الحسين بن علي

إحداثيات: 32°36′59″N 44°1′56.29″E / 32.61639°N 44.0323028°E / 32.61639; 44.0323028

إخوة وأخوات :
الحسن، العباس، عمر، زينب، أم كلثوم، المحسن، محمد بن الحنفية، أبو بكر بن علي، عثمان بن علي
زوجاته :
شهربانو
ليلى بنت أبي مرة الثقفي
الرباب بنت امرئ القيس
أم إسحاق بنت طلحة بن عبيد الله
السلافة امرأة من بلي بن عمرو
أولاده : علي الأكبر، علي السجاد، علي الأصغر، جعفر، فاطمة، سكينة، رقية، خولة، صفية

أبو عبد الله الحُسين بن علي بن أبي طالب (3 شعبان 4 هـ - 10 محرم 61 هـ / 8 يناير 626 م - 10 أكتوبر 680 م) هو سبط الرسول محمد، وصَحابيّ،[1] والإمام الثالث عند الشيعة، أطلق عليه النبي محمد لقب سيد شباب أهل الجنة فقال:[2] «الحسَنَ والحُسَيْنَ سيِّدا شبابِ أَهْلِ الجنَّةِ»، وهو خامس أصحاب الكساء.[3][4][5]

ولد في شهر شعبان سنة 4 هـ، وأُتِيَ به إلى النبي محمد، وأذن في أذنيه جميعًا بالصلاة، وعقّ عنه بكبش كما فعل مع أخيه الحسن، وكان يأخذه معه إلى المسجد النبوي في أوقات الصلاة، فيصلي بالناس، وكان يركب على ظهره وهو ساجد، ويحمله على كتفيه، ويُقبّله ويداعبه ويضعه في حجره ويَرْقِيه، توفي جده النبي محمد سنة 11 هـ وكذلك توفيت أمه فاطمة في نفس السنة، شارك الحسين مع الحسن في الجهاد في عهد عثمان، فشارك في فتح إفريقية تحت إمرة عبد الله بن سعد بن أبي السرح، وشارك في فتح طبرستان وجرجان في جيش سعيد بن العاص، كما شارك في معركة الجمل ومعركة صفين.

بويع أخوه بالخلافة، واستمر خليفة للمسلمين نحو ثمانية أشهر، ثم تنازل عنها لصالح معاوية بن أبي سفيان بعد أن صالحه على عدد من الأمور. وانتقل الحسن والحسين من الكوفة إلى المدينة المنورة، وبعد وفاة الحسن استمر الحسين في الحفاظ على عهد أخيه مع معاوية طوال حياة معاوية. وبعد موت معاوية رفض الحسين بيعة يزيد بن معاوية وخرج إلى مكة ومكث فيها أشهرًا، فأرسل له أنصاره بالكوفة رسائل تؤكد الرغبة في حضوره ومبايعته، فقام بإرسال ابن عمه مسلم بن عقيل وأمره أن ينظر في أهل الكوفة وأن يستجلي حقيقة الأمر، ولكن والي الكوفة الجديد عبيد الله بن زياد استطاع الإيقاع بمسلم وقتله، وتفرق عنه أنصار الحسين وخذلوه.

خرج الحسين إلى الكوفة، حتى وصل إلى زبالة(2) فوصله خبر مقتل مسلم وخذلان أهل الكوفة ، وتوجّه إليه الحر بن يزيد الرياحي ومعه ألف فارس إلى الحسين ليلازمه حتى يصل إلى الكوفة، فلما وصلوا إلى كربلاء لقى جيش عمر بن سعد المكون من أربعة آلاف مقاتل، عارضًا على الحسين النزول على حكم ابن زياد، وبعد فشل المفاوضات دارت معركة كربلاء، وقُتِلَ في المعركة 72 رجلًا من أصحاب الحسين، و88 رجلًا من جيش عمر، وطعنه سنان بن أنس واحتز رأسه، وقيل أن الذي قطع رأسه شمر بن ذي الجوشن، ودفن جسده في كربلاء. وبحسب مرويَّات الشيعة، فإن رأسه قد دُفِن في كربلاء مع جسده عند عودة نساء أهل البيت من الشام، بينما اختلف أهل السنة في الموضع الّذي دفن فيه الرأس، فقيل في دمشق، وقيل في كربلاء مع الجسد، وقيل في مكان آخر، فتعدّدت المراقد، وتعذّرت معرفة مدفنه. كان مقتله يوم العاشر من محرم سنة 61 هجرية الموافق 10 أكتوبر سنة 680م. ويسمى بعاشوراء وقد ظل هذا اليوم يوم حزن وكآبة عند الشيعة.[6]

اختلف في تاريخ ميلاده، وأرجح الأقوال أنه ولد في شهر شعبان سنة أربعة من الهجرة،[18] وأكثر الأقوال أنه ولد في 5 شعبان، [5][19] وقيل 3 شعبان، [20] وذكر محمد بن سعد البغدادي أن فاطمة الزهراء حملت به في 5 ذي القعدة سنة 3 هـ بعد خمسين ليلة فقط من ميلاد أخيه الحسن، حيث ولد الحسن في 15 رمضان سنة 3 هـ.[18] قال جعفر الصادق: «بين الحسن والحسين في الحمل طهر واحد»،[5] وجاء في الكافي رواية تذكر انه ولد سنة 3 هـ.[21]

ولمَّا وُلد الحسين أُتِيَ به إلى النبي محمد، وأذن في أذنيه جميعًا بالصلاة،[22] وعقّ عنه بكبش كما فعل مع أخيه الحسن،[23] ورُوى أن علي بن أبي طالب كان يريد تسميته حربًا، فسماه النبي حسينًا، فعن علي قال:[24] «لما ولد الحسن جاء رسول الله فقال: أروني ابني ما سميتموه؟ قلت: سميته حربا. قال: بل هو حسن. فلما ولد الحسين قال: أروني ابني ما سميتموه؟ قلت سميته حربا. قال: بل هو حسين. فلما ولد الثالث جاء النبي قال: أروني ابني ما سميتموه؟ قلت سميته حربًا قال: هو محسن. ثم قال: إني سميتهم بأسماء ولد هارون شبر وشبير ومشبر.» وقال عمران بن سليمان:[22]:243 «الحسن والحسين اسمان من أسماء أهل الجنة. لم يكونا في الجاهلية.» وجاءت الروايات أن فاطمة كانت تحلق شعر أبنائها في اليوم السابع من ولادتهم وتتصدق بوزن الشعر فضة على المساكين وأهل الصفة.[22]:233 كما خُتِنَ في اليوم السابع أيضًا.[25]

وقد جاء في بعض المصادر أن أمه فاطمة دفعته إلى أم الفضل بنت الحارث زوجة العباس لترضعه، وأنها رأت رؤيا قبل مولده، فيروى عنها أنها قالت:[26] «يا رسول الله رأيت في المنام كأن عضوا من أعضائك في بيتي أو قالت في حجرتي، فقال تلد فاطمة غلامًا إن شاء الله، فتكفلينه، فولدت فاطمة حسنًا فدفعه إليها فأرضعته بلبن قثم بن العباس، فجئت به يومًا إلى النبي صلى الله عليه وسلم فبال على صدره فدحيت في ظهره، فقال النبي صلى الله عليه وسلم مهلًا يرحمك الله أوجعت مشهور، فقلت ادفع إلي إزارك فأغسله، فقال: لا صبي عليه الماء فإنه يصب على بول الغلام ويغسل بول الجارية.».

نشأ الحسن والحسين في بيت أبويهما في المدينة المنورة، وكان النبي محمد يُحبهما ويأخذهما معه إلى المسجد النبوي في أوقات الصلاة حين يصلي بالناس، فكان إذا سجد وثب الحسن والحسين على ظهره. فإذا أراد أن يرفع رأسه أخذهما بيده فوضعهما وضعا رفيقا. فإذا عاد عادا. حتى إذا صلى صلاته وضع واحدا على فخذ والآخر على الفخذ الأخرى،[18]:381 وكان يُركبهما بغلته الشهباء؛ أحدهما أمامه والآخر خلفه،[27] وكان يقول: «هذان ابناي وابنا ابنتي، اللهم إنك تعلم أني أحبهما فأحبهما.».[28] وكان إذا سمع الحسين يبكي قال لأمه: «ألم تعلمي أن بكاءه يؤذيني».[5]

كان الحسين أحد الذين حضروا مباهلة نصارى نجران وهو صغير، حيث أخذ النبي بيد فاطمة والحسن والحسين للمباهلة وقال: «هؤلاء بني».[29][30] وجاء في بحار الأنوار أن النبي كان يضع اللقمة تارة في فم الحسن وتارة في فم الحسين.[31]

توفي النبي محمد سنة 11 هـ، والحسين حينها بين السادسة والسابعة من عمره،[32] وتذكر المراجع الشيعية أن الحسن والحسين كانا بجانب النبي عند وفاته.[33] ولم تلبث عدة شهور حتى توفيت والدته فاطمة الزهراء، حيث توفيت في نفس السنة 11 هـ، واختُلِفَ في الشهر الذي توفيت فيه، فذهب جماعة من الباحثين إلى القول بأنها عاشت بعد أبيها 24 يومًا وتراوحت الأقوال ما بين 45 و85 و95 يومًا أو 100 يوم، وعلى قول آخر عاشت بعد أبيها بما يقارب 3 أشهر، ومنهم من أوصل ذلك إلى 6 أشهر.[34]

لا يُذكر عن الحسين الكثير في خلافة أبي بكر لصغر سنه حينها، أمَّا في عهد عمر بن الخطاب فقد كانت سياسته أن يُجل السبطين: الحسن والحسين، ويجعل لهما نصيبُا من الغنائم، ووردت إليه حُلل من وشي اليمن فوزعها على المسلمين ثم أرسل إلى عامله على اليمن أن يرسل له حلتين، فأرسلهما إليه فكساهما للحسن والحسين، وجعل عطاءهما مثل عطاء أبيهما علي بن أبي طالب، وألحقهما بفريضة أهل بدر، وكانت خمسة آلاف دينار.[35] يقول محمد باقر المجلسي صاحب بحار الأنوار: «ولمّا دوّن الدواوين بدأ بالحسن والحسين، فملأ حجرهما من المال، فقال له ابن عمر:تقدمهما عليّ ولي صُحبة وهجرة دونهما، فقال عمر: اسكت، لا أم لك، أبوهما خير من أبيك، وأمهما خير من أمك.»[36][37]

في عهد عثمان التحق الحسين بالجيش والجهاد، وذكر ابن خلدون أن جيش عقبة بن نافع في إفريقية كان عشرة ألاف ولم يستطع فتحها، وصالح أهلها على مال يؤدونه، ثم استأذن عبد الله بن أبي السرح عثمان أن يذهب لفتح إفريقية، وطلب منه أن يُمدّه بجيش من المدينة، فأرسل له عثمان جيشًا،[38] فيه عبد الله بن عباس والحارث بن الحكم بن أبي العاص وعبد الله بن جعفر بن أبي طالب والحسن والحُسين،[39][40] وفتحوها سنة 26 هـ أو 27 هـ.[41] وفي سنة 30 هـ غزا الحسن والحُسين وابن عباس طبرستان تحت قيادة سعيد بن العاص، فلمّا وصلوا إليها فتحوها، وذكر المدائني: «أن سعيد بن العاص ركب في جيش فيه الحسن والحسين، والعبادلة الأربعة، وحذيفة بن اليمان، في خلق من الصحابة، فسار بهم فمر على بلدان شتى يصالحونه على أموال جزيلة، حتى انتهى إلى بلد معاملة جرجان، فقاتلوه حتى احتاجوا إلى صلاة الخوف».[42]

