الملائكة في الإسلام

الملائكة في الإسلام هم خلق من خلق الله، خلقهم الله من نور، وهم مربوبون مسخرون، عباد مكرمون، لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون، لا يوصفون بالذكورة ولا بالأنوثة، لا يأكلون ولا يشربون، ولا يملون ولا يتعبون ولا يتناكحون ولا يعلم عددهم إلا الله. والإيمان بهم ركن من أركان الإيمان، فمن أنكرهم ولم يؤمن بهم فقد كفر بما نزل في القرآن: Ra bracket.png يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي أَنْزَلَ مِنْ قَبْلُ وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا Aya-136.png La bracket.png.[الآية 1] ولهم أعمال ومهمات معينة كلفهم بها الله ينفذونها، مثل تبليغ الوحي والنفخ في الصور، ونزع أرواح العباد.

يؤمن كل المسلمين بأنّ الملائكة إنّما هم عباد الله المكرمون، وهم الرسل بين الله وبين رسله وأنبيائه، وأنها مخلوقات قائمة بنفسها، ويؤمنون بأن الإيمان إيماناً جازماً بلا شك ولا ريب بهم واجب، لما ورد عن ابن عمر عن النبي حينما سئل عن الإيمان: «أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله»، فمن لم يؤمن بوجودهم فقد أسقط ركناً من أركان الإيمان الستة وكفر لقوله تعالى Ra bracket.png يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي أَنْزَلَ مِنْ قَبْلُ وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا Aya-136.png La bracket.png.[الآية 2] وذكر البيهقي في كتاب له أن الإيمان بالملائكة يتضمن التصديق بوجودهم، وإنزالهم منازلهم، وإثبات أنهم عباد الله وخلقه كالإنس والجن مأمورون مكلفون لا يقدرون إلا ما أقدرهم الله عليه، والموت عليهم جائز، ولكن الله جعل لهم أمداً بعيداً فلا يتوفاهم حتى يبلغوه، ولا يوصفون بشيء يؤدي وصفهم به إلى إشراكهم بالله. ولا يُدعون آلهة كما دعتهم الأوائل. والاعتراف بأن منهم رسلاً يرسلهم الله إلى من يشاء من البشر، وقد يجوز أن يرسل بعضهم إلى بعض، ويتبع ذلك الاعتراف بأن منهم حملة العرش، ومنهم الصافون، ومنهم خزنة الجنة ومنهم خزنة النار، ومنهم كتبة الأعمال ومنهم الذين يسوقون السحاب فقد ورد القرآن بذلك كله أو بأكثره.[1][2] والإيمان بالملائكة يتضمن أربعة أمور:[3][4]

وهناك عدة واجبات يجب على المسلم أن يفعلها تجاه الملائكة،[5]، أولها عدم إيذاء الملائكة، سواء بالسب أو بعيبهم، والبعد عن الذنوب والمعاصي، لأنها تؤذي الملائكة، فلذلك هي لا تدخل بيت فيه كلب أو صورة، وعدم البصاق عن اليمين في الصلاة، فعن أبي هريرة أن النبي قال: «إِذَا قَامَ أَحَدُكُمْ إِلَى الصَّلاةِ ، فَلا يَبْصُقْ أَمَامَهُ , فَإِنَّهُ يُنَاجِي اللَّهَ مَا دَامَ فِي مُصَلاهُ، وَلا عَنْ يَمِينِهِ، فَإِنَّ عَنْ يَمِينِهِ مَلَكًا، وَلَكِنْ لِيَبْصُقْ عَنْ شِمَالِهِ أَوْ تَحْتَ رِجْلِهِ، فَيَدْفِنُهُ».[6] وموالاة الملائكة كلهم، أي لا يفرق بين ملك وآخر، فلا يوالي هذا ويعادي ذاك لسبب ما، كما فعلت اليهود التي والت ميكائيل وعادت جبريل.[7]

يؤمن المسلمون بأن الملائكة لهم صفات وقدرات وهبها لهم الله، فهم لهم أجنحة، وقادرين على التشكل، وسرعتهم وتنظيمهم، ولهم صفات خُلقية عديدة كاستحيائهم وقد وصفهم القرآن بأنهم كرام بررة. وبحسب اعتقاد المسلمين فإن لهم مكانة رفيعة وعظيمة وعالية عند الله. فقد قال الله في جبريل: Ra bracket.png إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ Aya-19.png ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ Aya-20.png مُطَاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ Aya-21.png La bracket.png.[الآية 3] والملائكة بحسب اعتقاد المسلمين يعبدون الله بعبادات مختلفة، كالتسبيح والاصطفاف، والحج، وخشية الله.

