بابل

بَابِل (تلفظ عربي: [بَا-بِل]  ( سماع)، ب‍‍الأكّديَّة: 𒆍𒀭𒊏𒆠، تُهجأ KA₂-DIG̃IR-RAKI حَرفيًا "بَوَّابَة الْإلِه")[la 1]، إحدى مُدن العالَم القَديم، وأكبَر عَواصِم حَضارة بِلادُ الرافِدين. عاصِمة الإِمبِراطورِية البَابِلية، وأَول مَدينة يَصلُ عددُ سُكانِها إِلى 200.000 نَسمة.[10][11] تَقَع بَابِل على ذِراع نهرُ الفُرات، حوالي 85 كيلومترٍ جَنوبي العاصِمة بَغْدَاد، بالقُرب من مَدينة الحِلة، تُغَطي مَساحة قَوامُها 9 كم2. في سَنة 2019، أدرَجَتها مُنظمة اليونِسكو عَلَى لائحة التُّراث العالمي.[la 2]

تزامنَ قيامُ بَابِل كقوة إقلِيمية في الشَرق الأَدنى مع صُعود المَلك «حَمورابي»، سادِس ملوك السُّلالة البَابِلية الأَولى إلى دفَة الحُكم.[la 3] بَعدها أَصبَحت بَابِل عاصِمه لكيان سياسي هيِمنَ على أراضي وادِي الفُرات وجَنوب بِلاد الرَافدين، عُرفَ بالإِمبِراطورِية البَابِلية.[la 4] في القرن الثامِن قَبلَ المِيلاد، وبعدَ سَنوات من الصِراع، تمكنَ المَلك الآشوري «تغلث فلاسر الثالث» منَ الظفر ببَابِل. بقيت المَدينة تَحتَ ظِل الإِمبِراطورية الآشورية قرن من الزَمن، حتى قيامُ ثورة المَلك البَابِلي «نبوبولاسر»، والذي وضعَ نهاية لحُكم الآشوريين في أَرَض الرافِدين بعدَ انتصارهِ في مَعركة نَينَوى.[la 5] في القرن السابِع قبلَ المِيلاد، بلغت المَدينة ذُروتها في عَهدُ الملك «نبوخذ نصر الثاني»، أشدُ مِلوك الكِلدانِ بأسًا وأَمضاهُم صَريمة، حكمَ إِمبِراطورِية طالَ سُلطانُها أغلب بِقاع الشَرق الأوسط، اِمْتدَت مِنَ البَحر الأبيضِ حَتى خليجُ العَرب.[la 6] في النِصف الاول من القرن السادِس قبلَ المِيلاد، سَقطت بَابِل على يَد جَحافلِ شاهِنشاه الفُرس، «قورش الكبير»، مؤسسُ الإِمبِراطورِية الأخمينية وأول أباطِرَتَها، عِندَما دَمرَ كَتائِب الجيوش البَابِلية في مَعركة أوبيس، جاعِلًا مِنها إِحدى عَواصِم إمبِراطوريتةُ الفتية.[la 7] في النِصفِ الثاني منَ القرنِ الرابِع قَبْلَ المِيلاَد، دَخَلَها «الإسكندر الأكبر» مُظفرًا، بعدَ أَن شَتتَ سوادَ الفُرس في واقِعة كَوكَميلا، أرادَ القائِدُ الشابْ أن يَجعَلَ مِنها عاصِمة الشَرق لإمبِراطوريتة،[la 8] قَبلَ أن توافيه المَنية عَلى أرضِها، بَعدها أَصبَحت المَدينة جُزءًا من إِمبِراطورِية أحد قادَة جيوشَه «سلوقس المَنصور».[la 9] في مُنتصف القَرن الثاني قبلَ المِيلاد، استولى عليها الفُرس مَرةٌ ثانية، هذهِ المَرة مُتمثلين بالإِمبِراطورية الفرثية، بقيادة الشاهِنشاه «مهرداد الكبير»، حينها بَدأت بَابِل تدريجيا في التَدهور، فَغطاها ليلُ الزمانِ، وراحَت في سُبات، عَزى المؤرخون ذلكَ إلى قُربِها من العاصِمة الفَرثية، طَيسَفان.[la 10] بعدَ ثلاثة قُرون، دخَلتها فيالقُ الْإِمبِراطورِية الرُومانية بقيادة قيصرُ الروم «تراجان»، فوجَدوها ظِلًا لِما كانت عليه.[la 11]

أنَ لبَابِل مكانةٌ خاصَةٌ في التارِيخ، تُعزى أولًا لعِمارتها الفرِيدة، انطلاقًا من جُدرانها وأبوابها الضَخمة التي أحاطت صَيوان المدينة، تمثلت خيرُها بتلكَ التي حَملت اسم عُشتار، وانتهاءًا بأعجوبةٌ العالَم القَديم، حدائِقُها المُعلَقة. ثانيًا، كنَتيجة مُباشِرة لأسطورة نشأة تَدرِيجيًا بعدَ سقُوطها، وهَجر سُكانها لها في مَطلع القرونُ الأولى من عَصرنا الحالي. هذه الأُسطورة تذكُرها الرِوايات الأنجيلية غالبًا في ضَوء سِلبي، وكذلكَ دَواوينُ الإغريق الذين وَصفوها في سجلاتهُم وخلدوا ذِكرها للأَجيال القادِمة. مواقِعُها، الذي لم يُنسى مكانهُ أبدًا، لم يكُن مَصَب اهْتِمام أعمالُ التَنقيب حتى مَطلع القرن العشرِين، تحتَ إِشراف عالم الآثار الألماني «روبرت كولديوي»، الذي اكتشفَ آثارُها الرئيسية. منذُ ذلكَ الحين، ومع التَوثيقات الأثرية والكِتابية المُهم التي تمَ اكتشافُها في المَدينة، مُكملًا بالمَعلومات الواردة منَ المَواقع القَديمة الأخرى التي لها صِلة ببَابِل، جعلَ من المُمكن تقديم تمثيل أكثرُ دقة للمَدينة القَديمة، بما يَتجاوز الأساطير والخُرافَات. ومع ذلك، لا تزالُ هُنالك العَديد من مَواقع المَدينة والتي كانت يومًا، أحد أهم مُدن الشَرق الأدنى القديم غير مُكتشفة، كون آفاق البَحث الجَديد قد تقلَصت مُنذُ فَترة طويلة، نتيجةُ الحُروب والأَزمات التي عَصفت بالعِراق.

بَدأت حَملاتُ التَنقيب عَن بِلَادِ الرَّافِدَيْنِ القَديمة مَطلع النِصفُ الأول مِنَ القِرن التاسِع عَشر، وأصبَحت أكثر كَثافة في العُقود التي تَلت ذَلِك. في المَقام الأول، اهتمت هَذهِ الحَملات بمَواقع العَواصِم الآشورية، والتي كانَت أطلالاتُها أكثر بُروزًا مِن غَيرها. إذا كان مَوقع بَابِل قد جَذب الانتباه لَه، فَقَد كانَ ذلكَ لأهمِية الاسم المُرتَبِط بالمَدِينة. بَدَأ التنقيب عَن بَابِل في وَقت مُتأخر مِن هذهِ الحَملات، مَطلع القُرن العشرين؛ ومع ذلك فقد تمَ تنفيذُه بواسِطة أفضل فُرق عُلماء آثار ذَلِكَ الوَقت. تبعَ ذلك حَملات أخرى خِلال النِصف الثاني مِنَ القرن العشرين لتَوسيع المَعرفة بمَواقع المَدينة، والتي لا يَزال مُعظمها غَير مُستَكشَف. بَعدَها تَقَلصَت آفاق الحِفرِيات بِشَكل كَبير، نَتيجَةً لتنفيذ الحُكومة العِراقية بَرنامَجها الّذي اقتَضى بإعادة إعمار وتَرميم بَعض مَعالِم المَدينة، ونَتيجَةً لوَضع العِرَاق السِياسي مُنذُ عامْ 1990.[12][13]

عَلى الرَغُم من وجود بَعض الالتِباسات المُحتملة مع المُدن المُجاورة لَها، مثل بورسيبا وعقرقوف، إِلا أنَ مَوقع بَابِل لَم يَضع أبدًا، جُزءًا مِن ذلكَ يَعود لاحتِفاظها باسمِها القَديم "بَـابِـل".[la 12] زار العَديد من الرَحالة الأوروبيون أنقاضها، فزارها «بنيامين التطيلي» في القرن الثاني عشر، والذي وَصَفَها قائلًا «بَابِل هِيَ الَيوم مُهَدَمَة بالكامِل، وَلا تَزال خَرائِب قَصر نبوخذ نصر بَاقِية فِيها، وَلكِن يُصعَبُ الوصُولُ أليها بِسَبَب الأفاعِي والشَياطِين».[la 13] بَينَما تَجَرأ على دُخولِها الرَحالة الإيطالي «بييترو ديلا فالي» في القرن السابِع عَشر، وتَمَكَنَ من التَعَرُف بصُعوية على أنقاض المَدينة التي وَصَفها «هيرودوت» و«اسطرابون»،[la 14] وفي القرن الثامِن عَشر، زارها الدُبلوماسي الفرنسي «جوزيف بوشامب».[14] ولكن أول من قامَ بأعمال البَحث العِلمي هُناك هو المُستَشرق البريطاني «كلوديوس جيمس ريتش»، الذي أسسَ في بداية القرن التاسِع عَشر أول مَشروع لرَسم خرائط المَوقع، وعمل رائدًا في مَجال الاستكشافات العِلمية فِي بِلَادِ الرَّافِدَيْنِ،[la 15][15] تَبعه العَديد مِن مواطِنيه، لا سيما «أوستن هنري لايارد» في عام 1850 و«هنري روليِنسون» في عام 1854، وهما اثنين منَ المُكتشفين الرَئيسيين لمَواقِع العَواصِم الآشورية، ولَكِنَهُم مَكثوا هُناك لفترة قصيرة فَقط، لكَونَ مَواقِع بَابِل في ذلك الوَقت كانَت "أقل إثارة" من تلك المَوجودة في شِمال بِلَادِ الرَّافِدَيْنِ، مِما يُفسر سَبب بقائِها على هامِش الحفريات الرئيسية طَوال هذه الفترة من أعمال التَنقيب. في عام 1852، أجرى الفَرنسيون أعمال التَنقيب في المَوقع، بقيادة عالم الاثار «فولجينس فرينل» وبمساعدة «يوليوس أوبيرت» «وفيليكس توماس».[6][la 16] الاكتشافات الضئيلة (للمقابر بالتَحديد)، التي قاموا بها خِلال أعمال التَنقيب والتي أجريت في سياق صَعب، لَم يَستَطيعوا إعادتها إلى فَرنسا، كَون القافلة النَهرية التي كانت تقِلهُم (كانَت تنقُل بِشكل أساسي الأثار الآشورية) تَعرضت للهُجوم من قِبل القبائل المَحَلية في جَنوب العراق وأَدَّى إلى غَرَقِها بالقُرب من قَضاء القرنة في البَصرة عام 1855.[la 17]

كان مَوقع بَابِل يُزار بأنتِظام مِن قِبل المُنَقبين في النِصف الثاني من القِرن التاسِع عشر. في عام 1862، عثر القنصل الفرنسي «باسيفيك هنري ديلابورتي» على مَقبرة بارثية غَنية بالتُحَف تم إرسال مُحتَوياتِها إلى مُتحف اللوفر. كما أخَذ السُكان المَحليون الذينَ كانوا يَجمَعوا الطوب في المَوقع بشكل أساسي حتى الآن، القُطع الأثرية التي عثروا عليها هُناك لإعادة بَيعها في الأسواق المُجاورة. تم ذلك بالتوازي مع الحِفريات التي نظمتها فِرق بريطانية، تَحت إشراف عالم الأثار العراقي-أنجليزي «هرمزد رسام» في سبعينيات القرن التاسِع عشر، والذي نَجحَ في إعادة العَديد من القطع إلى المُتحف البريطاني، ولا سيما أسطوانة قورش. تَوَقَفَت الحفريات البريطانية مؤقتًا، على خلفية فضيحة مُرتبطة بشكوك تواطؤا عالم الأثار «هرمزد رسام» في عَمَليات تَنقيب سرية، قبل أن يَبدأ أهتِمامُ الألمان في بَابِل عام 1897.

في عام 1897 وَصلَ عالمُ الأثار الألماني «روبرت يوهان كولدوي» إلى بَابِل، وقرر تولي زِمام أعمال التَنقيب على نِطاق غَير مِسبوق. في العام الذي تَلى ذلك، تم إنشاءَ "الجَمعية الشَرقية الألمانية" لتعبئة وجَمع الأموال اللازمة لبَدء هذا المَشروع، في نفس الوقت تَم التَنسيق مع القِسم الشرقي للمَتاحف البروسية والتي كان من المُقرر أن تتلقى الأثار التي يَتُم العُثور عَليها أثناء التَنقيب، والكُل كانَ مُستفيد من دَعم القيصر «فيلهلم الثاني» الذي أبدى اهتمامًا كبيرًا بالعُصور الشَرقية.[la 18] بدأت الحفريات في العام نفسه، واستمرت حتى عام 1917، كانَ المَشروع أستثنائي من حيث مُدته في ذلك الوقت، خاصة وأن أعمال التَنقيب كانَت لا تتوقف مرة واحدة في السنة، على عكس المُمارسات الحالية. نظرًا لحَجم المَوقع والأهداف المُتَمَثلة عَليه، مِنَ التَنقيب المُكَثف إلى تَرميم الأثار وإرسالُها لبرلين، تم وضع لوجستيات ثَقيلة مِن قبل «كولدوي» ومساعِديه.[7] بَدَأت أعمالُ التَنقيب في بَابِل على عِدة مَواقع فِي الآن نَفسَه (غالبًا ثلاث، وأحيانًا خمس)، بحيث يصل عَدد العاملين عَليها من 150 إلى 200 شخص، وحتى 250 على الأكثر. كانَ فَريق الأثار يَهدُف أيضًا إلى القيام بأعمال تَنقيب في المَواقع المُجاورة، بالتَحديد في بورسيبا، وشروباك، ثم آشور حيث تم تعيين مُساعد «كولدوي»، «والتر أندريه» في المَوقع بشكل دائم من 1903 إلى 1913.

كانَ لأعمال التَنقيب الاولية، الفَضل في تحديد العَديد من مَعالِم المَدينة الرئيسية، بالإضافة لرَسم مُخططات وجَمع بَيانات ذات جَودة لم تَكُن مَوجودة مِن قِبل في تارِيخ عِلم الآثار. كذلكَ من أيجابيات هذه البِعثة أنَ مُدير الحفريات، كانَ مُهندسًا معماريًا، حيث كان له اهتمام واضح بِتَرميم وإعادة المَباني القَديمة، على عَكس عُلماء الآثار الَذين سَبقوه والذين ركزوا قبل كل شيء على اكتشاف الأثار والنَفائِس، دون القلق بشأن الحِفاظ على المَباني التي وَجَدوها بِها.[7] كانَت القُصور المَلكية في مُجمع مردوخ هيَ أول أكتشافات البِعثة، مِنها قَصر تل عقير، ثُمَ المَعابد في تل إيشين-أسواس، وشارع المَوكب ثُمَ حي مَركيس السَكني. عام 1913، نَشر «كولدوي» نتائج تَنقيباته في كتاب أسماه "قيامَة بابِل"، أصبح هذا الكِتاب منذ ذلك الحين من الكلاسيكيات في علم آثار بِلَادِ الرَّافِدَيْنِ.[7][16] أخيرًا، كانَ مِن المُمكِن جَمع وثائق وبيانات عَالية الجَودة عَن بَابِل مُقارنة بالمَواقع الأخرى في ذلك الوَقت، من أجل القيام بالتحليل والدراسة، لسَرد الحَقائق بِصورة تَتَجاوز الأساطير. في الوقت نَفسه، تم إرسال الأثار المُكتَشَفة إلى ألمانيا، كما خُطط مُسبقًا، ولا سيما النقوش المزججة لبَوابة عُشتار وشارِع المَوكب الذي أعيد بناؤه في مُتحف بيرغامون. كانَت أعمال التَنقيب أقل كثافة منذ اندلاع الحَرب العالمية الاولى عام 1914، والتي وَضَعت عُلماء الاثار الألمان تَحتَ ضغظ كَبير. بَقيَ «كولدوي» في بَابِل حتى عام 1917 برفقة فَريق مَحدود.[7]

لم تُستأنف أعمال التَنقيب الأثرية في بَابِل إلا بَعدَ عِدة عُقود مِن رحيل «كولدوي». في عام 1962 ثم بين عامَي 1967 و 1973، بَحَثَت الفرق الألمانية في مَنطقة الزقورة وغيرها من الَمباني، ولا سيما في المُجمع الدِيني الذي تَوافَقَت صِفاته مع صِفات مَعبد بَابِل القَديم، والذي خُصِص لمهرجان أكيتو البابلي.[17] عام 1974، دَخَلت البِعثة الإيطالية بقيادة «ج. بيرغاميني» بَابِل، كانَ الهَدف الأول مِن هَذه البِعثة هو إجراء مُسوحات طبوغرافية تهدُف إلى تَصحيح واستكمال أعمال التَنقيب ما بَعَد فترة «كولدوي»، ولا سيما تَسليط الضوء على الارتفاع الحَقيقي الذي وَصَلَت لَهُ المَدينة وَما يَتعلق بالمَشاكل الهيدروغرافية لمَوقِعَها.[8] في عامي 1979 و 1980، نَقَب فريق اثار عراقي داخل مَعبد نابو، حيث عَثروا على كمية كبيرة من الألواح الطينية.[9] توقفت أعمالُ التَنقيب في بِابَل نِهائيًا عام 1990، نَتيجَةً لحَربُ الخَلِيج الأولى.

خِلال السِتينيات والسَبعينيات مِنَ القُرن الماضِي، قامت فِرق عُلماء أثار عِراقيون بِتَرميم الآثار القَديمة في البِلاد، وكانَ ذلك بالتَوازي مَع أعمال التَنقيب الجَديدة، والتي أجراها عُلماء أثار عٍراقيون أمثال الدكتور «نائل حنون»، بِمُساعَدت عالم الاثار «عبد القادر حسن» والدكتور «صباح عبود»، أجرا «حنون» عمليات التَنقيب في التَل الشرقي لبَابِل، يَقع هذا التل على امتِداد شارع المَوكب إلى الشَرق مِن السور الداخِلي للمَدينة، أدت أعمال التَنقيب إلى اكتشاف جُملة مِنَ القبور تَعود إلى العَصور الهيلنستي.[18][19]

مِن حَيث الأهمية، أحتَلت أعمالُ التَنقيب في بَابِل المَرتبة الأولى بَينَ مَواقِع بِلَادِ الرَّافِدَيْنِ الأخرى، وسُرعان ما أصبَحت المَدينة رمزًا مِن رُموز العِراق مُنذُ الأيام الأولى لتِلك الدَولة، على سَبيل المِثال يَظهر تِمثالُ أسد بَابِل وبَوابة عُشتار على طَوابع الدَولة العراقية مُنذ عام 1978،[la 19] بَعدَها أصبحَ بَرنامج إعادة الإعمار أكثر كثافة وأتساعًا، تماشيًا مع إرادة «صدام حسين»، الذي حَكَم العِراق من 1979 إلى 2003 وتطلع إلى ماضي بِلَادِ الرَّافِدَيْنِ القديم لتَعزيز شَرعيتها في البِلاد، تَمَثَلَ ذلِك مِن خِلال تَقديم نَفسها على سَبيل المثال كخليفة لسِلسِلة مِن الملوك الكِبار للدول "القَومية" أمثال «حَمورابي» «ونبوخَذ نصر الثاني» (وكذلك الحُكام الآشوريين). لذلك اختَلطت قضايا السياسية بقضايا السياحة، وَوَجب على بَابِل أن تكون (مرة أخرى) مكانًا لإظهار القوة، فقد تم ترميم جُدران بَعض آثارها، وأجزاء من جُدران قُصورها، أما بَوابة عُشتار، فقَد تَمَ بنائها بالكامل، والقصر الجنوبي تمَ تَرميم غُرفة عَرشه لاستخدامَها في حَفلات اِسْتِقْبال الوفُود، كذلك تَم تَرميم المَسرح الإغريقي الذي يضم 2500 مقعدًا لأستخدامه أثناء العِروض المَسرحية والموسيقية. حتى أن «صدام حسين» ترك نقوشًا تَحمُل أسمه على الأساسات كما فعل الحُكام البَابِليون القُدماء، وبنى قصرًا على أحد التِلال الثلاثة القَديمة لبَابِل.[20]

تُقام الأحتِفالات بانِتظام في بًابِل، ينتقد عُلماء الآثار هَذِه المُمارسات، كَونها تَمنع قيام أعمال التَنقيب في جُزء كبير من المَوقع الأثري، وتُسَرع مِن عَملية تدهور الآثار القَديمة، والتي تَضَررت بالفِعل نَتيجة أعمال التَنقيب السابِقة التي جُرفت أجزاء مِنها إلى المَتاحف الأوروبية، وكذلك ظاهرة التَعرية التي أزدادت وتيرَتُها في الآونة الاخِيرة. تَفاقَمَت الأضرار التي لَحِقَت بَموقع بَابِل أعقاب الغَزو الأمرِيكية للعِراق عام 2003، في الواقِع، تَمَ اختيار مَوقع بَابِل لإنشاء "مُعسكر ألفا"، عِبارة عَن قاعِدة عَسكرية أمريكية بولندية مَساحتُها 150 هكتارًا تَستَظيف ما لا يَقلُ عَن 2000 جُندي، بِما في ذلكَ مَهبطًا للطائِرات. ألحَقت هذِهِ العَمليات أضرارًا بِبَعض مَباني المَدينة الأثرية، نَتيجةً لمُرور الآليات العَسكرية (مروحيات، وعربات مُصفحة)، ومرور الحامية الكبيرة المُعَسكِرة في المَوقع، كذلك أعمال الحَفر الكبرى لبِناء السَواتر، وكلها كانَت في وسط قِطاع المَدينة الضَخم والذي يُعتَبر من أهم مَعالم بَابِل. حُفرت الخَنادق في المَواقع الأثرية، وأتلفت المَركبات رصيف شارِع المَوكب. دَفعت الانتقادات المُوجهة إلى الأضرار التي لحِقَت بالمَوقع سُلطات التَحالُف العَسكرية أخيرًا إلى رَفع المُعَسكَر وإعادت المَوقع إلى الحُكومة العراقية في كانون الأول 2004، مِما جعل من المُمكن رؤية حَجم الضَرر الحَقيقي.[22]

في يوم 5 يوليو، 2019، أعلنت منظمة الأمم المتحدة والثقافة والعلوم «يونسكو» إدراجها بالإجماع،[la 20] لمدينة بَابِل ضمن مواقع التراث العالمي.[la 21][la 22][23] واشترطت منظمة اليونسكو التزام السلطات العراقية بشروط المنظمة وإزالة المخالفات، وأمهلت السلطات العراقية حتى فبراير 2020.[la 23][la 24][la 25] رصد العراق مبلغ 250 مليون دولاراً لإزالة التغييرات، وأبرزها أنبوب النفط وقصر صدام والزحف العمراني والمستنقعات.[la 26] كشف عضو اللجنة المالية النائب صادق مدلول السلطاني، الذي شارك في جلسة التصويت على إدراج مدينة بابل، أن اللجنة المالية في مجلس النواب خصصت 60 مليار دينار لعام 2019 وأن المبلغ في الخمس سنوات المقبلة سيكون 200 مليار دينار وبالتنسيق مع وزارة الثقافة والسياحة والآثار والحكومة الأتحادية.[la 27] أعلن نواب عن محافظة بابل عن تخصيص 59 مليار دينار في الموازنة الاتحادية، لتنفيذ مشاريع في المدينة الأثرية، وستعمل اليونسكو على تأمين مبالغ أخرى، وكشفوا عن نية أعتبار محافظة بابل «عاصمة العراق التاريخية».[la 28] وأعلن البنك المركزي العراقي، عن تخصيص مليار دينار عراقي من حساب مبادرة تمكين، تصرف على الإيفاء بمتطلبات هذا الادراج.[la 29][la 30]

