ثورة 1919

ثورة 1919 كانت سلسلة من الاحتجاجات الشعبية على السياسة البريطانية في مصر عقب الحرب العالمية الأولى، بقيادة الوفد المصري الذي كان يرأسه سعد زغلول ومجموعة كبيرة من السياسين المصريين، كنتيجة لتذمّر الشعب المصري من الاحتلال الإنجليزي وتغلغله في شؤون الدولة بالإضافة إلى إلغاء الدستور وفرض الحماية وإعلان الأحكام العرفية وطغيان المصالح الأجنبية على الاقتصاد. بدأت أحداث الثورة في صباح يوم الأحد 9 مارس 1919، بقيام الطلبة بمظاهرات واحتجاجات في أرجاء القاهرة والأسكندرية والمدن الإقليمية. تصدت القوات البريطانية للمتظاهرين بإطلاق الرصاص عليهم، مما أدى إلى سقوط قتلى وجرحى. استمرت أحداث الثورة إلى شهر أغسطس وتجددت في أكتوبر ونوفمبر، لكن وقائعها السياسية لم تنقطع واستمرت إلى عام 1922، وبدأت نتائجها الحقيقية تتبلور عام 1923 بإعلان الدستور والبرلمان.

كان لتأليف الوفد المصري المنوط به السفر إلى مؤتمر باريس للسلام، لمناقشة القضية المصرية بعد انتصار الحلفاء، أثره الكبير كمقدمة أدت إلى اشتعال الثورة. فقد اعتقلت بريطانيا سعد زغلول وثلاثة من زملائه لتشكيلهم الوفد ونفيهم إلى جزيرة مالطا، الأمر الذي أدى إلى بداية الاحتجاجات في مارس 1919. انطلقت تظاهرات في العديد من المدن والأقاليم المصرية وكانت القاهرة والأسكندرية وطنطا من أكثر تلك المدن اضطرابًا، الأمر الذي أدى السلطات البريطانية إلى الإفراج عن سعد زغلول وزملائه، والسماح لهم بالسفر لباريس. وصل الوفد المصري إلى باريس في 18 إبريل، وأُعلنت شروط الصلح التي قررها الحُلفاء، مؤيدة للحماية التي فرضتها إنجلترا على مصر.

أُوفِدت لجنة ملنر، للوقوف على أسباب هذه التظاهرات. وصلت اللجنة، في 7 ديسمبر وغادرت في 6 مارس 1920. دعا اللورد ملنر الوفد المصري في باريس للمجيء إلى لندن للتفاوض مع اللجنة، وأسفرت المفاوضات عن مشروع للمعاهدة بين مصر وإنجلترا ورفض الوفد المشروع وتوقفت المفاوضات. استؤنفت المفاوضات مرة أخرى، وقدّمت لجنة ملنر مشروعاً آخر، فانتهى الأمر بالوفد إلى عرض المشروع على الرأي العام المصري. قابل الوفد اللورد ملنر وقدموا له تحفظات المصريين على المُعاهدة، فرفض ملنر المناقشة حول هذه التحفظات، فغادر الوفد لندن في نوفمبر 1920 ووصل إلى باريس، دون أي نتيجة.

دعت بريطانيا المصريين إلى الدخول في مفاوضات لإيجاد علاقة مرضية مع مصر غير الحماية، فمضت وزارة عدلي بمهمة المفاوضات، ولم تنجح المفاوضات بعض رفضها لمشروع المُعاهدة، فنشر سعد زغلول نداءً إلى المصريين دعاهم إلى مواصلة التحرك ضد الاحتلال البريطاني فاعتقلته السلطة العسكرية هو وزملائه، ونفي بعد ذلك إلى سيشيل.

حققت الثورة مطالبها، ففي 28 فبراير ألغت بريطانيا الحماية المفروضة على مصر منذ 1914. وفي 1923، صدر الدستور المصري وقانون الانتخابات وألغيت الأحكام العرفية. لم تستطع الثورة تحقيق الاستقلال التام، فقد ظلت القوات البريطانية متواجدة في مصر.

حُدد مركز مصر قبل الحرب العالمية الأولى بمعاهدة لندن عام 1840 التي التزمت بها مصر، حيث كانت تعترف باستقلال مصر المكفول من الدول الموقعة وضمان عرش محمد علي باشا.[1] قُيد هذا الاستقلال بالسيادة العُثمانية التي قررتها المُعاهدة، وتراخت هذه السيادة مع الزمن ولم يبقْ من مظاهرها غير الجزية التي كانت مصر تدفعها.[ملاحظة 1] عصف الاحتلال البريطاني باستقلالية مصر عام 1882، حيث دخلت القوات البريطانية مصر وقامت باحتلالها. كانت الحرب العالمية الأولى في يوليو 1914، وقد أخذت مصر فيها موقف الحياد، وفي 2 نوفمبر 1914 أُعلنت الأحكام العرفية ووُضعت الرقابة على الصحف من قبل السُلطَات البريطانية. في 18 أكتوبر 1914، تم تأجيل انعقاد جلسات الجمعية التشريعية ووضع قانون لمنع التجمهر وتفريقها ومعاقبة القائمين به.[ملاحظة 2][2] دخلت تركيا الحرب ضد بريطانيا فأُصدِر بيان يُحَذِر المِصريين من أي أعمال عدائية ضد بريطانيا. أُعلنت الحماية البريطانية على مصر في 18 ديسمبر 1914، وسُلِبت من السيادة التركية (الدولة العُثمانية)، وفي اليوم التالي خُلِع الخديوي عباس حلمي الثاني الذي كان متواجد في الأستانة وتولى السلطان حسين كامل العرش.[3] تولى حسين رشدي الوزارة، وألغيت وزارة الخارجية تبعًا لنظام الحماية.[4] لم يصدر موقف رسمي من الجمعية التشريعية التي كانت تحمل صفة النظام النيابي حينها، كذلك من الوزارة. قام وكيل الجمعية سعد زغلول باشا باستقبال هنري مكماهون أول مندوب سامي بريطاني عُين في ظل الحماية في 9 يناير 1915، وقال عنه: «إن دلائل الخير بادية على وجهه، وأمل أن يجزل الله لمصر الخير على يده.»[5]