والملائكة لهم أعمال خاصة تجاه المؤمنين، مثل تأمين دعائهم ومحبتهم لهم، ولهم أعمال خاصة للكفرة، مثل لعنهم وإنزال العذاب بهم. وقد اختلف العلماء في مسألة المفاضلة بين الملائكة والبشر، فقد اتفق بعض العلماء أن صالحي البشر أفضل من الملائكة وقدموا العديد من الحجج والأدلة، واتفق آخرون أن الملائكة أفضل وأيضاً قدموا أدلتهم وأحاجيجهم.[8]

ويؤمن المسلمون بأن أعداد الملائكة لا يحصيها إلا الله، فهم كثيرون جداً، حيث أن كل يوم يدخل منهم سبعون ألفاً للبيت المعمور ولا يعودون إليه، وكل إنسان له ملكين يكتبان أعماله، وكل نطفة لها ملك موكل بها، وهذا مايدل على كثرتهم. ويؤمن المسلمون أيضاً بأن الملائكة عظيمي الخلقة، مثال على ذلك ما قال رسول الإسلام محمد عن حملة العرش: «أذن لي أن أتحدث عن ملك من حملة العرش رجلاه في الأرض السفلى، وعلى قرنه العرش، ومن شحمة أذنه وعاتقه خفقان الطير، سبعمائة عام، فيقول ذلك الملك: سبحانك حيث كنت».

وصف الله في القرآن بأن الملائكة كرام بررة، حيث قال Ra bracket.png بِأَيْدِي سَفَرَةٍ Aya-15.png كِرَامٍ بَرَرَةٍ Aya-16.png La bracket.png[الآية 4] أي أن القرآن بأيدي سفرة وهم الملائكة حيث أن الملائكة سفراء الله إلى رسله بحسب اعتقاد المسلمين. ووصفهم بأنهم كرام بررة أي أن خلقهم حسن شريف وأخلاقهم وأفعالهم بارة طاهرة كاملة.[9]

ومن صفات الملائكة الحياء،[10] مثل ما قال الرسول عن عثمان بن عفان: «ألا استحيي من رجل تستحيي منه الملائكة».[11]

يؤمن المسلمون بأن مادة خلق الملائكة هي النور،[12][13][14] فعن عائشة أن الرسول قال: «خُلقت الملائكة من نور ..».[15] ولم يبين أي نور الذي خُلقوا منه. ولم تُحدد المدة الزمنية التي خُلقوا فيها، فليست هناك نصوص شرعية دلت على ذلك، ولكن خلقهم كان سابقاً على البشر،[12] ودليل العلماء في ذلك: Ra bracket.png وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ Aya-30.png La bracket.png،[الآية 5] فقد أخبر الله ملائكته بأنه سيخلق خليفة يسكن الأرض، والخليفة هو آدم فذلك يدل على أنهم مخلوقون قبل النبي آدم أبو البشر.

لا يستطيع البشر رؤية الملائكة بهيئتهم الخلقية، لأنهم ليس لديهم القدرة على ذلك،[12] ولم يرَ الملائكة في صورتهم الحقيقية أحد إلا الرسول محمد، فهو قد رأى جبريل في هيئته الخلقية مرتين: المرة الأولى كانت عندما أوحي إليه لأول مرة في غار حراء، والمرة الثانية هي في رحلة الإسراء والمعراج، ومايدل على ذلك قول الله: Ra bracket.png وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى Aya-13.png La bracket.png.[الآية 6] ولكن يمكن رؤية البشر للملائكة إذا تشكلت في صورة بشر كما جاء في بعض النصوص.

