النوبة

بلاد النوبة هي المنطقة التاريخية الممتدة على طول نهر النيل من الشلال الأول جنوب أسوان شمالاً إلى جنوبي التقاء النيلين الأزرق والأبيض جنوباً.[1][2] كانت بلاد النوبة مقراً لواحدة من أقدم الحضارات في أفريقيا القديمة، وهي حضارة كرمة التي استمرت من حوالي 2500 ق.م حتى غزوها من قبل المملكة المصرية الحديثة تحت حكم تحتمس الأول حوالي 1500 ق.م. حتى تفكك المملكة نحو 1070 ق.م.[3] كانت النوبة موطنًا للعديد من الإمبراطوريات القديمة، منها مملكة كوش، التي غزت مصر سنة 727 ق.م. في عهد بعنخي[4] وحكمت البلاد باعتبارها الأسرة الخامسة والعشرين حتى نحو 656 ق.م.[5]

وقد غزا الأحباش مروي على يد الملك عيزانا حاكم مملكة أكسوم مما عجّل بسقوط مملكة كوش بعد أن عاشت لأكثر من ألف عام، وشهدت النوبة بعد ذلك صعود ثلاث ممالك مسيحية، نوباتيا، المقرة وعلوة. بعد سقوط الممالك النوبية الثلاث انقسمت النوبة إلى النصف الشمالي الذي غزاه العثمانيون والنصف الجنوبي لسلطنة سنار في القرن السادس عشر، توحدت النوبة مرة أخرى على يد محمد علي باشا مع إيالة مصر في القرن التاسع عشر. واليوم تنقسم منطقة النوبة الحديثة بين مصر والسودان. يسمى العلم الأثري الذي يدرس النوبة القديمة علم النوبيات.

اسم النوبة مشتق من قبائل النوبة البدو، أو النوبادي، والذين استقروا في المنطقة في القرن الرابع الميلادي، بعد انهيار مملكة كوش (بعاصمتها مروي).

كانت النوبة تنقسم إلى منطقتين رئيسيتين: النوبة العليا والنوبة السفلى، وتم تسميتها بذلك بسبب موقعها في وادي نهر النيل، وتقع النوبة السفلى (والتي كانت تسمى بالواوات)[6] بين الشلال الأول والثاني، وتشمل هذه المنطقة جنوب مصر الحديثة وشمال السودان، في حين تقع النوبة العليا (والتي سميت بكوش في عهد الأسرة المصرية الثانية عشر وأسماها اليونانيون إثيوبيا)[6] بين الشلال الثاني والشلال السادس لنهر النيل، أي في شمال ووسط السودان الحديث. واليوم اقتصر لفظ النوبة على منطقة أصغر، تقع جنوب مصر وشمال السودان.[7]

نشأت المستوطنات المبكرة في النوبة العليا والسفلى، وأشار المصريون إلى النوبة ب"تا-سيتي"، أو "أرض القوس" حيث كان معروفا عن النوبيين أنهم رماة ماهرون.[8] وعادة ما يشير العلماء الحديثون إلى الناس من هذه المنطقة ب"المجموعة (أ)".