تولت السلطة العرفية حكم البلاد، فكان أول أعمالها اضطهاد الحزب الوطني ومطاردة أعضائه ومناصريه واعتقل الكثير منهم. تزايد سخط الشعب على الحماية وعلى السلطان حسين كامل لقبوله العرش في ظِلّ الانقلاب والحماية البريطانية، فاعتدي عليه مرتين. اتخذت القوات البريطانية من مصر قاعدة حربية لحلفائها في الشرق الأوسط فكانت قاعدة لحملاتها على العراق وسوريا وشبه الجزيرة العربية، ما كان له آثاره في شن القوات العثمانية حملتها على قناة السويس وقد شارك الجيش المصري فيها مع القوات البريطانية. أخذت القوات البريطانية تجمع مئات الألاف من العمال والفلاحين بالإكراه لإرسالهم في مختلف حملاتها للعمل مع الجيش البريطاني، فيما سمي بـ "فرقة العمل المصرية"،[6] وقد مات منهم الكثيرين.[7] عينت الحكومة البريطانية ريجنالد ونجت مندوبًا ساميًا لمصر، في نوفمبر 1916 بدلًا من مكماهون، وكان ونجت قائد الجيش المصري والحاكم في السودان، وقد زاد من النفوذ الإنجليزي على الحكومة والسلطان. توفي السلطان كامل في 9 أكتوبر 1917، وكان قد عَرض السلطنة على نجله كمال الدين حسين، لكنه تنحى عن ذلك، وارتقى السلطان فؤاد الأول العرش. لم يشأ فؤاد تغيير الوزارة، فعهد لحسين رشدي بتأليف الوزارة من جديد. كانت مصر قد صرفت من خزائنها في مصلحة بريطانيا منذ بداية الحرب 3.5 مليون جنيه إسترليني.[8] انتهت الحرب العالمية الأولى، في 11 نوفمبر 1918، بهزيمة ألمانيا وانتصار قوات الحلفاء.[9]

كانت مصر في طليعة الدول التي خاضت جولات ضد حكم الفرد والتدخل الأجنبي، فكانت البداية على يد مصطفى كامل ومحمد فريد فكان الحزب الوطني مُمهد للثورة.[10] ظهر مشروع السير وليام برونيت - المستشار المالي للحكومة البريطانية في مصر - لوضع تعديلات في القوانين والنظم القضائية والإدارية لتنسجم مع الحماية البريطانية.[11] سُميت اللجنة "لجنة الامتيازات الأجنبية"، فقد وضع هذا المشروع لإنشاء مجلس نواب مصري، تكون له سلطات استشارية، ومجلس شيوخ تكون فيه الأغلبية للأعضاء الرسمين (الوزراء) والمستشارون الأجانب ثم الأعضاء المُنتخبين. أرسل برونيت نسخة من المشروع في نوفمبر 1918، ما كان له آثرة في ازدياد السخط على السياسة البريطانية، لإهدارها للاستقلال الداخلي لمصر.[12]

طغى على الاقتصاد المصري في هذه الفترة ازدياد النفوذ الأجنبي في البنوك والمصانع والمتاجر.[13] في حين كان يُمثل القطن عصب الاقتصاد المصري هبط سعره هبوطًا جسيمًا على آثر الحرب العالمية الأولي إلى ما يعادل 1.60 جنية مصري، وكان سعره قبل الحرب 4 جنيهات.[14] ازدادت الأزمة الاقتصادية بعد رفض البنوك التسليف على القطن، وبدأت البنوك العقارية المطالبة بأقساطها، واستعمال الحكومة القسوة في جمع الضرائب.[14] أدى الوضع إلى لجوء الكثيرين إلى بيع أقطانهم بأدنى سعر (1.20 ج)، كذلك بيع المصوغات والماشية والاستدانة من المرابين لسداد بقية المال المطلوب.[14] اصدرت لجنة بورصة الأسكندرية قرارًا في 6 ديسمبر 1914 بتحديد سعر أدني لعقود تصدير القطن بـ2.5 جنية تقريبًا، تفاديًا لهبوط سعره لأقل من هذا المستوى، لكن ألغي العمل بالقرار في 6 سبتمبر من نفس العام.[14] بلغ ثمن محصول القطن عام (1914) 16.5 مليون جنية في حين كان عام (1913) 29.14 مليون جنية.[15] في 2 أغسطس 1914، أصدرت الحكومة مرسومًا ينص على أن "أوراق البنكنوت الصادرة من البنك الأهلي تكون لها نفس القيمة الفعلية للنقود الذهبية المتداولة رسميًا، وسُمِح للبنك بارسال رصيده الذهبي إلى لندن وإعفاء الأوراق النقدية من الغطاء الذهبي.[16] منحت الحكومة علاوة للموظفين لواجهة الغلاء، فزادت من دخلها لتعويض العجز، فتم رفع أجور النقل بالسكك الحديدية بـ50% ليصل مقدار الزيادة لـ100%.[17] احتكرت الحكومة البريطانية محصول القطن عام 1917 بسعر أقل من السعر الحقيقي، وألغت عقود التصدير وحصرتها في عدد محدود من شركات التصدير الأجنبية، كذلك عام 1918 وحدد سعر شرائه بـ 7 جنيهات تقريبًا، وكان سعر الشراء الفعلي من أصحاب الأقطان 5.3 جنية،[18] في حين كان السعر العالمي 10.6 جنية، وبلغت خسارة مصر في هذا العام من القطن 32 مليون جنية.[19]