أطلقَ أهل بَابِل على لُغَتهم اسم "الأكّدية"، وذلك لأن مَنطقة بَابِل ككُل كانت تُدعى عِندهم "أكاد" كما يُلاحظ في نقوش كثيرة وردت فيها أسماء ملوك بَابِل كـ "ملك أكاد" أو "ملك أكاد وسومر". اقتبس البَابِليون أبجديتهم من السومريين الذين أسسوا حَضارتهم جنوب العراق. وقد ظلت هذه الأبجدية (المسمارية) تُستخدم في كتابة اللغة البابلية/الأكادية لثلاثة آلاف عام، أي حتى القرن الأول قبل الميلاد. اللغة البابلية سامية أصيلة، ولكن لفظها لم يُشتمل على حروف التضخيم والتفخيم كما في العَربية، كالطاء والظاء والضاد. ولا على حروف الحلق كالحاء والعين والهاء والغين.[la 31]

تمَ العُثور على أقدم سِجل مؤكد لاسم بَابِل على لوح طيني مَجهول المَصدر، مؤرخًا وفقًا لمَعايير بايوغرافية حَوالي 2500 قَبلَ المِيلاد (عَصر فَجر السُلالات).[24] تهجئة بَابِل في اللغة اليونانية «Βαβυλών»، مُشتقة من الأصل البَابِلي «Bābilim/n»، والتي تَعني "بَوابة الإله". التهجئة المِسمارية لبَابِل هي 𒆍𒀭𒊏𒆠 (KA₂.DIG̃IR.RAKI)، العَلامة (KA₂) 𒆍 تَعني "بوابة"، 𒀭 (DIG̃IR) تعني "إله"، 𒊏 (RA) علامة تُستخدم للقيمة الصوتية، و (KI) 𒆠 هو أمر يشير إلى أن العَلامات السابِقة يَجب فهمها على أنها اسم مَكان.[la 1][25][26]

افترض المؤرخ «أرشيبالد سايس»، الذي كتب في سَبعينيات القرن التاسع عشر أن الاسم السامي "بَابِل" كان ترجمة مُستعارة للأسم السومري الأصلي (KA₂.DIG̃IR.RAKI).[la 32][27][28] بَينما يُعتَبر تفسير أسم "بَابِل" ألى "بَوابة الإله" على أنه "تأثيل شعبي" سامي لاسم المَدينة الأصلي.[29] أقترح المؤرخ «إيغناس جيلب» في عام 1955 أن الـ n/m المُشتقة من الأصل البابلي للكَلمة «Bābilim/n»، لهما منشئ غَير مَعروف، ولا توجد أمثلة أخرى لمُدن سومرية تم استبدال اسمائها بالترجمات الأكادية. استنتج «إيغناس جيلب» أنها تحولت لاحقًا إلى «(n)/Bāb-ili(m)» الأكادي، وأن الاسم السومري «KA₂.DIG̃IR.RAKI» كان ترجمة لأصل الكلمة السامي، وليس العَكس.[4][30] تمت إعادة ترجمة الاسم السامي إلى (باب-إيل) السومرية في زَمن سلالة أور الثالثة (2111 – 2006 ق.م).[31]

في التَناخ (الكتاب المُقدس العبرية)، اسم بَابِل (بالعبرية: בָּבֶל، بالكلاسيكية السريانية: ܒܒܠ، بالآرامية: בבל)، كَلمة "بَابِل" في سفر التكوين تُفَسر بِما مَعناه "أرتباك" من الفِعل bilbél (בלבל "تشويش").[32][33] بَينما «Babil» كفعل في اللغة الإنجليزية يُشير ألى "التحدث بحَماسة أو حيرة".[la 33] تستخدم السِجلات القديمة في بعض المَواقف كلمة "بَابِل" كاسم لمُدن أخرى، مثل مَدينة بورسيبا والتي تَقع ضمن دائرة نفوذ بَابِل، ونَينَوى لفترة قصيرة بعد أحتلال الآشوريين للمَدينة.[34][35]

أما فِي أللُغة العَرَبية، يَقول الأخْفَشُ: لا يَنْصرِفُ لتأنيثه وذلك أنّ اسمَ كلِّ شيءٍ مؤنثٍ إذا كان أكثرَ من ثلاثةِ أحرُفٍ فإنه لا ينصرفُ في المَعْرِفة.[la 34][la 35]

ظَهرت بَابِل في وَقت مُتأخر مِن تاريخ بِلَادِ الرَّافِدَيْنِ القَديمة عِند المُقارنه بالمُدن الكبيرة الأخرى لهذه الحَضارة مثل كيش، أوروك، أور، ونَينَوى. قَبلَ أن يَتَرادَفَ على حُكمِها الإِمبِراطوريات، ويَجودُ بِسُلطانِها المِلوك والفاتِحين، كانَ أول ذكر مَعروف لبَابِل «كمَدِينة صَغيرة» يظهر على لَوح طِيني من عَهد المَلك «سرجون الأكادي» (2334-2279 ق.م).[la 36] يُمكن العُثور على مَراجع لذكر مَدينة بَابِل في ألواح الأدب الأكادي والسومري من أواخر الألفية الثالِثة قبلَ المِيلاد. أحد أقدم هذهِ الألواح هو لوح يَصف المَلك الأكدي «شار كالي شاري» (2218-2193 ق.م) الذي وضعَ حَجر الأسس في بَابِل لبناء مَعابد جَديدة لـ عشتار و إيلابا.(ملاحظة أ) تظهر بَابِل أيضًا في السِجلات الإدارية لسُلالة أور الثالِثة، كمَدينة صَغيرة جَمعَ مِنها الضرائب وعينَ فيها إينسي.(ملاحظة ل)[4][36] تَذكُر السِجلات البَاِبلية أن الملِك «سرجون الأكادي» (2334-2279 ق.م) قد بنى بَابِل أمام العاصِمَة أكـد؛ «حفرَ تُرابَ بَابِل وجعلَها نظيرًا بِجوار أكد»، أقترحَ عالِمُ الآثار «فان دي ميروب» أنَ هذهِ المَصادر قَد تُشير إلى الملك الآشوري المُتأخر «سرجون الثاني» مَلك الإمبِراطورية الآشورية الجَديدة بدلاً مِن «سرجون الأكادي».[35]

«كتسياس»، مُقتَبِسًا من قِبل «ديودور الصقلي» و«جورجيوس سينكيلوس»، ادعى أنَ لَديه إمكانية الوصول إلى مَخطوطات مِنَ السِجلات البَابِلية، تؤرخ تأسيس بَابِل إلى 2286 ق.م في عَهد ملِكها الأول «بيلوس».[37] تمَ العُثور على تَدوين مُماثل في كتابات القس البَابِلي «بيروسوس»، ذكرَ أن المُلاحظات الفَلكية بدأت في بَابِل قبَل 490 عامًا من العَصر اليوناني، مِما يُشير إلى عام 2243 ق.م. كتبَ «ستيفانوس البيزنطي» أن بَابِل بُنيت قبلَ 1002 سَنة مِنَ الحُروب الطِروادية (1229 ق.م)، والذي من شأنه أن يؤرخ تأسيس المَدينة إلى 2231 ق.م.[38] كُل هذهِ التَواريخ تَضع أساس بناء بَابِل في القرن 23 ق.م؛ ومع ذلِك، لم يَتُم العُثور على السِجلات المِسمارية لتتوافق مع هَذِه الحِسابات.

بينما لم تُذكر المَدينة إلا قليلًا في تَوثيقات النِصف الثاني من الألفية الثالِثة قبلَ الميلاد، ألا أنَها شَهدت نموًا سريعًا في ظل صُعود السُلالة الأموريّة، حَقَقَت هَذه السُلالة نَجاحَات عَسكرِية كثيرة خِلال فَترة "العَصرُ البَابِلي القَديم" (2004-1595 قبلَ المِيلاد). الفَترة التالية من تَاريخ بابِل مَعروفة باسم "العَصرُ البَابِلي الوَسيط" (1595 - نهاية القرن الحادي عَشر قبل الميلاد)، في هذه الفَترة شَهدت بَابِل تأكيدًا لمَكانتها كعاصِمة لجَنوب بِلَادِ الرَّافِدَيْنِ، كَونها أصبَحت مَركزًا دينيًا وسياسيًا تَحتَ حُكم السُلالات الكيشية. الألفية الأولى قبل الميلاد بدأت بفَترات صَعبة للغاية عَلى المَدينة، والتي طال أمدُها، نَتيجةً لحُروب دارَت رَحاها خِلال مُحاولات المُلوك الآشوريين الهًيمنة عَلى بِلاد بَابِل. هَزَمَهُم الملوك البَابِلبون أخيرًا وأسسوا "الإمبِراطورية البَابِلية الجَديدة" (626-539 قبل الميلاد) وقاموا بتنفيذ المَشاريع وبناء المَعالم التي جَعلت من بَابِل المَدينة الأكثر شُهرة في عَصرها. بعد سُقوطهم، خَلفت العَديد منَ السُلالات الأجنبية بَعضها البَعض في بَابِل، أحتَفظت المَدينة بأهمية مِحورية كَونها المَركز الديني والاقتصادي لسُكان بِلَادِ الرَّافِدَيْنِ.

تَرافَقَ نَهَوضُ بَابِل كَقوة أقلِيمِية داخِل حَوض جَنوب بِلَادِ الرَّافِدَيْنِ، مع صُعود سُلالة حاكِمة مِن أصل أموري،(ملاحظة ب) بدأت بالظُهور مَعَ المَلك «سومو أبوم» (1894-1881 ق.م).[la 37][39] تُسمى هذهِ الفَترة من تاريخ المَدينة الواقع بَينة نِهاية سُلالة اور الثالِثة (في حدود 2004 ق.م) وَبينَ نِهاية سُلالة بَابِل الأولى (في حدود 1594/5 ق.م) بـ"بَابِل القَديمة" والَتي دامَت زُهاء الأربَع قُرون.[la 38] ويُعتَبر «سومو لا إيل» (1880-1845 ق.م) هوَ المؤسس الحَقيقي لهذهِ السُلالة (كَونه لا يَمُت بِصلة لسَلفه، بَينما جَميع خُلفائه هُم مِن نَسله)،[la 39] وَسَعَ بَابِل تدريجيًا ألى مَملكة قَوية في وَقت كانت فيه البِلاد مُقتصرة على المَدينة ومُحيطها.[la 40] أورث «لا إيل» الحُكم لأبنه «سابيوم» (1844-1831 ق.م)، الذي حَكمَ بَابِل 14 عامًَا، أرَخَ هذه المَلك عامَهُ التاسع بتَشييده لمَعبد أوراش، والعاشر بتَشييده لمَعبد بَابِل الكَبير إيساكَيلا.[la 41] خلفَ «أبيل سين» (1830-1813 ق.م) أباه «سابيوم»، وعَلى خُطى الأخير أهتَمَ هذه المَلك بالأعمال العمرانية، قامَ بتَشييد المَعابد وتَعمِرُها، كذلك قامَ بانشاء حصن لحِمايَة الطَريق المُمتَد من بَابِل ألى سيبار.[la 42] بَعدها جاءَ «سين موباليط» (1812-1793 ق.م)، الذي جَعل من بَابِل قوة قادِرة على التَنافُس مع المَمالك الأمورية المُجاورة التي حَكَمت لارسا، إشنونا، إيسين وأوروك. بَعده أوَرَثَ الحُكم لأبنه، «حمورابي» (1792-1750 ق.م) أقوى وأشهَر مُلوك السُلالة البَابِلية الأولى، لعِبَ «حَمورابي» دوره بذكاء، جاعِلًا مِن مَملَكة بَابِل القوة الرئيسية في عَصره.[la 43][40] بَدأ الجُزء الأول من حُكمه دون الكثير من الأنتِصارات، بَعدها نجح في إخضاع المَمالِك المُجاورة واحدة تلو الأخرى: لارسا، إشنونا، وماري، ثمَ سَنَ القَواني وأصدَرَ شَريعَته المَشهورة، حَكَمَ «حمورابي» 42 سَنة، هَيمَنت فيها بَابِل على أغلب اجزاء جَنوب بِلَادِ الرَّافِدَيْنِ.[la 44][la 45] ابنه وخليفته «سامسو إيلونا» (1749-1712 ق.م)، حافَظَ على هذهِ السيادة لبَعض الوقت، لكِنه واجَهَ عِدة ثَورات أضَعفت رُبوع مَملكته الواسِعة.[la 46]

لا يُعرف الكثير عن بَابِل خِلال فَترة حُكُم سُلالتها الأولى. ولكِن ما هوَ أكيد، هَذه هِيَ الفَترة التي تَطورت فيها المَدينة لتَصبح القوة الإقليمية التي نَعرِِفوها الآن.[41] يَرجع ذلك إلى عِدة عَوامل، قبل كُل شيء وجود سُلالة قوية في مَوقع جُغرافي عَرَفت كيف تَستفيد مِنهُ، مَوقِعُها المُمتَد على طول ذراع الفُرات وليس بعيدًا عن دجلة، يُشكل مُحور اتصال رئيسي بين سوريا، الهضبة الإيرانية وَجَنوب بِلَادِ الرَّافِدَيْنِ المُنفتحة على خَليج العَرب. وهكذا كانت المَدينة قادرة على أن تُصبح نوعًا ما على مُفترق طُرق للعَديد من المَحطات التِجارة المُهمة.[42] لَم يَتَمَكن عُلماء الأثار من الوصول إلى المُستويات الأثرية لهذا العَصر، كَونها مُغطاة عمومًا بالمياه الجوفية وتعرضت أيضًا لأضرار لا يمكن إصلاحُها.[43]

السِجلات الأثرية لهذه الفَترة شَحيحة، وأكثر الإسهامات المَلموسة من أعمال التَنقيب، هي عِدة دُفعات من الألواح المَدرسية والدينية والاقتصادية التي تم العثور عليها في المَنطقة.[44] ربما كان التنظيم العام للمَدينة في هَذه الفَترة يَتَمَحور حَولَ مَنطقتها الدينية (إريدو المُستقبلية) الواقِعة على الضِفة اليُسرى لنهر الفُرات. السؤال الذي يَطرح نفسه بشَكل خاص، هو ما إذا كانت جُدران المَدينة في ذلك الوقت، قَد بُنيت بعد ألف عام داخل المَدينة بسبب تَوَسُعَها، أو ما إذا كانت هيَ مِنَ البداية تُحيط بمَنطقة أكبر تَواجَدَت بالفعل داخل المَدينة في زمن «نبوخذ نصر الثاني». على أي حال يبدو أن المَدينة امتدت في هذه الفترة على الضِفة اليُمنى للنهر، حيث تَذكُر النُصوص وجود العَديد من المَعابد عَلى ضِفَته.[45]

أفضل المَصادر المُتَوفرة عن مَراحل بِناء مَدينة بَابِل، هي نُقوشَها التأسِيسِيه، وأسماء سَنوات حُكُم المُلوك البَابِليين الذين أحيوا ذكرى أعمالهثم الإنشائية.[46] بَنى مَلك السُلالة الأول، «سومو لا إل»، سورًا مُحيطيًا جَديدًا للمَدينة، كذلك بنى القصر المَلكي الذي أستَخدَمه خلفاؤه من بَعِده. يبدو أن «أمي ديتانا» قام أيضًا ببناء آخر، أو عَملية ترميم (لا تميز النُصوص بالضرورة بين الاثنين). لا يُمكن مَعرفة كَيفَ كانت الحياة في القَصر المَلكي في بَابِل أثناء هَذه الفَترة إلا مِن خِلال عَدد قليل من الألواح تَعود لزمن المَلك «حمورابي»، مأخوذة من المُراسلات الدبلوماسية مَع مَلك ماري.[47] كان المُلوك البَابِليين يَقومون بأعمال التشييد والبناء داخِل المَدينة بِصورة مُنتَظمة، تَعَلَقت هذه الأعمال قَبلَ كُل شَيء ببناء جُدرانها وأبوابها، وفوق كل ذلك مَعابدها الدينية. بالأخص مَعبد إيساجيل، مَعبد الإله المَحلي «مردوخ». لم يتمُ ذِكر زقورتها الكَبيرة خِلال تَدوينات هَذا العَصر، ولكن يبدو أن السِجلات الأثرية تُشير إلى انَ أقدم مَرحلة من تاريخُها كانت من هَذه الفترة. تُشير النُصوص المُكتَشَفة من جانبها إلى أن المَنطقة الواقعة في هذا الجُزء من المَدينة كانت تُسمى بـ"المَدينة الشَرقية الجَديدة"، كان يسكُنَها بشَكل خاص فئة من كاهنات المَعابد تُسمى "نـاديـتـو"، كانَ هذا الأمر سمة من سِمات العَصر البَابِلي القَديم.[48]

شاهَدَ مَلوك السُلالة البَابِلية الأولى أراضيهم تَتَفكك تَحتَ تأثير الثَورات وهَجمات الشُعوب المُعادية، في المَقام الأول الحيثيون والكيشيون،(ملاحظة ي) وهي هَجمات تَضافرت حِدَتوها مَع أزمات اقتصادية وحتى بيئية.[la 47] جاءت نِهاية حُكم السُلالة الامورية مَع المَلك «سامسو ديتانا» (1625-1595 ق.م)، أقتَصَرت مَملكتها على جُزء صَغير مِما كانَت عَليه أمبِراطورية السُلالة الأولى، جاءَ ذلك بَعد أن تَمَت مُحاصرته من قِبَل المَمالك المُجاورة. وفقًا لما ذَكَره التاريخ البَابِلي فيما بَعد، فإن الضَربة القاضية قد تلقاها «ديتانا» مِن قِبل المَلك الحيثي، «مرسيلي الأول»، الذي نَجح في عام 1595 ق.م، بِشن غارة عَسكرية على بَابِل. تَعرضت المَدينة للنهب واختفت سُلالة الاموريون، وغُنِمَ كُل مِن تماثيل الإله مردوخ وقرينته سربانيط إلى مَمالك المُنتصرين كدليل على أستسلام المَدينة.[la 48][49] بعدَ أستيلاء الحيثيين على بَابِل، أصَبح الوَضع السياسي للمَدينة غامضًا بِشكل خاص. لَوح طيني تم العُثور عليه في نينوى يَعود للقرن السابِع قبلَ المِيلاد، مِن فَترة حُكم المَلك الكيشي «أغوم الثاني»، يَذكُر فيه أعادة تماثيل الإله مردوخ وقرينته سربانيط إلى بَابِل، وبالتالي أرجَعَ لمَعبد إيساجيل هَيبته. صِحة هذا النَص مَحل شَك، خاصة وأن هذا المَلك قَد ذُكرَ في النُصوص اللاحقة لحُكمَه فقط.[50]

هَيمنة السُلالة الكيشية على بَلاد بَابِل لَم تَتُم حتى بِداية القِرن الخامِس عَشر قبلَ الميلاد، تحتَ سُلطان المَلك «بيرنا بورياش الأول» وخلفاؤه المُباشرون.[51] قَدَمَ مُلوك السُلالة الكيشية أنفُسهم كـ"مِلوك كاردونياش" (الأرض المُقابلة لبَابِِل) بدلًا من "ملوك بَابِل"، وَلم يُذكَروا في نُصوص المَدينة ألا في حَالاتٌ نادِرة.[la 49] مَكانة بَابِل كمركز سياسي خِلال هذه الفَترة غَير واضِحه، تَحت حُكم المَلك الكيشي «عقرقوف الأول» في بِداية القِرن الرابِع عَشر قبل المِيلاد، تَمَ إنشاء عاصِمة جَديدة في الشِمال عَلى مَنطقة يقترب بِها دِجلة مِنَ الفُرات، سُميت عَـقَـرقَـوف.[la 50] رُبما مَثَلت هذه المَدينة مَقر إقامة المَلك (لأحتَوئها عَلى قصر واسع)، بينما مَثلت بَابِل مَقر حُكم الدَولة الرَسمي.[52] مَهما كان الوَضع، بَقيت بَابِل مَدينة مُهمة خِلال فَترة حُكم السُلالة الكيشية، لا سيما وأن دَورها كمركز ديني آخذ يَتَطور بِصورة سَريعة للغاية، كما يتضح من حَقيقة أن مَعبدها الكَبير "إيساجيل"، قَد تلقى تَبرُعات كبيرة من الأرض المُجاورة، وأن مردوخ (إله بَابِل) قَد أكدَ نَفسَه تدريجيًا كالرقم واحد بين إلهة تِلك المَنطَقة.[53] اللافِت للنظر أن أهم هَزائم المُلوك الكيشيين شَهدت استيلاء أعدائَهُم على بَابِل، حَوالي 1235 ق.م تم نَهبها من قِبل المَلك الآشوري «توكولتي نينورتا الأول»، وفقًا للسِجلات البَابِلية، أقدَمَ هذا المَلك عَلى هَدم جُدران المَدينة ثم كتب نصًا طويلًا أحتفالًا بانتِصاره.[54] استمرت النِزاعات بينَ بَابِل وآشور حتى دُخل طَرف ثالث، مُتَمَثل بَملك عيلام، «شوتروك ناحونتي» وابنه «كوتر ناحونتي» الذين استولوا على بَابِل عام 1158 ثم 1155 ق.م، ونَهَبوا كنوزها بِما في ذلك تِمثال مردوخ، بالأضافة لمَسلة نارام سِين (اليَوم فِي مُتحَف اللوفر) ومَسلة مانيشتوشو (كذلكَ فِي مُتحَف اللوفر).[la 51][la 52][55] وهكذا سَقَطت السُلالة الكيشية بَعدَ أن دامَ حُكمُها نيفُا وأربعة قُرون.[la 53] في ظل عَدم وجود نُقوش تَذكُر الأعمال التأسيسية في المَدينة، ولأن المًستويات الأثرية لَم يَتُم البَحث عَنها لنفس الأسباب المَذكورة في الفترة السابقة، ذُكِرت بَابِل في تَدوينات السُلالة الكيشية بصورة اقل مِما كانَت عليه في العَصر البَابِلي القديم.[56] مَع ذلك تم أكتشاف العَديد من الألواح التي تَتَحَدث عن الأحوال الاقتصادية الخاصة لسُكانَها. كذلكَ يُرَجَح بأنَ هَذه الفَترة هيَ الفَتره التي تم وَضع مُخطط إصلاح سِياجها الرئيسي، إذا لم يَكن قَد تمَ بالفِعل في الفَترة السابِقة.[57]

بدأ الوَضع بالتَعافي مَع بٍداية القرن التاسِع قبلَ الميلاد، مَع وجود بَعض الاضطِرابات الخَفيفة هُنا وهُناك. وَجَدَ ملوك بَابِل صُعوبة في فَرض سَيطرتهم على المَنطقة، كما أن السُلالات المَلكية كانَت في حالة عَدم استقرار مُستَمرة.[58] يضاف إلى هذه المَشاكل، استئناف الصِراع مَع آشور، وَالتِي بَدأت قوَتُها بالتَعاظُم مُنذُ القرن الرابِع عَشر قبلَ المِيلاد، وكانَت في مَوقع قوة بِسبب استقرارها الداخلي الأكبر.[la 54] بعد عِدة سَنوات مِنَ الحُروب، تمكن الملك الآشوري «تغلث فلاسر الثالث» منَ الظفر ببَابِل عام 728 ق.م.[la 55][la 56] مَع ذلك، لم يَتم ضمان الهَيمنة الآشورية على بَابِل بصورة كامِلة، وكانَ على المَلك الآشوري الجَديد «سرجون الثاني» والذي رَمَم مَعابد وأسوار المَدينة، أن يواجهَ فيها خصمًا عَتيدًا، مُتَمَثلًا «بمَردوخ أبلا إيدينا الثاني»، الذي نَجح في السَيطرة على المَدينة مَرتين.[la 57][59] واجهَ خَليفة «سرجون الثاني»، المَلِك «سنحاريب»، بدوره ثَوراتً بَابِلية جَديدة، دَفَعت المَلك إلى وضعَ أبنه البِكر «آشور-نادين-شومي» على عَرش سُلطان المَدينة. هذا الأخير لَم يستغرق وقتًا طويلًا في الحُكم، فبَعدَ قيام ثورة بَابِلية جَديدة، قَبضَ عليه المُتآمرون وسلموه إلى حُلفائِهُم العيلاميين، الذين أقدموا عَلى أعدامِه. رَد «سنحاريب» عَلى هذه الخِيانة كانَ مُزَلزِلًا، والقِصة التي تركها لتَروي أحداث أنتِقامه مليئة بالكراهية ضِد بَابِل، دَك حُصون المَدينة وقُصورَها وذَبحَ جُزء كبير من سُكانَها ودَمَرَ أجزاء واسِعة منَ المَدينة، مِن خِلال تحويل مياه نهر دجلة والفُرات إليها، بَعدَها قامَ بتَسوية أسوارها، وقامَ بسَبي تمثال مردوخ أله بَابِل الكَبير إلى آشور.[la 58][la 59]

