قانون

القانون (مشتقة من اليونانية:κανών؛ نقحرة: «كانون») هو نظام من القواعد التي يتم إنشاؤها وتطبيقها من خلال المؤسسات الاجتماعية أو الحكومية لتنظيم السلوك،[1] على الرغم من أن تعريفه الدقيق هو مسألة نقاش طويلة الأمد.[2][3][4] تم وصفه بشكل مختلف على أنه علم[5][6] وفن العدالة.[7][8][9] يمكن أن تصدر القوانين التي تنفذها الدولة عن طريق هيئة تشريعية جماعية أو عن طريق مشرع واحد، مما ينتج عنه قوانين، أو عن طريق السلطة التنفيذية من خلال المراسيم واللوائح، أو التي يقررها القضاة من خلال السوابق، وعادة في الولايات القضائية للقانون العام. يمكن للأفراد إنشاء عقود ملزمة قانونًا، بما في ذلك اتفاقيات التحكيم التي قد تختار قبول تحكيم بديل لعملية المحكمة العادية. قد يتأثر تشكيل القوانين نفسها بالدستور المكتوب أو الضمني، والحقوق المشفرة فيه. يشكل القانون السياسة والاقتصاد والتاريخ والمجتمع بطرق مختلفة ويعمل كوسيط للعلاقات بين الناس.

تختلف النظم القانونية بين البلدان، مع تحليل اختلافاتها في القانون المقارن. في ولايات القانون المدني، تقوم هيئة تشريعية أو هيئة مركزية أخرى بتدوين القانون وتوحيده. في أنظمة القانون العام، يصدر القضاة السوابق القضائية الملزمة من خلال السوابق،[10] على الرغم من أنه في بعض الأحيان قد يتم إسقاط السوابق القضائية من قبل محكمة عليا أو هيئة تشريعية.[11] تاريخياً، أثر القانون الديني على الأمور العلمانية،[12] ولا يزال يستخدم في بعض المجتمعات الدينية.[13][14] تستخدم الشريعة القائمة على المبادئ الإسلامية كنظام قانوني أساسي في العديد من البلدان، بما في ذلك إيران والمملكة العربية السعودية.[15][16]

يمكن تقسيم نطاق القانون إلى مجالين. يتعلق القانون العام بالحكومة والمجتمع، بما في ذلك القانون الدستوري والقانون الإداري والقانون الجنائي. يتعامل القانون الخاص مع النزاعات القانونية بين الأفراد أو المنظمات في مجالات مثل العقود والممتلكات والأضرار والقانون التجاري.[17] هذا التمييز أقوى في بلدان القانون المدني، وخاصة تلك التي لديها نظام منفصل من المحاكم الإدارية؛[18][19] على النقيض من ذلك، فإن الفجوة بين القانون العام والخاص أقل وضوحًا في ولايات القانون العام.[20][21]

يوفر القانون مصدرًا للبحث العلمي في التاريخ القانوني،[22] الفلسفة،[23] التحليل الاقتصادي[24] وعلم الاجتماع.[25] يثير القانون أيضًا قضايا مهمة ومعقدة تتعلق بالمساواة والإنصاف والعدالة.[26][27]

هُناكَ أساليب مُميزة للتفكير القانوني (تطبيق القانون) وطُرق لتفسير (تفسير) القانون. الأول هو القياس المنطقي، الذي له نفوذ في النظم القانونية للقانون المدني، القياس، الموجود في النظم القانونية للقانون العام، خاصة في الولايات المتحدة، والنظريات الجدلية التي تحدث في كلا النظامين.الأخيرة هي قواعد (توجيهات) مختلفة للتفسير القانوني مثل توجيهات التفسير اللغوي، التفسير الغائي أو التفسير المنهجي بالإضافة إلى قواعد أكثر تحديدًا، على سبيل المثال، القاعدة الذهبية أو قاعدة الأذى. هناك أيضًا العديد من الحجج والمدافع الأخرى للتفسير التي تجعل التفسير القانوني ممكنًا.

أشار أستاذ القانون والمدعي العام السابق للولايات المتحدة إدوارد ليفي إلى أن «النمط الأساسي للتفكير القانوني هو الاستدلال بالقدوة»،[28] أي الاستدلال بمقارنة النتائج في القضايا التي تحل مسائل قانونية مُماثلة.

