ابن حجر العسقلاني

شهاب الدين أبو الفضل أحمد بن علي بن محمد بن محمد بن علي بن محمود بن أحمد بن أحمد الكناني العسقلاني ثم المصري الشافعي (شعبان 773 هـ/1371م - ذو الحجة 852 هـ/1449م[2] مُحدِّث وعالم مسلم، شافعي المذهب، لُقب بعدة ألقاب منها شيخ الإسلام وأمير المؤمنين في الحديث،(1) أصله من مدينة عسقلان، ولد الحافظ ابن حجر العسقلاني في شهر شعبان سنة 773 هـ في الفسطاط،[3] توفي والده وهو صغير، فتربّى في حضانة أحد أوصياء أبيه، ودرس العلم، وتولّى التدريس.[4]

ولع بالأدب والشعر ثم أقبل على علم الحديث، ورحل داخل مصر وإلى اليمن والحجاز والشام وغيرها لسماع الشيوخ، وعمل بالحديث وشرح صحيح البخاري في كتابه فتح الباري، فاشتهر اسمه، قال السخاوي: «انتشرت مصنفاته في حياته وتهادتها الملوك وكتبها الأكابر.»، وله العديد من المصنفات الأخرى، عدَّها السخاوي 270 مصنفًا، وذكر السيوطي أنها 200 مصنف.[5] وقد تنوعت مصنفاته، فصنف في علوم القرآن، وعلوم الحديث، والفقه، والتاريخ، وغير ذلك من أشهرها: تقريب التهذيب، ولسان الميزان، والدرر الكامنة في أعيان المائة الثامنة، وألقاب الرواة، وغيرها.[6] تولى ابن حجر الإفتاء واشتغل في دار العدل وكان قاضي قضاة الشافعية. وعني ابن حجر عناية فائقة بالتدريس، واشتغل به ولم يكن يصرفه عنه شيء حتى أيام توليه القضاء والإفتاء، وقد درّس في أشهر المدارس في العالم الإسلامي في عهده من مثل: المدرسة الشيخونية والمحمودية والحسنية والبيبرسية والفخرية والصلاحية والمؤيدية ومدرسة جمال الدين الأستادار في القاهرة. توفي في 852 هـ بالقاهرة.

وذهب ابن العماد،[13] وابن تغري بردي[21] إلى أن ابن حجر نسبة إلى آل حجر «قوم تسكن الجنوب الآخر على بلاد الجريد، وأرضهم قابس في تونس اليوم».

ولد الحافظ ابن حجر العسقلاني في شهر شعبان سنة 773 هـ، في مصر القديمة (الفسطاط) في منزل كان يقع على شاطئ النيل، بالقرب من دار النحاس والجامع الجديد،[8] واختلف المؤرخون في يوم مولده، فذهب السخاوي إلى أنه ولد في 22 شعبان،[25] وتابعه ابن تغري بردي في المنهل الصافي،[26] وذكر السيوطي أنه ولد في 12 شعبان،[27] وتابعه ابن العماد الحنبلي،[13] وكذلك الشوكاني،[28] وذكر ابن فهد المكي أنه ولد في 13 شعبان.[7]

نشأ الحافظ ابن حجر في أسرة اشتهرت بالعلم والأدب والفضل، فجدّه «قطب الدين محمد بن محمد بن علي» سمع من جماعة من العلماء، وحصل على إجازات منهم.[24] وعم أبيه «عثمان بن محمد بن علي» المتوفى سنة 714هـ، كان أكبر فقهاء الإسكندرية في مذهب الشافعي وانتهت إليه رئاسة الإفتاء،[29] وأبوه «نور الدين علي» كان قد انصرف من بين إخوته لطلب العلم، فمهر في الفقه والعربية والأدب،[30] وأما أمه فهي من بيت عُرف بالتجارة والثراء والعلم. ولابن حجر أخت أكبر منه بثلاث سنوات اسمها «ست الرَّكب» كانت قارئة وكاتبة قال عنها ابن حجر: "لقد انتفعت بها وبآدابها مع صغر سنها"، ويذكر ابن حجر أن له أخًا من أبيه، قرأ الفقه وفضل، وعرض المنهاج، ثم أدركته الوفاة.[31]