شارك أفراد المجموعة (أ) في التجارة مع المصريين، وتوجد دلائل أثرية على وجود كميات كبيرة من السلع المصرية المودعة في قبور أفراد المجموعة (أ)، وتتألف الواردات من أجسام ذهبية، وأدوات نحاسية وتمائم من القشور والخرز، وأختام، وألواح حجرية ومجموعة متنوعة من الأواني.[9] كما قام باحثون بعمليات تنقيب في قسطل، في الفترة 1960-64، ووجدوا قطعاً أثرية تضمنت صورًا مرتبطة بالفراعنة المصريين. من هذا خلص ويليامز إلى أن "مصر وحضارة المجموعة أ في النوبة تشاركتا نفس الثقافة"، وأن قسطل "ربما كانت مقراً للأسرة المؤسسة في مصر".[10][11] كتب ديفيد أوكونور أن موقد البخور في قسطل يقدم دليلاً على أن الثقافة النوبية من المجموعة أ في قسطل كانت بمثابة "التغيير المحوري" من فن ما قبل الأسرات إلى "الفن الأثري المصري".[12] ومع ذلك، "لا يتفق معظم العلماء مع هذه الفرضية"،[13] حيث تشير الاكتشافات الحديثة في مصر إلى أن هذه الأيقونات نشأت في مصر وليس في النوبة، وأن حكام قسطل تبنوا وقلدوا رموز المصريين القدماء.[14][15][16][17][18] وتوصلت دراسات حديثة إلى أن أنماط الفخار المتميزة وممارسات الدفن المختلفة ومحتويات القبور المختلفة وتوزيع المواقع كلها تشير إلى أن حضارة نقادة بصعيد مصر وأفراد المجموعة النوبية كانوا من ثقافات مختلفة. كما صرحت كاثرين بارد بأن "المدافن الثقافية في نقادة تحتوي على عدد قليل جداً من السلع الحرفية النوبية، مما يشير إلى أنه في حين تم تصدير البضائع المصرية إلى النوبة ودفنها في قبور المجموعة الأولى، إلا أنه لم يكن هناك اهتمام بسلع النوبيين بالشمال.[19]

انتهت حضارة المجموعة الأولى حوالي 3100 قبل الميلاد، عندما تم تدميرها، على ما يبدو من قبل حكام الأسرة الأولى في مصر.[20]

بدأت المجموعة (أ) في التدهور في أوائل القرن الثامن والعشرين ق.م، وقد هبطت مجموعة إلى المنطقة فوجدت حضارة المجموعة (أ) في حالة من الضعف والانهيار، مما جعل المجموعة الجديدة (ب) تسيطر على المنطقة،[21] لكن العديد من العلماء أثبتوا أن المجموعة (ب) ماهم إلا أحفاد المجموعة (أ) عادوا في وقت لاحق إلى النوبة، أو جزءا وسيطا بين المجموعتين (أ) و (ج).

قاد الملك سنفرو (حوالي 2575 قبل الميلاد) غارة على النوبة وأنشأ موقعًا مصريًا في بوهين. خلال فترة الأسرة السادسة، بدأ حكام أسوان المصريون حملات تجارية بعيدة المدى، مقترنة أحيانًا بالغارات العسكرية. سكن سكان جدد (يطلق عليهم المجموعة ج من قبل علماء الآثار) الواوات، بينما احتلت مجموعة معروفة في الوقت الحاضر باسم حضارة كرمة منطقة كوش.[6] بعد غزو المنطقة في عهد المملكة المصرية الحديثة، تم تمصير سكان المجموعة ج في النوبة السفلى حتى اختفت ثقافتهم السابقة.[6]

قامت حضارة كرمة قبل نحو 2500 عام قبل الميلاد في مدينة كرمة، وتعتبر واحدة من أقدم المراكز الحضارية في وادي النيل، وقد تحدث سكانها بلغة كوشية.[22][23][24] ومن المرجح أن سكان منطقة حضارة كرمة هم الأصل الذي يرجع إليه الكوشيون.[25] بحلول عام 1750 قبل الميلاد كان ملوك كرمة أقوياء كفاية لإنشاء جدران هائلة وهياكل ضخمة من الطوب اللبن، كما كانت لديهم مقابر غنية بالممتلكات التي باعتقادهم ستذهب معهم إلى الآخرة.

ازدهرت المملكة من حوالي 2500 قبل الميلاد إلى 1500 قبل الميلاد في النوبة القديمة. تركزت حضارة كرمة في الجزء الجنوبي من النوبة، أو "النوبة العليا" (في أجزاء من شمال ووسط السودان الحالي)، ووسعت لاحقًا نفوذها شمالًا إلى النوبة السفلى وحدود مصر.[26] يبدو أن المملكة كانت واحدة من عدة دول في وادي النيل خلال عصر المملكة الوسطى المصرية. في المرحلة الأخيرة لمملكة كرمة، التي استمرت من حوالي 1700-1500 قبل الميلاد، استوعبت مملكة صاي وشملت المناطق ما بين الشلالين الأول والرابع، مما جعل مساحة سيطرتها تقارب جارتها الشمالية مصر.[27]

عندما تم إحياء السلطة المصرية تحت حكم المملكة المصرية الحديثة (1532-1070 ق.م)، بدأ المصريون بالتوسع جنوبا فدمروا مملكة كرمة، ووسعوا إمبراطوريتهم إلى الشلال الرابع، وبحلول نهاية عهد تحتمس الأول (1520 ق.م) تم ضم كل النوبة السفلى، كما بنى المصريون مركزا إداريا جديدا في نبتة.

