حمى

الحمى أو الحرارة أو السخونية هي ارتفاع في درجة حرارة الجسم عن المعدل الطبيعي، وذلك نتيجة ارتفاع درجة حرارة منظم حرارة الجسم الموجود في منطقة تحت المهاد والذي يُعرف باسم نقطة التضبيط.[1][2] حيث يُؤدي هذا الارتفاع إلي حث الجسم على الحفاظ على حرارته وإنتاج المزيد من الحرارة حتي تتوافق مع مقدار الزيادة في نقطة التضبيط، فتتضيق أوعية الجلد لتقليل فقدان الحرارة مما يتسبب في الشعور بالبرد، ويزداد توتر العضلات[3] والنفض أحيانا مما يؤدي إلى زيادة إنتاج الجسم للحرارة،[4] وعندما تعود درجة حرارة نقطة التضبيط إلى وضعها الطبيعي يسعى الجسم إلى فقد ما اكتسبه من حرارة ويحدث توسع في أوعية الجلد مما يؤدي إلى الشعور بالحر والتورد وقد يصاحبه حدوث تعرق.[4] ونادراً ما تؤدي الحمى إلى نوبة حموية [5] والتي تكون أكثر شيوعا في الأطفال صغار السن.[5] تترواح درجة الحرارة الطبيعية من 37.5 و 38.3 °م (99.5 و 100.9 °ف) طبقا للمصادر الطبية المتعدد، حيث أنه لا يوجد اتفاق على الحد الأعلى لدرجة الحرارة الطبيعية، وعادة لا تزيد الحمى عن 41 - 42 درجة مئوية.[2]

تتسبب العديد من الحالات المرضية في الحمى، وتتراوح هذه الأمراض في خطورتها من بسيطة إلى مهددة للحياة،[9] ومن بين مسببات الحمى حالات العدوى البكتيرية والفيروسية والطفيلية، مثل نزلات البرد وعدوى المسالك البولية والتهاب السحايا والملاريا والتهاب الزائدة الدودية.[9] كما تشمل أسباب الحمى غير المعدية كل من التهاب الأوعية الدموية، التخثر الوريدي العميق، وبعض الأدوية الطبية والسرطان وغيرها.[9]

تختلف الحمى عن فرط الحرارة في أن فرط الحرارة يتمثل في زيادة درجة حرارة الجسم فوق درجة حرارة نقطة التضبيط، إما بسبب زيادة في إنتاج الحرارة أو نقص في فقدانها.

لا تتطلب الحمى في حد ذاتها أدوية لخفض الحرارة بشكل عام،[3][6] غير أنه قد يكون علاج الألم والالتهابات المرتبطين بالحمى مفيدًا في مساعدة الشخص على الراحة.[6] ومن بين الأدوية التي قد تساعد في ذلك بجانب مساعدتها في خفض الحرارة الإيبوبروفين والباراسيتامول (الأسيتامينوفين).[6][7] كما أن بعض التدابير المعتادة كمادات الماء البارد على الجبهة أو الاستحمام بماء الدافئ قليلاً قد تكون ليست مفيدة وقد تجعل الشخص ببساطة غير مرتاح.[6] ويحتاج الأطفال الذين تقل أعمارهم عن ثلاثة أشهر إلى عناية طبية، وكذلك الأشخاص الذين يعانون من مشاكل طبية خطيرة مثل نقص المناعة أو الأشخاص الذين يعانون من أعراض أخرى مصاحبة للحمى.[10] أما فرط الحرارة فإنه في حد ذاته قطعا يتطلب العلاج. [3]

تُعتبر الحمى واحدة من أكثر العلامات الطبية شيوعا،[3] حيث أنها تُمثل حوالي 30٪ من أسباب زيارات الرعاية الصحية من قبل الأطفال، [3] كما تحدث الحمى في ما يصل إلى 75٪ من البالغين الذين يعانون من مرض خطير.[8] وفي حين أن الحمى تُمثل آلية دفاعية مفيدة، إلا أن خوافض الحمى لا تؤدي إلى مضاعافات.[11][12] ويُنظر إلى الحمى بقلق بالغ من قِبل أولياء الأمور وأخصائيي الرعاية الصحية بشكل أكبر مما تستحق عادة، وهي ظاهرة تُعرف باسم رهاب الحمى.[3]

عادة ما يُصاحب الحمى سلوك المرض، والذي يتمثل في الخمول والاكتئاب وفقدان الشهية والنعاس وفرط التألم وعدم القدرة على التركيز. [13] [14] [15] هذا بالإضافة إلى احتمالية وجود أعراض وعلامات قد تساعد الطبيب على تحديد سبب الحمى، وتختلف هذه الأعراض والعلامات بحسب سبب الحمى وبحسب الجهاز المصاب، وعند حدوث الحمى لفترة طويلة في ظل غياب للأعراض والعلامات التي تساعد على تحديد سبب هذه الحمى يُطلق عليها حمي مجهولة المنشأ.

