بولس الطرسوسي

بولس الطرسوسي ويعرف عند المسيحيين بأنَّه بولس الرسول أو القديس بولس (أحياناً يُكتب اسمه بالعربية بحرف الصاد بولص)، هو أحد قادة الجيل المسيحي الأول وينظر إليه البعض على أنه ثاني أهم شخصية في تاريخ المسيحية بعد يسوع نفسه. يعرف من قبل المسيحيين برسول الأمم حيث يعتبرونه من أبرز من بشر بهذه الديانة في آسيا الصغرى وأوروبا، وكان له الكثير من المريدين والخصوم على حد سواء. يتوقع أنه لم يتمتع بذات المكانة التي خصها معاصروه من المسيحيين لبطرس أو ليعقوب أخي الرب، ومن خلال الرسائل التي تنسب إليه تتبين ملامح صراع خاضه بولس ليثبت شرعية ومصداقية عمله كرسول للمسيح. ساهم التأثير الذي خلفه بولس في المسيحية بجعله واحداً من أكبر القادة الدينيين في العالم على مر العصور. احتفل العالم المسيحي بين 29 حزيران 2008 و 29 حزيران 2009 باليبوبيل الألفي الثاني على مولده في طرسوس (أسية الصغرى).[3]

يعتبر بولس عموماً واحداً من أهم الشخصيات في العصر الرسولي،[4][5] وفي منتصف سنة 30 إلى منتصف سنة 50 من الميلاد أسس العديد من الكنائس في آسيا الصغرى وأوروبا. واستفاد من وضعه كيهودي ومواطن روماني ليخدم كل من الجمهور اليهودي والروماني. وفقاً للكتابات في العهد الجديد وقبل تحوله، كرّس بولس حياته إلى اضطهاد تلاميذ يسوع الأوائل في منطقة القدس.[6] في رواية أعمال الرسل (غالباً ما يشار إليها ببساطة باسم سفر أعمال الرسل)، كان بولس يسافر على الطريق من القدس إلى دمشق في مهمة «لاعتقالهم وإعادتهم إلى القدس» عندما ظهر له يسوع المُبعث من قبل ضوء كبير، مما أدى إلى أصابته بالعمى، ولكن بعد ثلاثة أيام، استعاد حنانيا بصره وبدأ بولس يبشر بأن يسوع الناصري هو المسيح اليهودي وابن الله.[7] ما يقرب من نصف سفر أعمال الرسل يتناول حياة بولس وأعماله.

ثلاثة عشر من الكتب السبعة والعشرين الموجودة في العهد الجديد تُنسب تقليديا إلى بولس.[8] سبعة من الرسائل لا جدال فيها من قبل العلماء بأنها أصلية، بينما أربعة من الرسائل تعتبر على نطاق واسع مؤلفات منحولة، في حين أن تأليف الاثنين الأخيرين يخضع للنقاش.[9] لم يتم تأكيد تأليف بولس للرسالة إلى العبرانيين في الرسالة نفسها وكان هناك شك بالفعل في القرن الثاني والثالث.[10] لم يكن هناك جدال تقريباً من القرن الخامس إلى القرن السادس عشر أن بولس هو مؤلفها،[11] ولكن هذه النظرة أصبحت الآن مرفوضة من قبل أغلبية العلماء.[12] يعتقد بعض العلماء أن الستة رسائل المتنازع عليها قد جاءت من أتباع يكتبون باسم بولس، مستخدمين محتويات من رسائل بولس الباقية وغير الباقية.[4][13][14] يجادل باحثون آخرون إن فكرة الانتحال للرسائل المتنازع عليها تثير الكثير من المشاكل.[15] وفقا لباحثين آخرين، فقد حدث تزوير لها بعد وفاة بولس في محاولة من الكنيسة لضم أنصار بولس الغنوصيين.[16][17]

اليوم، لا تزال رسائل بولس تشكل جذور حيوية للاهوت والعبادة والحياة الرعوية في التقاليد الكاثوليكية والبروتستانتية للغرب المسيحي، وكذلك تقاليد الشرق الأرثوذكسية.[18] وقد تم وصف تأثير بولس على الفكر والممارسة المسيحية على أنه «عميق كما هو منتشر»، من بين العديد من الرسل والمبشرين الآخرين المشاركين في انتشار الإيمان المسيحي.[13] طور أوغسطينوس فكرة بولس أن الخلاص مبني على الإيمان وليس على «أعمال الشريعة».[بحاجة لمصدر] تأثر تفسير مارتن لوثر بكتابات بولس حول عقيدة سولا فيدي.