كانت إقامة الحسين بالمدينة المنورة حتى بويع علي بالخلافة، عزم على الخروج للعراق، فخرج معه وأخيه إلى الكوفة،[43] ثم حدثت معركة الجمل وكان الحسين على الميسرة والحسن على الميسرة،[29][44] وكذلك حضر معركة صفين وقتال الخوارج في معركة النهروان.[43] بينما جاء في نهج البلاغة رواية تقول أن عليًا منع الحسن والحسين من المشاركة في المعارك وقال: «املكوا عني هذين الغلامين لئلا ينقطع بهما نسل رسول الله».[45]

قُتل علي بن أبي طالب على يد عبد الرحمن بن ملجم، حيث ضربه أثناء الصلاة بسيف مسموم، ثم حُمل على الأكتاف إلى بيته وقال: «أبصروا ضاربي أطعموه من طعامي، واسقوه من شرابي، النفس بالنفس، إن هلكت، فاقتلوه كما قتلني وإن بقيت رأيت فيه رأيي» ونهى عن تكبيله بالأصفاد وتعذيبه. وجيء له بالأطباء الذين عجزوا عن معالجته فلما علم علي أنه ميت قام بكتابة وصيته كما ورد في مقاتل الطالبيين. ظل السم يسري بجسده إلى أن توفي بعدها بثلاثة أيام، تحديدا ليلة 21 رمضان سنة 40 هـ عن عمر يناهز 64 حسب بعض الأقوال.[46] وبعد مماته تولى عبد الله بن جعفر والحسن والحسين غسل جثمانه وتجهيزه، وصلى عليه الحسن.[47] وتذكر بعض المصادر أن الحسين لم يكن حاضرًا بالكوفة حينما قُتِلَ أبوه إنما كان في معسكر النخيلة قائدًا لفرقة من الجيش، فأرسل الحسن رسولًا إليه ليخبره، فقفل راجعًا إلى الكوفة.[48]

لما قُتل علي بن أبي طالب على يد عبد الرحمن بن ملجم المرادي، بُويع ابنه الحسن للخلافة وذلك بعد أن اختاره الناس.[49] وكان الحسين معاونًا لأخيه الحسن في بيعته بعد مقتل علي، وبويع له خليفةً للمسلمين في رمضان سنة 40 هـ، ثم حدث الصلح مع معاوية بن أبي سفيان سنة 41 هـ، وأطلق على ذلك العام عام الجماعة، وكان الحسين كارهًا للصلح لكنه قبل به انصياعًا لرأي أخيه، وموافقةً له.[50] واجه الحسين المعارضين للصلح بالوقوف مع خيار أخيه، يقول باقر شريف القرشي: «لما أبرم أمر الصلح خف عدي بن حاتم ومعه عبيدة بن عمر إلى الإمام الحسين وقلبه يلتهب نارًا فدعا الإمام إلى إثارة الحرب قائلًا: يا أبا عبد الله شريتم الذل بالعز، وقبلتم القليل وتركتم الكثير، أطعنا اليوم، واعصنا الدهر، دع الحسن، وما رأى من هذا الصلح، واجمع إليك شيعتك من أهل الكوفة وغيرها وولني وصاحبي هذه المقدمة. فقال الحسين: إنا قد بايعنا وعاهدنا ولا سبيل لنقض بيعتنا.».[50]

ترك الحسن والحسين الكوفة بعد الصلح مع معاوية ورجعا إلى المدينة المنورة واستقرا بها، وكانت زعامة بني هاشم عند الحسن.[51] وكانت الرسائل والكتب تأتي إلى الحسن من العراق تطلب أن ينصروه مرة أخرى، فيرفضها ويلقيها في الماءِ، فسألته جاريته عن هذه الكتب فقال: «من أهلِ العراقِ من قومٍ لا يرجعون إلى حقٍّ ولا يَقصُرونَ عن باطلٍ أما إني لست أخشاهم على نفسِي ولكني أخشاهم على ذلك وأشار إلى الحسينِ».[52]

مرض الحسن قبل وفاته، فدخل عليه الحسين، وقال له: «يا أبا محمد، ما هذا الجزع؟ ما هو إلا أن تفارق روحك جسدك، فتقدم على أبويك علي وفاطمة، وعلى جديك النبي وخديجة، وعلى أعمامك حمزة وجعفر، وعلى أخوالك القاسم الطيب ومطهر وإبراهيم، وعلى خالاتك رقية وأم كلثوم وزينب»، فقال الحسن: «يا أخي إني أدخل في أمر من أمر الله لم أدخل في مثله، وأرى خلقا من خلق الله لم أر مثله قط.»، فبكى الحسين.[17]

أوصى الحسنُ أخاه الحسين أن يدفنه في حجرة عائشة مع النبي، وقال: «ادفني عند أبي، - يعني النبي - إلا أن تخافوا الدماء، فادفني في مقابر المسلمين.»،[53] ونقل ابن عبد البر أنهم لما التمسوا من عائشة أن يدفن الحسن في حجرتها، قالت: «نعم وكرامة.»، ولكن منعهم مروان بن الحكم وكان والي المدينة المنورة،[54] وقال: «لا ندعه يدفن مع رسول الله، أيدفن عثمان بالبقيع، ويدفن الحسن بن علي في الحجرة.»،[17][55] فتنازع الحسين ومروان، وكادا يتقاتلا، فلما خاف الناس وقوع الفتنة أشار سعد بن أبي وقاص، وأبو هريرة، وجابر، وعبد الله بن عمر على الحسين ألا يقاتل،[17] وقال له أبو هريرة: «أنشدك الله ووصية أخيك، فإن القوم لن يدعوك حتى يكون بينكم دماء.»،[54] فدفنوه بالبقيع عند قبر فاطمة بنت أسد.[56]

ولما توفي الحسن اجتمع أنصاره في الكوفة في دار سليمان بن صرد وكتبوا إلى الحسين بالتعزية، وقالوا: «إن الله قد جعل فيك أعظم الخلف ممن مضى، ونحن شيعتك المصابة بمصيبتك، المحزونة بحزنك، المسرورة بسرورك، المنتظرة لأمرك.»، فرد الحسين عليهم: «إني لأرجو أن يكون رأي أخي رحمه الله في الموادعة، ورأيي في جهاد الظلمة رشدًا وسدادًا، فألصقوا بالأرض، وأخفوا الشخص، واكتموا الهوى، واحترسوا من الأظاء ما دام ابن هند حيًا، فإن يحدث به حدث وأنا حي يأتكم رأيي إن شاء الله.»،[57][58] واستمر الحسين في الحفاظ على عهد أخيه مع معاوية طوال حياة معاوية.[59] وظلَّ الوضع كذلك حتى وفاة معاوية في شهر رجب سنة 60 هـ الموافق أبريل سنة 680م؛ لكن معاوية قد جعل أهل الشام والمدينة يُبايعون ابنه يزيد، مما كان سببًا في تطور الأحداث بعد وفاة معاوية.[60] قال ابن كثير الدمشقي: «لما استقرت الخلافة لمعاوية كان الحسين يتردد إليه مع أخيه الحسن فيكرمهما معاوية إكرامًا زائدًا، ويقول لهما: مرحبا وأهلا، ويعطيهما عطاءً جزيلًا. وقد أطلق لهما في يوم واحد مائتي ألف، وقال: خذاها وأنا ابن هند، والله لا يعطيكماها أحد قبلي ولا بعدي. فقال الحسين: والله لن تعطي أنت ولا أحد قبلك ولا بعدك رجلا أفضل منا. ولما توفي الحسن كان الحسين يفد إلى معاوية في كل عام فيعطيه ويكرمه، وقد كان في الجيش الذين غزوا القسطنطينية مع ابن معاوية يزيد، في سنة إحدى وخمسين. ولما أخذت البيعة ليزيد في حياة معاوية كان الحسين ممن امتنع من مبايعته، هو وابن الزبير، وعبد الرحمن بن أبي بكر، وابن عمر، وابن عباس، ثم مات ابن أبي بكر وهو مصمم على ذلك.».[61][62]

توفي معاوية بن أبي سفيان ليلة النصف من رجب سنة 60 هـ، وكان يزيد بن معاوية بحوَّارين، فعاد وبايعه أهل الشام، وكتب يزيد إلى الوليد بن عتبة والي المدينة المنورة: «أن ادع الناس فبايعهم وابدأ بوجوه قريش، وليكن أول من تبدأ به الحسين بن علي، فإن أمير المؤمنين عهد إلي في أمره الرفق به واستصلاحه.».[63] وطلب منه أيضًا أن يأخذ البيعة من عبد الله بن الزبير وعبد الله بن عمر بن الخطاب، فطلبهم الوليد للحضور عنده.[64]

تتضارب الروايات بعد ذلك، فيؤكد البلاذري أن الحسين وابن الزبير تشاغلا عنه،[64] وقالا: «نصبح وننظر ما يصنع الناس»، ثم رحلا في جوف الليل إلى مكة.[65] بينما يذكر خليفة بن خياط أن الحسين وابن الزبير حضرا عند الوليد ورفضا البيعة، ثم توجها إلى مكة كلٌ على حدا، فطلبوهما في الصباح فلم يجدوهما، فأرسل الوليد ثلاثين راكبًا على أثرهما فلم يلحقوهما، فقام مروان بن الحكم بمراسلة يزيد ليخبره بما حدث، فعزل يزيد الوليد بن عتبة عن ولاية المدينة وولّى عمرو بن سعيد الأشدق.[64] فلما قدما مكة سكن الحسين في دار العباس بن عبد المطلب، ولزم ابن الزبير المسجد الحرام، وجعل يحرض الناس على بني أمية.[66]

يُرجع المؤرخون والباحثون رفض الحسين لبيعة يزيد إلى عدة أسباب، منها الحرص على مبدأ الشورى والاعتراض على طريقة بيعة يزيد في حياة والده، وأن هذه الطريقة في أخذ البيعة لا تشابه طريقة بيعة الخلفاء الراشدين،[67] وهو نفس السبب الذي رفض لأجله عبد الرحمن بن أبي بكر بيعة يزيد حيث قال: «أهرقليّة؟!، إن أبا بكر والله ما جعلها في أحد من ولده ولا من أهل بيته».[68] ومنها عدم وجود الأفضلية في يزيد، وأن هناك من هو أفضل منه مثل الحسين، كما يرى بعض المُحللين أن السبب هو عدم التزام معاوية بشروط الحسن في الصلح والتي من ضمنها ما ذكره ابن حجر الهيتمي: «بل يكون الأمر من بعده شورى بين المسلمين».[69]