يؤمن المسلمون بأن الملائكة عظيمي الخلقة،[12][14][16] لا يتصور عظم خلقتهم أحد، ولكن النصوص قد لمحت بشيء من أبعاد بعض الملائكة. ومثل ذلك قول الرسول: «أُذن لي أن أحدث عن ملك من ملائكة الله، من حملة العرش، إن مابين شحمة أذنه إلى عاتقه مسيرة سبعمائة عام».[17] أما عن عظم خلقة جبريل، فقد سألت عائشة النبي عن الآية الثالثة والعشرين من سورة التكوير والآية الثالثة عشر والرابعة عشر والخامسة عشر من سورة النجم، فقال: «إنما هو جبريل لم أره على صورته التي خُلق عليها غير هاتين المرتين. رأيته منهبطاً من السماء ساداً عظم خلقه ما بين السماء إلى الأرض».[18] ومن عظم خلقتهم تعدد أجنحتهم. فالملائكة لديها أجنحة، منهم من لديه جناح ومنهم من لديه اثنان أو ثلاثة، أو أربعة، أو حتى أكثر من ذلك: Ra bracket.png الْحَمْدُ لِلَّهِ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ جَاعِلِ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا أُولِي أَجْنِحَةٍ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ مَا يَشَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ Aya-1.png La bracket.png.[الآية 7] وملك الوحي جبريل نفسه له ستمائة جناح، فعن عبد الله بن مسعود أنه قال: «رأى محمد جبريل له ستمائة جناح».[19] والملائكة متفاوتون في الخلق والمقدار، فهم مختلفين في عدد الأجنحة، ومقاماتهم متفاوتة ومعلومة عند الله: Ra bracket.png وَمَا مِنَّا إِلَّا لَهُ مَقَامٌ مَعْلُومٌ Aya-164.png La bracket.png.[الآية 8] وقال في جبريل Ra bracket.png إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ Aya-19.png ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ Aya-20.png La bracket.png.[الآية 9] أي له مكانة ومنزلة رفيعة عند الله. وأفضل الملائكة هم الذين شهدوا غزوة بدر حيث جاء جبريل إلى النبي فقال: «ما تعدون أهل بدر فيكم؟» قال: «من أفضل المسلمين» قال: «وكذلك من شهد بدراً من الملائكة».[20]

ويؤمن المسلمون بأن الملائكة خلقهم الله في صورة جميلة وكريمة.[12] فقد قال الله في جبريل: Ra bracket.png عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى Aya-5.png ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوَى Aya-6.png La bracket.png. قال ابن عباس: ذو مرة أي ذو منظر حسن، وقال قتاده: ذو خلق طويل حسن. وقيل ذو مرة أي ذو قوة. ولا منافاة بين الأقوال فهو قوي وحسن المنظر. وقد تقرر عند الناس وصف الملائكة بالجمال، كما تقرر عندهم وصف الشياطين بالقبح،[21] ولذلك فهم يشبهون الجميل من البشر بالملك، مثل ما قال الله على لسان النسوة في النبي يوسف: Ra bracket.png فَلَمَّا سَمِعَتْ بِمَكْرِهِنَّ أَرْسَلَتْ إِلَيْهِنَّ وَأَعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَأً وَآتَتْ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ سِكِّينًا وَقَالَتِ اخْرُجْ عَلَيْهِنَّ فَلَمَّا رَأَيْنَهُ أَكْبَرْنَهُ وَقَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ وَقُلْنَ حَاشَ لِلَّهِ مَا هَذَا بَشَرًا إِنْ هَذَا إِلَّا مَلَكٌ كَرِيمٌ Aya-31.png La bracket.png.[الآية 10]

وليست هناك نصوص تدل على أن هناك شبه بين الملائكة والبشر في الصورة، إلا ماذكره الرسول: « .. ورأيت جبريل عليه السلام، فإذا أقرب من رأيت به شبهاً دحية بن خليفة»،[22] وتشبيهه بالصحابي دحية إما أن يكون دحية يشبه جبريل في صورته الحقيقية، أو يشبهه عندما يكون جبريل في صورة بشر. والرأي الآخر هو الأرجح لما ذُكر أن جبريل كان يتمثل في هيئة دحية كثيراً.[21]