أواني من جزيرة صاي، ثقافة كرمة، معروضة في متحف اللوفر.

الدفوفة الغربية

أطلال مدينة كرمة القديمة

وعاء من كرمة القديمة محفوظ في متحف الفنون الجميلة، بوسطن.

الدفوفة الغربية

بعد تفكك المملكة المصرية الحديثة استقل الكوشيون وأسسوا مملكتهم التي تمركزت في نبتة خلال مرحلتها المبكرة. وقد قام الكوشيون خلال تلك الفترة بغزو مصر تحت قيادة الفرعون بعنخي، وسيطروا على مصر في القرن الثامن ق.م، وقد حكموا مصر باعتبارهم الأسرة الخامسة والعشرين.[28]

قام الكوشيون بحكم مصر لمدة تقرب من مائة عام، ومن أشهر ملوك تلك الحقبة الفرعون النوبي طهارقة، وهو الخليفة الثالث لبعنخي، تم تتويجه في ممفيس بمصر وذلك عام 690 ق.م.[29] حكم طهارقة النوبة ومصر معا، وقام بترميم المعابد المصرية في الكرنك، كما قام ببناء العديد من المعابد والأهرامات الجديدة في النوبة، وذلك قبل أن يتراجع من مصر إلى النوبة بسبب ضغط الآشوريين.[30][31][32][33]

في 591 قبل الميلاد، حاول الملك الكوشي أسبالتا غزو مصر التي أصبحت تحت حكم الأسرة السادسة والعشرين إلا أنه هزم،[34] وتبع ذلك تعرض مملكة كوش لغزو أطلقه الفرعون بسماتيك الثاني. مما أدى لنهب مدينة نبتة؛[35] وذلك ما دفع الملك أسبالتا لتغيير عاصمته إلي مدينة مروي الأكثر أمناً، والمتمتعة بموقع استراتيجي وموارد طبيعية كبيرة.[36] وفي حوالي 300 قبل الميلاد، أصبح الانتقال إلى مروي أكثر اكتمالًا عندما بدأ دفن الملوك هناك، بدلاً من نبتة.

احتفظ الناس هناك بالعادات والتقاليد الفرعونية، ولكنهم كانوا فريدين من عدة نواحي. قاموا بتطوير شكلهم الخاص من الكتابة، حيث أنهم كانوا يستخدمون الأبجدية الهيروغليفية، واستبدلوها بنص أبجدي يتكون من 23 علامة.[37] ومنذ عهد الملك أركماني أصبح الملوك يدفنون في مروي.

قام الرومان باحتلال مصر عام 31 ق.م، وخلال تلك الفترة قامت العديد من المعارك بين الكوشيين والرومان، وقد اشتبكت القوات الرومانية مع جيوش الكوشيين بالقرب من طيبة، وفي تلك الفترة برزت الكنداكة أماني ريناس ملكة مروي التي قادت الجيوش النوبية وهاجمت أسوان وهزمت الجيوش الرومانية في أسوان وفيلة، وقامت بأخذ العديد من الأسرى من الرومان، وقامت بأخذ العديد من تماثيل الإمبراطور أغسطس، وقد وضعت التمثال البرونزي للإمبراطور أغسطس تحت مدخل قصرها حتى يدوس عليه كل من دخل وخرج من القصر.[38]

بعد هذا النصر الأولي قام الإمبراطور أغسطس بإرسال جيش إلى النوبة بقيادة بترونيوس الذي يشغل منصب الحاكم الروماني في مصر آنذاك، فضغطوا على الجيش الكوشي في أسوان فتراجعوا إلى المحرقة والدكة، وقد طاردتهم الجيوش الرومانية حتى تراجعوا إلى قصر إبريم، وقد هزمت الجيوش الرومانية أماني ريناس. أمر بترونيوس بإقامة حامية رومانية في قصر إبريم واعتبر ذلك نهاية الحدود الرومانية مع النوبة، وقد تقدمت الجيوش الرومانية جنوبا حتى وصلت إلى نبتة وهاجمتها. لاحقا تم توقيع معاهدة سلام بين الكوشيين والرومان بشروط ملائمة.[39] وقد زادت ونمت بعدها التجارة بين البلدين، واستمرت بعدها العلاقة سلمية بين البلدين.