لما علمت شيعة الكوفة بموت معاوية بن أبي سفيان وخروج الحسين إلى مكة، ورفضه البيعة ليزيد بن معاوية تذكروا وصية الحسين التي أوصاها أياهم بعد أن تمت بيعة معاوية، حيث أن شيعة الحسن والحسين قد اعترضوا على الصلح إلا أن الحسين طلب منهم الهدوء والموادعة وعدم المعارضة حتى يموت معاوية،[70] يقول الذهبي في هذا الخصوص: «بلغنا أن الحسين لم يعجبه ما عمل أخوه من تسليم الخلافة إلى معاوية، بل كان رأيه القتال، ولكنه كظم وأطاع أخاه وبايع.»[71] فاجتمعوا في منزل سليمان بن صرد الخزاعي واتفقوا على أن يقوموا بمراسلته ودعوته، فكتبوا له: «إنا لا نصلي مع النعمان بن بشير -والي الكوفة- جمعة، ولا نخرج معه إلى عيد، فأقبل علينا، فإن أقبلت أخرجنا النعمان إلى الشام.» وهذا الكتاب: من سليمان بن صرد الخزاعي، والمسيب بن نجبة، ورفاعة بن شداد، وحبيب بن مظاهر الأسدي. ثم بعد يومين أرسل شيعة الكوفة ثلاثة رسل حملوا معهم نحوًا من ثلاث وخمسين صحيفة، والصحيفة الواحدة من الرجل والاثنين والأربعة. ثم بعد يومين آخرين أُرسلت رسالة مع هانئ بن هانئ السبيعي وسعيد بن عبد الله الحنفي، جاء فيها: «بسم الله الرحمن الرحيم. لحسين بن علي من شيعته المؤمنين والمسلمين، أما بعد، فحي هلا، فإن الناس ينتظرونك، ولا أرى لهم في غيرك فالعجل العجل، والسلام عليك.» وكتب شبث بن ربعي وحجار بن أبجر ويزيد بن الحارث بن يزيد بن رويم وعزرة بن قيس وعمرو بن الحجاج الزبيدي ومحمد بن عمير التميمي: «أما بعد، فقد اخضر الجناب، وأينعت الثمار، وطمت الجمام، فإذا شئت فاقدم على جندٍ لك مجند؛ والسلام عليك.»[72]

بعد أن رأى الحسين كثرة الرسائل التي وصلته وهو بمكة، وجميعها يؤكد الرغبة في حضوره ومبايعته، وسأل الرسل عن أمر الناس، قام بكتابة رسالة قال فيها: «بسم الله الرحمن الرحيم. من حسين بن علي إلى الملإ من المؤمنين والمسلمين؛ أما بعد، فإن هانئًا وسعيدًا قدما علي بكتبكم، وكانا آخر من قدم علي من رسلكم، وقد فهمت كل الذي اقتصصتم وذكرتم، ومقالة جلكم: إنه ليس علينا إمام، فأقبل لعل الله أن يجمعنا بك على الهدى والحق. وقد بعثت إليكم أخي وابن عمي وثقتي من أهل بيتي، وأمرته أن يكتب إلي بحالكم وأمركم ورأيكم، فإن كتب إلي أنه قد أجمع رأي ملئكم وذوي الفضل والحجى منكم على مثل ما قدمت علي به رسلكم، وقرأت في كتبكم، أقدم عليكم وشيكًا إن شاء الله؛ فلعمري ما الإمام إلا العامل بالكتاب، والآخذ بالقسط، والدائن بالحق، والحابس نفسه على ذات الله. والسلام.»[73]

يرجع الباحثون بناء على ما سبق أن الحسين قد فهم من تلك الرسائل المتلاحقة من الكوفة الرغبة الصادقة في نفوسهم، وأنهم قد نبذوا إمامهم، ولم يعترفوا بيزيد، وأنهم سيخرجون أمير الكوفة النعمان بن بشير وأنهم في حاجة لإمام يجتمعون عليه، وهذا الإمام هو الحسين بن علي. وأن الحسين لم يفكر في الخروج إلى الكوفة إلا عندما جاءته الرسل من الكوفة ليعترفوا له إنه ليس عليهم إمام، وأنهم يدعونه مرحبين به وطائعين له. فلذلك قرر التوقف والتأكد من صحة هذه الرسائل التي وصلته، فقام بإرسال ابن عمه مسلم بن عقيل بن أبي طالب وأمره أن ينظر في أهل الكوفة وأن يستجلي حقيقة الأمر، ويعطيه تفصيلًا عن الوضع السائد في الكوفة، فإن كان ما يقولون حقًا قدم عليهم.[74][75][76] خرج مسلم بن عقيل بصحبة عبد الرحمن الأرحبي، وقيس بن مسهر الصيداوي، وعمارة بن عبيد السلولي. فلما وصل مسلم المدينة المنورة أخذ معه دليلين، وفي الطريق إلى الكوفة تاهوا في البرية ومات أحد الدليلين عطشًا، وكتب مسلم إلى الحسين يستعفيه، وذلك بسبب إحساسه لمدى الصعوبات التي تنتظره في الكوفة، ولكن الحسين رفض طلبه، وأمره بمواصلة المسير.[77] ولما وصل مسلم إلى الكوفة نزل عند المختار بن أبي عبيد الثقفي في أول قدومه، فلما جاء عبيد الله بن زياد وتولى إمارة الكوفة، وأخذ يشدد على الناس، انتقل مسلم عند هانئ بن عروة، ولما بدا الشك يساور ابن زياد من هانئ بن عروة انتقل مسلم بن عقيل أخيرًا عند مسلم بن عوسجة الأسدي. ولما بلغ أهل الكوفة قدوم مسلم بن عقيل قدموا إليه، فبايعه اثنا عشر ألف، وتذكر بعض الروايات أن عدد المبايعين أكثر من ثلاثين ألفًا. تمت المبايعة بصورة سرية مع تحرص شديد، ولما تأكد لمسلم بن عقيل رغبة أهل الكوفة في الحسين وقدومه إليهم كتب إلى الحسين: «أما بعد، فإن الرائد لا يكذب أهله، إن جميع أهل الكوفة معك، فأقبل حين تنظر في كتابي.» ولما وصل كتاب مسلم إلى الحسين وتحقيقًا لوعده بالقدوم إلى الكوفة بعد أن يتبين من أهلها، تجهز الحسين، وعزم على المضي إلى الكوفة بأهله وخاصته.[78]

لما انتشر أن الحسين قد عزم على الخروج إلى الكوفة للصحابة والتابعين، قامت مجموعة كبيرة منهم بتقديم النصح له بعدم الخروج إليها لعدم ثقتهم في نوايا أهل العراق وأجمعوا على أن أهل العراق قوم غدر، ولخوفهم من مقتل الحسين، يقول ابن كثير الدمشقي: «ولما استشعر الناس خروجه أشفقوا عليه من ذلك، وحذروه منه، وأشار عليه ذوو الرأي منهم والمحبة له بعدم الخروج إلى العراق، وأمروه بالمقام بمكة، وذكروه ما جرى لأبيه وأخيه معهم.»[79]

ومن هؤلاء أخوه محمد بن الحنفية، حيث قدم عليه وقال: «يا أخي أنت أحب الناس إلي، وأعزهم علي، ولست أدخر النصيحة لأحد من الخلق أحق بها منك تنح، بتبعتك عن يزيد بن معاوية وعن الأمصار ما استطعت، ثم ابعث رسلك إلى الناس فادعهم إلى نفسك، فان بايعوا لك حمدت الله على ذلك، وإن أجمع الناس على غيرك لم ينقص الله بذلك دينك ولا عقلك ولا يذهب به مروءتك ولا فضلك، إني أخاف أن تدخل مصرًا من هذه الأمصار، وتأتي جماعة من الناس، فيختلفون بينهم فمنهم طائفة معك وأخرى عليك، فيقتتلون فتكون لأول الأسنَّة، فإذا خير هذه الأمة كلها نفسًا وأبًا وأمًا، أضيعها دمًا وأذلها أهلًا.» فقال له الحسين: «فإني ذاهب يا أخي.» قال: «فانزل مكة، فإذا اطمأنت بك الدار فسبيل ذلك، وإن نبت بك لحقت بالرمال وشعف الجبال، وخرجت من بلد إلى بلد حتى تنتظر إلى ما يصير إلى ما يصير أمر الناس، وتعرف عند ذلك الرأي، فإنك أصوب ما تكون رأيًا وأحزمه عملًا حيث تستقبل الأمور استقبالًا، ولا تكون الأمور عليك ابدًا أشكل منها حين تستدبرها استدبارًا.» قال: «يا أخي قد نصحت فأشفقت، وأرجو أن يكون رأيك سديدًا.» وقد أورد هذا الخبر ابن الأثير الجزري[80] وأورده محمد باقر المجلسي بنحوه.[81]

وممن نصحه بعدم الخروج إلى الكوفة أيضًا عبد الله بن عباس، فلما بلغه خبر عزمه على ذلك ذهب إليه، وقال: «يا ابن عم، إنه قد أرجف الناس أنك سائر إلى العراق، فبيِّن لي ما أنت صانع؟» قال: «قد أجمعت المسير في أحد يومَي هذين إن شاء الله - كلمة تعالى.png -» فقال له ابن عباس: «أخبرني إن كان عدوك بعد ما قتلوا أميرهم، ونفوا عدوهم، وضبطوا بلادهم، فسر إليهم، وإن كان أميرهم حياً وهو مقيم عليهم، قاهر لهم، وعماله تجبي بلادهم، فإنهم إنما دعوك للفتنة والقتال، ولا آمنُ عليك أن يستفزوا عليك الناس، ويقلبوا قلوبهم عليك، فيكون الذي دعوك أشد الناس عليك.» فقال الحسين «إني أستخير الله وأنظر ما يكون.» وجاء ابن عباس إلى الحسين من الغد فقال: «يا ابن عم إني أتصبر ولا أصبر، وإني أتخوف عليك في هذا الوجه الهلاكَ، إن أهل العراق قوم غدرٌ فلا تغترن بهم، أقم في هذا البلد حتى ينفي أهل العراق عدوهم ثم أقدم عليهم، وإلا فسر إلى اليمن؛ فإن به حصوناً وشعاباً، ولأبيك به شيعةً، وكن عن الناس بمعزل، واكتب إليهم وبث دعاتك فيهم، فإني أرجو إذا فعلت ذلك أن يكون ما تحب.» فقال الحسين: «يا ابن عم، والله إني لأعلم أنك ناصح شفيق، ولكني قد أزمعت المسير.» فقال له: «فإن كنت ولا بد سائراً فلا تسر بأولادك ونسائك، فوالله إني لخائف أن تقتل كما قتل عثمان ونساؤه وولده ينظرون إليه... فوالله الذي لا إله إلا هو لو أعلم أنك إذا أخذت بشعرك وناصيتك حتى يجتمع عليَّ وعليك الناس أطعتني وأقمت لفعلت ذلك.» وقد أورد هذا الخبر ابن الأثير الجزري.[82] وأورد محمد بن جرير الطبري رواية مشابهة.[83]

وقد تتابعت النصائح من الصحابة والتابعين التي تنهى الحسين عن الخروج إلى الكوفة خوفًا عليه، ومن الذين نصحوه بعدم الخروج: عبد الله بن عباس، وعبد الله بن الزبير، وأبو سعيد الخدري، وجابر بن عبد الله، وعبد الله بن عمرو بن العاص، والمسور بن مخرمة، وعبد الله بن مطيع، وسعيد بن المسيب، وأبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام. وكتب إليه عمرة بنت عبد الرحمن، وعمرو بن سعيد الأشدق. إلا أن هذه النصائح لم تؤثر هذه النصائح في موقف الحسين حيال خروجه إلى الكوفة، بل عقد العزم على الخروج، فأرسل إلى المدينة المنورة، وقدم عليه من خف من بني عبد المطلب وهم تسعة عشر رجلًا، ونساء وصبيان من أخوته وبناته ونسائهم. فتبعهم محمد بن الحنفية، وأدرك الحسين قبل الخروج من مكة فحاول أن يثني الحسين عن خروجه هذا ولكن الحسين أبى أن يقبل. وجاءه عبد الله بن عباس ونصحه فأبى إلا الخروج، فقال له ابن عباس: «لولا أن يزري بي وبك، لنشبت يدي في رأسك، فقال، لأن أقتل بمكان كذا وكذا أحب إلى من أستحل حرمتها -يعني مكة المكرمة-» فقال ابن عباس فيما بعد: «وكان ذلك الذي سلَّى نفسي عنه.»[84][85][86]