وللملائكة ثلاثة صفات أساسية يتميزون بها عن البشر: لا يوصفون بالذكورة أو الأنوثة، ولا يأكلون ولا يشربون ولا يتناكحون، ولا يملون ولا يتعبون.[12][14] فهم منزوعي الشهوة، لذلك لا تشتهي أنفسهم الطعام والشراب أو النكاح. وقد وصف المشركون الملائكة بأنهم إناثاً بنات الله، فاستنكرت العديد من الآيات هذا الوصف وجعل الله لقولهم شهادة ليحاسبهم عليه، قال الله تعالى: Ra bracket.png وَجَعَلُوا الْمَلَائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَنِ إِنَاثًا أَشَهِدُوا خَلْقَهُمْ سَتُكْتَبُ شَهَادَتُهُمْ وَيُسْأَلُونَ Aya-19.png La bracket.png.[الآية 11] وأما عند عدم شربهم وأكلهم فهم لا يحتاجون الطعام ولا يشتهونه، ومن ما ورد أنهم عندما جاؤوا النبي إبراهيم في صورة بشر وقدم إليهم الطعام لم تمتد إليهم، جاء في القرآن: Ra bracket.png هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ الْمُكْرَمِينَ Aya-24.png إِذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقَالُوا سَلَامًا قَالَ سَلَامٌ قَوْمٌ مُنْكَرُونَ Aya-25.png فَرَاغَ إِلَى أَهْلِهِ فَجَاءَ بِعِجْلٍ سَمِينٍ Aya-26.png فَقَرَّبَهُ إِلَيْهِمْ قَالَ أَلَا تَأْكُلُونَ Aya-27.png فَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً قَالُوا لَا تَخَفْ وَبَشَّرُوهُ بِغُلَامٍ عَلِيمٍ Aya-28.png La bracket.png.[الآية 12] قال الفخر الرازي: «العلماء اتفقوا على أن الملائكة لا يأكلون ولا يشربون ولا يتناكحون».[23] والصفة الثالثة لا يملون ولا يتعبون، حيث أنهم يقومون بعبادة الله وطاعته وتنفيذ أوامره من دون ملل أو كلل، ولا يدركهم ما يدرك البشر من تعب، قال تعالى Ra bracket.png يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لَا يَفْتُرُونَ Aya-20.png La bracket.png.[الآية 13] وفي آية أخرى Ra bracket.png فَإِنِ اسْتَكْبَرُوا فَالَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ يُسَبِّحُونَ لَهُ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَهُمْ لَا يَسْأَمُونَ Aya-38.png La bracket.png.[الآية 14] ولا يفترون أي لا ينامون ولا يسئمون أي لا يملون.

يؤمن المسلمون بأن الملائكة تسكن السماء،[12][24] وتتخذها منزلاً، وأنهم أحياناً ينزلون للأرض لتنفيذ مهمات وُكلت إليهم، مثل مقاتلتهم في غزوة بدر، وأحياناً ينزلون في مناسبات خاصة، مثل ليلة القدر. قال الله: Ra bracket.png لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ Aya-3.png تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ Aya-4.png La bracket.png.[الآية 15]

يؤمن المسلمون بأن الملائكة خلق كثير لا يعلم عددهم إلا الله،[32] وهم كثيرون جداً، وهناك أمثلة دلت على كثرتهم، ففي كل يوم يحج سبعون ألفاً للبيت المعمور ولا يعودون إليه، وهناك 4,900,000,000 ملك فقط لجر النار يوم القيامة لقول الرسول محمد: «يؤتى بجهنم يوم القيامة يومئذ لها سبعون ألف زمام مع كل زمام سبعون ألف ملك يجرونها».[33] ولكل نطفة فهناك ملك موكل بها، ولكل إنسان ملكين يكتبان أعماله، وملائكة تحفظه، وهذا مايدل على كثرتهم.[34]

تنقسم أعمال الملائكة لأربعة أقسام، أعمالهم مع الناس عامة، وأعمالهم مع المؤمنين والصالحين خاصة، وأعمالهم مع الكفرة والفساق والعصاة خاصة، وأعمالهم مع بقية المخلوقات من غير البشر.

