراجم أئمة المذهب الحنفي وأقسام الأحكام الشرعية ومراتب المسائل في المذهب الحنفي والكتب المعتمدة في المذهب وأسس المذهب الحنفي واصطلاحات علمائه.
كتاب الجواهر المضيئة في طبقات الحنفية/ تأليف: الفقيه المحدث المؤرخ عبد القادر بن أبي الوفاء القرشي المتوفي سنة (775هـ).
كتاب الأثمار الجنية في الأسماء الحنفية/ تأليف: الإمام نور الدين الملا علي القاري المتوفى سنة (1014هـ).