المصدر الرئيسي للحصول على معلومات حول حياة بولس هو رسائله وسفر أعمال الرسل. ومع ذلك، الرسائل تحتوي على القليل من المعلومات حول ماضي بولس. سفر أعمال الرسل يروي مزيد من المعلومات ولكن يغفل عدة أجزاء من حياة بولس.[19] ويعتقد بعض العلماء أن سفر أعمال الرسل يتناقض مع رسائل بولس في قضايا متعددة، خاصة فيما يتعلق بكمية زيارات بولس إلى الكنيسة في القدس.[20][21]

تتضمن المصادر خارج العهد الجديد التي تذكر بولس:

ولد بولس في مدينة طرسوس في كيليكية [22] الواقعة في آسيا الصغرى (تركيا اليوم)، في فترة محتملة غير مؤكدة بين السنة الخامسة والعاشرة للميلاد. كان اسمه عند الولادة شاول وترعرع في كنف أسرة يهودية منتمية لسبط بنيامين بحسب شهادته في رسالته إلى أهل روما [23]، كما أنه كان أيضاً مواطناً رومانياً.[24] عمل كصانع خيم [25]، وكان مهتماً بدراسة الشريعة اليهودية حيث انتقل إلى أورشليم ليتتلمذ على يد غامالائيل الفريسي [26] أحد أشهر المعلمين اليهود في ذلك الزمن. ويبدو أنه لم يلتقِ خلال تلك الفترة بيسوع الناصري.[27]

بعد أن أصبح شاول نفسه فريسياً متحمساً ذا ميول متطرفة عمل على محاربة المسيحية الناشئة على أنها فرقة يهودية ضالة تهدد الديانة اليهودية الرسمية، فنرى أول ظهور له في سفر أعمال الرسل في الإصحاح السابع حيث كان يراقب الشماس استفانوس وهو يرجم حتى الموت بينما كان يحرس هو ثياب الراجمين [28] وهو راضٍ بما يقومون به.[29] عقب إعدام إستفانوس شن اليهود حملة اضطهاد بحق كنيسة أورشليم متسببين في تشتت المسيحيين في كل مكان [30]، فقام بولس بعد أن نال موافقة الكهنة بتتبع المسيحيين (الذين كانوا يسمون بأناس الطريق) حتى مدينة دمشق ليسوقهم موثقين إلى أورشليم.[31]

في طريقه إلى دمشق وبحسب رواية العهد الجديد حصلت رؤيا لشاول كانت سبباً في تغير حياته، حيث أعلن الله له عن ابنه بحسب ما قاله هو في رسالته إلى الغلاطيين [32]، وبشكل أكثر تحديداً فقد قال بولس بأنه رأى (الرب يسوع).[33] وفي سفر أعمال الرسل يتحدث الإصحاح التاسع عن تلك الرؤيا [34] فيصفها على النحو الآتي «وفي ذهابهِ حدث أنهُ اقترب إِلى دمشق فبغتةً أبرق حوله نورٌ من السماء»، بعد ذلك حصل حوار بينه وبين المسيح اقتنع شاول على إثره بأن يسوع الناصري هو المسيح الموعود. يتكرر ذكر هذه الرؤيا في سفر أعمال الرسل مع بعض الاختلافات الطفيفة في (22: 6-11) و (26: 13-18).

بعد تلك الرؤيا اقتيد شاول وهو مصاب بالعمى إلى مدينة دمشق حيث اعتمد على يد حنانيا ورُدَّ إليه بصره بحسب رواية الكتاب المقدس [35]، وعرف شاول باسم بولس بعد اعتناقه المسيحية. قضى بولس فترة من الزمن في العربية (ربما بادية الشام) ثم عاد إلى دمشق، وهناك تآمر عليه اليهود ليقتلوه وأبلغوا عنه الحاكم فقام رفاقه بتسهيل هروبه من المدينة بأن دلوه في سل من فوق السور (في الموقع الذي يعتقد أنه كنيسة مار بولس في باب كيسان اليوم).[36]