لا تَزال حَقيقة حَجم الدَمار الذي خَلَفه «سنحاريب» في بَابِل مَوضع نِقاش. في جَميع الاحتمالات، لم تُدمَر المَدينة بالكامِل كَما يَدعي المَلك الآشوري. اختار ابنه وخَليفته «آسرحدون» طَريق التهدئة مَع بَابِل وتعهدَ باعادة أعمار المَدينة، على الرغم من وَضع الحظر على إعادة بنائها لـ70 عامًا، والذي أعلنهُ الإله مردوخ غضبًا عَلى سُكانها (لم يكن «سنحاريب» حِينها سوى ذِراعه للانتِقام). يُبرر «آسرحدون» هذا الأمر مِن خِلال قيامه بلعبة كِتابة على التَهجئة المِسمارية للرقم 70 (يُكتَب على شَكل مسمار رأسي يتبعه شارة شيفرون)، يَقوم بقلب علامات التَهجُئة (تَصبِح شارة شيفرون متبوعًا بمسمار رأسي) فَيُعطي الرَقم 11 (سنة)، مِما يَسمَح له بالقيام باعادة الأعمار.[la 60][la 61][61] فأستَقامَت أحوال بَابِل لـ«آسرحدون»، وعَمَها الأمن والامان، بـأستِثناء ثَورة عَقيمة قامَ بِها أبن الثائِر السابِق «مَردوخ أبلا إيدينا الثاني» سَنة 680 ق.م.[la 62]

أدت خِلافة «آسرحدون» عام 669 ق.م، إلى ظُهور تَنظيم سياسي خاص، مُتمَثلًا بُحكم أبنه الاصغَر «آشور بانيبال» عَلى آشور، بَينما وضعَ شَقيقَهُ الأكبر «شمش شوم أوكين» على عَرش بَابِل كتابِعًا له، والذي توجَ مَع عَودة تِمثال مردوخ ألى المَدينة.[la 63] ثار الأخير على أخيه عام 652 مُطالِبًا بِعَرش الإمبِراطورية، ودَخلَ الاخوة في حَرب مُدَمِرة، أنتَهَت بِحِصار قاسي ضَرَبه المَلك الاشوري عَلى بَابِل، وَصَلت فيه المَدينة ألى مَرحَلت المَجاعة. بعدَ مُعاناة طالت العامَين مِنَ الحِصار، سَقطت بَابِل أخيرًا عام 648 ونَهبها الجَيش الآشوري. ماتَ المَلك «شمش شوم أوكين» أثناء الحِصار، وأحرقتهُ النيران مَع قَصره،(ملاحظة س) حادِثة تسببت في ولادة الأسطورة اليونانية «ساردانابالوس» (أسم «آشور بانيبال» باليونانية القَديمة).[la 64][la 5] بعد المَرحلة الأولى من القَمع والتَدمير، تبينَ أن «آشور بانيبال» كان أقل وحشية من جده وأعاد ترميم المَدينة، وقامَ بوَضع «كاندالانو» كحاكِم دُمية على رأسِها.(ملاحظة م) وهكذا فإن المِلوك الآشوريين قد ساهَموا بعمق في تَشكيل تاريخ بَابِل وفي صِياغة مَشهدها الحضري.[62]

هذا التَعاقُب الكبير للثَورات البَابِلية، أضعَفَ بِلا شَك آشور، كانَت روح المُقاومة في بَابِل تَزداد يَومًا بَعدَ يَوم، وأفراد المُقاومة أكثر نشاطًا واتحادًا من ذِي قَبل. عِندَ وفاة «آشور بانيبال»، بينَ عامي 631 و 627 ق.م، دخلَ أبناؤه في دَوامة نِزاع الخِلافة. أستغل «نبوبولاسر»، الذي يُرجح أنه كانَ حاكِم مَنطقة أرض البحر (وربما كانَ من أصل كلداني)،[la 65] الاضطرابات في آشور من أجل الاستيلاء على السُلطة في بَابِل عام 625 ق.م. نقل الصِراع تدريجيًا إلى جاره في الشمال،[63] وبَعدَ سَنوات قليلة من الصِراع، نَجحَ في إسقاط الإمبِراطورية الآشورية بمُساعدة مَلك الميديين «سياخريس» عام 614 ق.م.[la 5] في 610 ق.م خَلَفَ «نبوبولاسر» ابنَه «نبوخذ نصر الثاني» (605 قبل الميلاد - 562 ق.م)، أشدُ مِلوك الكِلدانِ بأسًا وأَمضاهُم صَريمة، حَكَمَ الرُبوع 43 عامًا، مَعَه عَرَفت المَدينة ذُروَتَها. سأرَ بجَيشهِ ألى مَصر، وقَهَرَ فِرعَونَها «نخاو الثاني»، بعدَ أن سَحقَ جحافِلَ جَيشه فِي واقِعة كَركَمِيش وَحُماة، ثُمَ أسقَطَ أورشَلِيم، عاصِمة يَـهـوذا وسَبى سُكانَها، بَعدَها ضَرَبَ الحِصار على صُوْر، جَوهَرة تاج كَنعان، 13 عامًا حَتى دَخَلها. هذهِ هيَ الفَترة المَعروفه "بالإمبِراطورية البَابِلية الحَديثة"، والتي غَطت أراضِيها مُعظم أجزاء الشَرق الأدنى، مِن حُدود مَصر، الأناضول وجِبال طوروس إلى أطراف فارِس.[la 66][la 67][la 68][la 69]

يَترافق عَهدا «نبوبولاسر» وأبنه «نبوخذ نصر الثاني» مع فتره تغييرات عَميقة، بدأها الأول وأنهاها الثاني، عَرَفناها مِن خِلال نقوش المَدينة التأسيسية.[64] هؤلاء المِلوك حَشَدوا موارد الإمبراطورية بأكملها، سواء كانت في البلدان المَحتلة أو في بَابِل نَفسها. تُشير ألواح مَعبد عُشتار في أوروك، إلى قيامَ المَعبد بتَوفير مَوارد كبيرة مِن أجل بِناء قَصر «نبوخذ نصر الثاني».[65] هذهِ الأعمال الأنشائية لمُلوك هذه الفَترة هي التي ستُساهم في تاليف الصورة الأسطورية للمَدينة، الصورة التي أعيد إنتاجها من قبل المؤرخين الأجانب أمثال «هيرودوت» و«كتيسياس» أو الكِتاب المُقدس العِبري، صورة لمَدينة مُحاطة بجُدران عَظيمة تُهيمن عَليها القصور والمَعابد والزَقورات والشَوارع المُزَججة.[66]

تَمكن خُلفاء «نبوخذ نصر الثاني» منَ الاحتِفاظ بمَملَكتهُم الواسِعة بكُل ما أوتوا مِن قوة، لكنهم لَم يَتمتعوا بسُلطة ودهاء مؤسسي هذه السُلالة.[la 70] آخر ملوك بَابِل، «نابونيد» (556-539 ق.م)، هو شَخصية غامِضة، كُرهَ مِن قِبل نُخبة مَملكته، بما في ذلكَ رجِال دين الإله مردوخ، كَونَه أهمل هذا الإله لصالح إله القَمر سين.[la 71] غادرَ «نابونيد» مَدينة بَابِل لعِدة سَنوات ليستقرَ في تيماء الواقِعة في شُبه الجَزيرة العَربية. غيابه عن بَابِل بحُكم الأمر الواقع مَنَع كهنة مردوخ مِن الاحتفال بالسنة الجديدة، الأمر الذي يتطلب حضور المَلك شَخصيًا.[la 72][la 73][67]

غَزة جَحافِلُ شاهِنشاه الفُرس «قورش الكبير» مؤسس الإِمبِراطورِية الأخمينية، بَابِل عام 539 ق.م، مِن خِلال هجوم مُفاجئ على بَوابة إنليل الواقِعة في الجُزء الشِمال الغربي مِن المَدينة، سَقطت بَابِل والإمبراطورية بأكمَلِها في يَده، ومن الواضِح أنَ هَذا الامر قَد تَم دونَ وقوع الكثير مِنَ العُنف.[la 74][la 75][68]

عومِلت بَاِبل باحتِرام مِن قِبل المَلك الجَديد، واعلنَ عن رَغبته بالحِفاظ على سَلامة المَدينة وحِماية مَصالح سُكانها، وَذلك مِن خِلال إعلان مَرسوم إيجابي للغاية تجاهَهُم، تم العُثور عَليه مَنقوشًا على أسطوانة طينية وجدت في بَابِل عُرِفَت باسطوانة قورش، حيث يستأنف نَفسه على حِساب الأيديولوجية البَابِلية المَلكية ويقَدم نفَسه على أنهُ الشخص المُختار مِن قِبل الإله مردوخ.[la 76][la 77] لم يكن سُقوط الامبِراطورية البَابِلية ونِهاية الاستقلال السياسي يَعنيان انهيار بَاِبل. بالتأكيد ثارت المَدينة ضِدَ غازيها في عِدة مُناسبات، ضد «دارا الأول» حوالي عام 521 ق.م،[la 78] ثم لاحقًا ضِد ابنه «خشايارشا الأول»،[la 79] الذي نَسب إليه المؤرخون الإغريق فيما بَعد قرار تدمير مَعبد مردوخ، حَدث يدور عَن مدى صِحَته جَدل حَتى اليَوم.[71] بَقيت بَابِل مَدينة مُهمة في الإمبراطورية حتى لو لم تكن عاصِمتها، بالأضافة لأمتلاك نُبلاء الفُرس مُمتلكات شاسِعة داخِل أراضيها.

فِي عامْ 331 ق.م، فَتَحَت بَابِل أبوابها للمَلِك المَقدُونِي «الإسكندر الأكبر»، بعدَ أَن شتتَ سَواد الفُرس في واقِعة كَوكَميلا مُرحبًا بِهِ بوضوح مِن قِبل سُكانَهَا.[la 80] رَعى الإسكندر ترمَيم قنوات المَدينة، وأستَقرَ في مَعبدَها الكَبير إيساجيل لبضعة أشهر قَبل الأنطلاق في حَملَته الهندية، أرادَ الإسكندَر أن يَجعَلَ مِنها عاصِمة الشَرق لإمبِراطوريته،[la 8][72] قَبلَ أن توافيه المَنية في قَصر «نبوخذ نصَّر»، في العَاشر أو الحَادي عَشر مِن يونيو سنة 323 ق.م.[la 81][73][74] بَعدَ أن انطَفئ نَجمُ ذَلِك الفاتِح الشَاب، وَقَع التقسيم الأول لإمبِراطوريتهُ المَقدوينة في بَابِل، فيما عُرِف بـ"اتِفاقية بَابِل" بَينَ جِنرالاته المَعروفين بـ"ملوك طَوائفِ الإسكندر"، والذين دَخَلوا لفترة طويلة فِي صِراعات ضَربت بَابِل وأكبر مُدنها بِشدة. كانَ أكثَرها دَمَوية عِندما نَجح «سلوقس الأول»، في نِهاية الحَرب البَابِلية، بتعزيز سَيطرته على المَنطقة عام 311.[la 82][la 9][75] لم يَختار المَلك الجَديد بَابِل كعاصمة له، كَونه قَد بنى واحدة جديدة على بعد ستين كيلومتر إلى الشِمال الشَرقي مِنها، مُتَمَثلة بسَلوقية.[la 83][76] مَع ذلك، بَقيت بَابِل مُهمة في هذا الفَترة، كما يَتضح على سَبيل المثال من حَقيقة أن ابن «سلوقس»، الأمير «أنطيوخوس الأول» بقي هُناك لعِدة سنوات قبل أن يتولى مَقاليد السُلطة. ومع ذلك، فإن مركز ثقل مَملكتهم السلوقية قَد أنتَقلَ تدريجيًا إلى الغرب، إلى سوريا، وأصبَحت أنطاكية العاصِمة الرئيسية لخُلفائهم.[la 84]

فَقدَ السلوقيون بَابِل لتقَدُم جَحافِل الإمبِراطورية الفرثية، مِما أدى إلى عدة صِراعات شَهَدت المَنطقة تَنتَقل مِن طَرف ثم الآخر، قبل الهَيمنة النِهائية للفرثيين تحتَ سُلطان المَلك «ميثريدس الثاني» (123-88 قبل الميلاد). أثرت هذه الصِراعات مرة أخرى بقوة على بَابِل، لا سيما الفَظائع التي ارتكبها الجنرال الفرثي "هيميروس"،(ملاحظة ص) الذي كان بِمثابة نائبًا للملك على المَنطقة خلال الفترة المُضطربة من سنوات 130-120.[77] ظَلَّتِ بَابِل مَدينة مُهمة سياسيًا ودينيًا في إدارة الإمبراطوريات الأجنبية التي حَكمتها خِلال النِصف الثاني من الألفية الأولى قبل الميلاد. في عهد الإمبراطورية الأخمينية، كان حاكِمُها، الذي يُدعى في النصوص المِسمارية باللقب البَابِلي "بـاهـات"، المَعروف أكثر بـ"سـاتـراب"، يُدير مٌقاطعة شاسِعة غَطت في البداية أراضي الإمبِراطورية البَابِلية القَديمة، حتى البَحر المتوسط، قبل أن يَتم تقليص أراضيها إلى بِلَادِ الرَّافِدَيْنِ فَقط.[78] تَحتَ حُكم السلوقيين، حَلت سلوقية مَحل بَابِل كمَدينة الإدارة الرئيسية للامبِراطورية، وبالتالي أصبَحت بَابِل عاصِمة المُقاطعة الثانوية. مُمثَل المَلك هُناك شَخصية تُدعى في النُصوص المَحلية "šaknu" (مَعناه "حاضر")، والذي يَرأس طاقم القَصر المَلكي.[79]

مُنذُ عَهد «أنطيوخوس الرابع» (حوالي 170 ق.م)، أصبَحت بَابِل مَدينة يونانية أو ما يُعرف بـ"بـولـيـس"، وبَينما عُرِفَ مُجتمَعَها بـ"بـولـيـتاي" (نجده مَذكور في النصوص البَابِلية في شكل بوليتش/بولياناو)، يقودَها القائم بأعمال الأدارة (والذي يُطلق عَليه لقب "بـاهـات" في المَصادر المِسمارية، المَعروف أكثر بـ"ساتراب")، يَجتمعون في المَسرح الذي تم بناؤهُ في المَدينة.[80] المُجتمع البابلي الأصلي، والذي لا يزال بلا شك مهيمنًا بالأعداد، يُشكل الكيان السياسي الثالث لهذا المُجتمع المُعقد. يتم تمثيلهُم أمام السُلطات اليونانية من قبل الموظفين المسؤولين عن مَعبد إيساجيل، والذي يُشَكلَون وزنًا في إدارة أحوال سَير المَدينة، باعتبارهم السُلطة الأدارية الوحيدة من أصل مَحلي. يَقود هذا المُجتَمع مَجلس يُطلَق عَليه "kiništu" سُلطته العُليا مُتَمَثلة بالمسؤول عن ضَريح المَعبد والذي يُدعى "šatammu". بَقيَ هذا التَشكيل النَسيجي لمُجتَمَعات بَابِل قائم في عَهد البارثيين ايضًا. بالنِسبة لهذه الفترات المُختلفة، ظلت الالواح الطينية للعائِلات المَحلية مُتَوفرة بأعداد كبيرة إلى حد ما مُقارنة بالمدن الأخرى في المَنطقة والتي جفَ التَدوين فيها تدريجيًا، وبالتالي توفر مَعلومات أصلية عن للمَدينة بَعيدًا عَن التَكَهُن.[81]

شَهَدَت فَترةُ حُكمِ الإمبِراطورية الفرثية تراجُعًا تدريجيًا لمَكانة بَابِل كَعاصِمة لجَنوب بِلاد الرافِدَين، انتقلت مَراكز القوة الكبرى بِشكل نِهائي إلى الشِمال على نهر دجلة (سَلوقية، طَيسَفون، وبعد ذلك بكثير بَغْدَاد).[la 10] لكن مَعالمها الرئيسية كانَت لا تزال نشِطة، كتب المؤرخ الروماني «بليني الأكبر» في بِداية القِرن الأول الميلادي أن مَعبد بَابِل كانَ لا يزال نشطًا، على الرَغم من أن المَدينة في حالة "خَـراب"،[82] كذلك تُجَد نُقوش باليونانية تَعود إلى القرن الثاني الميلاد تُشير إلى أن المَسرح الإغريقي لا يَزال قائمًا.[83] بَقيت بَابِل مَدينة تجارية نشِطة، نَجد فيها مُجتمعات ذات آفاق واسِعة، مُجتمعات بابلية ويونانية ارتَبَطت بلِا شَك مُنذُ فترة طويلة، وكذلك المُجتمعات المَسيحية الأولى التي استقرت في المَنطقة.[84] يُذكر أن بَابِل كانت "ميدانًا للآثار" في النِصوص اليونانية، مثل ما دَونَ المؤرخ «كاسيوس ديو» عِندما أبلغَ عن وصول الإمبِراطور الروماني «تراجان» إلى بَابِل خِلال حَملته عام 115م.[la 11] مع ذلك، ذَكر حَقيقة أن تراجُعها كان كبيرًا، ولفت انتباه الزائِرين إلى حِكايات تَتَعلق بِروعتها الماضية.[85]

كان مَعبدها الرئيسي لا يَزال يُستَعمَل في بِداية القرن الثالث المِيلادي، ويعود هَجرُها مِن قِبَل سُكانها إلى فَترة القرون التالية، وبالتالي تَحتَ سَيطرة الإمبِراطورية السَاسَانية التي تُعتَبر بالذات فترة الاختفاء النهائي لثقافة بِلَادِ الرَّافِدَيْنِ القديمة.[87] خِلال الفتَرة الإسلامية، لم يُنسى مَوقع ومَكانت المَدينة، لكن بَابِل في النُصوص العَربية لم تكُن أكثر من «قَرية صَغيرة» حَسب وَصف جُغرافي القرن العاشِر «ابن حَوقل». يتحدث مؤرخوا القُرون التالية فقط عن أنقاضها وحقيقة أنها جُردت من أقوى حِجارتها لأًستِخدامها في تَشييد مَباني المُدن المُحيطة.[la 85] نَجد أيضًا قِصَصًا وحِكايات عَن الآثار والمُعتقدات البَابِلية، بِحَيث تَحَولت بَابِل القَديمة بالكامِل إلى "أُسْـطـورة".[88]

بَلَغت بَابِل مِن الشُهرة مَرحَلة وصف القُطر أجمَع بـ"بَابِليونِيا"، وعُرف سُكانه بـ"البَابِليون".[la 86] كانَ التَنقيب عنَ الفترات البَابِلية القديمة غَيرَ مُمكِناً، باستثناء عَدد قليل من المَساكن والبيوت، ولا تُقدم النُصوص المُكتَشفة مَعلومات كافية لمَعرفة مظهر المَدينة خِلال هذهِ الفَترات. لذلك فإن مُعظم المَعلومات عن بَابِل تتعلق بفترة الإمبِراطورية البَابِلية الحَديثة (624-539 ق.م)، وفترة الإمبِراطورية الأخميني (539-331 ق.م)، والإمبِراطورية السلوقي (311 - 141 ق.م)، والتي عُرفت بفضل نَتائج التَنقيبات الأثرية التي جَرت في المَنطقة ونُسبت مُعظمها إلى الفترة الأولى من هذه الفَترات الثلاث، والتي أصبَحت الآن مَوضع تساءُل، بالإضافة إلى النُصوص المُختلفة المَحلية والاجنبية التي توثق مَظهر المَدينة وحياة سُكانها.[89][90] مِنَ المؤكد أن أعمال التَنقيب كشفت فقط عن جُزء ضَئيل من المَوقع الفعلي الذي كانَت تُغَطيه بَابِل، لكِنها جعلت منَ المُمكن مَعرفة المَعالم الرئيسية للمَدينة، القصور والمَعابد، والمَناطق السَكنية، وكذلك أقسام من الأسوار و البوابات. تُستكمل المَعرفة بالنصوص المِسمارية، في المَقام الأول من الألواح الطبوغرافية، من بَينها نَص لوح "تينتير" (من هذا النص إلى حد كبير تم إعادة تَشكيل مُخطط مَدينة بَابِل الداخلية)، الذي يَصف الأسماء المُختلفة للمَدينة، ومواقع المَعابد العظيمة، وأيضًا أماكن العبادة الأقل أهمية. أغلب أماكن المَدينة تم تمييزُها بالدين، على سبيل المثال البوابات والأسوار التي سُميت على اسم الآلهة، مِما اعطى نظرة شاملة لتضاريس المَدينة.[91]

في ذُروتها، غَطت بَابِل ما يَقرب الـ1000 هِكتار (بين 950 و 975 وفقًا للتقديرات)، مِما يجعَلُها أكبر عَواصِم بِلَادِ الرَّافِدَيْنِ وأكبر مُدن الشَرق الأدنى القَديم.[92] ولكن يَكاد يكون منَ المُستحيل تَقدير عَدد سُكان المَدينة، يُمكن طَرح الرقم 100.000 كنسمة للمَدينة الداخلية وحدها، بدون أدلة رَصينة.[93] على أي حال، من الواضِح أنها كانَت مَدينة مُكتظة بالسُكان بين العَصر البَابِلي الحديث وبداية العََصر الأخميني، وبالتالي يُمكن أعتبارُها أول "مَدينة كبيرة" في التاريخ.[94] كانَت بَابِل مَدينة تعُج بالنشاط، أستحوذت على خَيال الزوار الأجانب واكتسبت مَكانة المَدينة الكبرى على مِقياس العالم القديم. إن الفضاء الحَضري لبَابِل مَعروف بشكل غير مُتساوي، كَون أعمال التَنقيب قَد رَكَزت بشكل أساسي على المَناطق المَركزية للمَدينة، في المقام الأول المُجمعات الأثرية ومُحيطها. تم مَعرفة العَديد من جَوانب التخطيط الحَضري للمَدينة من خلال الحفريات التي أكملتها المَصادر الكتابية، عَلى سَبيل المثال الأسوار والأنهار وبعض المناطق السكنية. في هذه المَجموعات، تم العُثور على عَدد من الألواح، سلطت الضوء على جوانب مُعينة من حياة البَابِليين القُدماء.