انتشر التعليم وارتقت أساليب الحياة عما كان قبل 1919 وحدثت نهضة أدبية وعلمية وصحفية، ما جعل المجتمع على دراية أكثر وأشد تبرمًا على النظم الاستعمارية.[20] خلال عامي 1918 و1919 اتسع نطاق الحراك الوطني ليشمل طبقات كانت بمعزل عنه كالموظفين والفلاحين وكذلك طبقة الأعيان والنساء.[21]

اجتمع سعد زغلول مع بعض أعضاء الجمعية التشريعية وغيرهم، ورغبتهم في تأليف وفد يسافر إلى باريس للمطالبة باستقلال مصر لدى مؤتمر السلام. ذهب سعد زغلول وعلي شعراوي وعبد العزيز فهمي إلى دار الحماية البريطانية لمقابلة السير ريجنالد ونجت عقب عهد الهدنة في الأربعاء 13 نوفمبر 1918، دار الحديث بينهم دون نتيجة تذكر. كان هناك اجتماعات لمجموعات آخري غير مجموعة زغلول، فقد اجتمع فريق من أعضاء نادي المدارس العليا، واتجهت أنظارهم لتكليف مجموعة سعد زغلول بالمطالبة بالاستقلال.[22] قصد مصطفى النحاس وعلي ماهر سعد زغلول وعرضوا عليه موقفهم، أخفى عليهم زغلول ما يقوم به هو وزملاؤه، إلا أنهم لم يقتنعا وعاد النحاس لمقابلة عبد العزيز فهمي. اقتنع فهمي بصدقهم فأخبرهم بما يجري. بدأ الوفد في جمع توكيلات من المصريين لتوكيلهم في الدفاع عن القضية المصرية. في هذه الأثناء ظهرت حركة آخرى من أعضاء الحزب الوطني لتأليف وفد أخر بتأيد من عمر طوسن وكيل الجمعية التشريعية. قابل سعد زغلول عمر طوسون في محاولة منه لتوحيد صف الوفد، فقبل طوسون فضُمّ مصطفى النحاس وحافظ عفيفي.[23]

استمر الوفد في جمع التوقيعات للضعط على الإنجليز للسماح بالسفر للوفد إلى باريس. ألقى سعد زغلول أول خطاب في أول اجتماع بعد تأليف الوفد في 13 يناير 1919، بمنزل حمد الباسل، أعلن فيه أن الحماية باطلة بموجب القانون الدولي، ووضع في هذا الخطاب مبادئ الدستور السياسي لمصر المستقلة؛ تضمنت المبادئ بقاء نظام الامتيازات الأجنبية، بهدف كسب تأييد الدول التي تتمتّع رعايها بهذه الأمتيازات، حتى تعاون مصر في مؤتمر السلام لنيل استقلالها. أيد حسين رشدي باشا رئيس الوزراء حينها وعدلي يكن وزير المعارف حركة التوكيلات هذه، وطلبا من المعتمد البريطاني السماح لهما وللوفد بالسفر، فجاء الرد بعدم الموافقة، بحجة انشغال اللورد بلفور بمفاوضات الصلح لقرب انعقاد مؤتمر السلام. تقدم الأثنين باستقالتهم للسلطان فؤاد الأول 2 ديسمبر 1918. لم يقبل السلطان فؤاد هذه الاستقالة لعلّ يقبل الأنجليز عرض رشدي باشا بالسفر إلى لندن. في 21 يناير 1919، سافر المعتمد البريطاني السير ونجت إلى لندن في محاولة إقناع حكومته بسفر الوزيرين إلى لندن لكن الحكومة البريطانية رفضت، فبقي هناك ولم يعد.[24] أصرّ الأنجليز على موقفهم وظلت الأستقالة معلقة. تراجعت السلطات الأنجليزية فيما بعد، وسمحت للوزيرين بالسفر إلى لندن دون غيرهم. أصرّ رشدي باشا على طلبه بالسماح للسفر لمن يطلب السفر من المصريين إلى أوروبا، فرفض الأنجليز ما أدى إلى قبول السلطان الأستقالة في مارس 1919.

تدخل الوفد لأول مرة باعتباره ممثلًا للشعب، وأرسل خطابًا في 2 مارس 1919 للسلطان ليُعلن عن رفضه في قبوله استقالة الوزارة. تبع هذا الخطاب خطابًا آخر في 4 مارس إلى ممثلي الدول الأجنبية يحتج فيه على منع الأنجليز المصريين من السفر إلى مؤتمر السلام. في 6 مارس، استدعى الجنرال وطسن قائد القواتْ البريطانية سعد زغلول وأعضاء الوفد لمقابلته. قام الجنرال وطسون بتحذيرهم من القيام بأي عمل يعيق الحماية البريطانية على مصر، واتهمهم بتعطيل تشكيل الوزارة الجديدة، ما يجعلهم عرضة للأحكام العرفية. أرسل سعد زعلول احتجاج إلى لويد جورج رئيس الوزارة الإنجليزية، أعلن فيه أنه يطلب "الأستقلال التام" لبلاده وأنه يرى في الحماية عملًا دوليًا غير مشروع. في 8 مارس، أمرت السلطات البريطانية باعتقال مجموعة الوفد وحبسهم في "ثُكنات قصر النيل" ثم تم نفيهم في اليوم التالي إلى "مالطة". انتشرت أخبار نفي أعضاء الوفد في 9 مارس، ما تسسب في بدأ مظاهرات الاحتجاج في القاهرة والمناطق الكبرى، كان قوام المظاهرات طلبة المدارس الثانوية والعليا ثم انضم لهم بقية المصريين.