بعد ثلاث سنين عاد بولس إلى أورشليم (40 م؟) وهو راغب بلقاء رسل المسيح، فمكث عند بطرس خمسة عشر يوماً قابل خلالها يعقوب البار، عقب ذلك ابتدأ برحلاته التبشيرية الشهيرة في الغرب، ولكنه قام أولاً بالتبشير في سوريا وكيليكية.[37] وفي العشرين سنة اللاحقة قام بولس بتأسيس العديد من الكنائس في آسيا الصغرى وثلاث كنائس على الأقل في أوروبا.[38]

مكث بولس لفترة من الزمن في مدينته طرسوس ومن ثم انضم إلى برنابا وذهبا معاً إلى أنطاكية حيث وعظا فيها سنة كاملة، ومن هناك انحدروا إلى منطقة اليهودية حاملين معهم مساعدات من كنيسة أنطاكية.[39] وبعد أن أكملا مهمتهما غادرا أورشليم يرافقهما مرقس.[40] من أنطاكية بدأ بولس رحلته التبشيرية الأولى [41] رافقه فيها برنابا وفي قسم منها ابن أخت هذا الأخير مرقس. فعبروا البحر إلى قبرص وبعد ذلك إلى جنوب تركيا (بيرجة، بيسيدية، أيقونية، لسترة، دربة). كان بولس ورفاقه يتبعون أسلوباً معيناً في الدعوة، فقد كانوا يتنقلون من مدينة إلى أخرى ينادون بالخلاص بيسوع المسيح في مجامع اليهود وفي الأسواق والساحات العامة حيث أوجدوا جماعات مسيحية جديدة وأقاموا لها رعاة وقساوسة. انقسم اليهود من سامعيهم بين مؤيد ومعارض، وأما بولس فقد حول وجهه صوب الوثنيين ليتلمذهم هم أيضاً على ما يؤمن به.[42]

حوالي عام 48 م وقعت أزمة بين مسيحيي أنطاكية حول مسألة الختان عندما وصل إلى المدينة مسيحيون ذو خلفية يهودية يطالبون بضرورة تطبيق شريعة الختان على المسيحيين القادمين من الديانات الوثنية لكي ينالوا الخلاص، أما بولس وبرنابا فقد خالفا ذلك بشكل كبير، ولما لم يتمكنا من حل المسألة أرسلت كنيسة أنطاكية بهما مع أناس آخرون إلى الرسل ومشايخ أورشليم للنظر في الأمر. وتم عقد ما يعتبره مؤرخو الكنيسة أول مجمع كنسي وهو مجمع أورشليم وافقت فيه الكنيسة على مقترحات بولس وبرنابا بأن لا يلزم بالختان الأمميون المؤمنون بالمسيح وإنما يكتفى منعهم عن «نجاسات الأصنام والزنى والمخنوق والدم» بحسب وصف كاتب سفر أعمال الرسل.[43] وتم بعد ذلك المجمع تحديد المهام التبشيرية في الكنيسة، حيث أصبح بطرس - ويعقوب البار ويوحنا بن زبدي - رسولاً للختان (أي اليهود)، وبولس - مع برنابا - رسولاً للأمم (أي غير اليهود).[44] وبفضل ذلك المجمع أيضاً تحدد وجه المسيحية كديانة مستقلة وليس كفرع من فروع اليهودية.[45]

في الرحلة الثانية [46] أراد برنابا اصطحاب مرقس معهما ولكن بولس لم يوافق على ذلك فوقع شجار فيما بينهما افترقا على إثره، ومضى بولس في طريقه مع سيلا أحد الوعاظ المسيحيين. كان هدف بولس الرئيسي من تلك الرحلة هو المرور على الجماعات المسيحية التي أقامها في جنوب الأناضول خلال رحلته الأولى لتفقد أحوالها، وفي لسترة التقى بتيموثاوس الذي انضم إليه هو الآخر، ثم تابع طريقه باتجاه الشمال حتى وصل إلى الدردنيل ومن هناك عبر إلى اليونان. وفي تلك البلاد أسس بولس كنائس جديدة في فيلبي وتسالونيكي وبيرية وأثينا وكورنثوس. وخلال إقامته الطويلة نوعاً ما في كورنثوس قام بولس بكتابة رسالتيه الأولى والثانية إلى أهل تسالونيكي (حوالي عام 52 م)، ومن المحتمل أنه كتب في تلك الفترة أيضا رسالته إلى الغلاطيين، مع أن بعض الباحثين يرجحون أن تكون هذه الرسالة – المكتوبة في أنطاكية - هي باكورة أعماله، بينما يذهب آخرون إلى أنها كتبت في فترة لاحقة في مدينة أفسس.[45] أبحر بولس بعد ذلك إلى قيصرية في فلسطين ومنها قام بزيارة لأورشليم ومن ثم عاد إلى أنطاكية.