تتراوح درجة الحرارة العادية للجسم البشري بحسب أماكن القياس والمجال المرجعي، وتُعتبر درجة الحرارة المركزية (التي يُمكن قياسها عبر المستقيم) أكثر دقة من درجة الحرارة الطرفية (التي يمكن قياسها من تحت الإبط). [16] ومن المتفق عليه عمومًا أنه يُمكن الجزم بوجود حمى إذا كانت درجة حرارة الجسم المرتفعة ناتجة ارتفاع في درجة نقط التضبيط وأن تكون:

يتراوح نطاق درجة حرارة الجسم الطبيعية في البالغين بحسب مكان القياس، فنالنسبة للفم تتراوح بين 33.2–38.2 °م (91.8–100.8 °ف)، وللمستقيم بين 34.4–37.8 °م (93.9–100.0 °ف)، وللأذن بين 35.4–37.8 °م (95.7–100.0 °ف) ، وللإبط بين 35.5–37.0 °م (95.9–98.6 °ف).[18] ويُعرف مرجع هاريسون لأساسيات الطب الباطني الحمى على أنها ارتفاع درجة الحرارة المُقاسة من الفم في الصباح عن 37.2 م، أو ارتفاع درجة الحرارة المُقاسة من الفم بعد الظهر عن > 37.7م، حيث أن التغير الطبيعي المعتاد في درجة الحرارة اليومية هو نصف درجة مئوية .[19]

تختلف درجة حرارة الجسم الطبيعية استنادا إلى العديد من العوامل، من بينها العمر والجنس والوقت (النهار والليل) ودرجة حرارة الجو ومستوى نشاط الفرد وغيرها، ولا يُعتبر كل ارتفاع في درجة الحرارة حمى، فعلى سبيل المثال فإن درجة حرارة الشخص السليم ترتفع عندما يمارس التمارين الرياضية ولا يُعتر هذا الرتفاع حمى لأن درجة حرارة نقطة التضبيط طبيعية ولم تتغير، وعلى النقيض فقد تُعتبر درجة الحرارة «العادية» حمى إذا كانت أعلى من الدرجة المعتادة بالنسبة لذات الشخص، فمثلا تقل قدرة كبار السن الضعفاء طبياً على توليد الحرارة وبالتالي قد تعتبر درجة 37.3 °م (99.1 °ف) بالنسبة لهم حمى في حين أنها طبيعية بالنسبة للراشدين الأصحاء.

يُمكن لنمط الحمى أن يوحي أو يشير أحيانًا إلى تشخيص سبب الحمى:

تُمثل الحمى المفرطة أو السخونية المفرطة (والذي يدل عليها المصطلح) ارتفاع شديد في درجة حرارة الجسم تُحدده بعض المصادر الطبية على أنه زيادة في درجة حرارة الجسم أكبر من أو تساوي 40.0 أو 41.5 °م (104.0 أو 106.7 °ف)[22] [23] [24] وتُعتبر الحمى المفرطة حالة طبية طارئة، حيث أنها قد تشير إلى وجود حالة خطيرة كامنة خلفها، أو تؤدي إلى مشاكل خطيرة منها تلف الدماغ والوفاة. [25] ويُعتبر النزف داخل الجمجمة هو السبب الأكثر شيوعًا للحمى المفرطة،[26] [24] وتشمل الأسباب المحتملة الأخرى كل من الإنتان، داء كاواساكي، [27] متلازمة مضادات الذهان الخبيثة، جرعة المخدرات الزائدة، متلازمة السيروتونين، وعاصفة الغدة الدرقية . [25]

ًُتُعد العدوى السبب الأكثر شيوعًا لحدوث الحمى، ولكن كلما ارتفعت درجة الحرارة كلما أصبحت الأسباب الأخرى أكثر شيوعًا.[25] وتشمل أسباب العدوى المرتبطة بالحمى المفرطة كل من الطفح الوردي والحصبة وعدوى الأمعاء الفيروسية. [27] وقد وُجد أن التبريد القوي والسريع إلى أقل من 38.9 °م (102.0 °ف) يُحسن من فرص النجاة.[25] ويُلاحظ أن الحمى المفرطة تختلف عن فرط الحرارة في حالة الحمى المفرطة فإن آليات تنظيم درجة حرارة الجسم هي التي تؤدى إلي رفع درجة حرارة الجسم فوق درجة الحرارة العادية (لتتوافق مع الارتفاع الموجود في نقطة التضبيط)، ومن ثم تولد حرارة لتصل إلى نفس درجة الحرارة في نقطة التضبيط، أما في حالة فرط الحرارة فإن درجة حرارة الجسم ترتفع فوق درجة الحرارة في نقطة الضبط ويكون هذا الارتفاع بسبب مصدر خارجي. [26]