يُمكن تَقسيم مَساحة بَابِل الحَضرية إلى ثَلاثة كيانات، أول كيانين هُما الأقدم والأكثر كثافة سُكانية، مُتَمَثلًا بالعَصر البَابِلي الحَديث وفَترة الحُكم الفارسي. والثالث تم دَمجُه مَع المَدينة في الفَترة المُتَأخرة مِن تارِيخُها.[95]

الكيان الأول يَحتَوي على مَركز المَدينة الواقع على الضِفة اليُسرى لمَجرى نَهر الفُرات القَديم (الجانِب الشَرقي)، تُغطي المَساحة الواقعة على هذهِ الضِفة بين النهر والحَد الشَرقي للجِدار الداخلي ما يَقرب 500 هِكتارًا، وتحَتوي على مَعالم المَدينة الرئيسية. بدءًا من قِطاع القُصور الفَخم المَوجود في تل قَصر، وقطاع مَعبد مردوخ، المَوجود على تل عمران بن علي المُحاذي من الشِمال بزقورة إيتيمينانكي، الأخيرة لَم يَتبق مِنها سوى آثار على الأرض في مُنخفض يُسمى اليَوم "بالصَـحـن". إلى الشَرق من المُجمع الديني يوجد الجُزء المَعروف بـ"وَسـط الـمَـديـنـة"، حيث تم اكتِشاف مَنطقة بَابِل السَكنية، يَنقسِم هذا الجُزء من المَدينة إلى ستة مَناطق تحمل أسماء سومرية، وتشكل الثلاثة الأولى القَلب ورُبما الجُزء الأقدم من بَابِل، كَون أسمائُها تُستخدم أحيانًا لوَصف المَدينة بأكملها: أولها "KÁ.DINGIR.RA" (مُصطلح يعني "باب الرب"، وبالتالي "بَابِل") تَقع بالقُرب من جِهة القُصور؛ ثانيًا "irīdū" إيردو (اسم مَدينة مُقدسة قديمة في بِلَادِ الرَّافِدَيْنِ، مدينة الإله إنكي، والد مردوخ) تَقع حول مُجمع إيساكيلا؛ ثالثًا "ŠU.AN.NA" ("يَد السَماء") مَدينة تَقع جَنوبِ الأخيرة حول تل أبو شَهْرين؛ "TE.EKI" مَدينة باتجاه الركن الجَنوبي الشرقي؛ "KULLAB" (اسم قرية قديمة تم دمجُها مَع مَدينة أوروك) تَقع باتِجاه المَركز؛ و "ālu eššu" ("المَدينة الجَديدة") مَدينة تَقع في الرُكن الشِمالي الشَرقي مِن تل حميرة.[96][97]

الكيان الثانِي مَبني على الضِفة اليُمنى لمَجرى نَهر الفُرات القَديم، ويُغطي حَوالي 130 هِكتارًا.[95] لم يَتُم التنقيب فيه، كَون المَساحة الواقعة تَحتَ حدوده قَد غُطت جُزئيًا بالمَجرى النَهر الحالي، وأيضًا لعَدَم أحتِوائها على مَعالم المَدينة الأكثر وضوحًا وبالتالي قدمت اهتِمامًا ثانوياً لعُلماء الاثار. مِنَ المُستحيل تَحديد ما إذا كانَت هذه المَنطقة حَضرية، أو ما إذا كانت امتدادًا لاحقاً للمَدينة التي كانت سَتعبر مَجرى النهر في نِهاية المَطاف. هذا الجُزء مِن المَدينة يُشكل كيانًا واحدًا مع التجمُع السابق. ما يُعطي هاتين المَنطقتين، شكلًا مُستطيلًا يَقطعه النهر في اتجاهين، شِمالًا وجَنوبًا. تُشير الألواح إلى وجود أربع مُقاطعات في هذه المَجموعة، من الشِمال إلى الجَنوب: باب لوغاليرا ("بوابة لوغاليرا")، كومار (أو كوارا)، طوبا (اسمان لمدن سومرية قديمة) وأخرى لم يُدرج اسمها.[98][97]

الكيان الثالِث والأخير عِبارة عن قُطعة أرض مُثلثه واسِعه مَحميه بسور شُيد في العَصر البَابِلي الحَديث حَول المَنطقة الأولى، ويقع إلى 2.5 كيلومتر شِمال الثانية على تل بَابِل، حيث يوجد البناء الوَحيد المَعروف لهذا الجُزء من المَدينة، "القـَصـر الـصـيـفـي".[95] هذه المَنطقة الثالثة بالكاد مَعروفة بشكل أفضل من الثانية، ولا شك أنها لم تكُن حضرية بالكامل، ومِن المُمكِن أنها شَمَلت مَساحاتٌ زِراعية، كَونَ المَنطَقة الواقِعة خلف الأسوار كانت تَضُم عِدة قُرى يُمكن اعتبارها ضواحي تابعة لبَابِل، مأهولة بالمُجتمعات الزراعية التي أستَغلت حُقول الريف المُحيط للري، ذُكرت هذه القُرى في نُصوص المَدينة الاقتِصادية.[99]

أعتُبِرَت أسوار بَابِل الضَخمَة مَعَ أبوابِها العَالية، أحِدى عَجائِب الدُنِيا السَبع،[la 87][la 88] لقد رَاها المؤرخ اليَونانِي «هيرودوت» وَوَصفها وصفًا كامِلًا فَذَكرَ ما كانَ لَها مِنَ الأتِسَاع والأرتِفاَع والسُمُك ما يَعجَب لَهُ الخَيال، مَع الخَندِق المُحيطه بِها والأبراج الضَخمة التي كانَت تَعلوها بِمَسافات مُتقاربة وأبَوابَها المَهيبة التي بَلغَ عَدَدها المِئة. حَتى أنَ «هيرودوت» و«ديودورس» عِندَما ذَكروا أسوارَها تَجَنبوا التَفاصيل، خِشية ان يوصَفوا باللَغْوًا،[la 87] الا أنَ ما عَثَرَ عَليه المُنَقبون الأثريون كَشَفَ لنا مَا هوَ فَوقَ وصفِهُم بمَراحل.[la 87] يتكون نِظام بَابِل الدِفاعي مِن عِدة أجزاء،[la 89][100] مَجموعة أولية من الأسوار القوية تُحيط المَدينة الداخلية على جانبي نَهر الفُرات. نِظام آخر من الجُدران مُثلثة الشَكل يَحد جُزء المَدينة الخارجي. تُشير نُصوص من فترة المَلك «نبوخذ نصر الثاني» إلى أن نظام بَابِل الدِفاعي أشتَمَل كَذلك على بناء العَديد من التَحصينات الدِفاعية في المَناطق النائية المُحيطة بالمَدينة، باتجاه الشمال (كيش وسيبار)، تَعمل هذه المَواقع على إبطاء تقدم الأعداء المُحتملين قَبلَ وصولَهُم النهائي إلى بَابِل.[101] يشُتَمل السِياج الخارجي لبَابِل على المَدينة الواقِعة إلى الضِفة الشَرقية لنَهر الفُرات، بما في ذلك الجُزء الغَربي منَ المَدينة الداخلية، مِما يُشكل سِتارة دفاعية أولى أمام أسوار المَدينة الرئيسية التي بُنيت في زمن «نبوخذ نصر الثاني».[102][103]

تُغَطي هذه الأسوار ما بين 12 و 15 كيلومتر من مُحيط المَدينة، لها نِهايات شًُبه مُنحرفة وتَتكون من ثَلاثة جُدران مُتتالية، الجِدار الأوسط هو الأكثر صَلابة، يفصل بَينَ الثَلاث خَندق. أمامَهم، تم حَفر حُفرة طولها 50 متر مَملوءة بالماء، بَينما تَمَ توزيع العَشرات من أبراج المُراقبة على مَسافات مُنتظمة. يُعطي النَص المِترولوجي الذي يُشير على الأرجح إلى هَذا الجِدار، عدد 120 برجًا و 5 أبواب في المَجموع. المَسح الأثري لهذا السياج لا يخلوا مِنَ التساؤلات، على وجه الخُصوص، عَدم وجود امتداد للسِياج إلى الغَرب على طول نَهر الفُرات، وهو عَيب دِفاعي كان سَيوفر نُقطة وصول سَهلة للمُهاجمين، قَد يَكون خطًا تصميمًا مُفاجًا، أو أن هذا الجزء من الجِدار كان موجودًا ولكنه اختفى.[104] يَتكون الجِدار الداخِلي بدوره من جِدارين يحدان مَساحة مُستطيلة تبلُغ حَوالي 3 × 2 كم2.[la 90][105][105] تم تسمية الجِدار الداخلي "Imgur-Enlil" ("إنليل أظهرَ فَضله")، والجِدار الخارجي "Nimit-Enlil" ("سور إنليل"). دَمرها المَلك الآشوري «سنحاريب»، وأعيد بِناؤها من قبل خُلفائه «آسرحدون» و«آشور بانيبال»، ثم الملوك البَابِليين الجُدد «نبوبولاصر» و«نبوخذ نصر الثاني». السور الداخلي يَبلُغ سُمكه 6.50 متر، يَبعُد عن السور الخارجي للمَدينة مَسافة 7.20 متر. بعد حَوالي 20 متر عَن الأخير، شُكلت حفرة مَملوءة بالمياه عُرضها أكثر من 50 متر سِتارة دِفاعية أخرى، بدورِها يتُم الدِفاع عنها بجدار آخر. بالتالي فإن الكل بالكُل يُشكل نظامًا دفاعيًا يزيد عرضه عن 100 متر، مَدعُم بأبراج دِفاعية مُتَمركزة على مَسافات مُنتظمة. يُدافع حِصنان يَقعان على الجانِب الشِمالي مِنَ المَدينة الداخلية الغربية، بين نَهر الفُرات وبوابة عُشتار عن النقطة الأكثر حَساسية في النِظام الدِفاعي، تِلك الخاصة بقِطاع القصور (ولا سيما "القصر الشِمالي" الذي يَقع أمام الأسوار). تُشكل هذه المَجموعة نظامًا دفاعيًا مثيرًا للإعجاب، بحيث أستحوذ على خَيال المؤرخين الأجانب. وقد نُسب إليه البعض أبعادًا هائِلة، مثل «هيرودوت» و«ديودوروس»، بَينما أعتَبره المؤرخ «سترابو» أحد عَجائب الدُنيا.[106]

وفقًا للألواح المُكتَشفة، اختَرَقَت جُدران بَابِل الداخِلية ثَمان بَوابات ضَخمة، أسمَوها جَميعاً باستثناء واحِده، عَلى سَبيل المثال بوابة "آله" وغالبًا يَكون إله ذو وظيفة وقائية، مُزينَ بـ "أسم مُقدس" يؤكد عَلى دَوره الدفاعي، باب أوراش "العَدو يَنَكسر"، باب زبابا "يَرُد المُعتدي".[la 91][107] أربعة مِنها، تقع في الجُزء الغَربي، تم تَعريفُها بالكامل (بوابات عُشتار، مَردوخ، زبابا، وأوراش)، أما البَقية، تَقع في الجُزء الشَرقي، تَم تَحديدُها جُزئية فقط، (بوابات إنليل، هدد، وشمش).[la 92][108][109]

أشهَرها هيَ تِلكَ التي حَمَلت أسم عُشتار، إحدى أجمَل أثار بَابِل القَديمة، تم نقلُها إلى مُتحف بيرغامون في برلين ومِن ثُمَ ترميمُها بِواسِطة عُلماء الآثار الألمان.[110] ولها أهمية مَركَزية في تَضاريس المَدينة، كَونَ شارِع المَوكب يمر من خِلالها مُباشرةً، يُعتَبر الأخير نُقْطة الاتصال الرئيسي الذي يَربط الحرم الكبير للمَدينة مَع القصور المَلكية، نظرًا لكون النظام الدِفاعي أطول من حَيث المَسافة في هذا الجُزء من المَدينة، يكون الشارع أكثر شمولًا من أي مكان آخر. البوابة نفسها لها تنظيم مُماثل لتلك المَوجودة في البوابات الأخرى، بوابة أمامية صَغيرة يَحميها برجان مُتقدمان تتيح الوصول إلى البوابة الرئيسية المُحاطة بأبراج أكثر قوة. أشتَهَرت بَوابة عُشتار بشكل خاص بزخارفها المُكونة من ألواح الطوب المُزجج باللون الأزرق والأخضر التي تُصَور التنانين والثيران المُجَنحة ذات الوظيفة الوقائية.[la 93][la 19][111]

يُعتَبر الجُزء الغَربي مِنَ المَدينة الداخلية هوَ قلب بَابِل، يَقع على الضِفة اليُسرى من نَهر الفُرات، ويغُطي ما يقرب 500 هكتارًا. هُنالكَ عُثرَ على أغلب الآثار التي أعطَت للمدينة شُهرتها. هذا الجانِي من المَدينة يتَمَحور حول عِدة أجزاء مُهِمة، أولاً وقبل كل شيء الأنهار.[112] يَحُد ذِراع نَهر الفُرات هذا الجُزء، وهو على الأرجح سبب إنشاء المَدينة على هذا المَوقع من الأساس، كَونه يمثل مُحور أتصال رئيسي على المُستوى الإقليمي والدولي. أعيد تَطوير أرصفة الجُزء الشَرقي لنَهر الفُرات في زَمن «نبوخذ نصر الثاني»، مِن أجل تَحسين عُبور البَضائع، ولتَسهيل الاتصال بين النَهر والمَدينة. تقليديًا كانَت أرصفة مُدن بِلَادِ الرَّافِدَيْنِ مَناطق تجارية بارزة. نَعلم من نَص مؤرخ من عام 496 ق.م (عَهد «دارا الأول») أن الضَريبة، التي تؤجرها الإدارة لأصحاب المَشاريع الخاصة، تُفرض على البَضائع التي يتم تفريغُها هُناك.[113]

من أهم الأعمال المُرتَبِطة بنَهر الفرُات، هو الجسر الذي يزيد طوله عنَ 120 مترًا، والذي يَمتد على مسُتوى الحي المقُدس ويربط بين شَطري المَدينة الداخلية.[114][115] ذكره «هيرودوت» و«ديودوروس»، ورُبما كانَ مَوضوعًا لأعمال التَنقيب، بسَبب جَفاف النَهر (نَتيجة تَغَيُر مَجراه الرئيسي). يَرتكز الجِسر على سَبعة أعمِدة من الآجر والحَجر تم نَحت ثلاثة مِنها على شَكل قوارب مَقاس 21 × 9م. أرضية الجِسر مَصنوعة من ألواح خَشبية، وفقًا لـ«هيرودوت» كانَ منَ المُمكن تحريكها ليلًا. يُشير النَص المُتعلق بضريبة المرور المَذكورة أعلاه إلى أن الجسر يعمل أيضًا كَمَمر لعبور البضائع، وأنه يخضع لمسؤولية ثلاثة "حُراس"، يتقاضون رواتِبَهُم من خلال أستِقطاع جُزء منَ الضرائب التي يتم تحصيلُها هُناك.[113][la 94]

يَتم تَحويل مَجرى النهر جزئيًا نحوَ قنوات، تَعمل كوسائل أتِصال على المُستويين المَحلي والإقليمي، تَسمح برّي المَناطق الريفية المُحيطة.[112] تم ذكر ما يَقرب العشرين قَناة في نُصوص المَدينة، تَبدأ منَ النَهر وتَتَفَرع بين مَنطقة القصور ومَنطقة الحي المُقدس في الجُزء الشِمال الشَرقي للَمدينة وما وراءها إلى الريف. كانَت صِيانة القَنوات مَصدر قلق دائم للسُلطات المَحلية وقبل كُل شيء للمَلك، كَونها تلعب دورًا مُهمًا في النِظام الدِفاعي للمَدينة.[la 95]

كانَت مِياه النَهر والقنوات المائية، تُشكل خطرًا كان على البَابِليين مواجهتُه.[8][la 96][116] يَبدو أن مَجرى النَهر ومَنسوبه المائي قد ارتَفعَ تَدريجيًا خِلال الفَترة البَابِلية الحَديثة، ولهذا وضعَ مِلوك هذهِ الفَترة برنامَجًا واسِعًا لرَفع مُنشَئات النَهر الرئيسية المَوجودة داخِل المَدينة. بحيث كانَت قنوات الصَرف الصِحي تمُر عَبر البيوت، بالتالي تجرف مَعها مياه الصَرف الصِحي ومياه الأمطار إلى النهر. كما كانَ من الضَروري مواجهة تآكل المَباني المُقامة على ضِفاف المَجرى المائي، الأمر الذي برزَ في زَمن المَلك «نبوخذ نصر الثاني» والذي كانَ قَد بنى الحَصن الغربي لحِماية مَنطقة القصور المواجِهة للنهر.[la 97] يمكن لنَهر الفُرات أن يَكونَ خطيرًا في أوقات الفيضانات، وأحيانًا حتى في مَساره، فمن المُمكن أنَ في العَصر الأخميني قَد ظهر فرعًا ثانيًا للنًهر، يمر بين قِطاع القصور وقِطاع مَعبد مردوخ قبل أن ينضًم إلى مَساره الرئيسي، ليَنحرف لاحقًا باتِجاه الغَرب.[117]

تُعتَبر خُطوط الاتِصال الأرضية (شَوارع المَدينة) مُهمة أيضًا في هيكلة الفَضاء الحَضري لبَابِل.[118] تُشير الألواح المُكتَشَفة إلى أن كل باب من ابواب بَابِل كانَ يُفتح على شارِع كبير، ولكن الباب الوحيد الذي تم رصدُه بوضوح هو باب "شارع المَواكب" (تَحتَ نَص "لا تَدع العَدو المُتكبر يمُر")، عِبارة عَن شارع مُستطيل يَمتَد من الشِمال إلى الجَنوب لمَسافة 900 مَتر بين بوابة عُشتار والحَي المُقدس، وطريق آخر مُستقيم يقطعه بزاوية قائمة عِندَ مُستوى مُجمع العبادة، يُشَكل شارع المَواكب، كما يوحي اسمه، محورًا مِن مَحاور المَدينة الرئيسية، خاصة خِلال فََترت الاحتِفالات الدينية، عُرضه 20 متر ومَرصوف بألواح مَدعومةَ بالاسفلت ومزين جُزئيًا على الأقل بأفاريز منَ الطوب التي تَحتَوي عَلى نُقوش للأسود والورود والثِيران المُجَنحة.[119][120]

تقع المَنطقة السكنية الوَحيدة التي تم التَنقيب فيها، شَرقي شارِع المَواكب والمُجمع المُقدس، بين الأحياء القديمة في كا-دينجيرا وإريدو و شوانا. تتميز طرقها بِشوارع ضيقة مُستقيمة وتتقاطع بزوايا قائمة تقريبًا، مِن المُمكن أن تكون هذه المَنطقة بقايا لمُخطط مُتعامد لمَدينة أكبر تم تغييرُه نتيجة لتغيُر أهداف البِناء الأصلية، هذا الامر شائع بِسبب التجوية السَريعة لمَباني الطوب التي وَجب ترميمُها بانتظام.[121]

تمَ التَنقيب والعُثور في هَذه المَنطقة على عَشرات المَساكن التي يَعود تاريخُها إلى العَصر البَابِلي الحَديث والعَصر البارثي. سَمحت لنا أعمال التَنقيب في هذه المَنطقة من الاقتِراب من الجَوانب المادية لحياة سُكان بَابِل القُدماء.[122][123]

بُنيت هذه المَساكن من الآجر الطيني الخام، وتبلغ مَساحتُها 200 مترًا مربعًا. هذا الامر يَدُل على وجود مُجتمع هَرمي، ولكن بدون فصل قوي بين الأفضل حالًا والأقل ثراءً من الذين يَعيشون في نَفس الحي. تَحتوي المَساكن على 8 غُرف كحد أدنى وعشرين غُرفة كحد أقصى. غالبًا ما يتم تنظيمُها حَول مَساحة مَركزية، يُمكن أن تكون مَفتوحة، مَع وجود غرفة استقبال مًستطيلة يُصعب تَحديد وظيفتها بشكل عام تطُل على الغُرف الأخرى، من المُحتمل أن تحتوي هذه المَنازل على طابق واحد حتى ثلاثة أو أربعة إذا اتبعنا وصف «هيرودوت».[la 98] خلال الفترتين الهلنستية والبارثية، احتفظ السُكان بنفس التنظيم العام للبناء، ولكن تم إعادة تطوير المَساحات المَركزية لبَعض مَنازل الاثرياء لتأخُذ شكل "البهو المُعمد"، وهي شَهادة واضِحة على تأثير العِمارة الإغريقية.[124] الأثاث المَوجود في المَساكن متواضع، أواني فخارية مَصنوعة من الطين، وأحيانًا الحجر أو الزجاج، بالإضافة إلى العَديد من لوحات التراكوتا والتماثيل التي تمثل الجنيات أو الشياطينذات الوظيفة الوقائية.[125]

  تُعتَبر بَابِل، أكبر تَجَمُع سُكاني في تارِيخ بِلَادِ الرَّافِدَيْنِ القََدِيمَة،[126] وَمَع ذَلك لا يُعرف الكثير عَن سُكانَها. ولكن ما هوَ أكيد، كانَت المَدينة "موطِنًا عالَميًا"، بعدَ وصول الرَحالة والتُجار والجُنود والإداريين من سوريا والشام ولاحقًا الفرس والجالية اليونانية.[126] تَرَكت مَساكن وبيوت سُكان بَابِل الواحًا طينية، سَلطت ضوءًا مَحدودًا على الحَياة اليومية لسُكان هذه المَدينة، ولا سيما الأنشطة الاقتصادية للأثرياء مِنهُم.[127] تم العُثور على العَديد من الالواح التي تُدَون الأنشطة الخاصة لمَجموعة عائِلات بَابِلية بارِزة عاشَت خِلال الفَترة البَابِلية الجَديدة والأخمينية، عُثر عَليها خلال أعمال التَنقيب المُخَطط لها وتِلك السرية.[66] جاءت هذه الألواح بالتَحديد من عائِلات الطَبقة الوسطى ذات الميزانية المَحدودة، بَينما جاءت ألواح الطَبقات الأكثر ثراءً من أعمال التَنقيب السرية، والتي وَثَقت على وَجهِ الخُصوص أثرياء مُقاطعة أشوانا، مِثل ألواح عائِلة "أحفاد إيجيبي"، عِبارة عَن 1700 لَوح طيني مؤرخة من عَهد «نبوخذ نصر الثاني» إلى عَهد «خشايارشا الأول».[128] أول جيل مَعروف من هذه العائلة، كانَ برئاسة رجل يُدعى «شولايا»، جَمَع ثَروَته من خِلال تِجارة المَواد الغذائية المَحلية. يقود الجيل الثاني ابنه «نبي-آهي-لدين» الذي تَلقى تعليمًا شاملًا، سَمحَ لهُ بأطلاع موسع على الامور الإدارية، مَكَنَته من أن يُصبحَ قاضيًا مَلكيًا في حُكومة «نبونيد». ضَمنَ خَليفته «إيتي-مردوخ-بالاتو» السَعي وراء مَصالح الأسرة تَحت الحُكم الفارسي. تَم التَعَرُف على ثَراء هذه الأسرة (بالمعنى الواسع) مِن خِلال نَص ميراث مُشترك بين ثلاثة مُستفيدين، حَول أراضي واقعة في بَابِل والمنطقة المُحيطة بها (بورسيبا وكيش).عُرِِفَت عائِلات بَابِلية أخرى ذات أنشطة مُماثلة من أرشيفات هذه الفترة، مثل أحفاد «نور-سين» و«نباهو».[129] هذه العائلة تتمَكن بعد فَترة من تجربة الصُعود الاجتماعي بصورة مَلحوظة من خلال القيام بأعمال وأنشطة مُختلفة، بَعضها لحِساب المؤسسات الحُكُمية، مثل أدارة المَكاتب والمَعابد، وأخذ العُروض المُسبقة وحصص الخدمة الدينية؛ جزء آخر من أنشطة هذه العائلة كان من النَوع الخاص، كالقروض، وحيازة المُمتلكات، والعَمليات التجارية.[130]

العَديد من العَوائل البَابِلية التي تَنتَمي لهذه الطَبَقة مَعروفة ومؤرَخة في الفَترات التالية، مثل أرشيفات «مورانو» وابنه «إيا-تابتانا-بوليت» في بِداية الفَترة الهلنستية [131]، وأرشيفات «رحيميسو»، الذي كان مَسؤولًا عن صُندوق إداري في بِداية فترة حُكُم الباراثيون.[132] الا أنَ هَذه العائلات لاتُمَثل نُخب المُجتمع البَابِلي، النُخبة، هيَ تِلك المَجموعة المُكونة من أقارب المُلوك (بَابِليين، فُرس، يونانِيين)، وهي مَجموعة غير مَعروفة بصورة جيده. الشَخصية الوَحيدة من هذه الفئة التي تتطَرق اليها الألواح، هي «بيلشونو»، كانَ حاكمًا بابليًا تَحتَ سُلطان الملوك الأخمينيين في النِصف الثاني من القرن الخامِس قبلَ الميلاد، كانَ يَمتلك أو يتولى مَسؤولية العقارات الزِراعية المُنتشرة في جَميع أنحاء المَنطقة، ويقوم بأنواع أخرى من الأعمال، على ما يبدو بوسائل وتَصريحات تفوق تلك الخاصة بأعيان المُدن.[133] إن الطبقات الدُنيا من المُجتمع البَابِلي ليست موَثقة بشكل أفضل كذلك، أنطلاقًا من الاقتراح بأن المؤسسات (القصور والمعابد) يَجب أن تَمتَلك مُعالون دائِمون (عبيد أم لا)، وأيضًا فئة العُمال الأحرار الذين يُشكلون القوة العامِلة (نوع مِن البروليتاريا) من أجل القيام بالمَهام المُقترحة من قِبل المؤسسات أو العائِلات الثرية، خاصة في أعمال البِناء، مع العلم كانَ يمكن توظيف جُزء من سُكان المَدينة في الأنشطة الزراعية.[134] عَمَلت بَابِل كقاعدة لشؤون عائلات الأعيان، كَونَها كانَت مَكاناً مُناسبًا لأنشطة اقتِصادية جَمَعَت ثَرواتًا طائِلة لهذهِ العائلات.[135] عَلى وَجه الخُصوص الزِراعة التِجارية، والتي كانَت تُمارس في حُقول الحبوب وبَساتين النَخيل الواقعة داخل جُدران المَدينة أو في مُحيطها المُباشر.[136] هذه الأراضي هي التي سَعى الأعيان للحُصول عليها كأولوية لجَني دَخل ثابت، مِن خِلال الاستفادة من قرب سوق المَواد الغذائية القوي الذي تُمثله المَدينة. كما أنهم مسؤولين عن تَسويق المُنتجات الزراعية من هذه الأراضي وغيرها ألى مَناطق أبعد، مِن خِلال أستخدام شبكة القنوات المَوجودة عَلى النَهر. لهذا السَبب أقام «عيدا-دين-مردوخ» من عائلة أحفاد «نور-سن» بِبِناء شبكة لجمع ونقل مُنتجات الفلاحين (حبوب، تمور، خضروات) الواقِعة بالقُرب من القَنوات، إلى بَابِل. تَدفق التُجار إلى المَدينة مِن كُل صَوب، بحيث أصبَحَت العَديد من من المَعالم التجارية المُهمة في المدينة مَعروفة بشكل كَبير، مثل الميناء النهري والجسور، وجزء من حي شوانا الواقع حول "بَوابة السوق" (بوابة السياج القديم التي اُدرجة في المَدينة الداخلية قرابة الآونة الأخيرة).[137]