أخذت الرحلة الثالثة [47] بولس إلى غلاطية ثم إلى فريجية ومنها إلى أفسس، وكانت فترة العامين والنصف التي قضاها في أفسس هي أكثر فترات حياته إثماراً، كتب فيها رسالتيه الأولى والثانية إلى أهل كورنثوس (حوالي عام 56 م). بعدها ذهب بنفسه إلى كورنثوس حيث يعتقد أنه كتب فيها رسالته إلى أهل روما، ثم عاد إلى أفسس وبعدها إلى أورشليم حيث اعتقل فيها، وكانت تلك هي زيارته الأخيرة للمدينة المقدسة (بين عامي 57 و59 م).[48]

في فترة الخمسينات زار بولس أورشليم مع بعض مسيحيي الأمم الذين آمنوا على يديه، وهناك تم اعتقاله لأنه قام بإدخالهم (وهم يونانيون) إلى حرم الهيكل [49]، وبعد سلسلة من المحاكمات أُرسل إلى روما ليقضي بها سنتين وعظ خلالها اليهود والأمم وهو في الأسر، هنا تنتهي رواية سفر أعمال الرسل فلا يعرف بالضبط ماذا حصل له بعد ذلك. يؤرخ وصوله إلى قيصرية إلى ما بين عامي 58 و 60 ووصوله إلى روما لربيع عام 61. بحسب التقليد المسيحي فأن بولس أعدم بقطع رأسه بأمر من نيرون على إثر حريق روما العظيم الذي اتهم المسيحيون بإشعاله عام 64 م.[38] يقترح بعض الكتاب نهاية لحياة بولس على الشكل الآتي: فيرون أنه بعد السجن في روما تمت تبرئته وإطلاق سراحه، فذهب بولس لأسبانيا وعاد بعدها إلى الشرق فتوجه إلى أفسس وإلى مقدونيا واليونان حيث كتب خلال هذه الفترة رسالته الأولى إلى تيموثاوس ورسالته إلى تيطس. وبعد اضطهاد نيرون تم توقيفه باعتباره منتمياً إلى الجماعة المسيحية التي كانت تعتبر حينها خارجة عن القانون، وتمت إعادته إلى روما، وخلال هذه الفترة كتب رسالته الثانية إلى تيموثاوس. عانى بولس في الأسر وبعد محاكمة طويلة حكم عليه بالإعدام بقطع رأسه على طريق أوستي حوالي عام 67. هذه الحبكة مرفوضة من قبل الكثير من النقاد، وبشكل عام فقد تم بناؤها اعتماداً على رسائل بولس الثلاث الآنفة الذكر والتي تسمى بالرسائل الرعوية، وعلى تاريخ الكنيسة ليوسابيوس القيصري وعلى رواية القديس جيروم.[50]

كتب بولس جزءا كبيرا من عقيدة الفداء. عَلََم بولس أن المسيحيين ينالون الخلاص من الخطيئة من خلال موت يسوع وقيامته.[55] وفاته كانت كفارة واسترضاء، حيث بدم المسيح، فالسلام قد حل بين الله والإنسان.[55]

معظم التقاليد المسيحية[56][57][58] تقول أن بولس بوضوح يصور المثلية الجنسية كخطيئة في اثنين من المواقع المحددة: الرسالة إلى أهل رومية 1:26-27، والرسالة الأولى إلى أهل كورنثوس 6:9-10. مقطع آخر يتناول الموضوع بشكل غير مباشر هو: 1 تيموثاوس 1:8-11. مع ذلك فمنذ القرن التاسع عشر، معظم الباحثين توصلوا إلى أن الرسالة الأولى إلى تيموثاوس، جنباً إلى جنب مع الرسالة الثانية إلى تيموثاوس وتيطس ليست رسائل أصلية من تأليف بولس، بل مسيحي مجهول يكتب باسم بولس في وقت ما بين أواخر القرن الأول إلى منتصف القرن الثاني.[59][60]