أخذ الحسين يجهز ويعد العدة فخرج في يوم التروية 18 ذي الحجة سنة 60هـ، وخرج معه أهل بيته، وقيل خرج معه ستون شيخًا من أهل الكوفة، ولم تتوقف المحاولات الهادفة للحيلولة بين الحسين وبين الكوفة، فكتب إليه عبد الله بن جعفر مع ابنيه محمد وعون، ولكن الحسين رفض الرجوع، فظن عبد الله بن جعفر أن سبب خروج الحسين هو خوفه من الوالي عمرو بن سعيد بن العاص فذهب إليه، وطلب منه أن يكتب كتابًا يؤمِّنه فيه ويعده بالخير، وكان رد عمرو بن سعيد أن قال لعبد الله بن جعفر: اكتب ما شئت وائت به أختمه. فكتب إليه مرة أخرى ولكن الحسين رفض هذا العرض وواصل مسيره نحو الكوفة.[87] ولما سمع أبو واقد الليثي باقتراب الحسين من المدينة خرج إليه وأدركه، وأكد له أن خروجه هذا فيه مقتله، ورفض الحسين هذا الطلب أيضًا.[88]

ولما علم عبد الله بن عمر بخروج الحسين أدركه على بعد ثلاث مراحل من المدينة فقال للحسين: «أين وجهتك؟» فقال: «أريد العراق»، ثم أخرج إليه كتب القوم ثم قال: «هذه بيعتهم وكتبهم»، فناشده الله أن يرجع، فأبى الحسين، ثم قال ابن عمر: «أحدثك بحديث ما حدثت به أحدا قبلك: إن جبريل أتى النبي يخيره بين الدنيا والآخرة، فاختار الآخرة، وإنكم بضعة منه، فوالله لا يليها أحد من أهل بيته، ما صرفها الله عنكم إلا لما هو خير لكم، فارجع أنت تعرف غدر أهل العراق وما كان يلقى أبوك منهم»، فأبى، فاعتنقه وقال: «استودعتك من قتيل». وكان ابن عمر يقول بعد ذلك: «غلبنا حسين بن علي بالخروج، ولعمري! لقد رأى في أبيه وأخيه عبرة، ورأى من الفتنة وخذلان الناس لهم ما كان ينبغي له أن لا يتحرك ما عاش، وأن يدخل في صالح ما دخل فيه الناس، فإن الجماعة خير».[88]

يرى الشيعة أن خروج الحسين كان بأمر إلهي، حيث أنه الإمام بعد أبيه وأخيه، وأنه التزم بالتقية والعهد الذي قطعه على نفسه في صلح الحسن مع معاوية، ولم يدع إلى مبايعته ولم يعلن عن إمامته، إلا أنه أفصح عنها بعد موت معاوية، ووضح للناس عن مكانته عند الله وعظم مقامه، وخرج لمكة بعد انتهاء الهدنة التي كانت بينه وبين معاوية والتي انتهت بموته.[89]

تشير بثينة بن حسين في أطروحتها "الفتنة الثانية" إلى سبب إصرار الحسين على رأيه بالرغم من نصائح الصحابة وكبار التابعين، أن الحسين أدرك أن يزيد بن معاوية لن يرضى بأن تكون له حرية التصرف والبقاء بدون حمله بالقوة على البيعة، بسبب كثرة توافد الرسل إلى الحسين من الكوفة وانتشار أمره فيها، وكذلك خشية الحسين من وقوع مجابهة بينه وبين أتباعه من جهة وبين الأمويين من جهة أخرى في مكة المكرمة جعله يفكر في الخروج سريعًا منها، وهو ما أكده لابن عباس خوفًا من استحلال حرمتها، بالإضافة إلى الصورة المشرقة التي نقلها له ابن عمه مسلم بن عقيل لحالة الكوفة بناء على ما سمعه ورآه من أهلها، فقد أوصل مسلم للحسين أن الكوفة كلها مبايعة، وأن النصر قريب، ولاستثمار هذا الإنجاز فلا بد من أن يسارع الحسين بالذهاب إلى هناك.[90][91]

لم تغب عن يزيد بن معاوية تحركات الحسين، وخروجه من المدينة رافضًا البيعة ثم استقراره بمكة وعلاقته مع الكوفيين. ولما تأكد له تصميم الحسين على الاستجابة لدعوة أهل الكوفة كتب إلى عبد الله بن عباس شيخ بني هاشم في عصره وعالم المسلمين قائلًا: «نحسب أن رجالًا أتوه من المشرق فمنوه الخلافة، فإنهم عندك منهم خبرة وتجربة، فإن كان فعل فقد قطع واشج القرابة، وأنت كبير أهل بيتك والمنظور إليه، فاكففه عن السعي في الفرقة.» وكتب له مجموعة أبيات أشار فيها إلى خوفه من أن يحدث بينه وبين الحسين مصادمة، والاعتصام بحبال السلم، فكتب إليه ابن عباس: «إني لأرجو أن لا يكون خروج حسين لأمر تكرهه، ولست أدع النصيحة له في كل ما يجمع الله به الألفة وتُطفى بها الثائرة».[92][93]

وفي تلك الأثناء كانت الأحداث تتسارع، وذلك بعدما أخذ شيعة الكوفة يتوافدون على مسلم بن عقيل ويبايعونه، وعندما أحس النعمان بن بشير والي الكوفة بخطورة الوضع قام فخطب بالناس، ونصح الناس بعدم المسارعة إلى الفتنة والفرقة، وقال: «إني لم أقتل من لم يقاتلني، ولا أثب على من لا يثب علي، لا أشاتمكم ولا أتحرش بكم، ولا آخذ بالقرف ولا الظنة والتهمة، ولكن إن أبديتم صفحتكم لي، ونكثتم بيعتكم، وخالفتم إمامكم، فوالله الذي لا إله غيره لأضربنكم بسيفي ما ثبت قائمه في يدي ولم لم يكن لي منكم ناصر، أما إني أرجو أن يكون من يعرف الحق منكم أكثر من يرديه الباطل.» وقد كان النعمان رجلًا مسالمًا، فكان يتورع عن استعمال الشدة وسفك الدماء، فأثارت سياسته هذه حفيظة أحد الناصحين للأمويين وأحد الموالين لهم في الكوفة، فقام إلى النعمان بن بشير وبين له أن طريقته هذه إنما هي طريقة المستضعفين وأنه يجب عليه أن ينهج سياسة البطش والقوة حيال المترصين بأمن الكوفة، إلا أنه رد عليه بأنه يراقب الله في سياسته.[94]

وصلت هذه الأخبار إلى يزيد، ولم تعجبه سياسة النعمان فعزله عن ولاية الكوفة وعين بدله عبيد الله بن زياد وكتب إليه: «إن شيعتي من أهل الكوفة كتبوا إلى يخبروني أن ابن عقيل بالكوفة يجمع الجموع ليشق عصا المسلمين، فسر حين تقرأ كتابي هذا حتى تأتي أهل الكوفة فتطلب ابن عقيل كطلب الخرزة، حتى تثقفه فتوثقه أو تقتله أو تنفيه والسلام.» ولما وصل الكتاب إلى ابن زياد تهيأ وسار فورًا إلى الكوفة، وأقبل عليها متلثمًا والناس قد بلغهم إقبال الحسين إليهم، فهم ينتظرون قدومه، فظنوا حين قدم عبيد الله أنه الحسين بن علي، فأخذ لا يمر على جماعة من الناس إلا سلموا عليه وقالوا مرحبًا بك يا ابن رسول الله، قدمت خير مقدم، فلما أكثروا صاح فيهم أحد أتباعه وقال: تأخروا هذا الأمير عبيد الله بن زياد. فلما نزل في القصر نودي الصلاة جامعة، فاجتمع الناس وخرج إليهم ثم خطبهم ووعد من أطاع منهم خيرًا، وتوعد من خالف بالشر.[95]

حرص عبيد الله بن زياد على حصر الفئات المعارضة، وبالأخص تلك الفئات التي تساعد مسلم بن عقيل، وعمل على مجموعة من الإجراءات لضبط الوضع الأمني في الكوفة، وكذلك نجح في عرقلة خطط مسلم بن عقيل حيث اختلت خططه وترتيباته بسبب هذه الإجراءات الصارمة،[96][97][98] ثم استطاع أن يوقع بهانيء بن عروة مستضيف مسلم، وقام بحبسه في قصره، وبلغ الخبر مسلم بن عقيل فخرج بأربعة آلاف وحاصر قصر عبيد الله بن زياد وخرج أهل الكوفة معه، وكان عند ابن زياد في ذلك الوقت أشراف الكوفة فقال لهم خذلوا الناس عن مسلم ووعدهم بالعطايا، وخوفهم بجيش الشام، فصار الأمراء يخذلون الناس عن مسلم، وتأتي المرأة إلى ولدها وتأخذه، ويأتي الرجل إلى أخيه ويأخذه، ويأتي أمير القبيلة فينهى الناس عنه، حتى لم يتبق معه إلا ثلاثون رجلًا من أربعة آلاف، وما غابت الشمس إلا ومسلم بن عقيل وحده ذهب كل الناس عنه، وبقي وحيدًا يمشي في طرقات الكوفة لا يدري أين يذهب، فطرق الباب على امرأة من كندة وطلب منها الماء فأسقته، وأخبرها عن حاله وكشف لها عن اسمه، واشتكى لها بمرارة من خيانة أهل الكوفة له، فرقت لحاله ثم أدخلته في أحد غرف بيتها، فلما قدم ولدها أخبرته بما حصل، وطلبت منه ألا يخبر أحدًا إلا أنه ذهب إلى محمد بن الأشعث فأخبره الخبر، وذهب الأخير إلى عبيد الله بن زياد وأخبره بأمر مسلم، فأرسل ابن زياد الشُرط إلى مسلم، فخرج وسل سيفه وقاتل، إلا أنهم تمكنوا من أسره بعد معركة قصيرة بعدما جُرح. فلما أتي به إلى ابن زياد أخبره أنه سيقتله، وعندما أحس بحزمه خشي على الحسين بن علي الذي كان في طريقه إلى الكوفة، وطلب منه أن يوصي، فنظر مسلم في جلسائه وفيهم عمر بن سعد بن أبي وقاص، فدعاه إلى ناحية القصر وطلب منه أن يبعث إلى الحسين فقال: «يا عمر، إن حسينًا قدم ومعه تسعون إنسانًا بين رجل وامرأة في الطريق إلى الكوفة، فاكتب إليه بما أصابني.» وقال كذلك كلمته المشهورة: «ارجع بأهلك ولا يغرنك أهل الكوفة فإن أهل الكوفة قد كذبوك وكذبوني وليس لكاذب رأي.» وطلب منه أن يدفن جثته، ويقضي عنه دينه. ثم أمر ابن زياد به فقُتل. وقتل كذلك هانئ بن عروة وصلبه في السوق، واثنين من مناصري مسلم وصلبهما كذلك في السوق.[99][100][101] وكان مقتل ابن عقيل في يوم 9 ذي الحجة سنة 60 هـ.[101]:66