في قضية للمحكمة العليا الأمريكية بشأن الجهود الإجرائية التي بذلتها شركة لتحصيل الديون لتجنب الأخطاء، حذر القاضي سوتومايور من أن «المنطق القانوني ليس عملية ميكانيكية أو خطية تمامًا».[29][30]

الحقوق القانونية هي التطبيق الرسمي للطرق الكمية، وخاصة الاحتمالية والإحصاءات على مسائل القانونية. تزايد استخدام الأساليب الإحصائية في قضايا المحاكم ومقالات مُراجعة القانون بشكل كبير في العقود القليلة الماضية.

تُعرف فلسفة القانون عادة بالاجتهاد القضائي. يطرح الاجتهاد الثقافي التشريعي سؤال «ما الهيئة التي يجب أن يتخذها القانون؟» بينما يستفسر الاجتهاد القضائي التحليلي حول «ماهية القانون»[31]

بُذلت محاولات عدة لوضع «تعريف مقبول عالميًا للقانون». في عام 1972، اقترح بارون هامبستيد ألا يوضع تعريف من هذا القبيل. ذكر ماكوبري ووايت أنه لا يمكن الإجابة على سؤال «ما هو القانون؟» بإجابة بسيطة. ذكر غلانفيل ويليامز أن معنى كلمة «قانون» يستند إلى السياق الذي تُوظف هذه الكلمة فيه.[32] قال إن «القانون العرفي المبكر» و«قانون البلديات»، على سبيل الذكر، سياقان يختلف فيهما معنى كلمة «القانون» ولا يمكن التوفيق بينهما. ذكر ثورمان أرنولد أنه من الواضح استحالة تعريف كلمة «قانون» ومن الجلي كذلك أنه لا ينبغي وقف الجهود الرامية لتعريف تلك الكلمة. يمكن الأخذ بالرأي القائل بأنه لا حاجة لتعريف كلمة «القانون» (أي «دعونا ننسى العموميات ونشرع بحل القضايا»).[33]

يحدد أحد التعريفات القانون بأنه جملة من القواعد والمبادئ التوجيهية التي تنفذها المؤسسات الاجتماعية لتنظيم السلوك. جادل هارت بأن القانون «نظام القواعد»، وذكر أوستن أن القانون «سيادة مدعومة بالتهديد بالعقوبة»، ويصف دوركين القانون بأنه «مفهوم تفسيري» لتحقيق العدالة في كتابه إمبراطورية القانون، ويقول راز أن القانون يمثل «صلاحية» التوسط في مصالح الناس.[34] ذكر هولمز: «أن التنبؤات بما ستفعله المحاكم في الواقع، ولا شيء أكثر ادعاءً، هي ما أعنيه بالقانون». يجادل الأكويني في أطروحته حول القانون بأنه ترتيب عقلاني للأمور التي تتعلق بالصالح العام الذي يصدره أي شخص مكلف برعاية المجتمع. يشتمل هذا التعريف على عناصر وضعية وطبيعية على حد سواء.[35]

غالبًا ما تثير تعريفات القانون مسألة مدى ربط القانون بالأخلاق. رد جون أوستين على ذلك كما يذكر مَذْهَب المَنْفَعَة بأن القانون هو «أحكام مدعومة بالتهديد بفرض عقوبات، وتصدرها سيادة عادة ما يطيعها الناس». يقول محامون طبيعيون مثل جان جاك روسو إن القانون يعكس أساسًا قوانين الطبيعة الأخلاقية التي لا يمكن تغييرها. ظهر مفهوم القانون الطبيعي في الفلسفة اليونانية القديم تزامنًا مع مفهوم العدالة، ودخل مرة أخرى في التيار الرئيسي للثقافة الغربية عن طريق كتابات توما الأكويني ولا سيما في أطروحته حول القانون.[36]

بعد أن انتهى من كتابة أول جزأين من كتابه الروائع والمغامرات والذي كان ينوي أن يكون نهاية العمل بأكمله، زار أونوريه دي بلزاك محكمة (السجن سابقا) الكونسيرغيري [الإنجليزية]. قرر أونوريه بعد ذلك أن يضيف جزءًا ثالثًا أسماه نهاية طرق الشر، والذي كرسه بالكامل لوصف الظروف في السجن. ذكر أونوريه في الجزء الثالث ما يلي:

القانون جيد، وهو ضروري، وتنفيذه ضعيف، ووحدها الأخلاقيات ما يحكم طريقة تنفيذ القوانين.[37]

جادل هوغو غروتيوس (مؤسس النظام العقلاني البحت للقانون الطبيعي) بأن القانون ينشأ من الدوافع الاجتماعية –كما أشار أرسطو– والمنطق. أعتقد إيمانويل كانت أن الضرورة الأخلاقية تقتضي «وضع القوانين كما لو كان ينبغي أن تكون قوانين عالمية للطبيعة». اعتقد جيريمي بنثام وتلميذه أوستن ولاحقا ديفيد هيوم، أن هذا يخلط بين المشكلة وما ينبغي أن تكون عليه. جادل بنثام وأوستن موضعية القانون، وأن القانون الحقيقي منفصل تمامًا عن الأخلاق. انُتقد كانت من قبل فريدريك نيتشه، الذي رفض مبدأ المساواة واعتقد أن القانون ينبع من إرادة السلطة، ولا يمكن وصفه بأنه أخلاقي أو غير أخلاقي.[38][39][40]

في عام 1934، واصل الفيلسوف النمساوي هانز كيلسن التقليد الوضعي في كتابه نظرية القانون البحتة. يعتقد كيلسن أنه على الرغم من أن القانون منفصل عن الأخلاق، فإنه يتسم بالطابع الوضعي، أي يجب علينا أن نتقيد به. طالما كانت قرارات القوانين وضعية (على سبيل الذكر، تبلغ غرامة السير عكس مسار الطريق السريع 500 يورو)، يخبرنا القانون عما يجب أن نفعله. بالتالي، من الممكن افتراض أن كل نظام قانوني لديه قاعدة أساسية تأمرنا بالطاعة. رفض المعارض الرئيسي لكيلسن كارل شميت، كل من الموقف وفكرة سيادة القانون لأنه لم يقبل أسبقية المبادئ المعيارية المبنية على المواقف والقرارات السياسية الملموسة. دعا شميت إلى إصدار حكم قضائي استثنائي (حالة طارئة)، والذي أنكر شمول القواعد القانونية لجميع الخبرات السياسية.[41]

في وقت لاحق من القرن العشرين، هاجم هارت أوستن بسبب التبسيطات التي وضعها، وكلسن لتخيلاته في مفهوم القانون. جادل هارت أن القانون يُعتبر نظام من القواعد، وينقسم إلى قواعد أولية (قواعد سلوك) وقواعد ثانوية (قواعد موجهة إلى المسؤولين عن إدارة القواعد الأولية). تنقسم القواعد الثانوية كذلك إلى قواعد للفصل (لحل المنازعات القانونية)، وقواعد التغيير (التي تسمح بتغيير القوانين)، وقوانين الإدراك (التي تسمح بتحديد صحة القوانين). واصل اثنان من طلاب هارت النقاش، ففي كتابه إمبراطورية القانون، هاجم رونالد دوركين هارت وأصحاب المواقف بسبب رفضهم التعامل مع القانون باعتباره قضية أخلاقية.[42] جادل دوركين بأن القانون هو «مفهوم تفسيري» يتطلب من القضاة إيجاد أفضل حل مناسب وأكثر عدلًا لحل النزاعات القانونية، وذلك بالنظر إلى تقاليدهم الدستورية. من ناحية أخرى، دافع جوزيف راز عن النظرة الوضعية وانتقد نهج «الأطروحة الاجتماعية الميسرة» والذي اتبعه هارت في كتاب صلاحية القانون. ذكر راز أن القانون سلطة يمكن تحديدها من خلال مصادر اجتماعية محضة ودون الإشارة إلى المنطق الأخلاقي. رأى كذلك أن أي تصنيف لقواعد تتجاوز دورها كوسائل موثوقة في الوساطة يقع على عاتق علم الاجتماع وليس الاجتهاد.[43]