يُعد فرط الحرارة مثال على ارتفاع درجة حرارة الجسم دون وجود حمى، وهذا الارتفاع يحدث نتيجة عدد من الأسباب من بينها ضربة الشمس، ومتلازمة مضادات الذهان الخبيثة، وفرط الحرارة الخبيث، والمنشطات مثل الأمفيتامينات والكوكايين، ومتلازمة السيروتونين . [28] [29]

تُمثل الحمى عرض شائعة للعديد من الحالات المُرضية:

وتُسمى الحمى المستمرة والمتكررة والتي لا يمكن تفسير حتى بعد إجراء فحوصات سريرية بالحمى مجهولة المنشأ.

تتحكم منطقة تحت المهاد في تنظيم درجة حرارة الجسم، وتُؤدي مسببات الحمى (والتي تسمى بيروجينات) إلى إطلاق مادة البروستاجلاندين E2، حيث تستهدف هذه المادة منطقة تحت المهاد فتؤثر على تنظيم حرارة الجسم متسببة زيادة درجة حرارة الجسم لتتوافق من درجة الحرارة الجديد.

تُشبه طريقة عمل تحت المهاد الترموستات إلى حد كبير، [32] وفي الحالة العادية يكون هذه الترموستات مضبوطا على درجة حرارة الجسم العادية وبالتالي ينظم تحت المهاد درجة حرارة الجسم لتظل ضمن المدى الطبيعي، أما في حالة الحمى فإن مسببات الحمى تؤدي إلى رفع درجة هذا الترموستات إلى درجة أعلى، مما يتطلب من الجسم أن يحافظ على حرارته حتي يصل إلى هذه الدرجة الجديدة، ومن ثم يحدث تضيق في الأوعية الطرفية بالجلد مما يقلل من فقدان الحرارة عن طريق الجلد مسببا الشعور بالبرد، فيما يزيد النورإبينفرين من توليد الحرارة في الأنسجة الدهنية البنية، ويزداد توتر العضلات فيزداد معدل الأيض الأساسي لها، [33] وفي حالة ما إذا كانت هذه التدابير غير كافية لرفع درجة حرارة الجسم لتتوفق مع درجة الحرارة الجديدة لنقطة التضبيط الموجودة في منطقة تحت المهاد ، فإن العضلات تبدأ في الارتعاد حيث تعمل حركات العضلات على إنتاج مزيد من الحرارة، والعكس بالعكس فعندما تنخفض درجة الحرارة في نقطة التضبيط مرة أخرى وتعود إلى حالتها الطبيعية (إما بشكل تلقائي أو بتناول الدواء) فإنه يحدث توسع في الأوعية الجلدية، وتوقف الارتعاد وانتاج الطاقة، ويستخدم الجسم التعرق لخفض درجة حرارته إلى الدرجة الطبيعية.

هذا على العكس من فرط الحرارة الذي تكون فيه درجة حرارة نقط التضبيط طبيعية

ولا يوجد أثر لمسببات الحمى (بيروجينات)، ويكون سبب فرط الحرارة أمرا خارجا عن آليات وإرادة الجسم، بسبب حرارة البيئة الزائدة أو بسبب الإفراط في إنتاج الحرارة من الجسم. [32] وتُعتبر ضربة شمس أحد أهم الأمثلة على فرط الحرارة، حيث يحدث ارتفاع في درجة حرارة الجسم نتيجة الحر الشديد في البيئة المحيطة، كما قد يحدث فرط الحرارة كرد فعل سلبي عند تناول المخدرات، ويمكن تمييز الحمى عن فرط الحرارة بالظروف المحيطة (كالبيئة الحارة) وبالاستجابة للأدوية المضادة للحمى.

البروجين (مسبب الحمى) هو المادة التي تسبب في حدوث الحمى، وهي مادة قد تكون داخلية أو خارجية عن الجسم، ويُعتبر عديد السكاريد الشحمي الموجود في الجدار الخلوي للبكتيريا سلبية الغرام [34] مثالًا على البيروجينات الخارجية، ويترواح توليد الحمى بحيث أنه في بعض الحالات الشديدة تقوم البيروجينات البكتيرية المعروفة باسم المستضد الفوقي بالتسبب في حدوث حمى سريعة وخطيرة.