والملائكة لهم عدة أعمال تجاه الناس عامة. فهم لهم دور في تكوين الإنسان، فعن أبي ذر الغفاري أن الرسول محمد قال: «إذا مر بالنطفة ثنتان وأربعون ليلة بعث الله إليها ملكاً، فصورها، وخلق سمعها وبصرها، وجلدها ولحمها وعظامها، ثم قال: أي رب: أذكر أم أنثى؟ فيقضي ربك مايشاء ويكتب الملك».[35] وهناك ملائكة موكلة بحراسة ابن آدم. قال الله: Ra bracket.png لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءًا فَلَا مَرَدَّ لَهُ وَمَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَالٍ Aya-11.png La bracket.png.[الآية 21] وقد بين المفسرون أن المعقبات هي الملائكة.[36] وقد وُكل الملائكة أيضاً بأن يكونوا سفراء ورسل الله لرسله وأنبيائه، واختص بهذه المهمة جبريل. ولكن ليس كل من أتاه ملك فهو نبي، فقد أُرسل جبريل لمريم، ولأم إسماعيل عندما نفد منها الطعام والماء. ومن مهام الملائكة تحريك بواعث الخير في نفوس العباد، فكل إنسان حسب اعتقاد المسلمين وُكل به قرين من الملائكة وقرين من الجن، الأول يأمره بالخير ويرغبه فيه، والآخر يأمره بالشر ويرغبه فيه. قال الرسول محمد: «ما منكم من أحد إلا وقد وكل به قرينه من الجن وقرينه من الملائكة». ومن مهام الملائكة تسجيل صالح أعمال بني آدم وسيئها. فكل إنسان وُكل به ملكين، حاضرين لا يفارقانه يحصيان عليه أعماله وأقواله. قال تعالى: Ra bracket.png إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيَانِ عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ Aya-17.png مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ Aya-18.png La bracket.png.[الآية 22] ومن مهام الملائكة ابتلاء بني آدم، عن أبي هريرة أن الرسول قال: «إن ثلاثة في بني إسرائيل أبرص وأقرع وأعمى بدا لله عز وجل أن يبتليهم فبعث إليهم ملكا فأتى الأبرص فقال أي شيء أحب إليك قال لون حسن وجلد حسن قد قذرني الناس قال فمسحه فذهب عنه فأعطي لونا حسنا وجلدا حسنا فقال أي المال أحب إليك قال الإبل أو قال البقر هو شك في ذلك إن الأبرص والأقرع قال أحدهما الإبل وقال الآخر البقر فأعطي ناقة عشراء فقال يبارك لك فيها وأتى الأقرع فقال أي شيء أحب إليك قال شعر حسن ويذهب عني هذا قد قذرني الناس قال فمسحه فذهب وأعطي شعرا حسنا قال فأي المال أحب إليك قال البقر قال فأعطاه بقرة حاملا وقال يبارك لك فيها وأتى الأعمى فقال أي شيء أحب إليك قال يرد الله إلي بصري فأبصر به الناس قال فمسحه فرد الله إليه بصره قال فأي المال أحب إليك قال الغنم فأعطاه شاة والدا فأنتج هذان وولد هذا فكان لهذا واد من إبل ولهذا واد من بقر ولهذا واد من غنم ثم إنه أتى الأبرص في صورته وهيئته فقال رجل مسكين تقطعت بي الحبال في سفري فلا بلاغ اليوم إلا بالله ثم بك أسألك بالذي أعطاك اللون الحسن والجلد الحسن والمال بعيراً أتبلغ عليه في سفري فقال له إن الحقوق كثيرة فقال له كأني أعرفك ألم تكن أبرص يقذرك الناس فقيرا فأعطاك الله فقال لقد ورثت لكابر عن كابر فقال إن كنت كاذباً فصيرك الله إلى ما كنت وأتى الأقرع في صورته وهيئته فقال له مثل ما قال لهذا فرد عليه مثل ما رد عليه هذا فقال إن كنت كاذباً فصيرك الله إلى ما كنت وأتى الأعمى في صورته فقال رجل مسكين وابن سبيل وتقطعت بي الحبال في سفري فلا بلاغ اليوم إلا بالله ثم بك أسألك بالذي رد عليك بصرك شاة أتبلغ بها في سفري فقال قد كنت أعمى فرد الله بصري وفقيراً فقد أغناني فخذ ما شئت فوالله لا أجهدك اليوم بشيء أخذته لله فقال أمسك مالك فإنما ابتليتم فقد رضي الله عنك وسخط على صاحبيك».[37][38] ومن مهام الملائكة هي نزع أرواح العباد عندما تنتهي آجالهم، فقد اختص الله بعض ملائكته بنزع أرواح العباد، قال تعالى: Ra bracket.png قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ Aya-11.png La bracket.png،[الآية 23] وهم أكثر من ملك، وتنزع أرواح الكفرة والمجرمين نزعاً شديداً، بينما تنزع أرواح المؤمنين تنزع أرواحهم نزعاً رفيقاً وتبشرهم عند النزع.