بدأت أحدث الثورة في صباح يوم الأحد 9 مارس 1919، بقيام الطلبة بمظاهرات واحتجاجات. كان طلبة مدرسة الحقوق[ملاحظة 3] أول المضربين واتخذوا زمام المبادرة فذهب وفد منهم إلى بيت الأمة حيث كان بعضهم يري أن هذه التظاهرات قد تغضب الوفد، فقابلوا عبد العزيز فهمي وقال لهم: "انكم تلعبوا بالنار دعونا نعمل في هدوء ولا تزيدوا النار اشتعالًا." انصرف الطلبة غاضبين من الرد وذهبوا إلى زملائهم، لكن زملاءهم استبطأوا عودتهم فخرجوا من المدرسة بتسهيل من أحد ضباط الجيش في بداية للتظاهر.[25] اصدرت بريطانيا في 21 مارس قرار بتعين المارشال اللنبي [ملاحظة 4] اجتمع بعد وصوله بحسين رشدي وأعضاء وزارته وباقي أعضاء الوفد الغير معتقليين، وطلب مساعدتهم في الحد من هذه التظاهرات. أذاع السلطان فؤاد نداءً إلى الشعب مطالبًا فيه بالكف عن التظاهرات، وعقبه خبر من اللنبي بالإفراج عن المعتقلين والسماح بالسفر لمن يريد.[26]

وصل الوفد المصري إلى باريس في 18 إبريل، وقد نشر نبا في اليوم التالي بموافقة الولايات المتحدة على الحماية التي فرضتها إنجلترا على مصر.[59] قرر الوفد إيفاد محمد محمود باشا إلى الولايات المتحدة للدعايا وانتقاد إعلان الرئيس ويلسون.[60] أُعلنت شروط الصلح التي قررها الحُلفاء وسُلمت للوفد الألماني في 7 مايو، مؤيدة للحماية التي فرضتها إنجلترا على مصر. قبلت ألمانيا في 2 يونيو ووقعت على شروط الصلح وصارت جزءًا من معاهدة فرساي.[61] احتج الوفد المصري على بنود الإتفاقية وأرسل خطابًا للسيد جورج كلمنسو رئيس الوزراء الفرنسي ورئيس الؤتمر.[62] حدث انشقاق بالوفد وقرر في يوليو فصل إسماعيل صدقي ومحمود أبو النصر، بحجة مخالفتهم مبدا الوفد وخطته، وفصل حسين واصف بعد ذلك.[63] لم يكن بعض أعضاء الوفد على تألاف مع سعد زغلول ظنًا منهم أنه يريد إعلان الجمهورية في مصر، في حين كان أعضاء الوفد وخصوصًا من الأعيان يرون خطورة هذه الخطوة.[64]

في أبريل 1919، فكرت الحكومة البريطانية في حل لمشكلة الثورة المصرية وتفاديها، فأقتُرح إيفاد لجنة كُبرى إلى مصر للتحقيق في اسبابها. أعلنت الصُحف البريطانية أن اللجنة ستُسَافر في خريف 1919، الأمر الذي زاد من سخط المصريين، كون تمسك بريطانيا بالحماية. مُهد لقدوم اللجنة في أوائل سبتمبر، حيث صدرت الأوامر إلى المصالح الحكومية بإعداد تقارير وإحصائيات عن الوضع المصري، وإرسال نشرات للأعيان تحوي على أسئلة بخصوص دوافع الثورة.[65] في 22 سبتمبر 1919، أعلنت لندن عن تشكيل لجنة برئاسة اللورد الفريد ملنر وزير المستعمرات حينها.[66]

وصلت لجنة ملنر إلى بور سعيد، في 7 ديسمبر، واستقلوا قطارًا إلى القاهرة، وكانت الحراسة مشددة على القطار وتحرسه خمس طائرات حربية.[74] تجددت الاحتجاجات على قدوم اللجنة فأضرب الطلاب وقاموا بمظاهرة كُبرى في 9 ديسمبر.

قضت لجنة ملنر في مصر نحو ثلاثة أشهر تدرس فيها أسباب الثورة وتبحث عن علاج لها. غادر اللورد ملنر مصر في 6 مارس 1920. اجتمعت الجمعية التشريعية في بيت الأمة لأول مرة بعد أن عُطلت عام 1914، وأصدرت قرارت ببطلان الحماية الإنجليزية على مصر وطالبت بالاستقلام التم لمصر والسودان.[77] أزعج الاجتماع السلطان البريطانية ما أدي إلى إصدار اللورد اللنبي أمر عسكري بمنع اجتماع الجمعية.[78] في 19 مايو، قدم وهبة استقالته، كنتيجة للسخط المصري على وزارته، فقبلها السلطان في 21 مايو. عُزيا تشكيل الوزارة الجديدة إلى محمد توفيق نسيم وزير الداخلية في وزارة يوسف وهبة، لكنها قوبلت بسخط عام هي الأخرى، والقى أحد الطلبة على سيارة نسيم قنبلة لكنها لم تؤذيه.[79]