يتولد البروستاغلاندين E2 من مسار حمض الأراكيدونيك، ويتوسط هذا المسار (من حيث صلته بالحمى) إنزيم الفسفوليباز، السيكلوأكسجيناز-2 (COX-2) ، وبروستاغلاندين E2 سينسيز.

يُعتبر البروستاغلاندين E2 هو الوسيط النهائي للحمى (الاستجابة الحمية)، حيث أن درجة حرارة الجسم ستظل مرتفعة حتى يتوقف وجود البروستاغلاندين الذي يعمل على الخلايا العصبية الموجودة في تحت المهاد، وتؤدي إشارات الحمى المرسلة إلى تحفيز الجهاز العصبي الودي، الذي يعمل على توليد الحرارة وتضييق الأوعية الجلدية لتقليل فقد الحرارة من سطح الجسم.

يقوم المخ بتنسيق آليات المؤثرات الحرارية عبر الجهاز العصبي اللاإرادي أو المراكز المحركة الأساسية للارتعاد. ويشمل ذلك:

وفي الرضع قد يُحفز الجهاز العصبي اللاإرادي الأنسجة الدهنية البنية لإنتاج الحرارة (توليد الحرارة غير المصاحبة للمجهود)، ويُساهم ارتفاع معدل ضربات القلب (طبقا لقاعدة ليبرمايستر) وتضيق الأوعية في زيادة ضغط الدم أثناء الحمى.

لا يجب بالضرورة علاج الحمى في حد ذاتها،[35] حيث أن معظم الناس يتعافون دون عناية طبية محددة، [36] وعلى الرغم من حدوث الحمى أمر غير مرغوب فيه إلا أنها نادراً ما ترتفع إلى مستوى خطير حتى لو لم يتم علاجها، ويُجب لفت الانتباه إلى أن الأضرار التي تلحق بالدماغ عموما بسبب الحمى لا تحدث إلا بوصول درجة الحرارة إلى 42 درجة مئوية (107.6 ° F)، ونادرا مما تجاوز الحمى (بدون علاج) درجة 40.6   درجة مئوية (105 ° F). [35] ولا يؤثر علاج الحمى في الأشخاص المصابين بالإنتان على النتائج. [37]

تدعم بعض الأدلة المحدودة استخدام الإسفنج أو غسل الطفل المصاب بالحمى بماء فاتر،[38] كما أن استخدام مروحة أو تكييف قد يقلل إلى حد ما من درجة الحرارة ويزيد من الشعور بالراحة، وإذا وصلت درجة الحرارة إلى مستوى مرتفع للغاية (الحمى المفرطة) فإن الأمر يتطلب تبريدًا شديدًا (والذي يحدث ميكانيكياً بشكل عام عبر التوصيل الحراري عن طريق ملامسة العديد من مناطق الجسم أو الغمر المباشر في الماء المثلج). [25] وبشكل عام ينصح الأطباء المصابين بالحفاظ على رطوبة كافية بزيادة تناول السوائل.[39] ومن غير المعروف ما إذا كانت هذه الزيادة في تناول السوائل تحسن الأعراض أم تقصر من فترة أمراض الجهاز التنفسي مثل نزلات البرد. [40]

تسمى الأدوية التي تخفض الحمى بخوافض الحرارة (مضادات الحمى)، مثل إيبوبروفين الذي يُعتبر فعالا في خفض الحرارة لدى الأطفال. [41] كما أنه أكثر فعالية من الأسيتامينوفين. [41] يمكن استخدام الإيبوبروفين واسيتامينوفين بأمان معًا عند الأطفال المصابين بالحمى. [42] [43] وقد حدث تشكيك في فعالية عقار الاسيتامينوفين في الأطفال المصابين بالحمى. [44] ويُعتبر الإيبوبروفين متفوق أيضًا على الأسبرين في حالة الأطفال المصابين بالحمى.[45] بالإضافة إلى ذلك فإنه لا يُنصح باستخدام الأسبرين في الأطفال أو الشباب (الذين تقل أعمارهم عن 16 أو 19 حسب البلد) بسبب خطر متلازمة راي . [46]

مايكل أنشر ، «الفتاة المرضية» ، 1882 ، متحف ستاتينس لكونست
أنماط الحمى المختلفة:
A= الحمى المستمرة
B=حمى تستمر بشكل مفاجئ في الظهور والزوال
C= الحمى المترددة
D= الحمى المتقطعة
E= الحمى المتموجة
F= الحمى الراجعة