لما بلغ عبيد الله بن زياد إقبال الحسين من مكة إلى الكوفة، بعث الحصين بن نمير السكوني صاحب الشرطة حتى نزل القادسية، ونظم الخيل بين القادسية إلى خفان، وما بين القادسية إلى القطقطانة.[101]:69 ولما بلغ الحسين الحاجر من بطن الرمة،(1) بعث قيس بن مسهر الصيداوي، ويقال بل بعث عبد الله بن بقطر إلى أهل الكوفة، - ولم يكن يعلم بعد بمقتل مسلم بن عقيل - فوقع الرسول بيد الحصين بن نمير،[101]:70 فأرسله إلى عبيد الله بن زياد فقتله.[102] ولمّا بلغ الحسين زبالة،(2) وقيل شراف،(3) جاءه خبر مقتل مسلم بن عقيل، وهانئ بن عروة وعبد الله بن بقطر وخذلان أهل الكوفة له.[102] فخطب الحسين في أتباعه: «إنه قد أتانا خبر فظيع، قُتِلَ مسلم بن عقيل، وهانئ بن عروة، وعبد الله بن يقطر، وقد خذلنا شيعتنا، فمن أحب منكم الانصراف فلينصرف غير حرج، ليس عليه ذمام.»، فتفرق الناس عنه وأخذوا يمينًا وشمالًا، وبقي معه فقط أصحابه الذين جاؤوا معه من المدينة ونفر قليل.[101]:75، 76[102] وقال له بعض أصحابه: «ننشدك الله إلا رجعت من مكانك فإنه ليس لك بالكوفة ناصر ولا شيعة بل نتخوف عليك أن يكونوا عليك»، فوثب بنو عقيل وقالوا: «والله لا نبرح حتى يدرك ثأرنا أو نذوق كما ذاق مسلم»، فقال الحسين: «لا خير في العيش بعد هؤلاء»، فقال له بعض أصحابه: «إنك والله ما أنت مثل مسلم بن عقيل ولو قدمت الكوفة لكان الناس إليك أسرع». وكان لا يمر بماء إلا أتبعه من على هذا الماء.[103]

لمّا علم الحصين بن نمير السكوني قرب وصول الحسين وجّه إليه الحر بن يزيد الرياحي التميمي ومعه ألف فارس إلى الحسين، وقال: «سايره ولا تدعه يرجع حتى يدخل الكوفة، وجعجع به»، فذهب الحر بن يزيد.[104] وكان الحسين مستمرًا في سيره مع من تبقى معه من أهله وأصحابه حتى وصل إلى شراف، وأمر أصحابه أن يستقوا ويُكثروا. فبينا هو يسير إذ كبر رجل من أصحابه فقال له الحسين: «الله أكبر، لم كبرت؟»، قال: «رأيت النخل»، فقال له جماعة من أصحابه: «والله إن هذا المكان ما رأينا به نخلة قط»، فقال الحسين: «فما تريناه رأى»، قالوا: «نراه رأى هوادي الخيل». فوجدوا الخيل على رأسها الحر بن يزيد الرياحي، فقابله، وصلوا العصر وراء الحسين جميعًا.[102] فلمّا انتهوا قال له الحر: «إني لم أؤمر بقتالك، إنما أمرت ألا أفارقك حتى أقدمك الكوفة، فإذ أبيت فخذ طريقا لا يدخلك الكوفة ولا يردك إلى المدينة، تكون بيني وبينك نصفا، حتى أكتب إلى الأمير. وتكتب إلى يزيد أو إلى عبيد الله فلعل الله إلى ذلك أن يأتي بأمر يرزقني فيه العافية من أن أبتلى بشيء من أمرك».[101]:81

فسار الحسين مع الحر من طريق العُذَيْب،(4) حتى نزل الجوف مسقط النجف، فنزل بقصر أبي مقاتل،[104] وسار الحر في أصحابه يسايره وهو يقول له: «يا حسين إني أذكرك الله في نفسك، فإني أشهد لئن قاتلت لتقتلن»، فقال له الحسين: «أفبالموت تخوفني؟ وهل يعدو بكم الخطب أن تقتلوني؟ وسأقول كما قال أخو الأوس لابن عمه، وهو يريد نصرة رسول الله فخوفه ابن عمه وقال: أين تذهب؟ فإنك مقتول، فقال:

».[101]:81 فظل سائرًا حتى نزل بكربلاء، فقال: أي منزل نحن به؟، فقال: كربلاء، فقال: يوم كربِ وبلاء.[104]

لما وصل الحسين كربلاء لقى عمر بن سعد وشمر بن ذي الجوشن والحصين بن تميم في جيش مكون من أربعة آلاف مقاتل، وكان وجهة هذا الجيش في الأصل إلى الري، حيث كان عمر بن سعد أميرًا على الري، لكنّ ابن زياد أمره أن يتوجه لملاقاة الحسين في كربلاء،[105] في المنطقة التي يُطلق عليها الطف،(5) وذكر محمد بن سعد البغدادي وغيره أن عمر بن سعد كره الخروج للحسين، وطلب من ابن زياد أن يعفيه من ذلك، لكن ابن زياد هدده بعزله وهدم داره وضرب عنقه إن لم يفعل.[104] فتوجه عمر بن سعد إلى الحسين، فلما أتاه، بيّن له الحسين أنه لم يأت إلى الكوفة إلا بطلب من أهلها، ومعه كتب أهل الكوفة وأسماء المبايعين له،[105] وقال له الحسين:[106]

فقبل عمر بن سعد عرض الحسين، وظن أن الموقف قد حُلَّ، وكتب إلى ابن زياد يخبره بعرض الحسين، لكن ابن زياد رفض العرض حتى يقبل الحسين أن ينزل على حكمه، وأرسل رسالته إلى عمر بن سعد مع شمر بن ذي الجوشن قائلًا: «لا ولا كرامة حتى يضع يده في يدي!»، وأمر "شمر" ألا يقبل من الحسين غير أن ينزل على حكمه.[106] فقام عمر بن سعد وعرض على الحسين أن ينزل على حكم ابن زياد وإلا القتال، وكان ذلك في يوم الخميس 9 محرم 61 هـ، فطلب منه الحسين مهلة حتى الصباح، وأخبر الحسين أصحابه أنهم في حلَّ من طاعته، لكن أصحابه أصروا على القتال معه حتى النهاية.[105]:163

خرج ابن زياد إلى النخيلة، واستعمل على الكوفة عمرو بن حريث، وضبط الجسر، وبدأ بعض أهل الكوفة يتسللون لنصرة الحسين. وفي صباح يوم الجمعة 10 محرم 61 هـ، عزم الحسين وأصحابه على القتال، وكان معه 32 فارسًا و40 راجلًا، فجعل زهير بن القين على الميمنة، وحبيب بن مظاهر الأسدي على الميسرة، وأعطى الراية للعباس بن علي. وجعل البيوت وراء ظهورهم وأتى بحطب وقصب وأشعل فيه النار مخافة أن يأتوا وراء ظهورهم. وأما عمر بن سعد فجعل على الميمنة عمرو بن الحجاج الزبيدي، وعلى الميسرة شمر بن ذي الجوشن، وعلى الخيل عزرة بن قيس، وعلى الرجال شبث بن ربعي، وأعطى الراية ذويدًا مولاه.[101]:95، 96[102]:477

وانضم إلى الحسين ثلاثون رجلًا من أعيان الكوفة من جيش عمر بن سعد، وقالوا: «عرض عليكم ابن بنت رسول الله ثلاث خصال فلا تقبلوا منها شيئا؟». كما انضم الحر بن يزيد الرياحي إلى الحسين، وقال لعمر بن سعد ومن معه: «ألا تتقون الله؟ ألا تقبلون من هؤلاء ما يعرضون عليكم، والله لو سألتكم هذا الترك والديلم ما حل لكم أن تردوهم»، ثم ضرب الحر وجه فرسه وانطلق إلى الحسين، فظنوا أنه إنما جاء ليقاتلهم، فلما دنا منهم قلب ترسه وسلم عليهم ثم كر على أصحاب ابن زياد فقتل منهم رجلين ثم قتل.[107]

وبدأ جيش عمر بن سعد بالقتال، وأصحاب الحسين يدافعون عنه، وحمل عمرو بن الحجاج الزبيدي على ميمنة أصحاب الحسين فيمن كان معه من أهل الكوفة، فلما دنا من الحسين جثوا له على الركب وأشرعوا الرماح نحوهم، فلم تقدم خيلهم على الرماح، فذهبت الخيل لترجع فرشقهم أصحاب الحسين بالنبل فصرعوا منهم رجالًا وجرحوا منهم آخرين.[101]:102 ثم حمل عمرو بن الحجاج في أصحابه على الحسين من ناحية الفرات فاضطربوا ساعة، فصرع مسلم بن عوسجة،[101]:103 ثم حمل شمر بن ذي الجوشن على أهل الميسرة فثبتوا له فطاعنوه، فلما رأى الحصين بن نمير السكوني - وكان على الرماة - صبر أصحاب الحسين تقدم إلى أصحابه - وكانوا خمسمائة نابل - أن يرشقوا أصحاب الحسين بالنبل فرشقوهم، فلم يلبثوا أن عقروا خيولهم وجرحوا الرجال،[101]:104 ولم يزل يتقدم رجل رجل من أصحاب الحسين فيقتل؛ حتى قُتلوا جميعًا، وقُتِلَ في المعركة 72 رجلًا من أصحاب الحسين، و88 رجلًا من جيش عمر. فقُتِلَ من أهله بيته ابنه علي الأكبر، وأخوته: العباس وعبد الله وجعفر وعثمان، وأبناء أخيه الحسن: القاسم وأبو بكر وعبد الله، وبنو عقيل: جعفر بن عقيل وعبد الرحمن بن عقيل وعبد الله ومحمد ابنا مسلم بن عقيل، وأبناء عبد الله بن جعفر الطيّار: عون ومحمد.[102]:478

فلمّا قُتلوا لم يجرؤ أحد على قتل الحسين خشية أن يبوء بقتله، فقام شمر بن ذي الجوشن وصاح في الجنود وأمرهم بقتل الحسين، فضربه زرعة بن شريك التميمي، وطعنه سنان بن أنس، واحتز رأسه، وقيل أن الذي قطع رأسه شمر بن ذي الجوشن، ويقال أن الذي قتله عمرو بن بطار التعلبي، وزيد بن رقادة الحيني، وحمل رأسه إلى ابن زياد خولي بن يزيد الأصبحي. وأرسل عمر بن سعد برأس الحسين ونسائه ومن كان معه من الصبيان إلى ابن زياد.[105]

كتب عبيد الله بن زياد إلى يزيد يخبره بما حدث، ويستشيره في شأن أبناء الحسين ونسائه، وحسب الروايات السُنِّية فإن يزيد بكى وقال: «قد كنت أرضى من طاعتكم بدون قتل الحسين، لعن الله ابن مرجانة، أما والله لو أني صاحبه لعفوت عنه، ورحم الله الحسين.»، وأن يزيد رد على ابن زياد أن يرسل أهل بيت الحسين إليه، فأعطاهم ذكوان أبو خالد عشرة آلاف درهم فتجهزوا بها، واختلف علماء السنة في رأس الحسين هل سيره ابن زياد من الكوفة إلى يزيد بالشام أم لا، والذي جاء في صحيح البخاري أنه حُمل رأسه إلى عبيد الله بن زياد،[108] فعن أنس بن مالك قال: «أتي عبيد الله بن زياد برأس الحسين عليه السلام، فجعل في طست، فجعل ينكت، وقال في حسنه شيئًا، فقال أنس: كان أشبههم برسول الله وكان مخضوبا بالوسمة».[109] وجاء في روايات أخرى أن الرأس حُمل إليه، وحسب الروايات السُنِّية أيضًا فإن فاطمة بنت الحسين لمّا دخلت على يزيد قالت: «يا يزيد، أبنات رسول الله سبايا!» فقال: «بل حرائر كرام، أدخلي على بنات عمك تجديهن قد فعلن ما فعلن.»، ثم بعث يزيد بهم إلى المدينة المنورة، وأمر النعمان بن بشير أن يقوم بمصاحبتهم.[110] يقول ابن كثير الدمشقي: «وأكرم آل بيت الحسين، ورد عليهم جميع ما فقد لهم وأضعافه، وردهم إلى المدينة في تجمل وأبهة عظيمة، وقد ناح أهله في منزله على الحسين مع آله - حين كانوا عندهم - ثلاثة أيام».[111]