دعا اللورد ملنر الوفد المصري في باريس للمجئ إلى لندن للتفاوض مع اللجنة. أوفد الوفد ثلاثة من أعضائة: محمد محمود وعبد العزيز فهمي وعلي ماهر، للتأكد من استعداد الحكومة البريطانية في التفاوض نحو المطالب القومية. استقر رأي الوفد على الذهاب، فوصل في 5 يونيو واستقبله المصريون في لندن بمحطة فكتوريا.[80] جرت أول مقابلة بين الوفد واللورد ملنر في 7 يونيو، وأسفرت المفاوضات عن مشروع للمعاهدة بين مصر وإنجلترا قدمه اللورد ملنر إلى الوفد فرفضه الوفد، ثم قدم الوفد مشروع للجنة لكن رفضه اللورد ملنر وتوقفت المفاوضات. استؤنفت المفاوضات مرة آخرى بوساطة من عدلي يكن، وقدمت لجنة ملنر مشروعًا يشمل على بعض التعديلات اليسيرة دون أي تغير في جوهر المُعاهدة. اجتمع الوفد للبت في قبول أو رفض مشروع المعاهدة، وانتهى بهم الأمر إلى عرض مشروع المُعاهدة على الرأي العام المصري.[81] اصدر الحزب الوطني بيانًا ينصح فيه المصريين برفض المعاهدة.[82] غادر أعضاء الوفد المنتدبين للاستشارة إلى باريس في أكتوبر 1920. قابل الوفد اللورد ملنر وقدموا له تحفظات المصريين على المُعاهدة، فرفض ملنر المناقشة حول هذه التحفظات. غادر الوفد لندن في نوفمبر 1920 ووصل إلى باريس، ومنها أرسل سعد زغلول باشا نداءً إلى المصريين بالاتحاد والتضحية حتى تنال مصر استقلالها.[83] استقال اللورد ملنر في يناير 1921 خلفه في منصبه ونستون تشرشل كوزير للمستعمرات، وأدلى بأولى تصريحاته والذي عد فيه مصر جزءًا من الإمبراطورية البريطانية المرنة، ما أثار عاصفة من الاحتجاجات في مصر.[84]

رئس الجهاز السري لثورة 1919 عبد الرحمن فهمي لخدمته بالجيش وعمله وكيلًا لمديريات عدة. كان ينقسم الجهاز إلى إلى عدة فروع: إدارة المخابرات، والتي كانت تجند عملاء في قصر السلطان ودار الحماية والجيش البريطاني ومجلس الوزراء. كان لهذا الفرع إدارة لتحريك المظاهرات والاضطرابات وقطع السكك الحديدة والمواصلات وعمليات التخريب.[85] كان بين سعد زغلول وعبد الرحمن فهمي عدة شفرات في المراسلات مثل الحبر السري أو استخدام شفرات الحروف والأرقام.[86] عندما حاول الأمراء الوصول إلى قيادة الحركة الثورية، أرسل سعد زغلول إلى فهمي خطاب سري لمراقبة محمد سعيد وجريدته الأهالي المناوءة للوفد. قام فهمي بارسال العملاء إلى الأسكندرية، وبدأوا يخطوب في الناس عقب صلاة الجمعة باعمال الوفد وما وصلت إليه القضية بفضل مجهوداتهم، ومدى خطر محمد سعيد وجريدة، وخرج المتظارهين من المساجد إلى إدارة جريدة الأهالي ونادوا بسقوطها. منذ ذلك التاريخ وجريدة الأهالي انقطعت عن الحديث بسوء تجاه الوفد.[87] استخدم عبد الرحمن موطف مجهول يدعى محمد وجيه في المراسلات بينه وبين سعد، فكان يسافر إلى باريس حملًا رسائل من القاهرة إلى سعد ويعود بالرد بعد ذلك. كذلك استخدمت النساء في المرسلات ومنهم قرنية الصحفي محمود عزمي. أصبح مركز فهمي حرجًأ بعدما رفض إبراهيم سعيد أمين الصندوق المالي للوفد أن يعطيه المال وإصراره على أن يعرف مصير هذه الأموال.[88] اتهم عبد الرحمن فهمي في قضية مؤامرة، حيث كانت من أكبر المحاكمات في عهد الثورة، ما استدعت عودة المحاكم العسكرية بعد توقفها. انعقدت المُحاكمة في يوليو وانتهت بعد ثلاثة أشهر في 6 أكتوبر 1920.[89]

كانت مصر إبان الثورة تحت الأحكام العرفية، فكانت المُحاكمات كلها تتم أمام محاكم عسكرية بريطانية. قسمت السُلطة العسكرية مصر إلى عدة مناطق لكل منطقة محكمة عسكرية، وعين في كل منطقة عدة ضباط سياسين لجمع التحريات والأدلة.[90] في يوليو 1919 اتفقت وزارة محمد سعيد على وقف المحاكمات العسكرية وإحالة من لم يحكم عليهم إلى محاكم الجنايات المصرية.[89] كان هذا مؤقتً إذ عادت المحاكم العسكرية البريطانية إلى العمل بعد عام من هذا الاتفاق، لعدم أطمئنانها إلى المحاكم المصرية في أن تأخذ الثورة بالشدة التي تريدها.[91]

تعددت المحاكمات خلال الثورة ومن أهمها (بحسب الموقع الجغرافي):

درست الحكومة البريطانية برئاسة لويد جورج تقرير اللورد ملنر، ففي 26 فبراير 1921، قررت اعتبار الحماية البريطانية على مصر علاقة غير مرضية، ودعت مصر إلى الدخول في مفاوضات رسمية للوصول إلى علاقة بديلة تضمن مصالح بريطانية.[95] قدمت وزارة محمد نسيم استقالتها في 16 مارس 1921، وعهد إلى عدلى يكن بتشكيل وزارة جديدة.[96] عاد سعد زغلول إلى مصر في 4 أبريل، قابله الجماهير بمظاهرات وحفلات. بدأت المحادثات بين سعد وعدلى وقدم سعد شروطه، إلا أن خلافاً قام بينهما على رئاسة الوفد، فكان عدلي يرى بأن تكون له رئاسة هيئة المفاوضات، ما دام هو رئيس الحكومة.[97] أدرك سعد أن وزارة عدلي لا توافقه على شروطه كلها، فبدأ في حملة مناوئه لها، وكانت بدايتها في خطبة شبرا 25 أبريل والتي أصرّ فيها على أن تكون صفة الرئاسة له.[98] عرض على هيئة الوفد في 28 أبريل الاشتراك في المفاوضات، فرأت الأغلبية المشاركة في المفاوضات برئاسة عدلي فانشق الوفد على نفسه، فاعتبرهم سعد منشقين وأعلن عدم الثقة في الحكومة.[97]