ما يعنيه بولس بـ «المسيح» و"ابن الله" لا يمكن معرفته على وجه اليقين. يبدو أنه لم يعرّف شخص يسوع ميتافيزيقيًا. في فيليبي 2: 6–11 يشير بولس إلى أن المسيح يسوع كان موجودًا سابقًا وجاء إلى الأرض: «لكِنَّهُ أَخْلَى نَفْسَهُ، آخِذًا صُورَةَ عَبْدٍ، صَائِرًا فِي شِبْهِ النَّاسِ.». يبدو هنا وكأن يسوع كائن سماوي ولكن بدا كإنسان. في رسالة بولس إلى أهل رومية 1: 1–6، كتب بولس أن الله أعلن أن يسوع هو «ابن الله» برفعه من الموت. هنا يبدو كما لو أن يسوع إنسان «تم تبنيه». على الرغم من أن كلا الرأيين - أن يسوع لم يكن إنسانًا حقًا أو أنه لم يكن حقًا إلها - سيبقيان لفترة طويلة في المسيحية، قرّرت الكنيسة بحلول منتصف القرن الخامس أن يسوع كان إلهيًا وإنسانيًا تمامًا في نفس الوقت. ومع ذلك، يبدو أن هذا الحل لم يكن في ذهن بولس، واستغرق الأمر قرونًا من النقاش ليتم تطويره.[3]

هناك سبعة من الرسائل التي تحمل اسم بولس – الرسالة إلى أهل روما، 1 كورنثوس، 2 كورنثوس، غلاطية، فيلبي، 1 تسالونيكي، فليمون – مقبولة بالإجماع تقريبا بأنها أصلية تماما (أملاها بولس نفسه).[61][9][62][63] وهي تعتبر أفضل مصدر للمعلومات عن حياة بولس وخاصة أفكاره.

أربع من الرسائل (أفسس، 1 و 2 تيموثاوس وتيطس) تعتبر على نطاق واسع منحولة، في حين أن تأليف الاثنين الآخرين خاضع للنقاش.[9] يعتقد بعض العلماء أن الستة رسائل المتنازع عليها قد جاءت من أتباع يكتبون باسم بولس، مستخدمين محتويات من رسائل بولس الباقية وغير الباقية.[4][13][14] يجادل باحثون آخرون إن فكرة الانتحال للرسائل المتنازع عليها تثير الكثير من المشاكل.[15] وفقا لباحثين آخرين، فقد حدث تزوير لها بعد وفاة بولس في محاولة من الكنيسة لضم أنصار بولس الغنوصيين.[16][17]

لم يتم تأكيد تأليف بولس للرسالة إلى العبرانيين في الرسالة نفسها وكان هناك شك بالفعل في القرن الثاني والثالث.[10] لم يكن هناك جدال تقريبا من القرن الخامس إلى القرن السادس عشر أن بولس هو مؤلفها،[11] ولكن هذه النظرة أصبحت الآن مرفوضة من قبل أغلبية العلماء.[12]

من بين كتب العهد الجديد الـ 27 تنسب 13 منها بشكل مباشر إلى بولس الطرسوسي، كما أن قرابة نصف سفر أعمال الرسل كرس للحديث عن حياته وعن مهماته التبشيرية، وبالمحصلة فإن حوالي نصف كتاب العهد الجديد قد تمت كتابته بيد بولس وبيد أشخاص تأثروا بفكر وكرازة هذا الأخير. في دراسة وتتبع ملامح حياة وفكر بولس يستند عادةً بشكل رئيسي على الرسائل السبع الأصلية وبمرتبة ثانية على سفر أعمال الرسل. تلك الرسائل -الأصلية- بحسب ترتيبها في الكتاب المقدس هي:[64]

بشكل العام هذه هي الرسائل التي تنسب عادةً لبولس:

تأثير بولس على التفكير المسيحي كان أكثر أهمية من أي مؤلف آخر لكتب العهد الجديد. أعلن بولس أن «المسيح هو نهاية القانون»،[65] وتشمل كتابات بولس الإشارة الأقدم إلى «العشاء الأخير»،[66] مواضيع القدر التي توجد في المسيحية الغربية لا تظهر في اللاهوت الشرقي. استمد أوغسطينوس من بولس، وخاصة الرسالة إلى أهل روما.[19]