عِندَما زارَ المؤرّخ اليوناني «هيرودوت» بَابِل في القرن الخامِس قبلَ المِيلاد، ذَكرَ في كِتابه (تاريخ هيرودوت) ما شَهَده مِن عادات وتَقاليد سُكان المَدينة، وفي ما يَلي مَقطع يَتَعلّق بما يبدو أنّه سوق لتَزويج النِساء (الجَميلات مِنهُن والقَبيحات وذاتُ العاهات)، يَقول:

  طَوال حَملات التَنقيب التي أجريت في بَابِل مُنذ مُنتصف القِرن التاسِع عَشر، تمَ اكتِشاف العَديد مِنَ المَقابر، غَطت حَيزًا زَمَنيًا يَبدأ من فَترة المُلوك البَابِليين الجُدد، وحتى نهاية حُكم البارثيين. شَهدت المُمارسات الجنائزية بَعضَ التَعديلات خِلال هذهِ القُرون مَع أستِمرار عَمَلية الدَفن بالتقاليد المُتعارف عَليها في ذلك الوَقت. بالنسبة للعَصر البَابِلي الجَديد، تم العُثور على المَقابر تَحت المَساكن والبيوت وفقًَا لعادات بِلَادِ الرَّافِدَيْنِ، وهي أن يَتم دفن مُتوفى الأسرة تَحت سَكن أحفادهم للسماح بالحِفاظ على الصِلة بين الأحياء والأموات. يتم دَفن الموتى من هذه الفترة في توابيت من الطين، يُمكن أن تكون طَويلة وبيضاوية ذات غِطاء.[la 99][139] خلال الفَترة الأخمينية، تطورت مُمارسة الجِنازة، بحيث أصبَح الدَفن يَتم من خلال حَفر حُفر لوضع التابوت.[140] خلال الفترتين السلوقية والبارثية، أصبَحت عَمَلية دَفن القبور في الحفرة قَليلة مُقارنة مَع عَمَلية الدَفن بالأقبية. عُرف الدَفن بالناووس خِلال الفَترة السلوقية، يميل المُتوفين أصحاب النفوذ إلى أن يُدفَنوا في أقبية، بِحيث يتم حَفر مَنافذ لوَضع الناووس.[la 100][141] المَواد والمُحتَويات الجنائزية لهَذه المَقابر مُتنوعة، حتى لو كانت غالبية المَقابر المُنَقَب عَنها تَخُص عائلات ليست غَنية، وبالتالي تقدم مُحتَويات بسيطة (خزف، زَخارف شَخصية، تماثيل صغيرة). ومع ذلك، تبرز بعض الاكتشافات لثراء مُحتواها. هذه هي حالة قَبر من الفترة الأخمينية لطفل دُفِن في جَرة تحتوي على زخارف ونَفائِس بما في ذلك حِزام مُزين بالأحجار الكريمة. المَقبرة الأكثر روعة التي تم التنقيب عنها في بَابِل هي تلك التي اكتشفها عالم الاثار «باسيفيك هنري ديلابورت» في عام 1862، والَتي كانَت عِبارة عَن حُجرة دفن مُقببة عُثرَ فيها على خَمس جُثث مَوضوعه في توابيت، اثنان منهما يَرتديان أقنعة ذهبية. من بين الاثار الغنية التي تم العثور عليها هناك تماثيل من المَرمر للآلهة تلك الفترة الزَمنية، بالإضافة إلى المُجوهرات والأشياء القديمة مثل الأختام الأسطوانية التي يعود تاريخها إلى الألفية الرابِعة قَبل المِيلاد.[142]

كانَت مَعابد مَدينة بَابِل مَراكزًا للنَشاط المُكثف، كونها مُلزَمة بالحِفاظ على مُمارَسات العِبادة اليومية للآلهة المُقيمين. تَتَمثل هذه الأعمال بصورة أساسًا في تَوفير الطَعام والمَلبس (موجه إلى تماثيلَهُم، والتي تَرمُز إلى وجودهم الفعلي في مَنزلهم الأرضي).[143] يُبَرر هذا الامر وجود طاقم ديني مُخَصص، يُسَمَون "erīb bīti" (أولئِكَ الذينَ يَدخلونَ المَعبد)، عُرفوا بذلك، كَونَهُم الفئة الوَحيدة من رِجال الدين المُصرح لَهم بدخول الحَيز المُقدس لهذهِ الصُروح الدينية. تَسيير أمور العِبادة يتطلب أيضًا مُشاركة عَدد كَبير مِنَ المُوظفين، يُقدِمونَ الطَعام ومُستَلزمات العِبادة. من أجل أن تَكونَ قادرة على تنَفيذ مِثل هذه المَهام، أمتَلَكَت مَعابد المَدينة أراضي وَوِرش عَمل خاصة، ومَجموعة بَضَائع قُدِمت في المَقام الأول كَهَدايا ونذور، لا سيما تلك التي يُقدِمُها المَلك، وهو أيضًا الشَخص الذي يُشرف على أكثر أعمال التَرميم المُهمة في المَعبد. كل هذه اللوجستيات، تُفَسر سَبب أعتِبار هذه المَحميات مَراكزًا اقتصاديًا رئيسيًا يَتَمَحور حَولها بِلا شك جزء كبير من حَياة سُكان المَدينة والمناطق الريفية المُحيطة بِها.

يَتَخَلل التَقويم البَابِلي أعيادًا دينية مُنتظمة، بَعضُها يَحدُث شَهريًا، وتِلكَ الأكثر استِثنائية سَنويًا. "akītu"، هوَ العَيد الديني الرئيسي في بَابِل، يُقام في رأس السَنة البَابِلية الجَديدة، خِلال الاعتدال الربيعي (21 مارس)، ويَستَمر اثني عشرَ يومًا، ويتطلب مُشاركة المَلك نفسه.[la 101][144] تَماثيل إلِهة بَابِل تُجلَب إلى مَعبد إيساجيل ليُكرموا الإله مَردوخ. تُقرأ مَلحمة الخَلق البَابِلية للتذكير بأعمال هذا الإله خلال مَوكب يَمر عبر المدينة، ثم يَقوم المَلك بتَجديد ولايته.[la 102] يهدُف هذا المِهرجان الفخم على ما يبدو إلى الاحتفال بتَجَدُد الطَبيعة في فَصل الربيع، ولكن أيضًا لتأكيد الرابطة القوية بين الإله مَردوخ والمَلك الذي يُعتبر مُمثله في الأرض.[la 103] يتطلب هذا المِهرجان وجود تمثال الإله والمَلك في نَفس الوَقت والمَكان، وفي أوقات عَدم الاستقرار أو بعد هَزيمة عَسكرية تؤدي إلى الاستيلاء على التمثال من قبل عَدو، يُنظر إليه على أنه مُصيبة كُبرى. تُقام مِهرجانات مُهمة أخرى في المَدينة، على سَبيل المِثال طقوس "الزواج المُقدس" (hašādu) بين مردوخ وسربانيط، أو أحد الطُقُوس التي يَظهر فيها مَردوخ غير مُخلصًا، يَجري خَلف عُشتار بمُثابرة، بَينما يَتِم مُلاحَقَته من قِبل زَوجته.[145]

قبلَ عام 539 ق.م، قبلَ الغَزو الفارِسي، كانَت بَابِل عاصِمة أقوى إمبِراطورية في الشَرق الادنى، بَنى مًلوكها حُصون وقُصور شاسِعة تعكُس قوة سُلطانَهُم. بعد فُقدان الاستقلال السياسي للإمبِراطورية جَراءَ الغَزو الفارِسي، بَقيت هذه القُصور تُستَخدِم مِن قِبل السُلطة الحاكِمة، مِثل شاهنشاه الفرس «دارا الاول» الذي أتَخَذ مِن بَابِل مركزًا له وعاشَ في قَصر المَلك «نبوخذ نصر الثاني» لفَترة مِن الزَمن،[la 104] والمَلك المَقدوني «الإسكندر الأكبر»، مِثل الاخير أستَقر في بَابِل لبضعة أشهر قَبل الأنطلاق في حَملَته الهندية، أرادَ الإسكندَر أن يَجعَلَ مِنها عاصِمة الشَرق لإمبِراطوريته،[la 8] قَبلَ أن توافيه المَنية في قَصر «نبوخذ نصَّر».[la 81] ومع ذلك، فإن حياة النُخب السياسية في بَابِل غير مَعروفة كثيرًا، لعدة أسباب أهَمُها غياب المَصادر، مُقارنة بِعشرات الآلاف الألواح مِنَ العواصم الآشورية، وبالتالي لا يُعرف الكثير عن رِجال بِلاط الدَولة.

أقتَضَت العادة بان يُقيم المُلوك البَابِليون في القُصور مع عائِلاتهم وإدارتهم وخَزائِنَهُم. خِلال تاريخ بَابِل الطَويل، أحتَوت المَدينة على العَديد مِنَ القُصور، فقط تِلك الَتي بُنيت في الآونة الأخيرة من تاريخ الإمبِراطورية مَعروفة جيًدا.[146] أحتَوت بَابِل زمن المَلك «نبوخذ نصر الثاني» على ثلاثة قُصور مَلكية، اثنان في المَنطَقة المَعروفة بقِطاع القصور بجوار الأسوار والحصون الدفاعية للمَدينة، هُما "القَصر الجَنوبي" و "القَصر الشِمالي"؛ وأخر مَعزول في الشِمال على تل بَابِل مَعروف بـ"القَصر الصَيفي". فقط الأول مِنها تَمَكنَ عُلماء الآثار مِن استكشافه بشَكل موسع. تَسمح لنا العَديد من النقوش التأسيسية الخاصة بالمَلك «نبوخذ نصر الثاني»، والذي أعاد ترميم أو بناء هَذه القُصور (لا تُفرق النصوص بَين الاثنين)، من مَعرِفتها بشكل أفضل.[147]

المُسمى في نُقوش نبوخذ نصر "قَصر أعجوبَة الأنام"،[la 106] هوَ أشهر القُصور المَلكية في بَابِل.[149] عِبارة عَن بناء كبير الحَجم على شكل شُبه مُنحرف، أبعاده 322 × 190 م، يتم الوصول إليه من خِلال بوابة ضَخمة تَقَع في الشَرق، تطُل على شارِع المَوكب بالقرب من بَوابة عُشتار. تاريخ القَصر مًعقد بعض الشيء، لم يتم فهمه جيدًا حَتى الآن، كَون بَعض أجزائه قَد تَكون بُنيت خِلال الفَترة الأخمينية.[150] تم تَرتيب تَصميم القَصر الجَنوبي حولَ خَمس ساحات رئيسية تخلف بعضها البعض من الشَرق إلى الغَرب، كل واحدة مِن هَذه الساحات مَبنية حول فناء كبير يَتَوَسَطُها. تَتَفرع كل ساحة من هذه الساحات إلى غُرف خاصة في الشِمال والجَنوب. يبدوا أن لغرف الجُزء الشِمالي وظيفة إدارية، بينما تلك الموجودة في الجَنوب تعمل كشقق مَلكية، لكن الفَصل بين هاتين الوظيفتين لا يبدو حادًا. الفناء الثالث، المَوجود في وسط المَبنى، هو الأكبر على الإطلاق، ابعادُه 66 × 55 م، تَتَخَللُه ثلاثة أبواب على جانِبه الجَنوبي باتجاه غُرفة العَرش. هذه القاعة الكبيرة مُستطيلة الشَكل ابعادُها 52 × 17 م، وفي وسَطها توجد مِنصة العَرش.[la 107] زُينت جُدرانه بآجر مُزجج، تُصَور الأسود وأشجار النَخيل والزخارف الزَهرية.

جزء آخر بارز من القَصر هو "المَبنى المُقبب"، الواقع إلى الشِمال الشَرقي ابعادُه 50 × 40 م، ولهُ جُدران سَميكة، ربما كانَ نوع من أنواع المُستودعات. هنا تم اكتشاف المَجموعة الوحيدة من المَحفوظات الثَمينة للفترة البابلية الجديدة، مؤرخة من 595 إلى 570 ق.م، كانَت عِبارة عَن ألواح طينية تُسجل تَسليم وتَوزيع المُنتجات الخاصة بصيانة الحصص الغذائية من الحُبوب والتُمور والزيوت المُوزعة على عائلات مَعالي القصر. من بين هذه العائلِات المَلكية تِلك التي تم ترحيلُها إلى بَابِل، ولا سيما عائِلة المَلك «يهويا كين» من يَهوذا الذي تم سَبيُه إلى بَابِل بَعدَ غَزو القُدس عام 597 قبلَ الميلاد.[151] في الطَرف الغربي من القَصر الجَنوبي، بنى «نبوخذ نصر الثاني» بِناء مُستطيل الشكل ابعادُه 230 × 110 م، ذو جُدران سَميكة للغاية لَم تُحَدد وَظيفَتُه حَتى الآن.[152]

المُسمى في نُقوش نبوخذ نصر "القَصر الكبير"،[la 108] تمَ بنائُه في زمن «نبوخذ نصر الثاني» شِمالي القَصر الجَنوبي مُباشرةٌ.[153] تم بناؤه على شُرفة، مكونًا نوعًا من أنواع القلِاع ذات مُخطط هَندسي مُستطيل، ولكن بِمَساحة أصغر من القصر الجنوبي، بحيث تَيلُغ أبعادُه 180 × 115 م، تُفتح ساحاتُه الكبيرة على عِدة غُرف لم يتم التَعرف على وظيفتها بشكل جَيد، نَتيجةً لظاهِرة التعرية. عُثِرَ فيه على غُرفَة حَرب خاصه بِملوك بَابِل، تَحتوي على تَماثيل والواح وأعمال أخرى جيء بِها إلى بَابِل بَعد الحَملات العَسكرية، دافعًا عُلماء الاثار لوصفها "بالمُتحف".[la 109] يبدو أن نقوش «نبوخذ نصر» تُشير إلى أن هذا المبنى قد تم تشييده كمساحة ترفيهية، قَصر يُستخدم كمقر إقامة خاص بالمَلك، بَينما يكون للقصر الجنوبي وظيفة إدارية أكبر.[154] على بُعد أكثر من كيلومترين شِمال القَصر الشِمالي، على ضِفاف نَهر الفُرات، اكتشفَ المُنقبون الألمان مَبنى وصفوه "بالقصَر الصيفي"، لكون غُرفه تَتَعَرض للتَهوية من قِبل نوع من أعمدة الرياح المُستخدم لتبريد الغرف أثناء فترات الحرارة الشَديدة.[155][156] مِما لا شك فيه، تم تشييد هذا القَصر في نهاية عَهد «نبوخذ نصر الثاني». كل ما تبقى من هذا القصر هو أساساتُه، والتي تَكشف عَن الشكل المربع للبِناء (250 مترًا على الجانب) مُنظم حول فنائين واسِعين، تم تغييرهما عِدة مرات بعدَ العَصر البَابِلي الجَديد.

بعدَ غزوا الفُرس لبَابِل، استمر المُلوك الأخمينيون في أدارة الأمبِراطورية مِنَ داخِل القُصور المَلكية للمَدينة. كما رأينا أعلاه، تُنسب المُستويات المَعروفة للقَصر الجَنوبي عمومًا إلى المُلوك البَابِليون الجُدد، لكن الجُزء الغَربي مِنَ القَصر يُمكن أن يَعود إلى الفَترة الفارسية.[150] المَبنى الوحيد الذي تم تحديدُه بوضوح على أنه يَعود إلى الفَترة الفارسية هوَ "بيرسيرباو" (المَبنى الفارسي)، عِبارة عَن بناء أبعاده 34.80 × 20.50 م، قائم على شُرفة تَقع ألى الغَرب بينَ القَصر والحصن الغَربي، يُمكن الوصول إليها مِن خِلال باب يُفتح على ساحة واسِعة.[157] بَعدَ إعادة أعمال التَنقيب، أُكتُشف بأنَ مَدخله كانَ عِبارة عن رواق ذو أعمِدة، يُفتح على بهو مُعمد. تم العُثور على زَخارف من الآجر المُزجج تُصَور الجًُنود، تَشبَه تِلك المَوجودة على جُدران القُصور الفارسية في سوسة وبرسيبوليس. بَعدَ سُقوط الإمبِراطورية الفارسية، أقام «الإسكندر الأكبر» لبَعض الوَقت في أحد قُصور بَابِل حيث وافَتهُ المَنيه. أسسَ السلوقيون الذين سَيطروا على المَنطقة بعد وفاته، عاِصمتهم عَلى ضِفة نَهر دِجلة، سَلوقية. لكِنَهم استمروا في الإقامة من وَقت لآخر في القُصور الملكية البَابِلية، مثل المَلك «أنطيوخوس الأول» الذي عاش هُناكَ عِندما كان وليًا للعَهد. ثم أعيد تَعمير تلك المًوجودة منها في تل بَابِل وتزويدها بفناء مُعاصر.[158] خلال الفترة البارثية، أصبح قصر تل بَابِل حصنًا واسِعًا ذو جُدران سَميكة. سَكَنت السُلطات السياسية المَحلية من الفترتين السلوقية والبارثية أماكن جَديدة. كانَ المُجتمع اليوناني يلتقي في المَسرح الذي تم بِناؤه إلى الشِمال الشَرقي مِنَ "المَدينة الجَديدة"، كما إُعيدَ بناء الزقورة تَحتَ حُكم الإسكندر والسلوقيين الأوائل.[80] يجاوِرُها مِنَ الجَنوب مَبنى شاسِع، أقيم في نهاية العَصر السلوقي وبداية العَصر البارثي، تم تَحديده على أنه صالة للألعاب الرياضية أو أغورا. أما بالنسبة للطَبقة التي تَحكُم المُجتمع البَابِلي الأصلي المُتَمَثلة بمجلس إدارة مَعبد إيساجيل، فيجتمعون في ما يُعرف بـ"بناء المُداولات" الواقع في وسط المَدينة.[159]

مُنذُ أول يَوم وَطَئت قَدَم أنسان أنقاض المَدينة، مُنذُ حَملات التَنقيب الأولى، بَحثَ العالَم عَن أعجوبَة بَابِل، حَدائِقُها المُعَلقة. وَصفها خَمسة مِن المؤرخين الأغريق، لا سيما «بيروسوس» و«ديودوروس». وفقًا للروايات، بناها «نَبوخذ نصر الثاني» لزَوجتهُ الميدية، التي عانَت من الحَنين إلى مَوطِنها الأصلي.[160] لم يتم العُثور على أي ذِكر لهذه الحَدائق في النُقوش التأسيسية العَديد لهذا المَلك البَابِلي، ولا يُمكن تَحديد مَوقعها. تم البَحث عَنها في قِطاع القصور مِن خِلال اتباع النُصوص التي تصِفُها، ولاسيمَ الإنشاءات والأبنية ذات الجُدران السميكة المُناسبة لدعم مثل هذه الحَدائق الكبيرة.[161] اقترح الباحث «ر. كولدوي» أن مَوقع الحَدائق مَوجود في المَبنى المُقبب من القَصر الشِمالي، والذي كانَ يَحتوي على بئر كانَ مِن المُمكِن استخدامُها لريها، رُفضَ هذا التفسير. التَفسيرات الأكثر ترجيحًا هي تلك التي تَضع مَوقع الحَدائق جزئيًا أو كليًا في المَعقل الغَربي للمَدينة، من خلال العُثور عَلى مَصدر مياه، يَقع في المَعقل الشرقي مِن المَدينة قَد يكُن اُستُعمِل لريها، ما يُرَجح هَذه النَظرية، أحتَواء هذه الجُزء مِن المَدينة على بِناء وَصَفه المُنقبون الألمان بالحصن، ولكن بعد ذلك أُعيدَ وَصفُه على أنه خزان ماء واسع.[la 110][la 111][la 112]

في مواجهة استِحالة العُثور على دَليل حاسِم لوجود هذه الحَدائق في بَابِل، اقترح الخَبير «س. دالي» البَحث عَنها في العاصِمة الآشورية العَظيمة، نَينَوى. حَيث تَمَ وَصف حَدائِقُها الكبيرة مطولًا في نصوصِها التأسيسية، وتَم تمثِيلُها على النُقوش البارزة لجُدرانها.[162] تم قبول هذا التَفسير بشَكل مُختلف في الاوساط العلمية وهو بَعيد كُل البعد عن إنهاء النقاش، كَون لا يوجد ذكر صَريح للحَدائق المُعلقة في نَينَوى، ولا شيء يستثني وجودها في بَابِل.[163] حل آخر لإنهاء الجِدل كانَ مِن خِلال الأعتقاد بعدم وجود الحَدائق المُعلقة، وهو افتراض قائم على كَونها مُشتقة من مُبالغة عَن الحدائق المَلكية في بَابِل مِن قبل مؤرخ قديم كان يمكن أن يكون مَصدرًا وحيدًا للَذين تَبَعوه.[164] في الواقع، يَبقى اليقين الوَحيد هو حَقيقة أن الحَدائق المَلكية كانت موجودة في بَابِل كما في العواصم الآشورية، ولا سيما تلك المَذكورة في لوح مؤرخ مِن عَهد «مردوخ أبلا إيدينا الثاني» (722-703 ق.م) والذي يَذكُر وجود نباتات مُختلفة تنمو في واحدة مِن هذه الحَدائق، بَعضُها قادم من مَناطِق بَعيدة.[165]

أصبَحت بَابِل (والَتي تَعني حَرفياً "بوابة الآلهة") تدريجيًا المَراكز الدَينية الرئيسية لجَنوب بِلَادِ الرَّافِدَيْنِ، عِندما أصبَحت بَابِل مركز وادي الفُرات السياسي في زمن المَلك «حمورابي» (1792-1750 ق.م)، بدأ الصُعود المُمَنهَج للإله مَردوخ إلى مَنصِب رئيس البانثيون البَابِلي، مَنصِب اكتسبه بالكامل بحلول النِصف الثاني من الألفية الثانية قبلَ الميلاد.[166] مَردوخ هوَ إله ذو أصول غامِضة،[la 113][167] قام رِجال الدين في مَعبد إيساجيل، مَدعومين مِنَ الأسرة المَلكية، بترقيته تدريجيًا إلى مَرتبة الإله الرئيسي، بِفَضل الإنتاجات اللاهوتية الكَثيرة المُتَمَثلة بالقِصص والحِكايات، وأصَبحتَ عِبادة هذا الإله أكبر وأعرق عِبادة في بِلَادِ الرَّافِدَيْنِ القَديمة. تَصوير مُردوخ النَموذجي مُرتبط بالسِلاح الإلهي "إمـهـلـو"، حيوانه الرَمزي وخادِمه، هو التنين موشوسو، و"مردوخ" هو الشَكل البَابِلي لاسمه.[la 114] ربما تمَ نُطق اسم مردوخ "مـرتـوك"،[168] يُعتقد أن أصل اسمه مُشتق من amar-Utu ("ابن أوتو الخالِد" أو "عِجل ثَور إله الشَمس أوتو"). قد َيعكس أصل اسم مردوخ سِلسِلة نَسب سابِقة، أو قد يكون لهُ رَوابط ثقافية مع مَدينة سيبار القَديمة (كانَ أوتو إلهُها الكَبير)، والتي يَعود تاريخُها إلى الألفية الثالثة قبلَ الميلاد.[169] بِحلول فَترة «حمورابي»، أصبحَ مردوخ من الناحية التَنجيمية يَرتَبِط بِكوكب المُشتري.[170]

مِما لا شَكَ فيه، مردوخ كانَ إلهًا زِراعيًا في الأصل، كما يَتضح من حَقيقة أنه يُمسك معولًا كصفة مُمَيزة. مَردوخ أصبح أيضًا إلهًًا راعيًا لطرد الأرواح الشريرة من خِلال وَضعَه بنَفس مَرتَبة الإله أسارولودو،(ملاحظة ف) والذي اُعتُبِرَت عَمَلية طَرد الأرواح سِمَتهُ الخاصة. كَون بَابِل تَعتَبر مردوخ مَلكها الحَقيقي، فإنها تأخذ جانِبه منَ السيادي الإلهية، تم تَضمين اسم مَردوخ في كِتابة العَديد من أسماء سُكان بَابِل على الالواح الطينية المُكتَشَفة، مَما يدل على شعبيتها الكَبيرة في هذهِ المَدينة، والتي كانَت بِلا شَك أقوى بكثير من المُدن الأخرى في بِلَادِ الرَّافِدَيْنِ، مُدن تَمَسَكت بالآلهتها المَحلية بدلًا من عِبادَته.