اجتذب سعد الغالبية العظمى من المصريين إلى جانبه مما كان له آثاره في قيام العديد من المظاهرات العدائية ضدّ عدلي والوزاء المنشقّين.[99] قامت مظاهرة في طنطا في 29 أبريل، فتعرضت لها قوات الشرطة فعجزت عن ذلك لكثرة العدد، واصلوا سيرهم حتى قسم شرطة طنطا، فأرادت الشرطة تفريقهم بمضخات المياه، فأخذ المتظاهرين يلقون بالحجارة، فردت الشرطة بإطلات النار مما أدى إلى مقتل 4 وجرح 40 شخصًا. زاد الحادث من موقف عدلى إحراجًا؛ فأعلن أن الوزارة لم تامر قط بإطلاق الرصاص على المتظاهرين وأمر بإجراء تحقيق.[99] سعى عدلي في تخفيف السخط الشعبي الذي تواجهه وزارته، فتواصل مع السلطة العسكرية البريطانية بشأن رفع الرقابة على الصحف، فكان له هذا في 15 مايو، وصدر إعلانًا من اللورد اللنبي بذلك.

مضت وزارة عدلي بمهمة المفاوضات غير مكترثة لمعارضة سعد زغلول، واستخدمت الإداراة الحكومية في جمع توقيعات من الأعيان وغيرهم. استصدر السلطان في 19 مايو 1921 مرسومًا بتشكيل الوفد الرسمي للمفاوضات برئاسة عدلي يكن [ملاحظة 7][100] زادت حدة المظاهرات في القاهرة والأسكندرية، واتخذت طابع العداء لكل من خالف رأي سعد زغلول، والنداء بسقوطهم، والاعتداء على منازلهم.[101] في 22 مايو 1921، اشتدت المظاهرات عنفًا في الأسكندرية واشتبك المتظاهرين مع الأجانب، واشتعلت النار في عدة منازل، وحدث تبادل إطلاق النار. تحولت المظاهرات إلى اضطرابات ما أدى إلى تدخل الشرطة ثم الجيش المصري لقمعها، واستمرت الاضطرابات حتى 23 مايو. على اثر وقوع الأحداث صرح ونستون تشرشل وزير المستعمرات بأنه لا يرى الوقت مناسب لجلاء الجيش البريطاني عن مصر.[102] وصل عدلي يكن لندن في 11 يوليو 1921، وبدأت المفاوضات بينه وبين جورج كورزون وزير الخارجية البريطاني. سلّم كورزون عدلي في 10 نوفمبر مشروع معاهدة أصرت فيه بريطاني على التواجد العسكري في مصر، وتدخلها في مجريات الحكم.[103]

في 19 سبتمبر 1921، قررت السلطة العسكرية نفي علي فهمي كامل وكيل الحزب الوطني، وقرر مجلس الوزاء وقف جريدة اللواء المصري.[104] استقدم سعد زغلول بعثة مكونة من خمسة نواب عن حزب العمال برئاسة جون سوان في البرلمان البريطاني للوقوف على الوضع المصري. بعد رحيل البعثة اعتزم سعد زيارة مديريات جنوب مصر وبدأ بأسيوط، فوقع شجار بين أنصاره وخصومه، وقامت قوات الشرطة والجيش بمنع سعد من النزول إلى البر، واسفر الشجار عن مقتل شخص وجرح ثلاثين.[105]

في 3 ديسمبر 1921 ذهب المندوب السامي البريطاني - اللنبي- إلى سراي عابدين وسلم السلطان فؤاد تبليغًا يتضمن ايضاحًا لسياسة الحكومة البريطانية إزاء مصر. تضمن التبليغ أن الحكومة البريطانية لا تنفذ مُقترحاتها في مشروع المُعاهدة دون رضاء مصر.[106] قُطعت المفاوضات وغادر الوفد الرسمي لندن ووصل إلى مصر في 5 ديسمبر، قوبل عدلي من الجماهير بكل صنوف الإهانات والتحقير. قدم عدلي تقريراً إلى السلطان عن المفاوضات، وأوضح استحالة قبول مشروع المعاهدة، وقدم عدلي استقالته في اليوم التالي.[105]

نشر سعد زغلول نداءً إلى المصريين داعهم إلى مواصلة التحرك ضد الاحتلال البريطاني وقال فيه «فلنشق إذن بقلوب كلها اطمئنان، ونفوس ملؤها استبشار، وشعارنا الاستقلال التام أو الموت الزؤام». دعا إلى اجتماع كبير بنادي سيروس، فأنذرته السلطة البريطانية بعدم إلقاء خطب، وأمرته بمغادرة القاهرة والإقامة في الريف له والعديد من زملائه، فرد عليهم سعد برفض هذه الأوامر.[107] اعتقلت السلطة العسكرية سعد زغلول وزملائه، واصدر اللنبي أمراً عسكريًا يوجب على البنوك الامتناع عن صرف أي أموال مودعة باسم سعد أو الوفد إلا بإذن منه. احتج الوفد على هذه الاعتقالات، وقامت مظاهرات في القاهرة ومدن آخرى.[108] غادر سعد زغلول في 21 دسيمبر إلى عدن ومنها إلى سيلان (سريلانكا حاليًا)، وهناك أرسلت السلطات البريطانية أحد ضباط المخابرات ليعرض على سعد أن يكون ملكًا على مصر، على أن يقبل الحماية البريطانية وفصل السودان، لكن رفض سعد العرض.[109] في 29 ديسمبر، نفت السلطات البريطانية سعد وصحبه إلى جزر سيشيل بالمحيط الهندي بدلًا من سيلان التي كان من المفترض أن ينفى إليها.[110]