وبحلول القرن الأول أو الثاني الميلادي بدأت المملكة تضعف تدريجيا حتى سقطت نهائيا على يد الملك المسيحي عيزانا ملك مملكة أكسوم (الحبشة).

تلت فترة انقضاء الحضارة المروية حقبة غامضة لا يعرف عنها الكثير لقلة المصادر عنها. في القرن الخامس الميلادي وبعد سقوط مروي بيد عيزانا أسس البليميون (جزء من البجا) دولة قصيرة العمر في النوبة تتمركز في الغالب حول كلابشة، ولكن تمت إزاحتهم من قبل الملك النوبي سليكو الذي انتصر عليهم وسجل نصره في نقش في معبد كلابشة وذلك حوالي 500 للميلاد. وبحلول القرن السادس الميلادي أصبحت هناك ثلاث ممالك نوبية في بلاد النوبة هي مملكة نوباتيا في الشمال وعاصمتها فرس، وفي الوسط مملكة المقرة وعاصمتها دنقلا العجوز، وفي الجنوب مملكة علوة وعاصمتها سوبا (بالقرب من الخرطوم).[40] وفي القرن السادس الميلادي تحولت هذه الممالك إلى المسيحية.

مملكة نوباتيا وتعرف أيضا بمملكة المريس،[41] تقع نوباتيا في النوبة السفلى، شمالاً تحدها مصر الخاضعة للرومان، وجنوبها تقع مملكة المقرة، ويعتقد أن المملكة كانت مستقلة بالفعل قبل السقوط النهائي لمملكة مروي في منتصف القرن الرابع الميلادي.[42] وقد دون ملك نوباتيا الملك سليكو انتصاراته على البليميين وهزيمتهم ودفعهم إلى الصحراء الشرقية. حول هذا الزمن تم تأسيس عاصمة نوباتيا في فرس، وبعد فترة وجيزة تحولت المملكة إلى المسيحية. لاحقا وفي ظروف غامضة تم اندماج مملكة نوباتيا مع جارتها الجنوبية مملكة المقرة، ومن غير المعروف ماذا حدث للأسرة المالكة في نوباتيا بعد ذلك.[43]

امتدت مملكة المقرة على طول نهر النيل من الشلال الثالث حتى جنوبي منطقة أبو حمد، وشملت كذلك أجزاء من شمال كردفان، ولاحقا شملت أيضا النوبة السفلى (مملكة نوباتيا). عاصمتها هي مدينة دنقلا، والتي تعرف الآن بدنقلا العجوز. بحلول القرن السادس الميلادي تحولت المملكة إلى المسيحية، وكانت المقرة من الدول القليلة في العالم التي صدت الفتوحات الإسلامية التي قادهتها الخلافة الراشدة وذلك عندما هزموا المسلمين في معركة دنقلا الأولى عام 642، وكررت المقرة هذا الانتصار في معركة دنقلا الثانية عام 652 عندما حاصرت الجيوش الإسلامية مدينة دنقلا بقيادة عبدالله بن سعد بن أبي السرح حتى ضربتها بالمنجنيق،[44] فأظهر الرماة النوبيون مهارتهم في تصويب الأسهم، حتى تم فك الحصار وتوقيع معاهدة البقط بين المسلمين والنوبة، واستمرت هذه المعاهدة نحو ستة قرون.[45]

كانت المرأة في النوبة تتمتع بمكانة عالية، فهن يحصلن على التعليم، ويمكنهن شراء وبيع الأراضي، كما أن نظام الوراثة في العرش كان أموميا، فكان الملك يورث لإبن الأخت، وهو ما مكن العرب من حكم بلاد النوبة فيما بعد.