هناك عدة أدوار واجبة على الملائكة تجاه المؤمنين،[39] ومكلفون بها، أولها محبتهم للمؤمنين الذين يحبهم الله، فعن أبي هريرة أن الرسول محمد قال: «إِذَا أَحَبَّ اللَّهُ الْعَبْدَ نَادَى جِبْرِيلَ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ فُلَانًا فَأَحْبِبْهُ فَيُحِبُّهُ جِبْرِيلُ فَيُنَادِي جِبْرِيلُ فِي أَهْلِ السَّمَاءِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ فُلَانًا فَأَحِبُّوهُ فَيُحِبُّهُ أَهْلُ السَّمَاءِ ثُمَّ يُوضَعُ لَهُ الْقَبُولُ فِي الْأَرْضِ».[40] ومن مهامهم تجاه المؤمنين تسديد المؤمنين، والصلاة على المؤمنين، وهناك عدة أعمال تصلي الملائكة على صاحبها، مثل معلم الناس الخير، والذين ينتظرون صلاة الجماعة، والذين يصلون في الصف الأول، والذين يسدون الفرج بين الصفوف، والذين يتسحرون، والذين يصلون على النبي، والذين يعودون المرضى.[41] ومن مهامهم تأمين دعاء المؤمنين، عن أم سلمة أن الرسول محمد قال: «لا تدعوا على أنفسكم إلا بخير فإن الملائكة يؤمنون على ما تقولون».[42] ومن مهامهم استغفارهم للمؤمنين،[43] وشهودهم مجالس العلم وحلق الذكر وحفهم أهلها بأجنحتهم، وتسجيلهم الذين يحضرون الجمعة، فعن أبي هريرة أن الرسول محمد قال: «إذا كان يوم الجمعة وقفت الملائكة على باب المسجد يكتبون الأول فالأول فإذا خرج الإمام طووا صحفهم ويستمعون الذكر».[44] ومن مهامهم تعاقبهم في المؤمنين وتنزلهم عندما يقرؤون القرآن، وتبليغ الرسول عن أمته السلام، وتبشيرهم المؤمنين، ومقاتلتهم مع المؤمنين وتثبيتهم في حروبهم، عن ابن عباس عن الرسول محمد أنه قال: «هذا جبريل آخذ برأس فرسه عليه أداة حرب».[45] ومن مهامهم حمايتهم للرسول محمد، ونصرتهم لصالحي العباد وتفريج كربهم. وشهودهم لجنازة الصالحين، وإظلالهم للشهيد بأجنحتهم. ومن مهامهم حمايتهم للمدينة ومكة من الدجال، حيث قال الرسول: «على أنقاب المدينة ملائكة، لا يدخلها الطاعون ولا الدجال».[46]

أما عن دور الملائكة تجاه الكفار والفساق، فإن هناك بضعة مهام تؤديها الملائكة تجاه الكفار، أبرزها إنزال العذاب بالكفار، كإهلاك قوم لوط، ولعن الكفرة، قال الله: Ra bracket.png إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ Aya-161.png La bracket.png،[الآية 24] وقد تلعن الملائكة بعض من فعلوا ذنوباً معينة حتى لو كانوا مسلمين، مثل المرأة التي لا تستجيب لزوجها،[47] والذي يشير لأخيه بحديدة،[48] ومن سب أصحاب الرسول وفق تفاسير عُلماء أهل السُنَّة، ومن يحولون دون تنفيذ شرع الله والذي يؤوي محدثاً.

