ابن مالك

محمد بن عبد الله بن مالك الطائي الجياني المعروف بـابن مالك (600 هـ-672 هـ) نسبةً إلى جيان - بفتح الجيم وتشديد الياء كذا ضبطها ياقوت وصاحب القاموس والمقري - بالأندلس التي بها ولد.

هو عالم لغوي كبير وأعظم نحوي في القرن السابع الهجري، وُلِد بالأندلس، وهاجر إلى الشام، واستقر بدمشق، ووضع مؤلفات كثيرة، أشهرها الألفية، التي عُرِفت باسم "ألفية ابن مالك".

وتلقى تعليمه على عدد من علماء الأندلس كأبي علي الشلوبين، ثم ارتحل إلى المشرق فنزل حلب واستزاد من العلم من ابن الحاجب وابن يعيش. وقد كان إماماً في النحو واللغة وعالماً بأشعار العرب والقراءات ورواية الحديث، ومما يذكر عنه أنه كان يسهل عليه نظم الشعر مما جعله يخلف منظومات شعرية متعددة منها الألفية النحوية وكذلك الكافية الشافية في ثلاثة آلاف بيت وغيرها، وقد توفي في دمشق سنة 672 هـ.

أجمعت مصادر السيرة أنه كان يكنى بأبي عبد الله، كما أجمعت على أن لقبه (جمال الدين) وقد يتصرف في هذا اللقب كقول القسطلاني (كان الجمال ابن مالك). وهناك لقب آخر ذكره ابن طولون وانفرد به وهو (جلا الأعلى).

في مدينة "جيان الحرير" وهي بلدة من مشاهير بلاد الأندلس وتوهم ناس فقالوا في دمشق، وُلِد محمد بن عبد الله بن مالك الطائي سنة (600 هـ - 1203 م)، وكانت الأندلس تمرُّ بفترة من أحرج فترات تاريخها؛ حيث تساقطت قواعدها وحواضرها في أيدي القشتاليين.
وقد هاجر مع مَن هاجر إلى المشرق الإسلامي بعد سقوط المدن الأندلسية، وقد ذكر لنا "المقري" في كتابه المعروف بـ"نفح الطيب" بعض أسماء شيوخ ابن مالك الذين تلقى العلم على أيديهم قبل هجرته إلى الشام، فذكر أنه أخذ العربية والقراءات على ثابت بن خيار، وأحمد بن نوار، وهما من شيوخ العلم وأئمته في الأندلس..[3]

تبوأ ابن مالك مكانة مرموقة في عصره، وانتهت إليه رئاسة النحو والإقراء، وصارت له مدرسة علمية تخرَّج فيها عدد من النابغين، كانت لهم قدم راسخة في النحو واللغة، ومن أشهر تلاميذه:

الألفية هي أشهر مؤلفات ابن مالك حتى كادت تطغى بشهرتها على سائر مؤلفاته، وقد كتب الله لها القبول والانتشار، وهي منظومة شعرية من بحر "الرجز"، تقع في نحو ألف بيت، وتتناول قواعد النحو والصرف ومسائلهما من خلال النظم بقصد تقريبهما، وتذليل مباحثهما، وقد بدأها بذكر الكلام وما يتألف منه، ثم المعرب والمبني من الكلام، ثم المبتدأ والخبر، ثم تتابعت أبواب النحو بعد ذلك، ثم تناول أبواب الصرف، وختم الألفية بفصل في الإعلال بالحذف، وفصل في الإدغام.

"عدة السالك إلى تحقيق أوضح المسالك"، في أربعة مجلدات، وقد رُزِق الكتاب وشرحه القبول، فأقبل عليه طلاب العلم ينهلون منه حتى يومنا هذا.

وبلغت العناية بأبيات الألفية أن قام بعض العلماء بإعرابها مثلما فعل الإمام "خالد الأزهري" المتوفَّى سنة (905 هـ = 1499 م) في كتابه "تمرين الطلاب في صناعة الإعراب"، كما قام بعض العلماء بشرح شواهد شروح الألفية، مثلما فعل "بدر الدين العيني" المتوفَّى سنة (855 هـ = 1451 م) في كتابه "المقاصد النحوية في شرح شواهد شروح الألفية".

كان ابن مالك ذا عقل راجح، حسن الأخلاق، مهذباً، ذا رزانة وحياء ووقار وانتصاب للإفادة وصبر على المطالعة الكثيرة. ولعل أوضح أخلاق ابن مالك وأبرزها وأخادها على الزمان: الترفع والإباء والاعتداد بالنفس.

وكان كثير المطالع، سريع المراجعة، لا يكتب شيئاً من حفظه حتى يراجعه في محله، وهذه حالة المشايخ الثقات والعلماء الأثبات، ولا يُرى إلا وهو يصلي أو يتلو أو يصنّف أو يُقرئ.

كان ابن مالك إماماً في القراءات وعللها، وأما اللغة فكان إليه المنتهى في الإكثار من نقل غريبها والاطلاع على وحشيّها، وأما النحو والتصريف فكان فيهما بحراً لا يُجارى وحبراً لا يُبارى، وأما أشعار العرب التي يستشهد بها على اللغة والنحو فكانت الأئمة الأعلام يتحيّرون فيه ويتعجّبون من أين يأتي بها، وأما الاطلاع على الحديث، فكان فيه غاية.

وكان أكثر ما يستشهد بالقرآن، فإن لم يكن فيه شاهد عدَل إلى الحديث، وإن لم يكن فيه شيء عدل إلى أشعار العرب.

ومجمل القول إن ابن مالك كان أوحد وقته في علم النحو واللغة مع كثرة الديانة والصلاح.

شرف الدين اليونيني

الخوارزمي