اصدر الوفد قرارًا في 23 يناير 1922 بتنظيم مقاومة سلبية في وجة السياسة البريطانية لتشمل؛[111]

بعد أن نشرت الصحف قرار الوفد، اعتقلت السلطة العسكرية الأعضاء الذين وقعوا عليه وسجنتهم في سجن قصر النيل، وعطلت الصحف التي نشرت القرار.[112] على أثر الاعتقالات شُكِلت هيئة جديدة للوفد، وأصدروا نداء إلى المصريين باستمرار جهادهم ضد البريطانين، إلا أن السلطة العسكرية ما لبثت أن أفرجت في 27 يناير عن أعضاء الوفد المعتقلين فانضموا إلى الهيئة الجديدة. توسطت هذه الفترة حوادث اغتالات على البريطانيين ومن أهمها مقتل المستر براون مُفتش بوزارة المعارف.[113]

ظل الوزارة شاغره لأكثر من شهرين بعد استقالة عدلي، وأحجم المسؤلين عنها، نتيجة للسخط العام. عُرض تشكيل الوزارة على عبد الخالق ثروت فقدم شروط لقبوله المنصب، منها عدم قبول مشروع كرزون، وإلغاء الحماية على مصر.[114] قوبلت الشروط برفض كلًا من الوفد والحزب والوطني لتمسكهما بجلاء القوات البريطانية عن مصر. سافر اللنبي إلى لندن لإقناع الحكومة البريطانية بقبول شروط ثروت، لما وجد فيها شروطًا أقل ترضية للمصريين في ثورتهم على الاحتلال. اقنع اللنبي رئيس الوزراء البريطاني لويد جورج بقبول الشروط، فانتهت مباحثاتهم بقبول شروط ثروت وإعلان تصريح 28 فبراير عام 1922.[115] نشر الحزب الوطني في 2 مارس بيانًأ يشطب فيه التصريح لإصرار بريطانيا على انتهاك الاستقلال المصري.

عاد اللورد اللنبي إلى القاهرة في 28 فبراير 1922، يحمل التصريح وعنوانه (تصريح لمصر) ليتضمن انهاء الحماية وإعلان مصر دولة مستقلة ذات سيادة. ابقت بريطانيا بعض الأمور دون تعديل إلى أن يتم الأتفاق حولها وهي: تأمين مواصلات الإمبراطورية البريطانية؛ الدفاع عن مصر من كل تدخل أجنبي؛ حماية المصالح الأجنبية في مصر وحماية الأقليات؛ المسألة السودانية.[116] أعلن التصريح من الجانب البريطاني دون ارتباط أو قبول من الجانب المصري، وقد صرح لويد جورج أن سبب كوّن الإعلان من جانب واحد بأنه لا توجد حكومة مصرية تستطيع الارتباط بمعاهدة مع بريطانيا تكفل الضمانات التي تطلبها.[117] اجتمعت اللجنة الإدارية للحزب الوطني وصرحت بأنه لا يوجد تغيير في مقاصد الحكومة البريطانية بالنسبة لمصر.[118]

أعلن السلطان فؤاد الأول في 15 مارس استقلال مصر واتخذ لقب ملك مصر، وشُكلت وزارة عبد الخالق ثروت، واعتبر اليوم عيدًا وطنيًا، لكن المصريين لم يشاركوا الحكومة الابتهاج بهذا التصريح، وقوبل بسخط شعبي.[119] سعت وزارة ثروت في تحقيق مظاهر هذا الاستقلال، فأنشأت وزارة للخارجية تولها ثروت نفسه، وعينت وكلاء مصريين للوزارات بدلًا من البريطانيين.[120] قام الملك بإصدار مرسومًا بتعديل نظام وراثة العرش بعد أن عدله البريطانيين.[121]

أُلِفّت وزارة ثروت في 3 مارس أبريل 1922 لجنة لوضع مشروع الدستور وقانون الانتخابات وسميت "لجنة الثلاثين". لم يشترك الوفد والحزب الوطني، لأنهم رأوا أن الدستور كان يجب أن يُعهد لجمعية تأسيسية تختارها الأمة لا إلى لجنة تؤلفها الحكومة.[122] رفعت اللجنة مشروع الدستور إلى ثروت في 21 أكتوبر 1922. كثرة عمليات الأغتيالات للأجانب، واتخذت وزارة ثروت الكثير من الإجراءات التعسفيه تجاة المُعارضة منها مصادرتها للاجتماعات المُخالفة لها، وتعطيل صحف "الأهالي والأمة والأهرام". زاد مركز الوزارة إحراجًا بعد أن قامت القوات البريطانية باعتقال أعضاء الوفد ومُحاكمتهم بتهمة نشر منشورات تحرض على احتقار الحكومة والملك، ولم تتخذ الحكومة أي قرارًا تجاه هذه الاعتقالات.[12]

تأسس حزب الدستورين الأحرار برئاسة عدلي يكن، وبمساعدة وزارة ثروت؛ لذلك حمل منذ تأليفه طابع العداء لسعد وللوفد. تبنى الحزب سياسة التساهل مع الإنجليز للوصول إلى حل للقضية المصرية.[123] في 29 نوفمبر 1922 قدم ثروت استقالته فقبلها الملك في نفس اليوم، ولم يذكر سبب هذه الاستقالة.