مردوخ أبن إيا ودامكينا، وزوجَته هيَ سربانيط (تسمى أحيانًا بـيـلـتـيـا)، إلهة ليسَ لها شَخصية حَقيقية خاصة بها في النُصوص المَوجودة تَحتَ تصرفُنا، كَونها عُرفة فَقط مِن خِلال زوجها. أبَنهم هوَ نابو، إله الحِكمة الكَبير، وإله وصاية مَدينة بورسيبا المُجاورة، والذي وُجد له أيضًا أماكن عِبادة في بَابِل وسَتزداد أهميته بِمرور الوَقت.[171]

المُجمع الديني الرئيسي لبَابِل، هو ذلِكَ المُخصص لإله المَدينة مردوخ، والمَعروف بمَعبد إيساجيل (بالسومرية É.SAG.ÍL، مَعناه "مَنزل بِرأس مَرفوع")،[la 115] وهو مُصطلح يًمكن أن يُشير إلى المَعبد وحده أو الكل بِما في ذلكَ الزقورة.[la 116][172] لم يَتمكن المُنقبون الألمان إلا من أستِكشاف جُزء بَسيط منَ هذا المَعبد، كَون التل الذي يَتَواجد عَليه المَعبد، تَل عمران بن علي، قَد بُنيَ عَليه مَسجد، مِما حَد من عَمليات التَنقيب. قامَ عُلماء الاثار بالتَنقيب في الجُزء الغَربي فقط من المَبنى، المُتَمَثل بالفناء المؤدي إلى حُجيرات الآلهة. لا يمكن الوصول إلى الجُزء الشَرقي إلا مِن خِلال حَفر الأنفاق، بأتِباع مُخَطَطات النُصوص القَديمة للمَدينة مثل "لَوح إيساجيل"، عِبارة عَن نَص مِترولوجي وجدنا نُسخة مِنه تَعود للقرن الثالث قَبل المِيلاد، لكنَ أصلُه يَعود على الأرجح إلى الفَترة البَابِلية الجَديدة،[173] مَكننا مِن استِكمال مَعرِفَتنا بالأجزاء غَير المُكتَشفة، أي الجُزء الشَرقي وغَرفة مَردوخ الخاصة.[la 117]

يَتكون مَعبد إيساجيل من ساحة أمامية أولى ذات أبعاد 103 × 81 م، مُحاطة بسِلسِلة من الغُرف، يُمكن الوُصول إليها مِن خِلال بَوابة ضَخمة تَقع في الشَرق، بِما في ذلك غُرفة لأجتماع الآلهة خِلال عيد رأس السَنة البَابِلية. يُفتح هذا الفِناء الأول على الفِناء العلوي ("محكمة الإله بيل"، اسم من أسماء مَردوخ) بأبعاد 37.60 × 32.30 م، وتُحيط بِها مَجموعة غُرف، تُمَثل أماكِن اقامَ للآلهة المُتَواجِدين في المَعبد، مِنها غُرفة لمَردوخ وقَرينته سِربانيط وابنه نابو، كنوع من أنواع البِلاط المَلكي. يُشَكل الكُل بالكُل هَيكل المَعبد الرئيسي بأبعاد 85.59 × 79.30 م. تم تزيين سيلا مَردوخ بزَخارف مِن مَعادن وأحجار ثَمينة، وقُدِمَت لها العَديد مِنَ القَرابين، تم نَحت تمثاله مِنَ الخَشب الثمين، مُزين بالمَلابس والمُجوهرات.(ملاحظة ك) يَمتد مَعبد إيساجيل أيضًا إلى الجنوب من الفِناء الأول، على ساحة مُنَظمة حول فناء رئيسي ثالث أبعاده 95 × 41 م، مُخصص للآلهة عشتار وزبابا، وجدَ فِيها "لوح إيساجيل".

90 مَتر شِمالي مَعبد إيساجيل، تَقع زقورة إتيمينانكي (بالسومرية: É.TEMEN.AN.KI ، مَعناه “أساس بَيت السَماء والارض”)،[la 118] وهو مَبنى مُدرج من شأنه أن يكون مَصدر إلهام أسطورة بُـرج بَـابـِل.[la 119][175] تم بِناؤها داخل جُدار سَميك ابعاده 460 × 420 م، وبالتالي تَحتل مَساحة كبيرة من قلب وسط المَدينة.[la 120][176] يَشتَمل هذا الجِدار على وِحَدتَِين مِعماريتين تم بِناء كل مُنهما حَول فناء يَتَجه ناحية الشَرق، بجانب البَوابة الضَخمة التي تُفتح على شارِع المَوكب. قد يكون هذا القطاع هوَ المَركَز الإداري لضَريح مردوخ. اختَفت الزقورة نفسها منذ العُصور القديمة، ولم يتم التَنقيب إلا عن أساساتِها، المَصادر والمًعلومات المُتَوفرة أتاحَت لعُلماء الاثار مُحاولة استعادة مَظهرها الاصلي بالأعتِماد على لوح إيساجيل الذي أعطى أبعادها، وأيضًا على مَسَلة صَورت شَكل الزَقورة.[177]

حَسَب المُعطَيات، تَبلغ قاعِدتُها المُربعة، حَوالي 91 مترًا على كُل جانِب، ويؤدي سُلم ضَخم مِن جَانِبها الجَنوبي إلى قِمتها، حَيث وجَدنا آثارًا للأرتفاع المُقترح فوق 52 متر. ارتَفَعَت الزَقورة إلى سَبعة طَوابق، سِتة مُدرجات مُتناقصه الحَجم مُكدسة، وسابِعُها لدَعم الأرتِفاع. حَسب لوح إيساجيل، فقد وَصلَ ارتِفاعُها إلى 90 مترًا، قَد يَستَجِيب هذا الرَقم للمَفاهيم الرَمزية أكثر مِنه للواقع، وتُعزوا أحدث التقديرات ارتفاعها إلى حَوالي 60 مترًا.[la 121] إن رَمزية الزَقورة إذا اتبعنا اسمها، تُشَكل نَوع من أنواع الارتِباط بَينَ الأرض (عالم البَشر)، والسَماء (عالم الآلهة). يُمكن أن يُشير مَوقِعُها إلى المَكان الذي خَلقَ مردوخ فيه العَالم (مَلحمة الخَلق البَابِلية).[6][178] وَظيفة العِبادة الخَاصة بالزَقورة غَير مَعروفة بشكل جَيد، يَقول «هيرودوت» أن طقوسًا مِن النَوع الهيروغاميكي ("الزواج المُقدس")(ملاحظة ت) حَدثت في جُزئها العُلوي،[la 122][179] وربما ذَكرَ لوح مِسماري مُجزأ طقوسًا تجري في نَفس هذا الجُزء مِن الزَقورة،[180] لكِنها لا تَزال غَائِبة عَن نُصوص الطُقوس الأخرى. رُبما كانَت وظيفة العِبادة الخاصة بها مَحدودة، حيث شَغَلَ المَعبد السفلي (إيساجيل، بالمَعنى الدقيق للكلمة) بلا شك مُعظم الطقوس.[la 123]

بَعدَ الفَترة البَابِلية الجَديدة، بقيَ مَعبد إيساجيل مَكان العِبادة الرئيسي في بَابِل. لا تَزالُ مَسألة مَعرفة ما إذا كان تدمِيرُه قد تم أثناء قَمع تمرد حَدَثَ في عَهد شاهنشاه فارس «خشايارشا الأول» مَحل نِقاش، ولكن ما هوَ واضح للبَيان، بَقيَ المَعبَد يُمارس مَهامَه بَعد هذه الحادِثة.[71] ربما تم تُدمير الزَقورة أيضًا خلال هذا الحَدث. على أي حال، فإن النُصوص التي تًشير إلى فترة «الإسكندر» وبداية الهَيمنة السلوقية تُقدِمُهُما على أنهُما أصبَحا في حالة سيئة. لا يَزال المَعبد، والذي تَمَ تَرميمُه بِلا شَك بَعد الحادِثة، يُمارس مَهامَه، بَينما تم تَسوية الزَقورة إلى الأرض تحسبًا لإعادة البِناء التي لَم تَحدُث أبدًا. نَعلم من إشارات المؤرخين الأغريق والنُصوص المِسمارية، بأنها استَمَرت في العَمل خِلال القرنين الأول والثاني من عَصرنا، كما ذُكر أعلاه.

تُعطي الالواح الطينية المُكتَشَفه، أسماء 43 مَعبدًا تقع داخِل بَابِل، بِما في ذلك 13 مَعبدًا في "الحي المُقدس" المَعروف بإريدو. بحَيث يُمكن أن يَكون للآلهة الواحِد عِدة مَعابد، حَيث تم ذِكر خَمسة لعُشتار وثَلاثة لنابو. وتمَ التَنقيب وتَحديد هَوية ثمانية مِنهم في الجُزء الغَربي من وسَط المَدينة الواقِع خارِج المُجمع الرئيسي. وهيَ ذات أحجام مُختلفة ومَعزولة عن النَسيج العُمراني للمَدينة، أحيانًا يَتم بِناؤها في مَنطقة سَكنية، مثل مَعبد عُشتار الأكدي الذي تم اكتشافه في منطقة سَكنية.[143] تتبع هذه المَباني مُخطط البِناء النَموذجي لمَعابد تِلكَ الفَترة، توصف بأنها "بَابِلية": باب يُفتح على فِناء يؤدي بعد ذلك إلى دِهْليز ثمَ إلى سيلا الأله الرئيسية للمَعبد، يوجد في أسفل السيلا مَكان مُخصص لاستِقبال تَمثاليل العِبادة. مَثلًا صَحن ساحة مَعبد "Nabû ša harê" مُغطى بالأسفلت، وجُدرانه ذات زخارف باللونين الأسود والأبيض. يَقع مَعبد "bīt akītu"، حيث تُقام الاحتِفالات النِهائية لمَهرجان "akītu" (رأس السَنة البَابِلية الجديدة)، خارج أسوار المَدينة الداخلية.[la 124] رُبما تَكون أنقاضه هيَ التي كَشفت عَنها الحفريات الألمانية في الستينيات، عِندما اكتشفت مُجمعًا مِعماريًا يقع شِمالي القَصر.[17]

تُشير الالواح أيضًا إلى وجود العَديد (المئات وفقًا للنُص) من أماكن العِبادة الصغيرة في شَوارع بَابِل، عِبارة عَن مُنشآت دينية في الهواء الطَلق، تم وَصفُها بُمصطلحات مُختلفة يَصعُب تَرجمتها: "مَقاعد" (šubtu)، "مَحطات" (manzāzu)، "مَنابر" (parakku)، "مَنافذ" (ibratu).[la 125][181]

الوَظيفة الدينية، مُكَمَلًا بطُرق المُعامَلات الاقتِصادية والتِجارية، جَعلت مِن مَعابد بَابِل قِبلة المَدينة الثَقافية. قَدَمت هَذه المَعابد ألواحًا تُناقِش مَواضِيع فَنية وعِلمية وأدبية. بالإضافة إلى ذلك، تم العُثور على الواح مِن نَفس هَذه النَوعية، في المَساكن والبيوت الخاصة برِجال الدين، بِحَيث كانَت تُستَخدَم في بَعض الأحيان كمَدارِسة للكتبة.[182] أهم هَذهِ الالواح، تلك التي أكتُشِفت عام 1979 في مَعبد نابو (إله الحِكمة وراعي الأدباء)، أكثر من ألفي لوح مَدرسي، وَديعة نذرية قدمها كتبة مُتدربون إلى هذه الإله. كذلك تمَ العُثور على لَوحين طقوسيين آخرين في فرن أحد المَعابد، مِما يُشير إلى وجود مَكتبة خاصة بهِ.[183]

مَثلَ مَعبد إيساجيل، المَكان الرئيسي لطَلب العِلم والمَعرفة في مَدينة بَابِل، مَع الأخذ بنَظر الاعتِبار حَقيقة تَقديمَه لعدد قليلا مِن الألواح التي تُشير إلى الأنشِطة الفِكرية، عِند مُقارنتها بمَجموعات نَفس الفترة من نَينَوى وأوروك. من الواضِح أن المَعبد كان يضُم مَكتبة، ومَجموعة كهنة، تَخَصَصوا في عِدة مَجالات (عُلماء فَلك / مُنجمون، عَرافون، أطِباء). تُبَين الألواح المِسمارية كيف تمَ تحنيط أجساد عُلماء المَعابد نِهاية الفترة الأخمينية وبِداية الفَترة الهلنستية مِن أجل الحِفاظ عَليه. يوضح أحد النُصوص المُكتَشَفة عَن تعيين مٌنجم/عالم فلك، ليتولى مَنصبًا كانَ يَشغِلهُ والِدُه، النقل الوراثي كان شائعًا بينَ العُلماء في ذلك الوقت، كانَ لا يزال يَتعين عَليه اجتياز امتحان كَفاءة أمام مَجلس المَعبد لإثبات مَهاراته. يتقاضى صاحِب المَنصب راتبه السَنوي ومجالًا يُمنح له دَخله، مَع الواجبات المَفروضة عليه، مثل القِيام بالأرصاد السَماوية، وكتابة التقويم الفلكي والذي شهدَ أكبر تطور لَهُ عَلى يَد البَابِليين. يَسود هذا التنظيم أيضًا في التَخَصُصات الأخرى، وقد إلهم الإغريق عِندما أنشأوا مَكتبة الإسكندرية ومُتحَفها، من خلال اتباع المبادئ التي رأوها قائِمة في مَعبد إيساجيل.[184]

العَديد من الأعمال الأدَبية البَابِلية في بِلَادِ الرَّافِدَيْنِ (بِما في ذلك النُصوص الطقسية والعلمية) يُمكن إرجاعُها إلى رِِجال دين مَعبد إيساجيل. مِنها النُصوص التي تُمجد الاله مَردوخ (ملحمة الخلق) والنُصوص التي تُوضح الأهمية الدينية للمَدينة (لوح إيساجيل) إلى هذهِ الدائِرة مِنَ الرِِجال. كذلِكَ النُصوص الادبية، عَلى سَبيل المثال النَص الرثائي المَعروف بـ "نََص الصالِح المُتألم" والذي يَتَحَدث عَن المُعاناة غَير العادِلة لرَجُل أصابه الظُلم بغَير حَق.[la 126] ونَص مَلحمة إيرا «لكابتي-إيلاني-مردوخ»، عِبارة عَن قصة تسعى لإضفاء الشَرعية إلى فََترة الفَوضى التي مَرت بِها بَابِل في بِداية الألفية الأولى قبلَ الميلاد، بَعد أن تخلى الإله مَردوخ عن المَدينة، وخَدَعَه الإله إيرا، تَجُسد هَذه القصة الحَرب في جوانبها المُدمرة.[185] و"الثيوديسيا البَابِلية" كتبها «اساجيل-كينا-لبيب»، عِبارة عَن نَص يتخذ شَكل مُناقشة بين شَخصين حول العِلاقة بين الآلهة والرِِجال.[la 127][186] أشهر مِثال لعُلماء مَعبد إيساجيل هو الكاهِن «بيروسوس»، الذي كتَبَ "بابلياكا"، كتاب باللغة اللاتينية من بِداية القُرن الثالِث قبلَ الميلاد، لم يبق مِنهُ سوى الاقتِباسات، يَهدُف إلى تَقديم التقاليد البًابٍلية إلى الجمٌهور اليوناني المُتعلم،[164][187] مِنَ المُحتمل أن «بيروسوس» قًد استخدمَ الالواح المُتوفرة في مَكتبة إيساجيل لكتابَته. وفقًا لعَناصر السيرة الذاتية المُتعلقة به، فقد أنهى «بيروسوس» حَياته في تَعليم الإغريق عِلم الفَلك والتنجيم على جزيرة كوس، نعرف الآن بأنَ الأغريق أدركوا التَقَدُم الكَبير الذي حققه البَابِليون في هَذا المَجال.

تُعَد مَعابد بَابِل مع مَعابد أوروك، آخر الأماكن التي نَعلم عَلى وَجه اليَقين، أنَ تَدوين عُلوم بِلَادِ الرَّافِدَيْنِ القَديمة قَد استَمرت فيها بعدَ فَترة العَصر الهلنستية. أحدَث لوح مِسماري عِلمي تم العُثور عليه في بَابِل عِبارة عَن تَقويم فَلكي، مؤرخ في 74-75 م.[188]

تَرجع أصول عِلم الفلك الغربي إلى بِلَادِ الرَّافِدَيْنِ، وتُعتبر كُل الجُهود الغَربية في العُلوم الدقيقة وليدةً لجهود عُلماء الفَلك البَابِليين.[la 128][189] وصَلتنا المُعلومات التي نَعرِفُها عَن عِلم الفلك السومري بشكل غَير مُباشر، مِن خِلال فهارس النُجوم البَابِلية القَديمة التي يَعود تاريخُها إلى 1200 عام قبل المِيلاد. ويشير ظُهور أسامي النُجوم باللُغة السومرية لاستمرار هذا العِلم حتى بِدايات العَصر البرونزي.

في بادِئ الأمر، طَور السومَريون نوعًا من أنواع عِلم الفلك الخاص بِهُم مُتأثرين بأساطيرهم الدينية، تَركَ هَذا الامر بدوره بَصمة واضِحة على الثِقافة البَابِلية، عَلى وَجه الخُصوص، الآلهة الكوكبية التي لَعَبَت دورًا مُهمًا في الثَقافة العامة لسُكان بَابِل، بِحيث شُخص كُل من كوكب المُشتري مع الاله مَردوخ، والزُهرة مع عُشتار، وزُحل مع نِينورتا، وعَطارد مع نابو، والمِريخ مع نِيرغال.[la 129][190] أهتم عِلم الفلك البَابِلي بالتَركيز على مَجموعة مِن النُجوم والكوكبات النَجمِية التي تُعرف باسم «نجوم زيقبو»، جُمّعت هذه النُجوم والكوكبات من مَصادر مُبكرة (سومرية/أكدية).[191]

طورَ البَابِليون نهجًا تَجريبيًا لعِلم الفَلك، في الفَترة بين القرن الثامن إلى القرن السابِع قبلَ الميلاد. وبدأوا بدِراسة وتَسجيل فَلسَفاتهم وأستِنتاجاتَهُم الخاصة بطبيعة الكون المُجردة واستحدثوا منطقًا داخليًا خاصًا بهِم، من خِلال دِراسة الأنظمة الكوكبية وتَحَرُكالتَها. اعتُبر هذا الامر إسهامًا مهمًا في عِلم الفَلك وفَلسفة العِلوم، ووصََف بَعض العُلماء المٌعاصرين هذا النَهج الجَديد بأنه أول ثورة علمية.[192] طُور هذا النهج واُعتمد بواسطة الإغريق في عِلم التَنجيم الهلنستي. استَخَدمت المَصادر الإغريقية واللاتينية مُصطلح الـ«الكلديون» بشَكل مُتكرر لوَصف عُلماء، فلك بِلَادِ الرَّافِدَيْنِ، الذين كانوا من الكهنة الكُتاب المُتخصصين في عِلم التنجيم والأنواع الأخرى من الكهانة.[la 130]

بَقيت قُطع قَليلة من آثار عِلم الفلك البَابِلي حَتى عَصرنا هذا، عِبارة عَن ألواح طينية كبيرة تَحتوي على المُفكرات الفَلكية البَابِلية، والتقاويم الفَلكي، والنُصوص الإجرائية.[193] ومع ذلك، تُظهر هذه القطع الأثرية الصَغيرة الباقية أن عِلم الفلك البَابِلي كان أول مُحاولة ناجِحة لوَضع وصف رياضي دَقيق للظواهر الفلكية. وكل العُلوم المُشتقة من عِلم الفلك في العَصر الهلنستي، الهندي، والإسلامي، كانت مُعتَمِدةً على عِلم الفلك البَابِلي بشكل أساسي.[194]

استُخدم البَابِليون نِظام عَد خاص قائِم على الرَقم 60، عُروف بنظام العَد الستيني. وهو نِظام يُكتب بالمِسمارية، أنشأه السومريين القُدماء في الألفية الثالثة قبل الميلاد، وانتقلَ إلى البَابِليين، ولا يَزال يُستخدم اليَوم في شَكله المَعدل لقياس الوَقت والزَوايا والإحَداثيات الجُغرافية في أغلَب بِقاع العالَم.[la 131][195] بَسطَ هذا النِظام طُرق حِساب وتسجيل الأرقام الكبيرة والصَغيرة. بدأ ظهوره عام 3100 ق.م، ويعزى إليهِ الفَضل كأول نِظام عَد موضعي، بِحيث أن القيمة تَعتمد على الرقم وموضعه مِن العَدد. شكلَ هذا النظام تطورًا مُهِما للغاية، لأن القِيم اللاموضعية تتطلب رَموزًا خاصة لكل قوة (كالعشرة، المائة، والألف، وما إلى ذلك)، وهو ما يَجعل الحِساب أكثر صُعوبة وتَعقيد.[la 131] لم يكُن النِظام السِتيني المُستخدم في بِلَادِ الرَّافِدَيْنِ القَديمة نظام قاعدة 60 خالص، بِمعنى أنه لم يُستخدم 60 رمزًا مُميزًا لأرقامه. بدلًا من ذلك، استُخدِمَت الأرقام المِسمارية الرقم "عشرة" كقاعدة فَرعية بطريقة تدوين قيمة الإشارة، بحَيث يَتَكون الرقم الستيني من مَجموعة من العَلامات على شَكل إسفين تُمثل وِحدات تَصل قيمَتُها إلى تسعة (Babylonian 1.svg، Babylonian 2.svg، Babylonian 3.svg، Babylonian 4.svg, ..., Babylonian 9.svg) ومَجموعة من العَلامات الإسفينية عَريضة الشكل التي تُمثل ما يَصل إلى خَمس عَشرات (Babylonian 10.svg، Babylonian 20.svg، Babylonian 30.svg، Babylonian 40.svg، Babylonian 50.svg). بحَيث تَكون قِيمة الرقم مَجموع قيم الأجزاء المُكونة له.[la 61]

تَمَت الإشارة إلى الأرقام ذاتِ القيمة الأكبر من 59 بِواسِطة مَجموعة رُموز مُتعددة لهذا النَموذج، وذلك مِن خِلال تَدوين الدلالة المَوضعية. نظرًا لعَدم وجود رمز للصفر، فليسَ مِنَ الواضح دائمًا كيفية قراءة الرقم، ويجب أحيانًا تحَديد قَيمته الحَقيقية مِن خِلال سِياقه. على سَبيل المِثال، رموز الرَقم 1 و 60 مُتطابقة.[196][197] استُخدِمت النُصوص البَابِلية اللاحقة عُنصرًا نائبًا (الرَمز البَابِليBabylonian digit 0.svg) لتَمثيل الصفر، ولكن فََقط في المَواضع الوسطية، وليس على الجانِب الأيمن مِنَ الرَقم، كما نَفعل اليَوم في الأرقام مِثل 15300.[197]

غَطت دِراسة الباَبلِيون للرياضيات جَوانب مُختلفة: الكسور، الجبر، المعُادلات التربيعية، الدوال التكعيبية، ونظرية فيثاغورس. واللوح البَابِلي "واي بي سي 7289" خَير مِثال للرياضيات البَابِِلية؛ حيث يُعطي اللوح القيمة المُقربة لجذر الـ 2 التربيعي في أربعة أرقام سِتينية (1 24 51 10)،[198] يُعطي اللوح أيضًا مثالًا حَيث تَكون فيه قِيمة جانب واحد من المُربع 30، فَيكون القُطر الناتج (42 25 35).[199]

طور البَابِليون صِيغ جَبرية لحَل المُعادلات الرياضيات، ولحَل المًعادلات التربيعية، استخدم البَابِليون الصيغة القياسية. ومن المُمكن أنهم استخدموا جَداول التَربيع بشكل عَكسي لإيجاد الجُذور التربيعية. ودائما ما استخدمَ البَابِليون الجذر الموجب لأن استخدامه كان مَنطقيًا في حَل المسائل "الحقيقة" (كَون جذر المِقدار السالب عَدد مركب تخيلي وليس حقيقيًا).