يرتبط تاريخ القانون بالحضارة ارتباطًا وثيقًا. يستند القانون المصري القديم الذي يعود تاريخه إلى العام 3000 قبل الميلاد، إلى مفهوم ماعت ويتسم بالتقاليد والخطابات البلاغية والمساواة الاجتماعية والحياد. بحلول القرن 22 قبل الميلاد، صاغ الحاكم السومري القديم أور نمو القانون الأول، والذي تألف من عبارت الاحتيال الشرعي (إذا.... إذن). نحو عام 1760 قبل الميلاد، واصل الملك حمورابي تطوير القانون البابلي من خلال تدوينه وتسجيله على الحجر. وضع حمورابي عدة نسخ من مدونة قانونه في مختلف أنحاء مملكة بابل على لوحة تذكارية ليراها جميع الناس، وأصبحت تعرف بشريعة حمورابي. عثر علماء الآشوريات البريطانيين على النسخة الأكثر سلامة من هذه اللوحة في القرن التاسع عشر، ومنذ ذلك الحين تم تُرجمتها بالكامل إلى لغات مختلفة، بما في ذلك الإنجليزية والإيطالية والألمانية والفرنسية.

يعود تاريخ العهد القديم إلى عام 1280 قبل الميلاد ويتخذ شكل متطلبات أخلاقية باعتبارها توصيات لمجتمع جيد. كانت الدولة اليونانية الصغيرة، أثينا القديمة، منذ حوالي القرن الثامن قبل الميلاد أول مجتمع يقوم على أساس مشاركة الشعب في الحكم باستثناء النساء وطبقة العبيد. لم يكن لدى أثينا علم قانون أو كلمة واحدة تعني «القانون»، بل كانت تعتمد بدلًا من ذلك على التمييز الثلاثي بين الشريعة الإلهية والمرسوم الإنساني (نوموس) والعادات. بيد أن القانون اليوناني القديم تضمن ابتكارات دستورية رئيسية في مجال تطوير الديمقراطية.

تأثر القانون الروماني بشكل كبير بالفلسفة اليونانية، ووضع الحقوقيون المحترفون قواعده التفصيلية التي كانت متطورة للغاية. طيلة القرون التي شهدت صعود الإمبراطورية الرومانية وانهيارها، جرى تكييف القانون لمواجهة الأوضاع الاجتماعية المتغيرة وخضع لتدوين كبير في عهد ثيودوسيوس الثاني وجوستينيان الأول. على الرغم من استبدال القواعد بالقوانين العرفية والسوابق القضائية خلال العصور الوسطى المبكرة، أُعيد اكتشاف القانون الروماني نحو القرن الحادي عشر، حين بدأ علماء القانون في العصور الوسطى في البحث في القواعد الرومانية وتكييف مفاهيمها مع القانون الكنسي، ما أدى إلى نشوء القانون العام. جرى تجميع القانون اللاتيني (الذي يُعرف باسم بروكس) من أجل التوجيه. في إنجلترا في العصور الوسطى، وضعت المحاكم الملكية مجموعة من السوابق التي أصبحت فيما بعد القانون العام. شُكل قانون تجاري على نطاق أوروبا ليتمكن التجار من التجارة بمعايير الممارسة المشتركة بدلًا من الاتجار وفقًا للعديد من القوانين المحلية المنقسمة. شدد القانون التجاري، وهو سلف للقانون التجاري الحديث، على حرية التعاقد على الممتلكات وإمكانية التصرف فيها. مع نمو القومية في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر، دُمج القانون التجاري في القانون المحلي للدول بموجب قوانين مدنية جديدة.  أصبحت قوانين نابليون والألمانية الأكثر تأثيرًا. على النقيض من القانون العام الإنجليزي، والذي يتألف من مجموعة هائلة من السوابق القضائية، يسهل نشر القوانين في كتب الصغيرة ويسهل على القضاة تنفيذها. بيد وجود دلائل حالية على تقارب القانون المدني والقانون العام. جرى تدوين قانون الاتحاد الأوروبي في المعاهدات، ولكنه يتطور من خلال السوابق الفعلية التي وضعتها محكمة العدل الأوروبية.

سيدة العدالة، رمز في الميثولوجيا الرومانية.