ازدهرت المملكة ازدهارا كبيرا في الفترة من منتصف القرن الثامن إلى منتصف القرن الحادي عشر وعرفت هذه الفترة ب"العصر الذهبي" للمملكة، حيث بلغت قوتها السياسية ذروتها وكذلك تطورها الثقافي، وازدهرت فيها الفنون مثل اللوحات الجدارية والفخار المزخرف وتم بناء العديد من القلاع والكنائس. ومنذ أواخر القرن الحادي عشر والثاني عشر ميلادي بدأت المملكة تضعف تدريجيا، فبدأ المماليك في مصر بالتدخل في شؤون المقرة، وبدأت القبائل العربية بالتدفق نحو بلاد النوبة بأعداد كبيرة وهجرات متفرقة، وبحلول القرن الخامس عشر اجتاحت القبائل العربية البدوية معظم بلاد النوبة، مهاجرين إلى البطانة، الجزيرة، كردفان، دارفور. وعمرت المملكة بالعرب فتزاوج العرب مع النوبيين. وانتشر الإسلام بكثرة بين النوبيين فأصبحوا يدخلون الإسلام.

ولا يعرف التاريخ الدقيق لزوال المملكة ولكن عندما تغلب الفونج في بداية القرن السادس عشر على مملكة علوة في الجنوب وجاءوا إلى أرض المقرة ليضموها لم يجدوا أي سلطة مركزية تحكم الإقليم بكامله، بل وجدوها وحدات قبلية أو إقليمية صغيرة، وهذا من تأثير القبائل العربية.

تقع مملكة علوة جنوب مملكة المقرة، وعاصمتها سوبا التي تقع في الضفة الشرقية للنيل الأزرق، بالقرب من مكان التقاء نهري النيل الأزرق والأبيض، وقد شملت المملكة المنطقة الوسطى والجنوبية من بلاد النوبة. وقد ورثت مملكة علوة حضارة مروي المتداعية. تحولت المملكة إلى المسيحية كجاراتها في الشمال بحلول القرن السادس الميلادي. حيث علم ملك علوة بشأن تنصير مملكة نوباتيا، فطلب أن يرسل له أسقفا أسوة بنوباتيا ليتم تنصير شعبه أيضا، فتم تعميد الملك وأسرته والنبلاء في المملكة، وهكذا أصبحت علوة مملكة مسيحية رسميا.

يصف المؤرخون والرحالة العرب مملكة علوة بأنها كانت أكبر وأقوى من جارتها الشمالية، وتم وصف سوبا عاصمة المملكة بأن فيها أبنية حسان، ودور واسعة، وكنائس كثيرة الذهب، وبساتين، كما أن مملكة علوة أقوى جيوشا من المقرة، وكانت المملكة خصبة الأراضي، حتى أن اتساع رقعة علوة وهطول الأمطار فيها وتوفر المراعي والزراعة المطرية جعلها أكثر إمكانيات من المقرة.[46] مما جعلها مجالا حيويا لحشود القبائل العربية المتدفقة من الشمال، فطبيعة أراضي علوة أنسب لهم من رقعة دنقلا.[47] وبحلول القرن الثالث عشر الميلادي بدأت المملكة تضعف، فتكاثر العرب في أقاليم علوة، وتغلبوا عدديا على السكان الأصليين.[48] وفي تلك الفترة بدأ العرب بتكوين إمارات صغيرة ومشيخات، وقد قام شيخ عرب القواسمة عبد الله جماع بتجميع وتوحيد القبائل العربية لمحاربة العنج (شعب علوة)، وتحالف مع الفونج القادمين لغزو المملكة من الجنوب، فسقطت سوبا عاصمة مملكة علوة بيد عمارة دنقس سلطان الفونج عام 1504م.