كذلك طَور البَابِليون ما يُعرف اليوم باسم النمو الأسي، والنمو التقييدي (مُشتق من الدالة السينية)، ومضاعفات الزمن، والأخير استعمل في حِساب الفوائد العائدة من الديون.

عَرَف البَابِليون القَواعد المُشتركة لقِياس الأحجام والمَساحات. لقد قاموا بِقياس مُحيط الدائرة "بثلاثة أضعاف القطر" والمَساحة "بواحد على أثني عشر مُربع المُحيط"، وهذه الحسابات سَتكون َصحيحة إذا تم اعتبار قيمة الـ π على أنها 3 (قيمة الـ π هي 3.141). كانوا مُدركين بأن هذا التَقدير تقريبي، أحد الالواح الرياضية البَابِلية القديمة تم العُثور عَليه بالقرب من سوسة عام 1936 (يعود تاريخه إلى القرنين التاسع عشر والسابع عشر قبلَ الميلاد) يُعطي تقريبًا أفضل لـ π بقيمة 3.125، أي أقل من القيمة الحَقيقية بحوالي 0.016 بالمائة (قيمة الـ π هي 3.141).[200] كذلك قاسوا حَجم الأسطوانة "ناتج القاعدة والارتفاع" بشَكل صَحيح، ومع ذلك، قاسوا حَجم فجوة المَخروط "ناتج الارتفاع ونصف مَجموع القواعد" بشكل غير صَحيح. كانت نظرية فيثاغورس مَعروفة أيضًا عِندَ البابليين.[201][202][203]

كان "الميل البَابِلي" مِقياسًا للمَسافة يساوي حوالي 11.3 كم. تمَ تَحويل هذا المِقياس في النِهاية إلى "ميل زمني" يُستخدم لقياس انتِقال الشَمس، وبالتالي أصبَحَ مِقياسًا للوقت بَدلًا من المَسافة.[204]

عَرفَ البَابِليون القُدماء النَظريات المُتعلقة بنسب أضلاع المُثلثات المُتشابهة لعِدة قرون، لكنهم افتقروا إلى مَفهوم قياس الزوايا، وبالتالي دَرسوا أضلاع المثلثات بدلًا من ذلك.[205]

أحتفظَ عُلماء الفلك البَابِليون بسِجلات مُفصلة لظهور النجوم وزَوالها، وحَركة الكواكب، وخسوف الشمس وخسوف القمر، وكلها تتطلب إلمامًا تامًا بمَسافات الزاويّة المُقاسة على الكُرة السَماوية.[206]

كَذلِكَ قَسَمَ البَابِليون اليَوم إلى 24 سَاعة، والسَاعة إلى 60 دقيقة، والدَقِيقة إلى 60 ثانِية، وكَانوا يُطَبِقون هَذه التَقسِيم على المَدد. فكانوا يَفرضون فَتره مِنَ الزَمن أمَدُهَا 43200 سَنة، يَظهَر لَهُم عَلى انَها يَوم واحَد مِن حَياة العالَم، وهَذِه الفَتره تَنقَسِمُ إلى 12 "سارّ" "sare" (أي سَاعة)، وكل سارّ مِنها 3600 سَنة، والسارّ يَنقسم إلى 60 "صوصّا" "sosses" (أي دَقيقة)، والصوصّا 60 سَنة، وأخيرًا إلى السَنة الوَاحِدة التي يَعتَبِرونَها ثَانِية مِن ثَواني الحياة.[la 132]

كما استخدموا شكلًا من أشكال "تَحليل فورييه" لحِساب التقويم الفَلكي (جداول المواضِع الفلَكية)، والذي اكتشفه العالم الألماني «أوتو نيوجباور» في الخَمسينيات من القرن الماضي.[208][209][210] لإجراء حِسابات لحركات الأجرام السماوية، استخدم البَابِليون الحِساب الأساسي ونظام الإحداثيات على أساس "المَسار الشَمسي"، وهو حَيز الفَضاء الذي تنتقل عَبره الشمس والكواكب.

تُقدم الالواح المَحفوظة في المُتحف البريطاني دليلًا على أن البَابِليين حاولوا الحُصول على مَفهوم للأشياء في مَساحة رياضية مُجردة، يعود تاريخ هذه الألواح إلى ما بين 350 و 50 ق.م، وتَكشُف عَن فهم البَابِليين لمَبادئ الهَندسة، بحيث استخدموها في وقت أبكر مِما كان يُعتقد سابقًا. استخدم البَابِليون طَريقة لتقدير المَنطقة الواقعة تحت مُنحني مِن خِلال رسم شَكل شُبه مُنحرف تَحت المَنطقة، وهي تقنية أُعتُقد سابِقًا أنها نشأة في أوروبا خلال القرن الرابع عَشر. سَمحت لهم طريقة التقدير هذه على سَبيل المثال، بإيجاد المَسافة التي يقطَعُها كوكب المُشتري في فترة زمنية مُعينة.[211]

مِن خِلال أهَميَتها السِياسِية والثَقافية، تَركت بَابِل انطِباعًا دائمًا وأصبَحت جُزءًا لا يَتَجزأ مِن خَيال وأساطير العَديد منَ الحَضارات والأمم، حَتى بعدَ فتَرة طَويلة من سُقوطها.(ملاحظة ق) ركزت القِصص والحِكايات المُتعلقة بِهذه المَدينة، قبل كُل شيء على مَكانتها كمَدينة ذات أبعاد ضَخمة وآثار فَخمة، وبِصورة أكثر سِلبية، على كِبريائها وفَخرها. كانَت المَصادر القَديمة لهذهِ القِصص هيَ تِلكَ المُشتَقة منَ اللاهوت البَابِلي نَفسه، والتي جَعلت مِنها "مَدينة مُقدسة" تقع في وَسط العَالم، ثُم كِتابات المؤرخين الأغريق، الذينَ تركوا َورائَهُم صورة المَدينة العِملاقة للأجيال الأحقة، وأخيرًا مؤلفوا نُصوص الكِتاب المُقدس، الذينَ قَدموها للأنام بصورة سِلبية قبلَ كُلِ شيء. نشأة هَذهِ الصورة عَن بَابِل "كمَدينة عَظيمة تُمَثل رَمزًا للخَطيئة" مُباشرة بَعدَ سُقوطِها، في فَترة العُصور الوسطى عَلى وَجه التَحديد، عِندما أصبَحت أمكانية الوصول إلى المَصادر الأكثر مَوثوقية لِما كانَت عَليه المَدينة حقًا غيرَ مُمكِن.

يُعزى صُعود بَابِل التَدريجي إلى عالَم أساطير بِلَادِ الرَّافِدَيْنِ لأسباب، أهَمها أعمال رِجال دين مَعابد المَدينة، بالتَحديد مَعبد إيساجيل، الأمر الذي سارَ جنبًا إلى جَنب مع التأكيد على تَفوق مردوخ كملك إلهة تِلكَ المًنطَقة، الأمر الذي يوَضَح جَليًا في مَلحمة الخلق البابلي.[212] تَصِف هَذه الأسطورة كيفَ أصبحَ مَردوخ كَبير الإلهة، مِن خِلال إنقاذ سُكان المَدينة من التَهديد الذي مًثله سَلفه، الآله تيامات (إله الفوضى عِندَ البَابِليين). بَعدَ انتِصارَه، خَلقَ مَردوخ العالَم مِن بَقايا تيامات، وفي وَسطه، عِندَ تقاطُع السَماء معَ الأرض، بَنا بَابِل.[la 133][213] تَمَ التَوصل ألى أستِنتاج مَفادُه أن البَابِليين عَرفوا بَابِل على انِها مَركز العالَم، مِن خِلال الاستِشهاد بلوح طيني تَم العُثور عَليه في مَدينة سيبار يَعود إلى القِرن الخامِس قَبل الميلاد، عُرف بـ"خَريطة العالَم البابِلية".[la 134][214]

"الأنونَاكي حَفَرُوا الْأَرَض بِمَعَاوِلَهُم،

وَصَنَّعُوا الآجر لِمُدَّة سَنَة.

ثُمَ، فِي السَّنَة الثَّانِيَة، مَنّ إيسَاجِيل، رَفَّعُوهَا لِلْقِمَّة.

قَامُوا أَيْضًا بِبِنَاء الْبُرْج الْمُرْتَفِع، وَبَلَّطُوا ضِفَاف الأبزو.

نَقَّلُوا إِلَى هُنَاك مَسَّكناً لآنو وإنليل وإيا.

ثُمَ جَاءَ جَلَاَلَتُه (مَردوخ) لِيَأْخُذ مَكَانه أَمَامَهُم.

الرَّبّ (مَردوخ) فِي الْمَكَان الْأسْمَى اِلْذَي بَنَوه لَهُ مَسَّكناً،

إِلَى مَأدَبَته دَعَا الْآلِهَة آباؤه.

هَا هِيَ بَابِل مَوْطِنَكُم وَمَسكَنَكُم.

اِسْتَمْتِعُوا! اِرْضَوْا اُنْفُسكُم بجَذِلَها!"

~ مُقْتطَفات مِن مَلحَمة الخَلق البابلي لبناء مَدينة بَابِل من قبل الآلهة للإله مَردوخ.[215]

تَتَألق مَكانة بَابِل "الأسطورية" بصورة خاصة، في النُصوصِ الطبوغرافية المُتعلقة بآثارَها الدينية. تِلك التي توَضح كيف تمَ مَزج فضائهَا السُكاني بالقَداسة، مثل "لوح إيساجيل"، اللوح الذي أعطى أبعاد زَقورة إيتيمينانكي،[216] تُمَثل الأخيرة بِدَورِها وِفق التَقليد البَابِلي "مَركز العالم" ("إيتيمينانكي" بالسومرية: 𒂍𒋼𒀭𒆠 مَعناه حَرفيًا "مَعبد أساس السَماء والأرض").[la 135] أمتَدت سُمعَت عاصِمة الكون هذه إلى المَعمورة بأكملها، وَمِن بَين الصِفات التي عُرفت بِها، كَونَها "وصِلة السَماء بالأرض".[217] مِن المُحتمل أن سِجلاتُ التاريخ التي كتبَها رِجالُ الدين البَابِليون، قَد سَلَطت الضوء على الصِلة بينَ الأهمية الدينية والسياسية للمَدينة. بحيث قاموا بأعادة بِناء مَاضي المَدينة الأسطوري، من خِلال وَضع تَطور الأحداث تحتَ مَنظور عِلاقة الملوك البَابِليون مَع الإله مَردوخ، بِما مَعناه، أولئك الذين لا يَحترمون رِجالُ الدين سَوف تُعاقبهم الإلهه عاجلًا أم آجلًا، والمَقصود من هذا الأمر، أن يَكون بِمَثابة رسالة تَحذير إلى الِملوك اللأحقين، لكي يقوموا بمُعاملة الآله ومَعبدها مُعاملة حَسنة.[218]

شَهدَ المؤرخون الإغريق أنحِلال بَابِل، لكِنَهُم احتفظوا بذِكرى عَظمتها، مِما أعطى للمَدينة إلى حدَ كبير، صورة أسطورية شُبِه خَيالية، رُبما انعَكَسَت بِشكل سيء عَلى واقِع تَحَتَمَ على أولئِكَ الذينَ زاروا المدَينة مواجَهَته، بل وَحتى التأثير على عُلماء الآثار المُعاصرين الذين غالِبًا ما استرشدوا بِهذه النُصوص، لإجراء أبحاثَهُم (كما يتضح في عَمَلية التَنقيب العَقيمة عَن حَدائِقُها المُعلقة).[219]

المؤرخ الإغريقي «هيرودوت»، هوَ أول وأهم من تركَ وصفًا لبَابِل في النصف الأول من القِرن الخامِس قبلَ الميلاد.[la 137][la 138][220] تَلاه مواطِنُه «كتسياس» في نِهاية القرن نفسه.[la 139] وَصفَ هؤلاء المؤرخون مَدينة عِملاقة، بِلا شَك أكبر مَدينة عَرفوها في عَصرَهُم، أستحضروا آثارها العَظيمة، ولا سيما أسوارها. يستحضر «كتيسياس» أعجوبته الأخرى، حَدائِقه المُعلقة. تم التَوصُل إلى هذا التَوبوس لكون بَابِل مَدينة عِملاقة، مِن خِلال رؤية آثارها، ومِن خِلال النُصوص التي ذَكَرت مِلوكها الأسطوريين، في بعض الأحيان خُلط تاريخُها مَع تاريخ جارتها الآشورية. بينما أستحضرَ مؤرخوا عَصرنا الحالي، أمثال «سترابو»، «فلافيوس جوزيفوس» و«بليني الاكبر»، أثناء الإبلاغ عن ماضيها المَرموق، حَقيقة أن المَدينة سَقَطت في حالة من الخَراب. تدريجيًا، بَدأت ذِاكرة بَابِل بالتَشوه، على الرغم من حَقيقة أن بعض المؤرخين الذين كتبوا عَنها باللغة اللاتينية قدموا مَعلومات مَوثوقة نسبيًا عن تاريخُها وثقافتُها، بناءً على كتابات القس البَابِلي «بيروسوس»،(ملاحظة خ) أو مِن مَصادر مَحلية كما في حَالة الفَيلسوف «دمشقيوس».[221]

يَحتوي التَناخ (الكِتاب العبري المُقدس)، على العَديد من المَقاطع التي تَحتلُ فيها بَابِل مَكانًا مَركَزيًا.[222] الأولى هي رواية بُرج بَابِل، التي وردَ ذِكرُها في سَفر التكوين. منَ الواضح للعَيان، أن أسطورة هذا البُرج مُستَمدَ من زقورة بَابِل، والتي تمكنَ أحفاد يهوذا (المَنفيين مِنهُم في بَابِل) من رؤيَتُها. تَروي هَذهِ القِصة كيفَ تَمَكنَ سُكان بَابِل في أرض "شِنْعَار"، المَدينة التي بَناها المَلك «نمرود»، من بِناء برج مَهُول الحَجم والارتفاع بهَدف الوصول إلى الجَنة، ولكن "الرب" عاقَبَهُم مِن خِلال تشتيتهم إلى لغات عِدة، حتى لا يَفهمون بَعضهم البَعض، مِما خلق الارتبِاك بينهم.[la 140][223]

ذُكِرة بَابِل فِي الكِتاب المُقدس 280 مَرة،(ملاحظة و)[224] وتظهر بِصورة أكثر ارتباطًا بواقِعها التاريخي، ولا سيما في سَفر المِلوك الثاني الذي يَروي انتِصارات مَلكها «نبوخذ نصر الثاني» على مَملكة يهوذا، وسفر إرميا الذي رَوى نفس الأحداث. تنبَثِقُ من هذه النِصوص صورة غامِضة عَن بَابِل، صورة المَدينة المَكروهة، عاصِمة المَملكة المُسيطرة والفخورة التي طردت سُكان يهوذا ودفَعتُهم إلى المنفى، وفي بَعض الأحيان يتم تقديم بَابِل ونبوخذ نصر كأداتين للإرادة الإلهية. الصورة السلبية لمَدينة بَابِل مأخوذة من العَهد الجَديد للمسيحيين، جَرى ذلك الأمر لكي يَتم استيعابها ومُقارنتها مع روما، القوة الجَديدة المُهيمنة التي أضطَهَدت المَسيحيين. في سفر يوحنا، تَحمل "الزانية العَظيمة" اسم بَابِل،(ملاحظة ر) ويشار إلى هذه المَدينة مرارًا وتكرارًا كرَمز للشَر والخداع.[la 140]

أما فِي القُرآن، فَقد ذُكِرة بَابِل مَرة واحِدة فَقط:

Ra bracket.png وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولَا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ Aya-102.png La bracket.png[225]

بَعدَ أن غَطاها ليلُ الزمانِ بِكفَنه، نُسيت مُعظم الادلة والمَصادِر المُتعلقة ببَابِل إلى حَد كبير، خاصهً خِلال فَترة القُرون الوسطى، والتي أصَبحت بها صورة المَدينة أكثر تشويهًا. تُشكل المَصادر الكتابية جَوهر التوثيق الأساسي المُتاح لسُكان هذه الفَترات من أجل الاقتِراب من حَقيقة وجود هذه المَدينة. احتفظ سُكان الأراضي السابقة التي هًيمنت عليها بًابِل، من المؤرخين العَرب،[88][la 141][226] والمؤرخين الفُرس،[227] بذاكرة مَوقع وأطلالة المًدينة، واستحضروها باعتبارها أقدم مًدن العِراق. تستند القِصص التي يًروونها عَن المَدينة إلى حَد كبير مِنَ الكِتاب المقدس أو التقاليد، لا سيما تلِك المُتعلقة بالملكين «نبوخذ نصر الثاني» و«الإسكندر الأكبر».

يَقول «أبو مَعْشر البَلَخِي»:

الكَلْدانِيُّون هم الذين كانوا يَنْزِلُون بِبابِلَ في الزَّمنِ الأوّل، ويُقال أوَّلُ مَن سكَن بابِلَ «نُوحٌ» وهو أوَّلُ مَن عَمَرها وكان نَزَلها بعَقِبِ الطّوفان فسار هو ومَن خَرج معه مِن السَّفينة إليها لِطَلَبِ الدَّفَأَ فأقامُوا بها وتَناسَلُوا فيها وكَثُروا مِن بعدِ نُوحٍ ومَلَّكُوا عليهم مُلُوكاً وابْتَنَوا بها مَدَائِنَ فصارت مَساكِنُهم مُتّصلةً بِدَجْلَةَ والفُراتِ إلى أن بَلغُوا مِن دَجْلَةَ إلى أسفَلِ كَسْكَرَ ومِن الفُراتِ إلى ما وراءِ الكُوفة ومَوضِعُهم هو الذي يُقال له السَّوادُ وكانت مُلوكُهم تَنْزِل بابِلَ وكان الكَلْدانِيُّون جُنودَهم فلم تَزَلْ مَملكتُهم قائمةَ إلى أن قُتِل «دارا» آخِرُ مُلوكهِم ثم قُتِل منهم خَلْقٌ كثيرٌ فذَلُّوا وانقطع مُلْكُهم.[la 142]

يَقول «أبو المُنْذِر الكلَبِي»:

إنّ مَدينةَ بابِلَ كانت اثْنَى عشَرَ فَرسَخاً في مِثل ذلك وكان بابُها مِمّا يَلي الكُوفَة وكانت الفُراتُ تَجرِي ببابِلَ حتّى صَرَفها بخْتُنَصَّر إلى مَوضعِها الآن مخَافَة أن تَهْدِمَ عليه سُورَ المدينة؛ لأنها كانت تَجْرِي معه. قال ومدينةُ بابِلَ بَناها «بيوراسف الجَبّار» واشتقَّ اسمَها من اسمِ المُشْتَرِي؛ لأنّ بابِلَ باللِّسان البابِلي الأوّلِ اسمٌ للمُشْتَرِي. والبابِلِيُّ السَّمُّ كالبابِلِيَّةِ فنِسبَتُه إلى بابِلَ كنِسبَةِ السِّحرِ والخَمرِ إليها وبهِ فَسَّر «السُّكَّري» قولَ «أبي كَبِيرٍ الهُذَلِي» عِندَما كانَ يَصِف سِهاماً:[la 143]


يَقول «أبو عَبدُ ألله الحَمَوي»:

بابِلْيُون (الباء الثانية مكسورة، واللام ساكنة، وياء مضمومة، وواو ساكنة، ونون)، اسمٌ عامٌّ لِديارِ مِصْرَ بلُغة القُدماء، قيل هو اسمٌ لموضِع الفُسطاط خاصَّةً فذكر أهلُ التَّوراة أن مُقامَ «آدمَ» كان ببابِلَ فلمّا قَتل «قابِيلُ» «هابِيلَ» مَقتَ آدمُ قابِيلَ فهرَب قَابِيلُ بأهلِه إلى الجِبال عن أرضِ بابِلَ فسُمِّيتْ بابِلَ يعني به الفِرقَةَ فلما مات آدَمُ ونُبِّئ «إدريسُ» وكَثُر ولد قابِيلَ وكَثُر منهم الفسادُ دعا إدريس ربَّه أن ينقُلَه إلى أرضٍ ذاتِ نَهْرٍ مثلِ أرضِ بابِلَ فأُرِىَ الانتقالَ إلى مِصْرَ فلمّا ورَدها وسكَنها واستطابها اشتَقَّ لها اسماً مِن معنى بابِلَ وهو الفِرقةُ فسمَّاها بابِلْيُون ومعناها الفِرقَةُ الطَّيِّبَةُ.[la 144]

في عَالم العُصور الوسطى الأوروبية، تَظهَر صورة بَابِل أكثر غموضًا وسَوداوية، استنادًا إلى النُصوص التوراتية، وفي وَصف المًخطوطات تظهر كمَدينة كبيرة تَتَعدى هَندستها المِعمارية تقاليد الزَمن.[228] مع إعادة اكتشاف نُصوص المؤرخين الأغريق من القرن الخامِس عشر الميلادي، يمكن جعل تخَيُلات عِمارتها أكثر دقة، من خلال إدراج حَدائِقُها المُعلقة. هذه، التي اعتُبِرت إحدى عَجائب الدُنيا السَبع، تُساعد على إنشاء صورة واقِعية للحضارة المُرتبطة بهذه العاصِمة القَديمة. لكن أهم ما يُثير اهتمام مؤرخي العالم المَسيحي في بَِابِِل هُما جانبين من جَوانب المَدينة فَقط، أسطورة بٌرجَها المَهيب واستخدامها كرمز للشَر.

تُعد أسطورَة بُرج بَابِل أحد العَوامل الرَئيسية لذكرى المَدينة الخالدة في العالم المَسيحي. تقرأ هذه الأسطورة قبل كُل شَيء في ضَوء سلبي، بحيث تُمَثل تَجسيدًا لخطيئة الكبرياء الدالة على غُرور الرٍجال الذين شَتَتهُم التفويض الإلهي لسَعيهُم إلى رَفع مُستوى أنفُسَهُم أكثر مِنَ اللازم.[la 145] أصبحَ بُرج بَابِل مَوضوعًا أيقونيًا غزير الإنتاج للغاية خلال العُصور الوسطى،[229] بل وأكثر مِن ذَلكَ في العُصور الحَديثة بينَ القِرنين السادِس عَشر والسابِع عشر.[230] خِلال هذه الفترة الأخيرة تم تفَسيره بطَريقة أكثر غموضًا وفقًا لتطورات الزمن، ولكن دائمًا كرمز للفَخر، وبطريقة أكثر إيجابية، كَون الإنسان إذا وَثَقَ بوسائله سَيَنجَح أذا حاوَل الوصول إلى غاية. في التَمثيلات، يتخذ البرج أشكلًا مُتنوعة (هرمي، مخروطي، حلزوني، إلخ)، مِما يَعكس الاتجاهات المِعمارية لوقت رَسم اللوحة أو مُجَرد خَيال الفَنان.