أمّا حسب الروايات الشيعِّية فإن من بقي من النساء والأطفال وعلي بن الحسين السجاد أُخذوا كأسرى مقيّدين بالسلاسل إلى بلاد الشام، حيث يقيم يزيد، وأحضروهم إلى مجلسه، وكان قد وضع رأس الحسين في إناءٍ أمامه، ضاربا إياه بعصاه، شامتًا فيه،[112] فخطبت زينب بنت علي بن أبي طالب الخطبة المعروفة في التراث الشيعي بخطبة زينب في مجلس يزيد، التي رواها سيد بن طاووس. يقول أبو منصور الطبرسي: «أنه لما دخل علي بن الحسين وحرمه على يزيد، وجيء برأس الحسين عليه السلام ووضع بين يديه في طست، فجعل يضرب ثناياه بمخصرة كانت في يده، فلما رأت زينب ذلك فأهوت إلى حبيبها فشقت، ثم نادت بصوت حزين تقرع القلوب، يا حسيناه! يا حبيب رسول الله! يا ابن مكة ومنى! يا ابن فاطمة الزهراء سيدة النساء! يا ابن محمد المصطفى. فأبكت والله كل من كان، ويزيد ساكت، ثم قامت على قدميها، وأشرفت على المجلس، وشرعت في الخطبة.».[113]

روي عن النبي عدة مرويات أنه أخبر بأن الحُسين سيُقتل، منها أن جبريل أو ملك المطر أخبره بذلك، ومنها أنه رأى رؤيا بذلك،[114] فروى أحمد بن حنبل في مسنده عن أنس بن مالك قال: «اسْتَأْذَنَ مَلَكُ الْمَطَرِ أَنْ يَأْتِيَ النَّبِي فَأَذِنَ لَهُ، فَقَالَ لأم سلمة رضي الله عنه: «احْفَظِي عَلَيْنَا الْبَابَ لَا يَدْخُلْ أَحَدٌ» فَجَاءَ الْحُسَيْنُ بْنُ عَلِيٍّ، فَوَثَبَ حَتَّى دَخَلَ فَجَعَلَ يَصْعَدُ عَلَى مَنْكِبِ النَّبِيِّ فَقَالَ لَهُ الْمَلَكُ: أَتُحِبُّهُ؟، فقال النبي «نَعَمْ» قال: فَإِنَّ أُمَّتَكَ تَقْتُلُهُ، وَإِنْ شِئْتَ أَرَيْتُكَ الْمَكَانَ الَّذِي يُقْتَلُ فِيهِ، قال: فَضَرَبَ بِيَدِهِ فَأَرَاهُ تُرَابًا أَحْمَرَ، فأخذت أم سلمة ذَلِكَ التُّرَابَ فَصَرَّتْهُ فِي طَرَفِ ثَوْبِهَا، قال: فَكُنَّا نَسْمَعُ: يُقْتَلُ بِكَرْبَلَاءَ.».[114][115][116] وروى البيهقي في سننه عن أم سلمة أنها قالت: «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ اضْطَجَعَ ذَاتَ يَوْمٍ، فَاسْتَيْقَظَ وَهُوَ خَاثِرٌ، ثُمَّ اضْطَجَعَ فَرَقَدَ، ثُمَّ اسْتَيْقَظَ وَهُوَ خَاثِرٌ، دُونَ مَا رَأَيْتُ مِنْهُ فِي الْمَرَّةِ الْأُولَى، مَّ اضْطَجَعَ وَاسْتَيْقَظَ وَفِي يَدِهِ تُرْبَةٌ حَمْرَاءُ وَهُوَ يُقَلِّبُهَا، فقلت: مَا هَذِهِ التُّرْبَةُ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قال: «أَخْبَرَنِي جبريل أَنَّ هَذَا يُقْتَلُ بِأَرْضِ الْعِرَاقِ - لِلْحُسَيْنِ -»، قال: قلت له: يَا جِبْرِيلُ، أرِنِي تُرْبَةَ الْأَرْضِ الَّتِي يُقْتَلُ بِهَا، فَهَذِهِ تُرْبَتُهَا.».[116] وكذلك قوله: «لَقَدْ دَخَلَ عَلَيَّ الْبَيْتَ مَلَكٌ لَمْ يَدْخُلْ عَلَيَّ قَبْلَهَا، فَقَالَ لِي: إِنَّ ابْنَكَ هَذَا حُسَيْنٌ مَقْتُولٌ، وَإِنْ شِئْتَ أَرَيْتُكَ مِنْ تُرْبَةِ الْأَرْضِ الَّتِي يُقْتَلُ بِهَا، فَأَخْرَجَ تُرْبَةً حَمْرَاءَ»،[117] وأخرج ابن السكن والبغوي عن أنس بن الحارث الكاهلي عن النبي محمد أنه قال: «إن إبني هذا - يعني الحسين - يقتل بأرض يقال لها كربلاء فمن شهد ذلك منكم فلينصره».[118][119][120][121][122] وغير ذلك من الروايات.[114]

ورُوي عن ابن عباس أنه رأى النبي في المنام في اليوم الذي قُتل فيه الحسين فقال: «رَأَيْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْمَنَامِ بِنِصْفِ النَّهَارِ أَشْعَثَ أَغْبَرَ، مَعَهُ قَارُورَةٌ فِيهَا دَمٌ يَلْتَقِطُهُ، أَوْ يَتَتَبَّعُ فِيهَا شَيْئًا قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا هَذَا؟، قَالَ: دَمُ الْحُسَيْنِ، وَأَصْحَابِهِ لَمْ أَزَلْ أَتَتَبَّعُهُ مُنْذُ الْيَوْمَ».[123]

رثى الحسين الكثير من معاصريه منهم: سليمان بن قتة العدوي، وعبيد الله بن الحر الجعفي، وعقبة بن عمرو السهمي، وأبو الرميح الخزاعي، ويزيد بن مفرغ الحميري، ووهب بن زمعة، وبشر بن حذلم، وعبد الله بن عمرو البدي، وأبو الأسود الدؤلي، وعامر بن يزيد العبدي، والفضل بن العباس، وعوف بن الأحمر الأزدي، والمغيرة بن نوفل، وعبد الله بن الزبير، وخالد بن المهاجر،[124] ورثاه من شعراء العصر الأموي: عبد الله المعتز، وديك الجن وأبو فراس الحمداني،[125] ومن العصر الحديث رثاه محمد إقبال، وغيرهم من الشعراء.[126] فرُوي أن زينب بنت علي بن أبي طالب أو زينب بنت عقيل بن أبي طالب يوم قُتل الحسين أخرجت رأسها من الخباء وهي رافعة عقيرتها بصوت عال تقول:[127]

ويقول أبو الأسود الدؤلي:[126]

وقال سليمان بن قتة:[126]

وقال عبيد الله بن الحر الجعفي:[126]

وقال يحيى بن الحكم:[128]


هناك اختلاف في تحديد موضع دفن رأس الحسين عند عامة الناس، ويرجع ذلك إلى اختلاف المشاهد التي يُدعى وجود رأس الحسين في كل منها، حيث توجد مشاهد يُقال أن بها رأس الحسين في دمشق وكربلاء والقاهرة، وادعى بعض المؤرخين وجوده في أماكن أخرى مثل الرقة وعسقلان والمدينة المنورة، ورجّح أخرون أن مكان الرأس مجهول، فأنكر الفضل بن دكين على من يعرف مكان قبر الحسين، وذكر محمد بن جرير الطبري أن موضع مقتله عُفى أثره حتى لم يستطع أحد تحديده.[129]

يذهب عدد من علماء أهل السنة أن الرأس مدفوع بالبقيع بالمدينة المنورة، فروى محمد بن سعد البغدادي أن يزيد بعث برأس الحسين إلى عمرو بن سعيد الأشدق والي المدينة فدفنه عند قبر أمه فاطمة بالبقيع،[130] وذكره أيضًا البلاذري وأبو يعلى الهمداني والزبير بن بكار وابن أبي الدنيا وابن الجوزي وأبو المؤيد الخوارزمي،[131] وأكّد عليه ابن تيمية وقال: «أن الذي ذكره من يعتمد عليه من العلماء والمؤرخين: أن الرأس حمل إلى المدينة، ودفن عند أخيه الحسن».[132]

والمشهور عند الشيعة أن الرأس مدفون مع الجسد في كربلاء، وأن علي بن الحسين السجاد أخذه معه وردّه إلى كربلاء بعد أربعين يومًا من مقتله أي يوم 20 صفر، وهو ما يُطلع عليه ذكرى الأربعين،[133] نقل ذلك ابن شهر آشوب وقال أنه المشهور بين الشيعة، ونقله أيضًا الشريف المرتضى والطوسي وغيرهم.[134]

وقيل أن الرأس لم يزل في خزانة يزيد بن معاوية حتى توفي، فأُخِذَ من خزانته فكُفِّنَ ودُفِنَ داخل باب الفراديس من مدينة دمشق،[130] وقيل في حائط بدمشق، ومنهم من قال في دار الإمارة، ومنهم من قال في المقبرة العامة لدفن المسلمين،[134] وانفرد سبط ابن الجوزي بقوله أن الرأس بمسجد بالرقة على نهر الفرات.[135]

وقيل أن الرأس طيف به حتى دُفن بعسقلان،[136] وذكر ابن بطوطة في رحلاته أن بها مشهد للحسين،[135] تروي بعض الروايات ومن أهمها المقريزي أنه بعد دخول الصليبيين إلى دمشق واشتداد الحملات الصليبية قرر الفاطميون أن يبعدوا رأس الحسين ويدفونه في مأمن من الصليبيين وخصوصا بعد تهديد بعض القادة الصليبيين بنبش القبر، فحملوه إلى عسقلان ودفن هناك، وقيل بل تم في بداية القرن الثاني الهجري في عهد عمر بن عبد العزيز بعد سنة 101 هـ، وقيل مع قيام الدولة العباسية سنة 132 هـ، وهذا امتداد للرأي الذي يقول أن الرأس كان موجودًا في دمشق.[137]

وقيل أن موضع الرأس في مسجد الإمام الحسين بالقاهرة، وهو أيضا امتداد للرأي السابق حيث يروي المقريزي أن الفاطميين قرروا حمل الرأس من عسقلان إلى القاهرة وبنوا له مشهدًا كبيرًا، وهو المشهد القائم الآن في حي الحسين في القاهرة،[138] وذكروا أنه لما استولى الصليبيين على عسقلان قام وزير الفاطميين بمصر الصالح طلائع بن رزيك بدفع ثلاثين ألف درهم للصلبيبين مقابل أن يأخذ رأس الحسين، ووضعه في كيس من الحرير وأتى بها إلى القاهرة سنة 549 هـ وذلك حسب ما ذكر عدد من الأكاديميين في العصر الحديث مثل أيمن فؤاد سيد وسعاد ماهر.[139][140] وأنكر ذلك ابن كثير الدمشقي وغيره.[130]

يرجع المؤرخون والباحثون السنة والشيعة مسؤولية مقتل الحسين إلى ثلاثة أطراف وهم: أهل الكوفة، وأصحاب القيادة وهم عبيد الله بن زياد وعمر بن سعد، والحاكم وهو يزيد بن معاوية، وتتفاوت الآراء حول مقدار مسؤولية كلٍ منهم.[141]

