السماحة

السَّمَاحَة لغةً من مادة (سمح) تدل على سلَاسةٍ وَسُهولةٍ. والمسامَحة: المساهَلة، وسمح بكذا يسمح سُمُوحًا وسَماحه: جاد وأعطى، أو وافق على ما أريد منه.[1]

السَّمَاحَة في الاصطلاح تطلق على معنيين اثنين:

قال السعدي: (هذه الآية جامعة لحسن الخلق مع النَّاس، وما ينبغي في معاملتهم، فالذي ينبغي أن يعامل به النَّاس، أن يأخذ العفو، أي: ما سمحت به أنفسهم، وما سهل عليهم من الأعمال والأخلاق... ويتجاوز عن تقصيرهم، ويغض طرفه عن نقصهم).[3]

نفى الله في هذه الآية عن رسوله الفظاظة، وغلظ القلب، يقول السعدي: (أي: برحمة الله لك ولأصحابك، منَّ الله عليك أن ألنت لهم جانبك، وخفضت لهم جناحك، وترققت عليهم، وحسنت لهم خلقك، فاجتمعوا عليك وأحبوك، وامتثلوا أمرك. وَلَوْ كُنتَ فَظًّا أي: سيئ الخلق غَلِيظَ الْقَلْبِ، لاَنفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكَ لأنَّ هذا يُنفرهم ويبغضهم لمن قام به هذا الخلق السيِّئ).[4]

يقول فيها ابن عاشور في تفسيره: (ومعنى كون العفو) أقرب للتقوى، أنَّ العفو أقرب إلى صفة التقوى من التمسك بالحق؛ لأن التمسك بالحق لا ينافي التقوى، لكنه يؤذن بتصلب صاحبه وشدته، والعفو يؤذن بسماحة صاحبه ورحمته، والقلب المطبوع على السَّمَاحَة والرَّحْمَة أقرب إلى التقوى، من القلب الصلب الشديد؛ لأنَّ التقوى تقرب بمقدار قوَّة الوازع، والوازع شرعي وطبيعي، وفي القلب المفطور على الرَّأفة والسَّمَاحَة، لين يزعه عن المظالم والقساوة، فتكون التقوى أقرب إليه؛ لكثرة أسبابها فيه).[5]

يقول عبد الرحمن الميداني في هذه الآية (وجَّه الله الدائنين إلى التيسير على المدينين المعسرين، فعلَّمهم الله بذلك سماحة النفس، وحسن التغاضي عن المعسرين).[6]

روي عن جابر بن عبد الله أن رسول الله قال:

قال المناوي: (... «رحم الله عبدًا» دعاء أو خبر، وقرينة الاستقبال المستفاد من «إذا» تجعله دعاء. «سَمْحًا» أي جوادًا أو متساهلًا، غير مضايق في الأمور، وهذا صفة مشبَّهة تدل على الثبوت؛ ولذا كرر أحوال البيع والشراء والتقاضي، حيث قال: «إذا باع، سمحًا إذا اشترى، سمحًا إذا قضى». أي وفَّى ما عليه بسهولة. «سمحًا إذا اقتضى» أي طلب قضاء حقه، وهذا مسوق للحث على المسامحة في المعاملة، وترك المشاححة والتضييق في الطلب، والتَّخلُّق بمكارم الأخلاق، وقال القاضي: رتَّب الدعاء على ذلك؛ ليدل على أنَّ السهولة والتسامح سبب لاستحقاق الدعاء، ويكون أهلًا للرحمة والاقتضاء والتقاضي، وهو طلب قضاء الحق).[8]

وقال ابن بطال: (فيه الحضُّ على السَّمَاحَة، وحسن المعاملة، واستعمال معالي الأخلاق ومكارمها، وترك المشاحة والرقة في البيع، وذلك سبب إلى وجود البركة فيه؛ لأن النَّبي عليه الصلاة والسلام لا يحض أمته إلا على ما فيه النفع لهم، في الدنيا والآخرة).[9]

روي عن عبد الله بن مسعود أن رسول الله قال:

قال القاري: (أي: تحرم على كل سهل طلق حليم، ليِّن الجانب، قيل: هما يطلقان على الإنسان بالتثقيل والتخفيف. «قريب» أي: من النَّاس بمجالستهم في محافل الطاعة، وملاطفتهم قدر الطاعة. «سهل» أي: في قضاء حوائجهم، أو معناه أنَّه سمح القضاء، سمح الاقتضاء، سمح البيع، سمح الشراء).[11]

قال ابن تيمية: (وأما السَّمَاحَة والصبر، فخلقان في النفس. قال تعالى: (وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ وَتَوَاصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ) [البلد: 17] وهذا أعلى من ذاك، وهو أن يكون صبَّارًا شكورًا، فيه سماحة بالرَّحْمَة للإنسان، وصبر على المكاره، وهذا ضد الذي خلق هلوعًا، إذا مسه الشر جزوعًا، وإذا مسه الخير منوعًا؛ فإنَّ ذاك ليس فيه سماحة عند النعمة، ولا صبر عند المصيبة).[12]

كما دعا الإسلام المسلمين إلى التحلي بخلق السَّمَاحَة، فإنَّ الإسلام دين السماحة، والسماحة من خلق الإسلام نفسه، فمن السَّمَاحَة عفو الله ومغفرته للمذنبين من عباده، وحلمه تبارك وتعالى على عباده، وتيسير الشريعة عليهم، وتخفيف التكاليف عنهم، ونهيهم عن الغلو في الدين، ونهيهم عن التشديد في الدين على عباد الله .