أخذَ اسم بَابِل يُصبح تدريجيًا دَلالة سِلبية مَشؤمة في العالم المَسيحي، نَتيجةً مُباشرةً للصورة التي خَلفتها روايات الهَزيمة وَما تَلاها مِن السَبي الذي أصابَ سُكان يهوذا في زمن المَلك «نبوخذ نصر الثاني». تشهد نُصوص آباء الكنيسة على قِلة مَعرفتهُم بالتاريخ الحَقيقي لهذهِ المَدينة، وأتِخاذَهُم بدلًا مِن ذلك الرؤية السلبية المُتخيلة لها كنَهج ثابِت، نَهج ظلَ راسِخًا في التَقليد الَمسيحي بَعدَ ذلِك لسنين.[231] أصَبحت بَابِل رمزًا للخطيئة والاضطهاد، وتمَ أعتِبار رُومَا "بَابِل الجَديدة" في وَقت اضطِهاد المُجتمعات المَسيحية الأولى، ثمَ بَعدَ ذلِكَ بكثير عِندما شَبَهها الراهِب الألماني ومُطلق عَصر الإصلاح، «مارتن لوثر» مَع مَدينة البابا، باعتِبارها مَدينة الخطيئة، متخذًا "عاهِرة بابل" في سَفر الرؤيا تَشبيهًا لَها.[232] في الأيقونات الأوروبا للعَصور الوسطى، في كل منَ الغَرب والشَرق في بيزنطة وروسيا القَيصرية، عُرِفَت بَابِِل كمَدينة الشَر، ورُبِطَت بالثُعبان الذي أخرج «آدم» مِن الجَنة.[233] المَدينة التي تَميزَ مَصيرُها بنهاية كارثية، ألا وهيَ سُقوطها وهجر سُكانها لها. هذه الصورة السلبية لبَابِل صَمدت أمام اختبار الزمن. وهكذا، لا تزال العَديد من الحَركات المَسيحية في الولايات المتحدة اليوم تَستَخدم الاستعارة البَابِلية لوصف أعمال الأضطِهاد، ويشار أحيانَا إلى مَدينة نيويورك باسم "بَابِل الجَديدة".[234] نجد أيضًا هذا الاستعمال لاسم المَدينة يُستَخدَم لإدانة القهر والفَساد في خِطابات أعضاء الحَركة الراستافارية وفي الأنماط المُسيقية المُختلفة (الريغي، الراب).[235] الماسونية، التي لها نُسختها الخاصة مِن الأساطير التوراتية، اعتبرت بَابِل مَسقط رأسِها وملاذَ العِلم والمَعرفة.[236]

مُنذ القرن الثامِن عَشر، تجرأَ بَعضُ الكُتاب والمؤرخين منَ الذين أنتَقَدوا السُلطات الدينية المُتَزَمِته، بتَصحيح الصورة السلبية التي عُرِفَت بِها بَابِل زورًا. عَلى سَبيل المِثال فَيلسوف عَصر التَنَوير الألماني، «فولتير»، الذي أشار إلى بَابِل في العَديد من مؤلفاته،[237] بالتَحديد في قِصته الفَلسفية "أميرة بَابِل".(ملاحظة ع) في بِداية القِرن التاسِع عَشر، أدت الحَرَكة الرومانسية وخاصة الجانِب الاستشراقي مِنها، إلى بِزوغ اهتمام جَديد بالماضي القديم لـحَضارات شُعوب الشَرق الادنى، وهي حَركة رافقت الحِفريات الأولى للمَواقع القديمة في الشَرق الأوسط (لَم تَكن تَخص بَابِِل في البداية)، وأوضحت تدريجيًا المَعرفة التي كانَت تَتَواجد بقوة في التُراث اليوناني والروماني والتوراتي لهَذه المَدينة.[238] ظهرت بَابِل في الأعمال الفَنية لهَذه الفترة، مِنها لوحة "موت سارادانابلوس" لـ«يوجين ديلاكروا» (1827) وأوبرا "نابوكو" لـ«جوزيبي فيردي» (1842). من مَطلع النِصف الثاني مِنَ القِرن التاسِع عَشر، أُخِذت الاكتِشافات الأثرية في عَين الاعتبار، عِندَ مُحاولة تَصوير بَابِل في أي شَكل مِن اشكال الفنون، كما أن التمثيلات الفنية لبِلَادِ الرَّافِدَيْنِ بَدأت بالأقتِراب مِن مَظهرها الفعلي، أولاً في اللوحات الفَنية، مثل لوحة "سوق الزَواج البَابِلي" للرسام المُستشرق «إدوين لونج» (1875)،(ملاحظة ش) وفي وَقت لاحِق في فيلم "التعصب" للمُخرج الألماني «ديفيد وارك جريفيث» عام (1916).(ملاحظة د)[239] مُنذ ذلِكَ الحين، ظهرت بَابِل في أشكال مُختلفة منَ التعبير الفَني (الأدب، الفنون، السينما، ألعاب الفيديو، وما إلى ذلِك) والتي استَلهَمت تَصويراتُها لبَابِل أعتمادًا على الحالة الفعلية للمَدينة، بدلًا من تَقاليد عافَ عَليها الزَمنْ.[240]

في مايو 2009، أعادَت مُحافظة بَابِل فتحَ موقع المَدينة للسائِحين، وزارَه أكثر من 35000 شَخص في عام 2017. بَعدَ أن أعلنت مُنظمة الأمم المُتحدة للثقافة والعلوم «يونسكو» يوم 5 يوليو، 2019 إدراجَها بالإجماع، لمدينة بَابِل ضمن مواقع التراث العالمي، بَدأت المَدينة بأستَقبَال آلاف الزوار كُل عام.[241][242] يُقيم اليَوم الآلاف مِنَ الناس داخِل مُحيط الأسوار الخارجية للمدينة القديمة، وتتطور المُجتمعات داخِلها وحولها بسرعة "مِن مُستوطنات متراصة كثيفة إلى ضواحي مُترامية الأطراف على الرغم من القوانين التي تُقيد البِناء".[6][243][244]

الهَيئة العِراقية العامة للآثار والتُراث هيَ السُلطة الرئيسية المسؤولة عن الحفاظ على المَوقع الأثري، والتي يَقع مَقروها داخِل حُدود الأسوار الداخِلية القَديمة للمَدينة على الجانِب الشَرقي. ويُشارك الصُندوق العالمي للآثار أيضًا في أعمال البَحث والحِفظ، بين عامي 2009 و 2015، تعاون الصندوق مع الهيئة العراقية العامة للآثار والتراث لتوثيق مَدينة بَابِل، واستِكمال مسوحات الحالة، وتطوير خُطط الحفظ. في غضون ذلك الوقت، أكملت خُطة إدارة الموقع التي عالجت قضايا مثل تحديد حدود المَناطق التي قد تحدث فيها الحفريات المُستقبلية؛ وتصميم طُرق لاستيعاب السائِحين بشكل فعال.[245]

في 9 مايو، 2022 زار وَفد ألماني يَتَكون من أعضاء تابِعين لمُتحَف بيرغامون وجامعة فرانكفورت مَدينة بَابِل، لخَلق تَعاون مُشترك بينَ الهيئة العِراقية العامة للاثار والتراث وبَين الجانب الالماني من أجل التركيز على صيانة المَباني الاثرية وخصوصًا المَعابد والقُصور التي تَعرضت إلى اضرار. كذلك أجرى الوَفد مسحوات جيوفيزيائية للتلال التي لم تَشهد اي تنقيبات سابقة.[la 146]

يَقَرُّ بِعَيني أَن أَرى أَرضَ بابِلٍ

الإسكندر الأكبر يتسلم مفاتيح بابِل بريشة يوهان جورج بلاتزر 1750.

بنات اورشليم يبكين على ضفاف نهر الفُرات بريشة جون مارتن 1834.

نقش خشبي من عام 1493، يصور سقوط بَابِل.

سقوط بَابِل، بريشة مارتن فان هيمسكيرك 1569.

اسوار بابل بريشة انطونيو تمبيستا 1610.

رؤيا اشعيا عَن تدمير بابِل بريشة غوستاف دوريه 1866.

الإسكندر يدخل بابل ، بريشة تشارلز لوبرون 1665.

عَمل فني يُصور بابل من القرن التاسع عشر.

نقش خشبي من القرن الخامس عشر، يصور سقوط بَابِل.

عَمل فني يُصور بابل من القرن التاسع عشر.

عَمل فني يُصور بابل من القرن العشرين.

عَمل فني يُصور بابل من القرن العشرين.

بريشة يان مايكر 1650.

بريشة بيتر بروخل الاكبر 1565.

بريشة فرانس دي مومبر من القرن السابع عشر.

بريشة فرانس دي مومبر من القرن السادس عشر.

بريشة مارتن فان فالكنبورش 1595.

بريشة مارتن فان فالكنبورش 1595.

بريشة ابيل جريمر من القرن السادس عشر.

بريشة ابيل جريمر من القرن السادس عشر.

بريشة لوكاس فان فالكنبورش 1594.

بريشة ابيل جريمر من القرن السادس عشر.

بريشة ابيل جريمر من القرن السادس عشر.

بريشة فنان هولندي مجهول من القرن السابع عشر.

بريشة فنان هولندي مجهول من القرن السادس عشر.

بريشة فنان هولندي مجهول من القرن السابع عشر.

بريشة فنان مجهول من القرن السابع عشر.

بريشة لوديويجك تويبوت 1583.

بريشة فريدريك فان فالكنبورش 1600.

بريشة فنان مجهول 1601.

بريشة بيتر شوبروك من القرن السادس عشر.

بريشة مارتن فان فالكنبورش 1595.

بريشة بيتر بالتنس من القرن السادس عشر.

بريشة مارتن فان فالكنبورش 1595.

بريشة مارتن فان فالكنبورش 1600.

بريشة توبياس فيرهاشت من القرن السادس عشر.

بريشة هندريك فان كليف الثالث من القرن السادس عشر.

بريشة هندريك فان كليف الثالث من القرن السادس عشر.

بريشة هندريك فان كليف الثالث من القرن السادس عشر.

بريشة فنان مجهول من القرن السادس عشر.

بريشة الكسندر ميخالشيك 2019.

بريشة فرانس دي مومبر من القرن السادس عشر.

بريشة فنان مجهول من القرن السادس عشر.

بريشة بيتر بروخل الاصغر 1595.

بريشة هانز بول من القرن السادس عشر.

بريشة فرانسوا دي نومي من القرن السادس عشر.

عَرَبية

أجنَبية

City plan of Nineveh
Plan of the Kuyunjik mound in Nineveh
(يَمين) خَريطة لبَابِل الاثَرية مِن كِتاب "رِحـلات فـي كِـلـدا" للمُستَكشِف الفَرنسي «روبرت ميجنان» الصادر سَنة 1829، قَبلَ أن تَبدَأ أعمَال التَنقِيب. (يَسار) خَريطة لبَابِل الاثَرية مَع مَناطق المَدينة الرئيسية والقُرى الحَديثة، 2021.
قافِلة الأطواف الفَرَنسية التي تَعَرَضت للهُجوم.
City plan of Nineveh
Plan of the Kuyunjik mound in Nineveh
(يَمين) تَنقيباتُ البِعثة الألماني مَطلع القرن العشرين. (يَسار) مَسؤول البِعثة، عالمُ الأثار الألماني «روبرت كولدفاي».
City plan of Nineveh
Plan of the Kuyunjik mound in Nineveh
أُعيدَ بِناء وَتَجميع جُدران شارِع المَوكب وبوابة عشتار في متحف بيرغامون في برلين.
قَصر «صدام حسين» في بَابِل.
City plan of Nineveh
Plan of the Kuyunjik mound in Nineveh
(يسار) طابوق مَفخور مَختوم، في أحد جُدران القَصر الجنوبي للملك «نبوخذ نصر الثاني» الذي اعيد بناؤه في الثمانينات مَع مَدينة بَابِل الأثرية، يَحمل أسم «صدام حسين» مؤرخ 1989. (يمين) تَمَت أزالة طابوق مُماثل، في فَترة ما بَعدَ 2003.[21]
نُطُق أسم بَابِل بالعَرَبية.
City plan of Nineveh
Plan of the Kuyunjik mound in Nineveh
(يَسار) اِنْقَاضَّ بَابِل عَام 1932. (يَمين) بَابِل الْيَوْم.
أراضي الإمبِِراطورية البَابِلية عِندَ أستلام «حمورابي» دَفة الحُكم عام 1792 ق.م، مُقارنة مع أراضي الإمبِراطورية عِند وَفاته عام 1750 ق.م.
لَوح بَابِلي مِن الفَترة الكيشية، يُصور خَريطة لمَدينة نيبور المُجاورة لبَابِل، 1550-1450 قَ.م، مُتحَف واشنطن الوَطَني.
City plan of Nineveh
Plan of the Kuyunjik mound in Nineveh
(يَسار) رسم مِن القُرن العشرين، يوَضح التَدمير الذي خَلَفه «سنحاريب» خِلال حَملَته عَلى بَابِل. (يَمين) مَسَلة تُصَور سُجَناء بَابِليون تحتَ الحِراسة الآشورية، مِن عَهد «آشوربانيبال» 668-630 ق.م. المُتَحف البِريطاني.
City plan of Nineveh
Plan of the Kuyunjik mound in Nineveh
حِدود الإمبِراطورية البَابِلية الحَديثة في أقصى أتِساعَها.
أسطوانة نابونيد، تَصِف إصلاحَات المَلِك لمَعبد إله القَمر سين فِي أور، مَع الصَلاة لابنَه بيلشاصر، 555-539 ق.م. المُتَحف البِريطاني.
اسطوانة قورش، يُخاطِب فِيها المَلِك سُكان بَابِل، مِن أجل اقناعَهُم بانَ الاله مَردوخ أرسَله ليُخَلِصَهُم مِن حُكم «نبو نيد»، 539–538 ق.م. المُتحف البريطاني.
City plan of Nineveh
Plan of the Kuyunjik mound in Nineveh
(يَسار) مُفكرة فلكية بَابِلية من 323-322 ق.م، تُورخ وفاة «الإسكندر الأكبر». المتحف البريطاني. (يَمين) عُملة مِنَ الذَهب سُكة في بَابِل خِلال عهد المَلك فيليب الثالث، أخ «الإسكندر» غَير الشَقيق. 323-317 أو 297 ق.م، مُتحَف اللوفر.
City plan of Nineveh
Plan of the Kuyunjik mound in Nineveh
(يَسار) مُخطط لمَسرح بَابِل الهيليني والمبنى المُجاور. (يَمين) المَسرح بَعدَ أن أُعيدَ تَرميمُه خِلال ثَمانينيات القِرن المَاضي. يَتَسِع لـ2500 مُتَفرج ويُستَعمَل اليوم لأقامَت الحَفلات الموسيقية والعُروض المَسرحية والمُناسَبات.
أسد بَابِل، أحد أشهَر مَعالم المَدينة. من عَهد «نبوخذ نصر الثاني»، القرن السادِس قبل الميلاد. بَابِل، العراق.[la 19]
خَريطة لبَابِل الاثَرية مَع مَناطق المَدينة الرئيسية والقُرى الحَديثة، 2021.
خَريطة بوتينغرية من القرن الثالث عَشر تُظهر مَوقع بَابِل وسلوقية.
أسوار بَابِل بعد أن أُعيدَ بنائُها مؤخرًا.
نَموذج يُصَور شارِع المَواكب وبَوابة عُشتار، مُتحف بيرغامون، برلين.
أعيد بناء وَتَجميع جُدران شارع المَوكب وبوابة عُشتار في مُتحف بيرغامون، برلين.
جُزء مِن لوح يُمثل مُخطط داخِلي لمَدينة بَابِل، المَنطقة الظاهرة في اللوح هي "طوبا"، مَنطَقة تَقع جَنوب غَربِ المَدينة الداخلية لبَابِل. يمكن رؤية القناة التي تَعبُر المَنطقة قَد كُتبَ عَليها اسم "توبا" وجزء من سور المَدينة، وباب كُتب عليه باب شمش. 600-500 ق.م، المُتحف البريطاني.
City plan of Nineveh
Plan of the Kuyunjik mound in Nineveh
(يَسار) مخُطط داخلي لمَدينة بَابِل في القرن السادس قبل الميلاد. بعد أعمل الاعِمار التي قام به «نبوخذ نصر الثاني» ووالده «نبوبولاسر». (يَمين) مُخطط أحد البيوت المَوجودة في المَنطقة الداخلية لَمَدينة بَابِِل، 1. الدهليز 2. الفِناء الرئيسي 3. الحَمامات 4. المطبخ 5. غُرف خاصة.
بِِلاطات شارِع المَوكب الأصلية في مَدينة بَابِل. الفَترة البَابِلية الحَديثة، عَهد «نبوخذ نصر الثاني»، 605-562 ق.م.
City plan of Nineveh
Plan of the Kuyunjik mound in Nineveh
(يَسار) تِمثال رَجٌل من الخَزَف، يَعود إلى فترة السُلالة البَابِلية الحَديثة، أواخر القرن الثامن - أوائل القرن السابع ق.م. متحف المتروبوليتان للفنون. (يَمين) تِمثال أمراة من الطين، يَعود إلى فترة السُلالة البَابِلية الاولى، 1700-2000 ق.م. المتحف البريطاني.
City plan of Nineveh
Plan of the Kuyunjik mound in Nineveh
(يَمين) مَشهد مُوسِيقي لأنثى تَعزُف على القِيثارة، بَينما يَعزف شَخص أخر على الدَف. مِنَ فَترة السُلالَة البَابِلية الأولى، القرن التاسِع عَشر والسابِع عَشر قبلَ المِيلاد. مُتحف بِيرغامون. (يَسار) لَوح يُصور امرأة بَابِلية ترُضِع طِفلها. تَرتدي عُقودًا وفُستانًا يَصل إلى الكاحِل، وتَجلس على ما يبدو أنهُ كُرسي. 2003-1595 ق.م. مُتحف السُليمانية.
سوق الزَواج البَابِلي، بِريشة إدوين لونغ، 1875. مُتحَف كُلية رويال هولواي، لَندن.
City plan of Nineveh
Plan of the Kuyunjik mound in Nineveh
(يَمين) تِمثال صَغير مِنَ المَرمر لإلهة عارية عُثر عَليه داخل قَبر في بَابِل، القرن الأول قبل الميلاد، متحف اللوفر. (يَسار) جَرة زُجاجية عُثر عَليها داخل تابوت بيَضاوي في بَابِل. النصف الثاني من القرن السادس قبل الميلاد. متحف بيرغامون.
تِمثال لارسا، عِبارة عَن تِمثال صَغير لرَجُل راكِع، كَرَسه أحد سُكان مَدينة لارسا للإله أمورو مِن أجل حِماية الملِك «حمورابي». مُتحف اللوفر.
City plan of Nineveh
Plan of the Kuyunjik mound in Nineveh
(يَسار) مُخَطط القَصر الجَنوبي، أ ، ب ، س ، د ، ي: الساحات الرئيسية. 1: غُرفة العَرش، 2: مَبنى مُقبب، 3: مَعقل غربي، 4: مَبنى فارسي، 5: بَوابة عُشتار. (يَمين) إحدى زَخارف الآجر المُزجج على جُدران غُرفة العَرش في القَصر الجَنوبي. متحف بيرغامون.
مَنظر بانورامي للقََصر الجَنوبي الذي أعاد المَلِك «نبوخذ نصر الثاني» بناؤه، تُحيط بالقَصر مَتاهه تُستَخدم كوسيلة دِفاعية ضِد الدُخلاء، القرن السادس قبل المِيلاد، بَابِل، العراق.
أنقاض القَصر الشِمالي لبَابِل.
قِطاع القُصر في الوَقت الحاضِر، يَقَع القَصر الجَنوبِي الذي أعِيدَ بِناؤه على اليَمين بَينما تَتَوجد أطلال القَصر الشِمالي في الوَسط. شارِع المَوكب وراءَهُم.
عَمل فني يُصَور حَدائق بَابِل المُعلقة.
«نبوخذ نصر الثاني» يأمر ببناء حَدائق بَابِل المُعَلقة، بريشة «رينيه أنطوان» 1676.
City plan of Nineveh
Plan of the Kuyunjik mound in Nineveh
مَسَلة من زَمَن المَلك البَابِلي «ميلي شيباك الثاني» تُصور الإله مَردوخ مع خادِمه التنين موشوسو. كانَ هذا هو التصوير الرئيسي لعِبادة مردوخ في بَابِل.
City plan of Nineveh
Plan of the Kuyunjik mound in Nineveh
(يَسار) خَريطة المَناطق المُنَقَب عَنها في مَجمع مردوخ، إلى الجَنوب يَقع مَعبد إيساجيل، وإلى الشِمال زقورة إيتيمينانكي مَع سياجها الكبير. (يَمين) لوح إيساجيل، الذي اعطى ابعاد وقياسات المَعبد. متحف اللوفر، من أوروك، القرن الثالث قبل الميلاد.
City plan of Nineveh
Plan of the Kuyunjik mound in Nineveh
مَسَلة بَابِلية تمَ العُثور عَليها عام 1911، تَحمل نَقش يُصَور المَلك «نبوخذ نصر الثاني» وزَقورة إيتيمينانكي. (تَم أبراز النقوش باللون الاصفر).
City plan of Nineveh
Plan of the Kuyunjik mound in Nineveh
(يَمين) مُخَطَط يُبَين الأرتِفاع المُقتَرح لزَقورة إيتيمينانكي. (يَسار) أعادة بِناء حَديثة للزَقورة، مَبنية على تَصوير من مَسَلة بَابِلية مُكتَشَف .
City plan of Nineveh
Plan of the Kuyunjik mound in Nineveh
(يَمين) مَشهَد جوي لبقايا زَقورة إيتيمينانكي. (يَسار) بَقايا الاساسات.
City plan of Nineveh
مُخَطط مَعبد ننهورساج الواقِع بالقُرب مِن بوابة عشتار.
(يَسار) مُخَطط مَعبد ننهورساج الواقِع بالقُرب مِن بوابة عشتار. (يَمين) واجِهة المَعبد بَعدَ أن أعيدَ بِناؤه مؤخرًا.
City plan of Nineveh
Plan of the Kuyunjik mound in Nineveh
الموشوسو (يَسار)، الثُعبان التنين، رمز الإله مَردوخ، بَينما كانت الأسود واحِدة مِن رُموز الالهة عُشتار الرئيسية. تَفاصيل بوابة عشتار، متحف بيرغامون، برلين، القرن السادس قبل الميلاد.
لَوح مِسماري بَابِلي مَحفوظ داخل مُغَلف، يَعود ألى 1700-1800 ق.م. مُتحف جنيف للفن والتاريخ، سويسرا.
رَصد لمُذنب هالي مُسجل بالمِسمارية على لَوح مِنَ الطين بَين يوم 22 و 28 من سبتمبر 164 ق.م، من بَابِِل، العراق. المتحف البريطاني.
الأرقام المِسمارية البَابِلية.
اللوح "واي بي سي 7289" الذي يُعطي القيمة المقربة لـ . مَكتبة جامعة ييل، كنتيكت، الولايات المتحدة الأمريكية.
City plan of Nineveh
Plan of the Kuyunjik mound in Nineveh
(يَمين) لَوح رِياضي جَبري هَندسي، يُناقش نِظام مُشابه لنِظام الهندسة الإقليدية. مِن تل حرمل، (يَسار) لَوح رِياضي جَبري هَندسي، مُشابه لنظرية فيثاغورس. من تل الضباعي. 2003-1595 قَبل الميلاد. المتحف العراقي.
لوح طين بَابِلية مِن عَهد المَلك «نبو أبلا إيدينا» 888-855 ق.م، يُدون خَطوات أنشاء ساعة مائية. المتحف البريطاني.[207]
City plan of Nineveh
Plan of the Kuyunjik mound in Nineveh
اللوح المَعروف بـ"خَريطة العالم البَابِلي" والذي يَضَع بَابِل في مَركز العالم. المتحف البريطاني.
عَمل فني مُعاصر يُصور بَابِل في أوج مَكانَتها.
حَدائق بَابِل المُعلقة، بريشة «فرديناند كيناب» 1886.
سُقُط بَابِل، بريشَة «جون مارتن» 1831.
يمثل ديكور عِمارة بَابِل في فيلم "التعصب" لـ«لديفيد وارك جريفيث»، مَزيج بين العِمارة الآشورية ومَوضوعات أخرى من حَضارات خارِج بِلَادِ الرَّافِدَيْنِ.
سُياح في بَابِل، بِعَدَسة «لَطيف العانِي»، 1970.