فأمّا أهل الكوفة فيرى باحثون أنهم كاتبوا الحسين وطلبوه للبيعة ثم خذلوه ولم ينصروه، وأنكروا أنهم طلبوه، حيث نادى الحسين عليهم يوم عاشوراء فقال: «يا شبث بن ربعي! ويا حجار بن أبجر! ويا قيس بن الأشعث! ويا زيد بن الحارث! ألم تكتبوا إلي في القدوم عليكم؟» قالوا: «لم نفعل». فقال: «بلى فعلتم. أيها الناس إذ كرهتموني فدعوني أنصرف إلى مأمني».[142] وأن أم سلمة لما جاءها الخبر قالت عن أهل الكوفة: «قتلوه قاتلهم الله، غروه وذلوه لعنهم الله»،[143] وقال عبد الله بن عمر بن الخطاب حيث سأله رجل من أهل العراق عن قتل الذباب أثناء الإحرام: «أهل العراق يسألون عن الذباب، وقد قتلوا ابن ابنة رسول الله »،[144] ويذكر المُعمم الشيعي حسين الكوراني وغيره أن أغلب الجيش كان من أهل الكوفة فيقول: «أهل الكوفة لم يكتفوا بالتفرق عن الإمام الحسين، بل انتقلوا نتيجة تلون مواقفهم إلى موقف ثالث، وهو أنهم بدأوا يسارعون في الخروج إلى كربلاء وحرب الإمام الحسين، وفي كربلاء كانوا يتسابقون إلى تسجيل المواقف التي ترضي الشيطان وتسخط الرحمن»،[145] وقد نشأت ثورة التوابين من أهل العراق من الذين ندموا على مقتل الحسين وسموا أنفسهم بالتوابين، بينما يرى آخرون أن أهل الكوفة لم يكن بأيديهم شيئًا، يقول الباحث عبد المنعم ماجد: «ولا نلقي اللوم على أهل الكوفة لتقاعسهم إذ لم يكونوا يستطيعون شيئًا أمام الحكم الأموي القوي».[141]

وأمّا قادة جيش الكوفة، فهم المُنفذون المباشرون لمقتل الحسين، فعبيد الله بن زياد هو الذي قتل مسلم بن عقيل وهانيء بن عروة مما جعل أهل الكوفة يتراجعون عن البيعة، يقول يوسف العش: «وينبغي لنا أن نقول أن المسؤول عن مقتل الحسين هو شمر أولًا، وثانيًا عبيد الله بن زياد»، وكان الشعراء يهجون بني زياد لذلك؛ حتى قال عثمان بن زياد أخو عبيد الله: «لوددت أنه ليس من بني زياد رجل إلا وفي أنفه خرامة إلى يوم القيامة، وأن حسينًا لم يُقتل». وقال ابن الصلاح: «والمحفوظ أن الآمر بقتاله المفضي إلى قتله إنما هو عبيد الله بن زياد». وكذلك عمر بن سعد يُحمّله المؤرخون قسمًا كبيرًا من مسؤولية مقتل الحسين، حيث إنه المُنفِّذ والمتفاوض مع الحسين، وحاول التهرب من مسؤولية مقتل الحسين وجعلها ملقاة على ابن زياد، وأخفى الكتاب الذي أرسله له ابن زياد قبل المعركة.[141]

أمّا الحاكم وهو يزيد بن معاوية، فيُحمّله المؤرخون مسؤولية إرسال عبيد الله بن زياد إلى الكوفة للسيطرة عليها، وأنه لم ينتصر للحسين ويأخذ بثأره أو يقتل قاتله، واختلف الباحثون فيما إذا كان يزيد قد أمر بقتل الحسين أم لا، فيرى ابن تيمية وفريق من أهل السنة والجماعة أن يزيد لم يأمر بقتل الحسين ولم يُظهر الفرح بقتله،[141][146] فيقول: «إن يزيد بن معاوية لم يأمر بقتل الحسين باتفاق أهل النقل ولكن كتب إلى ابن زياد أن يمنعه عن ولاية العراق، ولما بلغ يزيد قتل الحسين أظهر التوجع على ذلك وظهر البكاء في داره، ولم يَسْبِ لهم حريماً بل أكرم أهل بيته وأجازهم حتى ردّهم إلى بلادهم، أما الروايات التي في كتب الشيعة أنه أُهين نساء آل بيت رسول الله وأنهن أُخذن إلى الشام مَسبيَّات، وأُهِنّ هناك هذا كله كلام باطل.» ثم يقول: «لكنه مع ذلك ما انتصر للحسين، ولا أمر بقتل قاتله، ولا أخذ بثأره.».[147] بينما يرى آخرون أن يزيد هو المسؤول المباشر عن قتل الحسين، وأن رأس الحسين حُمِلَ بها إليه، وأنه أهان أهل بيته ونسائه،[148] يقول سعد الدين التفتازاني: «والحق أن رضا يزيد بقتل الحسين، واستبشاره بذلك، وإهانته أهل بيت الرسول مما تواتر معناه، لعنة الله عليه، وعلى أنصاره وأعوانه».[149]

وأغلب آراء علماء الشيعة تحمّل المسؤولية الكاملة ليزيد بن معاوية والوالي عبيد الله بن زياد، يقول الباحث نزار حيدر: «إن الذي قتل الحسين بن علي سبط رسول الله في كربلاء، هو النظام السياسي الذي كان يحكم بلاد المسلمين آنئذٍ.»،[150] ويرى جلٌ مراجع الشيعة كفرهما ويردون الآثار في الحثّ على لعنهما،[151] ثم يليهم في المسؤولية قادة الجيش الأموي في كربلاء: عمر بن سعد وشمر بن ذي الجوشن وسنان بن أنس وعورة بن قيس وشبث بن ربعي والحصين بن نمير السكوني،[150] كما يحمّل بعض علماء الشيعة مثل حسين الكوراني أهل الكوفة جزءًا من هذه المسؤولية،[145] وترد في كثير من الآثار والنصوص الشيعية نصوص تلعن بني أمية وآل زياد وقادة الجيش في كربلاء ومن تخاذل عن نصرة الحسين جميعًا، فجاء في زيارة عاشوراء: «وَلَعَنَ اللهُ آلَ زِياد وَآلَ مَرْوانَ، وَلَعَنَ اللهُ بَني اُمَيَّةَ قاطِبَةً، وَلَعَنَ اللهُ ابْنَ مَرْجانَةَ، وَلَعَنَ اللهُ عُمَرَ بْنَ سَعْد، وَلَعَنَ اللهُ شِمْراً، وَلَعَنَ اللهُ اُمَّةً اَسْرَجَتْ وَاَلْجَمَتْ وَتَنَقَّبَتْ لِقِتالِكَ.».[152]

بعد وصول خبر مقتل الحسين آفاق الدولة الإسلامية، غضب جموع المسلمين على يزيد لمقتل ابن بنت رسول الله على أيدي جيوشه. وحاول البعض الأخذ بثأره، وسعى آخرون في نزع البيعة من يزيد بن معاوية، ورأى آخرون الاعتزال وتجنب الفتن خشية إهراق دماء المسلمين. فبعد مقتل الحسين، صار شاغل يزيد أخذ بيعة عبد الله بن الزبير، خاصةً لما كان لابن الزبير من دور في تأليب المسلمين على بني أمية،[153] حتى أنه في موسم حج سنة 61 هـ لم يُصلّ ابن الزبير بصلاة عمرو بن سعيد بن العاص والي يزيد على المدينة، ولم يُفض بإفاضته،[154] بل ومنع ابن الزبير الحارث بن خالد المخزومي نائب عمرو بن سعيد على مكة من إمامة أهل مكة في الصلاة.[155]

وفي سنة 63 هـ بعد سنتين من مقتل الحسين خرج أهل المدينة على يزيد، وطردوا عامله، فوجّه إليهم جيشًا بقيادة مسلم بن عقبة، فاستقبلهم أهل المدينة بجموع كثيرة، فهابهم أهل الشام وكرهوا قتالهم، فلما نشب القتال سمعوا في جوف المدينة التكبير، وذلك أن بني حارثة أدخلوا قوما من الشاميين من جانب الخندق، فترك أهل المدينة القتال ودخلوا المدينة خوفًا على أهلهم، فكانت الهزيمة، وقتل من قتل، وبايع مسلم الناس على أنهم خول ليزيد، واستباح حُرماتها ثلاثة أيام، وهي ما تُعرف بوقعة الحرة.[156]

وفي 26 محرم سنة 64 هـ، وحوصر ابن الزبير 64 يومًا في مكة ونصبوا المنجنيق واحترقت الكعبة، فمني جيش ابن الزبير بخسائر كبيرة وفقد الكثير من مؤيديه.[157] وبعد وفاة يزيد، تواصل فئة من أهل العراق يُريدون الثأر للحسين ندمًا على تقاعسهم عن نصرته،[158] فاجتمع منهم جيش في ربيع الأول سنة 65هـ، وساروا إلى قبر الحسين ليبكوه ويترحموا عليه، وساروا إلى الشام في حملة بقيادة سليمان بن صرد الخزاعي عُرفت بجيش التوّابين، لقتال عبيد الله بن زياد الذي أمر بقتل الحسين،[159] فالتقوا جيشًا أمويًا في عين الوردة، وانهزم التوابون هزيمة ساحقة لقلة عددهم، وقُتل عدد من قادتهم وتمكن رفاعة بن شداد البُجليّ من الانسحاب بمن بقي منهم إلى الكوفة.[160]

وفي ستة 66 هـ خرج المختار بن أبي عبيد الثقفي يطالب بدم الحسين، وزعم أنه مُفوّض بذلك من قبل محمد بن الحنفية،[161] وهو ما نفاه ابن الحنفية نفسه.[162] ورفع شعار «يا لثارات الحسين» وانضم إليه إبراهيم بن الأشتر النخعي، وتتبع المختار من كان من قتلة الحسين في الكوفة فقتلهم،[163] ثم أرسل في محرم سنة 67 هـ جيشًا بقيادة إبراهيم بن الأشتر لقتال عبيد الله بن زياد، فالتقيا عند نهر الخازر قرب الموصل، وهزم جيش ابن الأشتر جيش ابن زياد، وقُتل عبيد الله بن زياد والحصين بن نمير السكوني في تلك المعركة.[164]

قُتل أغلب المشاركين في قتل الحسين في الأحداث التي تلت ذلك، يقول عامر الشعبي:[165] «رأيت في النوم كأن رجالا من السماء نزلوا، معهم حراب يتتبعون قتلة الحسين، فما لبثت أن نزل المختار فقتلهم.»

