الدارقطني

الإمام الحافظ أبو الحسن علي بن عمر بن أحمد بن مهدي بن مسعود بن النعمان بن دينار بن عبد الله البغدادي ويلقب بـ الدَّارَقُطْنِيّ ولد بدار القطن، بغداد (306 هـ - 385 هـ)[6] هو المقرئ، المحدث، اللغوي، الأديب صاحب المؤلفات المتقنة في علوم القرآن والحديث.[7]

نشأ الدارقطني في بيت علم وفضل، فقد كان أبوه من المحدثين الثقات، وقد شاهده في صباه وهو يتردد على حلقات العلم والسماع، ويدون مسموعاته ومروياته ويقضي سحابة نهاره تعلما ودراسة، فحُبب إليه طلب العلم والسعي في تحصيله منذ نعومة أظافره وقد ساعده على ذلك مامنحه الله من استعداد فطري وذهن حاد وتعطش شديد للمعرفة وحافظة واعية فقد كتب عن نفسه أنه كتب في أول سنة (315).[8] وكان عمره إذ ذاك تسع سنوات.

يبكي[9]

وروى الخطيب البغدادي عن أبو منصور الأزهري قال: بلغني أن الدارقطني حضر حداثته مجلس إسماعيل الصفار، فجلس ينسخ جُزءاً كان معه وإسماعيل يملي، فقال له بعض الحاضرين: لا يصح سماعك وأنت تنسخ، فقال الدارقطني: فهمي للإملاء خلاف فهمك، ثم قال: تحفظ كم أملى الشيخ من حديث إلى الآن؟ فقال: لا، فقال الدارقطني: أملى ثمانية عشر حديثا، فعدَّت فوجدت كما قال، ثم قال أبو الحسن: الحديث الأول منها عن فلان عن فلان، ومتنه كذا، والحديث الثاني عن فلان عن فلان، ومتنه كذا، ولم يزل يذكر أسانيد الأحاديث ومتونها على الترتيب في الإملاء حتى أتى آخرها، فتعجب الناس منه.[10]

كانت بغداد في عصر الدارقطني تزخر بالشيوخ من أهل العلم والرواية، وكان العلماء المشهود لهم بالمعرفة والحفظ يؤمُّونها كافة الأقطار الإسلامية، فتعقد لهم مجالس التحديث والإملاء، ولهم تخصصات متعددة تمثل ثقافة عصرهم، وكان الدارقطني حريصا على الإفادة منهم، وسماع مروياتهم، والأخذ عنهم، والتفقه بهم، وقد أتاحت له حافظته الواعية، وشغفه البالغ ودأبه في الطلب أن يستنزف علومهم، ويستوعب مروياتهم، إلا أنه وهو شديد الرغبة في الاستزادة من العلم لم يقنع بما أخذه عن شيوخها، فشدَّ الرحال إلى عدد من البلاد الإسلامية ليلتقي فيها بالحفاظ وأهل العلم، ليسمع منهم ويكتب عنهم. ارتحل إلى الشام ومصر، قال الأزهري: لما دخل الدارقطني مصر كان بها شيخ علوي من أهل مدينة رسول الله يقال له: مسلم بن عبيدالله، وكان عنده كتاب النسب عن الخضر بن داود، عن الزبير بن بكَّار، وكان مسلم أحد الموصوفين بالفصاحة المطبوعين على العربية فسأل الناس الدارقطني أن يقرأ عليه كتاب النسب، ورغبوا في سماعه بقرائته، فأجابهم عن ذلك، فقال له بعد القراءة المعيطي الأديب: يا أبا الحسن، أنت أجرأ من خاصي الأسد، تقرأ مثل هذا الكتاب مع مافيه من الشعر والأدب، فلا يؤخذ عليك فيه لحنه، وأنت رجل من أصحاب الحديث، وتعجب منه.[11]

لقد كان للدارقطني من كل علم حظ وافر، ونصيب زاخر، فهو كما قال الخطيب البغدادي:

ومنها معرفة مذاهب الفقهاء، فإن كتاب السنن الذي صنفه يدل على أنه كان ممن اعتنى بالفقه لأنه لا يقدر على جمع ماتضمن ذلك إلا من تقدمت معرفته بالاختلاف في الأحكام، وبلغني أنه درس الفقه الشافعي على أبي سعيد الإصطخري، وقيل: بل درس الفقه على صاحب لأبي سعيد، وكتب الحديث عن أبي سعيد نفسه. ومنها الشعر والأدب وقيل: أنه كان يحفظ دوواين جماعة من الشعراء، وسمعت حمزة بن محمد بن طاهر الدقاق يقول: كان أبو الحسن يحفظ ديوان السيد الحميري في جملة مايحفظ من الشعر، فنسب إلى التشيع لذلك.

وغيرهم.

كان الدراقطني على مذهب أهل الحديث في العقيدة، وله في العقيدة مصنفات منها كتاب «الرؤية» وكتاب «الصفات»،[12] قال عنه الذهبي: «لم يدخل الرجل أبدا في علم الكلام ولا الجدال، ولا خاض في ذلك ، بل كان سلفيًا»، وروى عن الدارقطني قوله: «ما شيء أبغض إلي من علم الكلام.»،[4] ومن أقواله في إثبات أحاديث الصفات:[13][14] «هَذِهِ الْأَحَادِيثُ صِحَاحٌ حَمَلَهَا أَصْحَابُ الْحَدِيثِ والفقهاء بعضهم على بَعْضٍ، وهِيَ عِنْدَنَا حَقٌّ لَا نَشُكُّ فِيهَا، وَلَكِنْ إِذَا قِيلَ: كَيْفَ وَضَعَ قَدَمَهُ؟ وَكَيْفَ ضَحِكَ؟ قُلْنَا: لَا يُفَسَّر هَذَا وَلَا سَمِعْنَا أَحَدًا يُفَسِّرُهُ.»

توفي الدارقطني في بغداد ودفن في مقبرة باب الدير قرب مرقد الشيخ معروف الكرخي وصلى عليهِ أبو حامد الإسفراييني.

الخوارزمي