هيمنت شخصية بولس الطرسوسي على العصر الرسولي للمسيحية كما أن رسائله خلفت أثراً عظيماً على هذه الديانة، فقد تضمنت أولى كتابات اللاهوت المسيحي، وكانت كتاباته تلك ذات طابع روحاني أكثر من أن تكون تحليلات ذات صفة منهجية. وأصبح لاهوت بولس منبعاً للعقائد المسيحية أعطى له اللاهوتيون المسيحيون تفسيرات عديدة، فقد اعتمدت عليه الكنيسة منذ العصور الأولى وإليه استندت الفرق المسيحية المختلفة لاحقاً؛ لدعم معتقداتها، فمثلاً: اعتمد مارتن لوثر على رسالة بولس إلى أهل روما؛ ليثبت مبدأه حول الخلاص بالإيمان فقط بدون الأعمال. وبشكل عام فإن فكر بولس حول حياة وموت وقيامة المسيح، وحول كون الكنيسة هي جسد المسيح السري، وتعليمه عن الناموس والنعمة، ونظرته حول التبرير قد ساهمت بشكل قاطع بإعطاء الإيمان المسيحي شكله المعروف.[45]

في تعليقه «رسالة بولس الرسول إلى الرومان» (خصوصًا في الطبعة الثانية التي تمت إعادة كتابتها تمامًا في عام 1922) قال كارل بارث أن الله الذي ظهر في صليب يسوع يتحدى ويطاحق أي محاولة لتحالف الله مع ثقافات الإنسان، والإنجازات، أو الممتلكات.

بالإضافة إلى العديد من الأسئلة حول حقيقة أصول بعض تعاليم بولس والتي تطرحها الشخصيات التاريخية، بعض لاهوتيي العصر الحديث أيضا ذكروا أن تعاليم بولس تختلف بشكل ملحوظ عن تعاليم يسوع كما وردت في الأناجيل.[67] باري ويلسون يذكر أن بولس يختلف عن يسوع من حيث أصل رسالته، وتعاليمه وممارساته.[68] بل ذهب البعض إلى القول أنه بسبب هذه الاختلافات الظاهرة في التعاليم، فبولس في الواقع يعتبر «المؤسس الثاني» للمسيحية (ويسوع هو المؤسس الأول).[69][70]

روبرت برايس في أحد كتبه يقول «رسائل بولس تكشف عن نفسها للقارئ الفطن أن لديها بالضبط نفس النوع من القيود التي لدى الأناجيل: كلا منهما تجميعات من الشظايا وقطع من النصوص ساهم بها واختلقها مؤلفون ومجتمعات مختلفة جدا من حيث الميول اللاهوتية».[71]

كما في التقاليد الشرقية بشكل عام، يفسر الإنسانيون الغربيون الإشارة في الرسالة إلى أهل روما 9 بأنها تعكس علم الغيب الإلهي.[19]

اقترح العديد من الكتاب المسيحيين المزيد من التفاصيل حول حياة بولس.

في رسالة كليمنت الأولى، وهي رسالة كتبها الأسقف الروماني كليمنت الروماني في حوالي عام 90، تضم تقارير عن بولس:[72]

وتعليقًا على هذا المقطع كتب ريمون براون أنه في حين «لا يقول صراحة» أن بولس استشهد في روما، «مثل هذا الإستشهاد هو التفسير الأكثر منطقية».[73] كتب يوسابيوس القيصري، في القرن الرابع أن بولس قد قطع رأسه في عهد الإمبراطور الروماني نيرون.[74] وقد تم تأريخ هذا الحدث إما إلى عام 64، عندما دمر حريق روما، أو بعد بضع سنوات، إلى عام 67. ووفقاً لأحد التقاليد، فإن كنيسة القديس بولس تري فونتاني تشير إلى مكان إعدام بولس. احتفال ذكرى القديس بولس هو احتفال رسمي روماني كاثوليكي، يحتفل به في يوم 29 يونيو، في ذكرى استشهاده، ويعكس تقليدًا (احتفظ به يوسابيوس) أن بطرس وبولس قد إستشهدا في نفس الوقت.[75] التقويم الليتورجي الروماني لليوم التالي يتذكر الآن جميع المسيحيين الذين استشهدوا في هذه الاضطهادات المبكرة. في السابق، كان 30 يونيو هو يوم عيد القديس بولس.[76] ولا يزال بإمكان الأشخاص أو الطوائف الدينية ذات الصلة الخاصة بالقديس بولس الاحتفال برعيتهم في 30 يونيو.[77]

رفضت فرقة الإيبونية تعاليم بولس واعتبرته مرتدًا عن شريعة موسى، ورفضوا أن يكون بولس رسولًا.[78]