في 30 نوفمبر 1922، عُهد إلى محمد توفيق نسيم - رئيس الديوان الملكي - تشكيل وزارة جديدة، فشكلها في نفس اليوم.[124] كان لعدم اهتمام الوزارة الجديدة بإطلاق سراح سعد زغلول وأعضاء الوفد المنفين آثره في تجدد حوادث اغتيال البريطانيين.[125] شرعت الوزارة في عمل تعديلات على مشروع الدستور خاصة بالأمور المتعلقة بالملك وإعطائه المزيد من الصلاحيات. رأت الحكومة البريطانية أن مشروع الدستور عرضة للتعديل قبل صدوره، فطلبت إدخال تعديلات في الأمور المُتعلقة بها، ومن أهمها تعديل المواد المُتعلقة بالسودان وفصلها عن القطر المصري وتغيير لقب الملك من "ملك مصر والسودان" إلى "ملك مصر"، وقبلت الوزارة طلب الحكومة البريطانية. في 5 فبراير 1923، استقالت الوزارة، وكان لهذا آثاره في تجدد الاضطرابات في مصر.[126]

رأت الحكومة البريطانية تهدئة الحركة الوطنية في مصر بالإفراج عن سعد زغلول. نفذ الإفراج في 30 مارس 1923، وسافر سعد زغلول إلى فرنسا لتلقى العلاج، وكذلك أفرجت عن المعتلقين في مصر من أعضاء الوفد. أصدر اللورد اللنبي قرارًا بإلغاء القرار السابق بشأن تعيين حاكم عسكري للقاهرة والجيزة.[128]

في 15 مارس 1923، شَكل يحيى إبراهيم الوزارة الجديدة، بحيث كانت وزارة إدارية بون برنامج. وضع أعضاء لجنة الدستور احتجاجًا على التعديلات التي أجراتها وزارة توفيق نسيم. في 19 أبريل 1923 صدر الأمر الملكي بالدستور، طبقًا للمشروع الذي أقرته اللجنة محذوفًا منه النصّان الخاصان بالسودان. أعقب صدور الدستور؛ إفراج السلطة العسكرية البريطانية عن أعضاء الوفد المُعتقلين، وتم الإفراج الباقين في جزيرة سيشيل. في 30 أبريل صدر قانون الانتخابات في ظل الدستور الجديد. في 30 مايو، أصدرت الوزارة القانون رقم 14 لعام 1923 المُسمى "قانون الاجتماعات العامة والمظاهرات في الطرق العمومية"، والتي قيدت فيه حق الاجتماعات والتظاهر بقيود شتى، وفي 31 مايو فكت السلطات البريطانية اعتقال أعضاء الوفد المُتواجدين في جزيرة سيشيل. في 26 يونيو، اصدرت الوزارة قانون يقضي بجواز تطبيق الأحكام العرفية كلما تعرض الأمن المصري للخطر سواء بإغارة قوات للعدو أو وقوع اضطرابات داخلية، والتوسيع من صلاحيات الحاكم العسكري. في 5 يوليو، جرت مفاوضات بين الوزارة ودار المندوب السامي حول إلغاء الأحكام العرفية، أصدر اللورد اللنبي أمرًا بإلغاء الأحكام العُرفية، مقابل إصدار الحكومة للقانون التضمينات والذي يقضي بإجازة كل ما قامت به السلطة العسكرية البريطانية طوال مدة تنفيذ الأحكام، وعدم أحقية مصر في طلب تعوضيات عن تطبيقها، كذلك صدر العفو عن بعض المحكوم عليهم من المحاكم العسكرية بعقوبات أقصاها 15 عام.[129]

عاد سعد زغلول إلى مصر في 17 سبتمبر 1923، واستقبل بحفاوه من قبل المصريين، كذلك عاد أعضاء الحزب الوطني المبعدين إلى أوروبا.[130]

اتفقت تركيا مع الحلفاء على عقد مؤتمر دولي في لوزان، فرنسا، لإبرام الصلح مع الحكومة الوطنية التركية الجديدة بزعامة مصطفى كمال أتاتورك، لتسوية الحالة في المنطقة عامة. اتجهت الأنظار في مصر إلى ضرورة تمثيلها في هذا المؤتمر، فاصدر الحزب الوطني والوفد قرارات بإرسال وفود إلى المؤتمر. قرر الوفدان الاندماج في هيئة واحدة سميت "الوفد المصري"، وقدم الوفد إلى رآسة المؤتمر في 21 نوفمبر 1922. انتهي المؤتمر دون أن تمثل فيه مصر بأي صفة، وتم فيه التوقيع على معاهدة الصلح - معاهدة لوزان - بين تركيا والحلفاء في 24 يوليو 1923.[131]

كتيبة الحرس الاسكتلندي تنزل في الإسكندرية يوم 12 اغسطس 1882.
تجمُع لبعض المتظاهرين أمام محطة مصر
مجموعة من السيدات يُشاركن في التظاهُرات
المتظاهرين أمام بيت الأمة
المتظاهرين
السلطان فؤاد الأول
اللورد ألفريد ملنر
عدلي يكن
صورة مأخوذة في جزر سيشل سنة 1922 حيث نـفـت السلطات البريطانية الزعماء الوفديين، وهي موقعة ومهداة من مصطفى النحاس باشا إلى محمد علي الطاهر: سعد زغلول وخلفه من اليمين إلى اليسار: سينوت حنا - مصطفى النحاس - عاطف بركات - مكرم عبيد - فتح الله بركات.
محمد توفيق نسيم.