هناك ملائكة، وعددهم ثمانية، موكلون بحمل العرش، والله مستو عليه، قال تعالى: Ra bracket.png وَالْمَلَكُ عَلَى أَرْجَائِهَا وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ Aya-17.png La bracket.png.[الآية 25] وللجبال ملك موكل بها، وللقطر والنبات ملك موكل بهما، ويُظن أنه ميكائيل. وللسحاب ملك موكل بها وهو الرعد، حيث قال الرسول محمد: «الرعد ملك من الملائكة موكل بالسحاب معه مخاريق من نار، يسوق بها السحاب حيث شاء الله».[49]

يؤمن المسلمون إيماناً تاماً، بأن الملائكة مخلوقون، ومفطورون، ومجبولون، ومطبوعون على طاعة الله وعبادته، أي يعجزون عجزاً تاماً على معصية الله، ولكنه لا يكلفهم مجاهدة كما عند الإنسان، لأنه لا شهوة لهم، وتركهم للمعصية وطاعتهم لله جبلة.[30][31]

وهناك عدة عبادات يفعلها الملائكة، غير طاعتهم لله في تنفيذ المهمات الموكلة إليهم، أولها التسبيح، فالملائكة يسبحون الله ويذكرونه، فيسبحه حملة عرشه Ra bracket.png الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ Aya-7.png La bracket.png،[الآية 26] ويسبحه عموم ملائكته Ra bracket.png تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْ فَوْقِهِنَّ وَالْمَلَائِكَةُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِمَنْ فِي الْأَرْضِ أَلَا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ Aya-5.png La bracket.png.[الآية 27] وهم دائمو التسبيح لا ينقطع ليلاً أو نهاراً حيث قال الله: Ra bracket.png يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لَا يَفْتُرُونَ Aya-20.png La bracket.png.[الآية 28] ويفخرون بكثرة تسبيحهم حيث قال الله على لسانهم: Ra bracket.png وَإِنَّا لَنَحْنُ الْمُسَبِّحُونَ Aya-166.png La bracket.png.[الآية 29] والعبادة الثانية التي يقوم بها الملائكة هي عبادة الاصطفاف، فاصطفاف الملائكة عند الله عبادة، وويفخرون بإنهم هم الصافون حيث قال الله على لسانهم: Ra bracket.png وَإِنَّا لَنَحْنُ الصَّافُّونَ Aya-165.png La bracket.png[الآية 30] وهم يركعون ويسجدون ويقومون إلى جانب اصطفافهم، فعن حكيم بن حزام أن الرسول محمد قال: «أتسمعون ما أسمع؟» قالوا: ما نسمع من شيء. قال: «إني لأسمع أطيط السماء وما تلام أن تئط، مافيها موضع شبر إلا عليه ملك ساجد أو قائم».[50] ومن عبادة الملائكة الحج، فللملائكة كعبة في السماء تسمى البيت المعمور، أقسم الله بها في كتابه حين قال: Ra bracket.png وَالْبَيْتِ الْمَعْمُورِ Aya-4.png La bracket.png،[الآية 31] يدخله كل يوم 70 ألف ملك فيتعبدون فيه ويطوفون حوله ولايعودون إليه مرة أخرى، قال الرسول: « .. ثم رُفع بي إلى البيت المعمور، وإذا هو يدخله كل يوم سبعين ألفاً لا يعودون إليه آخر ما عليهم».[51][52] ويقع البيت المعمور في السماء السابعة بحيال البيت، أي فوق كعبة الأرض. ومن عبادة الملائكة أيضاً خوفهم من الله وخشيتهم، فهم يخشون الله بدليل قوله Ra bracket.png يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ Aya-28.png La bracket.png[الآية 32] وأيضاً قول الرسول: «مررت ليلة أُسري بي بالملأ الأعلى وجبريل كالحلس البالي من خشية الله».[53]

اختلف أهل العلم في وفاة الملائكة على قولين:

نقش يبين اسم الملاك جبريل وفق التسمية الإسلامية.
غلاف كتاب "الحبائك في أخبار الملائك" لجلال الدين السيوطي، يتحدث فيه عن أخبار الملائكة وصفاتهم من القرآن والسنة والآثار الإسلامية.
تخطيط الملائكة عليهم السلام
تخطيط لاسم الملاك ميكائيل مُلحقًا بالآية 98 من سورة البقرة.
نقش يبين اسم أحد الملائكة (إسرافيل) وفق التسمية الإسلامية.