يعتبر الاهتمام في شخص بولس الطرسوسي ظاهرة حديثة في اليهودية. قبل ما يسمى إعادة الفهم اليهودي ليسوع الناصري (كيهودي) في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر، كان بالكاد ظهر بولس في الخيال الشعبي اليهودي وكان قد كتب عنه القليل من قبل الزعماء الدينيين والعلماء اليهود. يمكن القول، انه كان غائبا عن التلمود والأدب اليهودي، على الرغم من ظهوره في بعض الأدبيات الحاخامية مثل «تلدوت ياشو».[79] بسبب قيام بولس بنشر المسيحية خصوصًا لدى غير اليهود، أصبح موقف بولس أكثر أهمية في إعادة البناء التاريخية اليهودية والعلاقة اليهودية مع المسيحية. وقد ظهرت كمفتاح لبناء الحواجز (مثل بالنسبة لكل من هاينريش جرتش ومارتن بوبر) أو الجسور (مثل إسحق ماير وايز وكلود مونتيفيوري) في العلاقات بين الأديان،[80] وكجزء من النقاش داخل اليهودية حول ما يشكل أصالة اليهودية (على سبيل المثال جوزيف كلوزنر وهانز يواكيم)، وفي بعض الأحيان كشريك في الحوار بين الأديان (مثل ريتشارد ل. روبنشتاين ودانيال بويارين).[81] وقد ظهر في أعمال موسيقية دينية (فيلكس مندلسون)، ولوحة (لودفيغ مايندير) ومسرحية (من قبل فرانس فرفل[82] وكانت هناك عدة روايات حول بولس كبتها أدباء يهود منهم على سبيل المثال (شالوم آش وصموئيل ساندميل).[83] وقد اعتبر عدد من الفلاسفة اليهودي (بما في ذلك باروخ سبينوزا، ليف شيتزتوف، وجاكوب جاوبيس)[84] ومحليلين نفسيين يهود (بما في ذلك سيجموند فرويد وهانز ساكس)[85] أن بولس هو واحد من أكثر الشخصيات تأثيرًا في الفكر الغربي.

يرى المسلمون منذ فترة طويلة أن بولس قد أفسد تعاليم المسيح الأصلية عن قصد،[86][87][88] من خلال إدخال عناصر مثل الوثنية،[89] تحويل المسيحية إلى لاهوت الصليب،[90] وإدخال الخطيئة الأصلية والحاجة إلى الفداء.[91]

زعم سيف بن عمر أن بعض الحاخامات أقنعوا بولس بتضليل المسيحيين الأوائل عمدا بإدخال ما اعتبره ابن حزم عقائد مرفوضة إلى المسيحية.[92][93] ابن حزم أكد زعم سيف.[94] الحاخام يعقوب القرقساني يعتقد أيضا أن بولس قد أنشأ المسيحية عن طريق إدخاله عقيدة الثالوث.[92] تعرض بولس لانتقادات من قبل بعض المفكرين المسلمين الحديثين. كتب سيد محمد العطاس أن بولس قام بتحريف رسالة يسوع،[86] واتهم رشيد رضا بولس بإدخال الشرك إلى المسيحية.[95] استشهد محمد علي جوهر بكتابات أدولف فون هارناك الناقدة لبولس.[95]

في سجال بعض السنة، يلعب بولس نفس الدور (تعمد إفساد تعاليم يسوع) الذي لعبه في وقت لاحق اليهودي عبد الله بن سبأ، في السعي إلى تدمير رسالة الإسلام.[93][96][97] بين أولئك الذين يؤيدون هذا الرأي من العلماء ابن تيمية (الذين آمن أن بولس قد نجح في نهاية المطاف بينما فشل ابن سبأ) وابن حزم الأندلسي (الذي ادعى أن اليهود حتى اعترفوا بأغراض بولس الشريرة).[98]

إدعى الباحث اليهودي البريطاني حايم ماكوبي أن بولس كما هو موصوف في سفر أعمال الرسل ووجهة نظر بولس التي استخلصها من كتاباته هي أشخاص مختلفون جداً. وقد لاحظ بعض الصعوبات في كتابات حياته. بولس كما هو موضح في سفر أعمال الرسل كان أكثر اهتماماً بالتاريخ الواقعي، وأقل في اللاهوت. أفكار مثل التبرير بالإيمان غائبة إلى جانب إشارات الروح، وفقاً لماكوبي. كما أشار إلى أنه لا توجد إشارات إلى يوحنا المعمدان في رسائل بولس، على الرغم من أن بولس يذكره عدة مرات في سفر أعمال الرسل.