فقُتِلَ عبيد الله بن زياد على يد إبراهيم بن الأشتر النخعي سنة 67 هـ، حيث خرج من الكوفة قاصدًا ابن زياد في أرض الموصل، فالتقيا بمكان يقال له الخازر بينه وبين الموصل خمسة فراسخ، فباغت ابن الأشتر جيش ابن زياد، وأخذ يحرض جنده قائلًا: «هذا قاتل ابن بنت رسول الله ، قد جاءكم الله به وأمكنكم الله منه اليوم، فعليكم به، فإنه قد فعل في ابن بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم ما لم يفعله فرعون في بني إسرائيل! هذا ابن زياد قاتل الحسين الذي حال بينه وبين ماء الفرات أن يشرب منه هو وأولاده ونساؤه، ومنعه أن ينصرف إلى بلده أو يأتي يزيد بن معاوية حتى قتله. ويحكم! اشفوا صدوركم منه، وارووا رماحكم وسيوفكم من دمه، هذا الذي فعل في آل نبيكم ما فعل، قد جاءكم الله به.».[166] وقُتل أغلب المشاركين في قتل الحسين على يد المختار بن أبي عبيد الثقفي أثناء ثورته، فقُتِلَ شمر بن ذي الجوشن وسنان بن أنس على يد كيان أبو عمرة قائد شرطة المختار،[167] وأُتِىَ بحرملة بن كاهل وقُطّعت يداه ورجلاه أمام المختار ثم ألهب فيه النار.[168]

للحسين بن علي مكانة كبيرة عند عموم المسلمين بمختلف طوائفهم، وذلك لأنه حفيد النبي محمد وابن ابنته فاطمة، وحِبُه وريحانته، وسيد شباب أهل الجنة، وخصَّه النبي بقوله أنه منه، وغيرها من الأوصاف التي تصفه بها الأحاديث النبوية، ولا تختلف طوائف المسلمين حول هذه النقاط، ومن هذه الأحاديث:

ذُكرت في المصادر التاريخية العديد من الروايات التي تذكر تبجيل الصحابة للحسين، مثل ابن عباس وأبي هريرة وعبد الله بن عمر وعمرو بن العاص وغيرهم، ومن هذه الروايات:

وجاء في كتاب الكافي: «عن سليم بن قيس قال: شهدت وصية أمير المؤمنين عليه السلام حين أوصى إلى ابنه الحسن عليه السلام، وأشهد على وصيته الحسين عليه السلام ومحمدًا وجميع ولده ورؤساء شيعته وأهل بيته، ثم دفع إليه الكتاب والسلاح، وقال لابنه الحسن: يا بني أمرني رسول الله أن أوصي إليك وأن أدفع إليك كتبي وسلاحي كما أوصى إلي رسول الله، ودفع إلى كتبه وسلاحه، وأمرني أن آمرك إذا حضرك الموت أن تدفعها إلى أخيك الحسين، ثم أقبل على ابنه الحسين فقال، وأمرك رسول الله أن تدفعها إلى ابنك هذا، ثم أخذ بيد علي بن الحسين، ثم قال لعلي بن الحسين: وأمرك رسول الله أن تدفعها إلى ابنك محمد بن علي واقرأه من رسول الله».[184][185]

يوافق يوم مقتل الحسين يوم العاشر من المحرم، وهو اليوم الذي نجّى الله فيه موسى من فرعون، وصيامه مستحب عند أهل السنة والجماعة، فقد روى البخاري عن ابن عباس قال: «قدم النبي المدينة فرأى اليهود تصوم يوم عاشوراء فقال: ما هذا؟ قالوا: هذا يوم صالح، هذا يوم نجَّى الله بني إسرائيل من عدوهم فصامه موسى، قال: «فأنا أحقُّ بموسى منكم، فصامه وأمر بصيامه».».[191]

بينما يُتخذه الشيعة يوم حزن وعزاء وبكاء، كما تُقام مجالس العزاء، وتُقام المحاضرات لعرض حادثة مقتل الإمام الحسين بن علي على الناس من خلال الخطيب والذي غالبا ما يجلس على المنبر متوسطاً الناس، ليبكي الناس على المقتل، ثم تبدأ شعائر أخرى كاللطم، ويجلس الرادود يردد المراثي على اللاطمين،[192] ويُجرَى فيها تمثيل مقتل الحسين ويظهرون في هذه المجالس ما فيه من مظاهر الحزن والبكاء وما يصاحبه من كثرة الأعلام ودق الطبول وغيرهما.[ْ 2] كما تُقام المواكب لزيارة العتبة الحسينية في كربلاء، ويقوم الشيعة بما يُسمى بالشعائر الحسينية،[193] مثل: اللطمية، ولبس السواد، وتمثيل مشاهد من واقعة الطف، والتطبير، ويستخدم في التطبير سيوف وقامات أو أي أدوات حادة أخرى، فيضرب المطبرون رؤوسهم بهذه الأدوات لإحداث جرح لإسالة الدماء من الرأس أو الضرب بالسلاسل، ويكون التطبير في الغالب بصورة جَماعية وعلى شكل مواكب ومسيرات تجوب الشوراع والأماكن العامة، ولا يزال التطبير رائجًا في عدد من البلدان كالعراق ولبنان وباكستان والهند وأذربيجان والبحرين.[194] وتستمر هذه الشعائر حتى 20 صفر وهو ما يُسمى بزيارة الأربعين.[195]

تُنظم الطرق الصوفية خاصةً في مصر مراسم خاصة في يوم الثالث من شعبان احتفالًا بمولد الحسين، حيث يحتشد الناس على طول الطرق المؤدية إلى مسجد الحسين في القاهرة، ويكتظ المسجد بالزائرين، وتُنصب الخيمة الرئيسية أمام الباب الأخضر أكبر أبواب المسجد، وتخصص هذه الخيمة لجميع الطرق الصوفية، حيث تتخذ كل طريقة مكانًا خاصًا بها بداخلها استعدادًا لإحياء المولد، وتبدأ حلقات الذكر، ودروس الوعظ والإرشاد، بالإضافة لأناشيد المديح وغير ذلك من المظاهر.[196][197]

كان الحسن والحسين أشبه الناس بالنبي محمد، ولكن كان الحسن أكثر شبهًا،[198][199] فعن علي قال:[17] «كان الحسن أشبه الناس برسول الله من وجهه إلى سرته، وكان الحسين أشبه الناس به ما أسفل من ذلك.». وقال: «الحسين أشبه برسول الله من صدره إلى قدميه».[5] وكان أسود الرأس واللحية إلا شعرات في مقدم لحيته، قال عمر بن عطاء: «رأيت الحسين يصبغ بالوسمة كان رأسه ولحيته شديدي السواد».[5]

وكان كثير الحج ورُوى أنه حجَّ خمس وعشرين مرة ماشيًا على رجليه،[29] قال أبو سعيد الخدري: «رأيت الحسن والحسين صليا مع الإمام العصر، ثم أتيا الحجر، فاستلماه، ثم طافا أسبوعًا، وصليا ركعتين، فقال الناس: هذان ابنا بنت رسول ، فحطمهما الناس حتى لم يستطيعا أن يمضيا ومعهم رجل من الركانات، فأخذ الحسين بيد الركاني، ورد الناس عن الحسن.».[22]:406

تزوج الحسين خمس زوجات، ولا تختلف المصادر تقريبًا في ذلك، وهن:[18]:269، 270[200]

تذكر المصادر المتقدمة ستة أولاد للحسين: أربعة من الذكور واثنان من الإناث،[18]:269، 270[200] وهم:

وذكرت بعض المصادر المتأخرة مثل ابن طلحة الشافعي أن للحسين ستة من الذكور وأربعة من الإناث،[211] فزادوا عددًا من الأبناء وهم:

كما يُنسب إليه في التراث الشعبي:

تحتوي كتب الحديث السني على العديد من مرويات الحسين للحديث، ويعتبره علماء أهل السنة عالمًا فقيهًا من فقهاء الصحابة، يقول ابن قيم الجوزية: «من فقهاء الصحابة المقلين في الفتيا»،[219] كان الحسين صغيرًا حين توفي النبي؛ لذلك لم يروي الكثير من الأحاديث عنه، فروى عن النبي محمد وعلي بن أبي طالب وفاطمة الزهراء وعمر بن الخطاب وخاله هند بن أبي هالة. وروى عنه ابنه علي بن الحسين السجاد وفاطمة بنت الحسين، وعبيد بن حنين، والفرزدق، وعكرمة البربري، وعامر الشعبي، وطلحة العقيلي، وابن أخيه زيد بن الحسن، وعلي بن الحسن وحفيده محمد بن علي الباقر بدون إدراك له، وابنته سكينة بنت الحسين، وكرز التيّمي، وسنان بن أبي سنان، وعبد الله بن عمرو بن عثمان.[5][219]

يحتوي التراث الشيعي على العديد من الأقوال المنسوبة للحسين،[220] بالإضافة إلى الخطب مثل خطبته في منى وخطبته في كربلاء.[221] وكذلك الأدعية وجاء بعضها بحار الأنوار مثل دعاء يوم عرفة.[222]

كما تُنسب إلى الحسين العديد من الأشعار التي ذكرها المترجمون عند السنة والشيعة، وقام بجمعها محمد صادق الكرباسي في كتاب أسماه "ديوان الإمام الحسين (من الشعر المنسوب إليه)،[223] وذكر ابن كثير الدمشقي فصلًا في كتابه البداية والنهاية عن ما رُوى من أشعاره، منها: أن الحسين زار المقابر بالبقيع فقال:[202]



669–680

تخطيط لاسم الحسين، يعلوه "ع" اختصارًا لعبارة عليه السلام.
رسم عُثماني لتابوت عليّ بن أبي طالب محمولًا على دابة، ويسير ورائه الحسن والحسين مع تغطية وجهيهما باللون الأبيض.
اسما الحسن والحسين في آيا صوفيا بإسطنبول.
رسمٌ تخيُلي من العصر القاجاري يُظهرُ الحُسين بن عليّ وهو يودع أهله قبل الذهاب لِكربلاء وقد غُطيت وجوههم باللون الأبيض.
مرقد مسلم بن عقيل (إلى اليسار) وهانيء بن عروة (على اليمين) في مسجد الكوفة.
منمنة عثمانية قبيل معركة كربلاء
خريطة تبين موقع جيش عمر بن سعد وموقع الحسين وأصحابه.
جمَّال يحكي للعامة الأحداث التي شهدها في كربلاء.
لوحة لمعركة كربلاء في متحف بروكلين.
لوحة فارسية تصور معركة كربلاء.
لوحة فارسية تصور أهل بيت الحسين حاضرين أمام يزيد بن معاوية.
صورة لمدينة كربلاء القديمة تعود لعام 1926م.
مقابر البقيع، حيث يذكر بعض المؤرخين أن الرأس مدفونة هناك.
صخرة في مسجد النقطة بحلب يُقال أن رأس الحسين وُضِعَ عليها.
العتبة الحسينية في كربلاء سنة 1932.
ساحة مسجد الحسين بالقاهرة.
مسجد الإمام الحسين بالقاهرة حيث يظن البعض أن رأس الحسين هناك.
لوحة توضح موقع معسكر الحسين وجيش عمر بن سعد.
نقش بلاطي في مدينة كرمانشاه الإيرانية يصور معركة عين الوردة ومقتل سليمان بن صرد.
لوحة رخامية كبيرة باللون الأبيض على واجهة مسجد الإمام الحسين بالقاهرة، حُفر عليها الحديث النبوي: «حسين منى وأنا من حسين، أحب الله من أحب حسينًا، حسين سبط من الأسباط».
اسم الحسين بن علي مخطوطًا في آيا صوفيا في اسطنبول بتركيا.
نقش يحتوى على عبارات السلام على الحسين وابنه علي بن الحسين وأولاده وأصحابه.
اسم النبي محمد وحوله أسماء الأئمة الاثنا عشر عند الشيعة الاثني عشرية.
حشد من الشيعة يحيون مراسم عاشوراء في كربلاء عام 2016، حيث يظهر رادود بإنشاد الرثاء، ويلطم الحاضرون مرددين الرثاء.
مجموعة من الشيعة يمارسون التطبير في البحرين عام 2011 في ذكرى عاشوراء.
مرقد شهربانو في طهران.
السجّاد هو لقب لزين العابدين علي بن الحسين، هو الإمام الرابع عند طوائف الشيعة المختلفة بعد أبيه الحسين.
غلاف كتاب روضة الشهداء باللغة الفارسية الذي يُركز على سيرة الحسين.