- *قال تعالى: «يُرِيدُ اللّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ» [البقرة: 185] .

- *وقال: «مَا يُرِيدُ اللّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُم مِّنْ حَرَجٍ وَلَـكِن يُرِيدُ لِيُطَهَّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ» [المائدة: 6] .

- *وقال سبحانه: «يُرِيدُ اللّهُ أَن يُخَفِّفَ عَنكُمْ وَخُلِقَ الإِنسَانُ ضَعِيفًا» [النساء: 28] .

- *ونهى النَّبي عن التنطع والتَّشدد في الدين، فعن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله  : (هلك المتنطعون) قالها ثلاثًا.[13]

- *وأمر بالتخفيف على المسلمين ونهى عن التثقيل في أمور الدين فعن أبي مسعود رضي الله عنه، قال: (أتى رجلٌ النَّبيَّ ، فقال: إني لأتأخر عن صلاة الغداة من أجل فلان مما يطيل بنا، قال: فما رأيت رسول الله قط أشد غضبًا في موعظة منه يومئذ، قال: فقال: يا أيها النَّاس إنَّ منكم منفِّرين، فأيُّكم ما صلى بالنَّاس فليتجوَّزْ، فإنَّ فيهم المريض، والكبير، وذا الحاجة) .[14]

-* قال  : (إنَّ الدين يسر، ولن يشادَّ الدين أحد إلا غلبه، فسددوا وقاربوا وأبشروا، واستعينوا بالغدوة، والروحة، وشيء من الدلجة).[15]

- *ودعا الرسول على من يشق على المسلمين فقال : (اللهم من ولي من أمر أمتي شيئًا فشقَّ عليهم، فاشقق عليه، ومن ولي من أمر أمتي شيئًا فرفق بهم، فارفق به) .[16]

فالإسلام لم تقتصر سماحته على المسلمين فحسب، بل شمل غير المسلمين، من اليهود والنصارى، والمشركين، حتى في حالة الحرب، فنهى الإسلام عن قتل الأطفال، والنساء، والشيوخ، والعجزة.

يكون ذلك بـ:

(التأمل في الترغيبات التي رغب الله بها الذين يتحلون بخلق السَّمَاحَة، والفوائد التي يجنونها في العاجلة والآجلة، والسعادة التي يظفرون بها في الحياة الدنيا والآخرة.

والتأمل في المحاذير التي حذَّر الله منها النكدين المتشدِّدين العسيرين، وما يجلبه لهم خلقهم وظواهره السلوكية، من مضار عاجلة وآجلة، ومتاعب وآلام كثيرة، وخسارة مادية ومعنوية).[27]

هناك علامات ومظاهر للمتصفين بخلق السَّمَاحَة منها:

((1- طلاقة الوجه، واستقبال النَّاس بالبشر، ومشاركتهم بالسمع والفكر والقلب.

وطلق الوجه حسن البشر بالنَّاس، محبب إليهم، مألوف في نفوسهم، قريب إلى قلوبهم. وقد حث الرسول على هذه الظاهرة بقوله وعمله، فمن ذلك ما جاء عن جابر رضي الله عنه، إذ قال: قال رسول الله : ((كل معروف صدقة، وإنَّ من المعروف أن تلقى أخاك بوجه طلق، وأن تفرغ من دلوك في إناء أخيك)).[28]

2- مبادرة النَّاس بالتحية والسلام والمصافحة وحسن المحادثة:

فمن كان سمح النفس بادر إلى هذه المحاسن، ووجودها في الإنسان طبيعية غير متكلَّفة، يدل على أنَّه سمح هيِّن ليِّن رقيق حاشية النفس، ألوف ودود لا فظ ولا غليظ.

3- حسن المصاحبة والمعاشرة والتغاضي وعدم التشدد في الأمور:

فمن كان سمح النفس، كان حسن المصاحبة لإخوانه، ولأهله، ولأولاده، ولخدمه، ولكل من يخالطه، ولكل من يرعاه. وكان حسن المعاشرة خفيف المحاسبة والمؤاخذة، متغاضيًا عن المخالفات التي تتعلق به، لا يتشدد في الأمور، ولا يعظِّم الصغائر، بل يلتمس العذر لمن يقصر معه، أو لا يعطيه من الاحترام أو الخدمة حقه)).[29]

قال الإمام الشافعي:[30]