تتقاطع الحقبة المسيحية مع فترة دخول العرب إلى النوبة، ففي ذلك العهد دخلت الجماعات العربية المهاجرة إلى بلاد النوبة ونشروا الإسلام، وهنالك عدة أسباب لهجرتهم لهجرتهم إلى النوبة، من أهمها سوء أحوال القبائل العربية في مصر، خصوصا في أيام الخليفة العباسي المعتصم بالله، الذي اعتمد في جيوشه على الجنود الأتراك دون العرب، كما أن من الأسباب المهمة خصوبة المراعي في السهول الواقعة على جانبي النيل من الشرق ومن الغرب، إلى جانب فرص الغنى التي أتاحتها منذ فترة مبكرة مناجم الذهب والزمرد في شرق السودان (بلاد النوبة)، وفي منطقة وادي العلاقي بالذات.[49]

كانت ربيعة أكبر القبائل التي سكنت منطقة البجا وتصاهرت معهم،[49] ولم يمض وقت طويل حتى آل إليهم عرش البجا عن طريق الخؤولة، فسيطروا على المنطقة ونشروا الإسلام والعربية بين البجا،[50] ويذكر المسعودي الذي زار مصر حوالي 940م أن عرب ربيعة اختلطوا بالبجة، كما يتحدث أيضا عن جماعات من قبائل قحطان وربيعة وقريش دخلوا إلى النوبة السفلى.[51] قامت ربيعة بتكوين إمارة بني كنز العربية في المنطقة الشمالية من بلاد النوبة.[50] أما جهينة فيقول ابن خلدون عنهم أنهم كاثروا الناس هناك وغلبوا على بلاد النوبة، وفرقوا كلمتهم وأزالوا ملكهم.[52] وتأسس حكم إسلامي بمملكة المقرة في آخر عهدها واختلط العرب بالنوبة، وقبل معظم النوبة الإسلام، وهذا ما حدث أيضا في علوة حيث تغلب العرب عدديا على شعب العنج، واعتنق شعب مملكة علوة الإسلام فيما بعد.[48] وأيضا فيما بعد بسطت قبائل الجعليين العباسية سيطرتها على المنطقة الممتدة من دنقلا إلى السبلوقة.[53]

أصبحت بلاد النوبة عبارة عن إمارات ومشيخات عديدة كل منها مستقل عن الآخر، ولم تكن هناك غير مملكة علوة في الجنوب والتي زاحمها العرب.

حوالي أوائل القرن السادس عشر وفي الفترة التي كانت فيها مملكة علوة تلفظ أنفاسها الأخيرة ظهرت مملكة إسلامية قادمة من الجنوب يرأسها الملك عمارة دنقس الذي ينتمي إلى شعب الفونج، زحف الملك عمارة إلى الشمال نحو مملكة علوة، وهناك تحالف مع شيخ عرب القواسمة عبدالله جماع، وهاجما سوبا عاصمة العنج وبذلك انقضت مملكة علوة وتم ضمها لمملكة الفونج،[54][55] واصل الفونج زحفهم شمالا حتى وصلوا الشلال الثالث، وهناك التحموا مع العثمانيين الذين زحفوا إلى المنطقة من الشمال، فدارت بينهم معركة حنك الشهيرة، ومن نتائجها أنه تم الاتفاق على أن بلد حنك الواقعة عند الشلال الثالث هي الحد الفاصل بين الفونج والعثمانيين،[56] وبذلك امتدت سلطنة الفونج في بلاد النوبة من الشلال الثالث شمالا إلى الهضبة الحبشية جنوبا، ومن سواكن شرقا إلى كردفان غربا.[56] أما المنطقة الواقعة بين أسوان والشلال الثالث فقد ظلت تحت حكم الكشاف الأتراك التابعين للدولة العثمانية.


منطقة الكنوز (المتوكية) تنقسم لجزئين ( كنوز - عرب ) من ناحية الشرق لطريق أسوان والسكة الحديد

الموقع الحالي بلاد النوبة
خريطة قديمة تظهر حدود بلاد النوبة
تمثال نوبي من الفخار لإمرأة، 3500-3100 ق.م
جدارية لأسقف نوبي ومريم العذراء في فرس. (القرن الحادي عشر)
القصر الملكي في مملكة المقرة، دنقلا.
الامتداد التقريبي للمملكة في القرن العاشر الميلادي.
بدوي عربي من شمال السودان.
أحد ملوك الفونج.