وقد اعترض آخرون على أن لغة الخطب هي لغة لوقا أكثر من اللازم بحيث تعكس كلمات أي شخص آخر. وعلاوة على ذلك، كتب جورج شيلنجتون أن مؤلف كتاب أعمال الرسل قام على الأرجح بإنشاء الخطب، وأنهم يحملون علاماته الأدبية واللاهوتية.[99] في المقابل، كتب هوارد مارشال أن الخطب لم تكن اختراعات للمؤلف بالكامل، وعلى الرغم من أنها قد لا تكون دقيقة من حيث الكلمة بكلمة، إلا أن الكاتب يسجل الفكرة العامة عنها.[100]

كان فوستر باور (1792-1860)، أستاذ علم اللاهوت في توبنغن بألمانيا، أول باحث قام بنقد سفر أعمال الرسل ورسائل بولس، ومؤسس مدرسة توبنغن للاهوت، أن بولس بصفته «رسول الأمم»، كان في معارضة عنيفة إلى الرسل الإثني عشر. ويرى باور أن أعمال الرسل كانت متأخرة وغير موثوقة. استمر هذا الجدل منذ ذلك الحين، حيث أكد أدولف ديسمان (1866-1937) وريتشارد ريتسنشتاين (1861-1931) على إرث بولس الإغريقي وألبرت شويتزر على اعتماده على اليهودية.

في القرن الثاني (وربما في أواخر الأول) كانت الغنوصية تتنافس مع التقاليد الدينية المسيحية واشتركتا في بعض العناصر اللاهوتية.

إلين باجلز، أستاذة علوم الدين في جامعة برينستون، رفضت الحكم (في كتابها الغنوصي بولس) سواء كان بولس في الواقع غنوصي أم لا. بدلا من ذلك ركزت على كيفية تفسير الغنوصيين لرسائل بولس وكيف أن الأدلة من المصادر الغنوصية ربما تتحدى الافتراض أن بولس كتب رسائله لمكافحة «الخصوم الغنوصيين» ونبذ الادعاء بأن لديهم الحكمة.[101]

البروفيسور روبرت آيزنمان من جامعة ولاية كاليفورنيا بلونج بيتش يقول أن بولس كان عضوا في عائلة هيرودس الكبير.[102] آيزنمان يقوم بالربط بين بولس وفرد حدده يوسيفوس اسمه "Saulus"، وهو «نسيب أغريباس الأول».[103] عنصر آخر كثيرا ما استشهد به للقول بأن بولس عضو من عائلة هيرودس هو Romans 16:11 حيث كتب بولس: «سلموا على هيروديون نسيبي».

وفقا لتيمو إسكولا، فإن اللاهوت والخطاب المسيحي المبكر تأثر بالحركة اليهودية الروحانية «ميركابا».[104] وبالمثل، ألن سيغال وBoyarin يعتبرون رواية بولس عن تحويله وصعوده إلى السماء كأقدم الروايات لدينا عن تقليد ميركابا في الأدب اليهودي أو المسيحي. على الجانب الآخر، تيموثي تشرشل قد جادل بأن طريق بولس لدمشق لا يناسب نمط ميركابا.[105]

من بين نقاد بولس توماس جيفرسون الربوبي، الذي كتب أن بولس كان «أول مفسد لتعاليم يسوع.»[106] اللاسلطويان المسيحيان ليو تولستوي[107] وAmmon Hennacy أخذا رأيا مماثلا.[108]

F. F. باول يقول أن بولس استخدم في رسائله العديد من أفكار الفيلسوف اليوناني أفلاطون، وأحياناً حتى باستخدام نفس الاستعارات اللغوية.[109]

أيقونة أرثوذكسية تصور القديسين بطرس وبولس هامتي الرسل.

أيقونة تصور بطرس وبجانبه بولس (إلى اليسار).

أيقونة تصور معمودية القديس بولس من القديس حنانيا.

تمثال حنانيا يقوم بتعميد القديس بولس الرسول في كنيسة القديس حنانيا، دمشق، سوريا.
تمثال "بولس الرسول" في مدينة دمشق
رحلة بولس الأولى
بولس وبطرس
رحلة بولس الثانية
رحلة بولس الثالثة
بولس يدون إحدى رسائله. لوحة للفنان فالنتين دو بولونيي
تمثال القديس بولس (1606) لغريغوريو فرنانديز
القديس بولس، بين القرن 6 – أوائل القرن 7 (Musée de Cluny)