وقد نشأ ابن حجر يتيمًا أباً وأمًا، فقد توفي والده في رجب سنة 777هـ، وماتت أمُّه قبل ذلك بمدة، وكان أبوه قبل وفاته قد أوصى به إلى رجلين ممن كان بينه وبينهم مودة هما: زكي الدين الخرُّوبي رئيس التجار بالديار المصرية، وشمس الدين بن القطان من فقهاء الشافعية.[32] فنشأ الحافظ في غاية العفّة والصيانة في كنف الوصي الأول الخرُّوبي. ولم يألُ الخروبي جهدًا في رعايته والعناية بتعليمه، فأدخله الكتاب بعد إكمال خمس سنين، وكان لدى ابن حجر ذكاء وسرعة حافظة بحيث إنه حفظ سورة مريم في يوم واحد.[7][33] وأكمل ابن حجر حفظه للقرآن على يد صدر الدين السَّفطي المقرئ، وهو ابن تسع سنين. ولما رحل الخروبي إلى الحج سنة 784هـ رافقه ابن حجر وهو في نحو الثانية عشرة من عمره، وفي سنة 785هـ، وهو لايزال متواجدًا مع وصيه الخروبي في مكة سمع من الشيخ عفيف الدين عبد الله بن محمد بن محمد النشاوري، ثم المكي، غالب صحيح البخاري، وهو أول شيخ سمع عليه الحديث. وفي تلك السنة صلى بالناس التراويح إمامًا في الحرم المكي وكذلك أخذ فقه الحديث عن الشيخ جمال الدين أبي حامد محمد بن عبد الله بن ظهيرة المكي، في كتاب عمدة الأحكام، للحافظ عبد الغني المقدسي. فكان أول شيخ بحث عليه في فقه الحديث.[34] وبعد رجوع ابن حجر مع وصيه الخرُّوبي من الحج سنة 786هـ، حفظ «عمدة الأحكام للمقدسي»، و«ألفية العراقي» في الحديث، و«الحاوي الصغير للقزويني»، «ومختصر ابن الحاجب» في أصول الفقه، و«منهاج الأصول للبيضاوي»، و«ملحة الإعراب للحريري»، و«ألفية ابن مالك»، وغيرها.[35]

وبعد وفاة زكي الدين الخروبي سنة 787هـ،[36] انتقل الحافظ إلى وصاية شمس الدين بن القطان، وكان الحافظ حينها قد راهق حيث بلغ أربع عشرة سنة.[32] وكان ابن القطان فقيها وعالما بالقراءات، فدرس ابن حجر عليه الفقه والعربية والحساب وقرأ عليه شيئاً من«الحاوي الصغير»، فأجاز له ثم درس ما جرت العادة على دراسته من أصل وفرع ولغة ونحوها وطاف على شيوخ الدراية.[37] وفي سنة 790هـ أكمل ابن حجر السابعة عشرة من عمره، فقرأ القرآن تجويداً على الشهاب الخيوطي، وسمع «صحيح البخاري»على بعض المشايخ، كما سمع من علماء عصره البارزين واهتم بالأدب والتاريخ. ولما بلغ التاسعة عشرة من عمره نظر في فنون الأدب، ففاق أقرانه فيها حتى لا يكاد يسمع شعراً إلا ويستحضر من أين أخذ ناظمه، وطارح الأدباء، وقال الشعر الرّائق والنثر الفائق، ونظم المدائح النبوية والمقاطيع.[38] ثم حبب إِليه فن الحديث فَأقبل عليه سماعاً وكتابَة وتخريجاً وتعليقاً وتصنيفاً، وبدأ الطلب بنفسه في سنة 793هـ، غير أنه لم يكثر من الطلب إلا في سنة 796هـ، وكتب بخطه عن ذلك قائلًا: «رفع الحجاب، وفتح الباب، وأقبل العزم المصمم على التحصيل، ووفق للهداية إلى سواء السبيل». فأخذ عن مشايخ ذلك العصر، واجتمع بالحافظ العراقي، فلازمه عشرة أعوام. وتخرَّج به، وانتفع بملازمته. وقرأ عليه «الألفية»، و«شرحها»، وانتهى منهما في رمضان سنة 798هـ بمنزل شيخه العراقي بجزيرة الفيل على شاطئ النيل، كما قرأ عليه «النكت على ابن الصلاح» في مجالس آخرها سنة 799هـ، وبعض الكُتب الكبار والأجزاء القصار، وقرأ وسمع على مُسْنِدي القاهرة ومصر الكثير في مدة قصيرة، فوقع له سماع متصل عالٍ لبعض الأحاديث.[39]

قضى الحافظ ابن حجر حياته كلها في طلب العلم وقام بالعديد من الرحلات العلمية في ديار الإسلام ليحصل مقاصد الرحلة في طلب الحديث والفوائد المرجوة منها، وهذه الرحلات منها رحلات داخل مصر ومنها رحلات خارجها شملت بلاد الحجاز، واليمن، والشام وغيرها. فكان ابن حجر لا يألو جهداً في الرحلة إلى طلب العلم وتحصيله، مهما كلفه ذلك من بعدٍ عن أهله وأولاده وأصحابه، ومهما عانى من سفره من تعب ونصب، وقد عبَّر عن ذلك ابن حجر نفسه بقوله:[40]

كانت أولى رحلات ابن حجر العلمية في سنة 793هـ، عندما كان في العشرين من عمره، حيث رحل إلى قوص وغيرها من بلاد الصعيد، لكنه لم يستفدْ بها شيئًا مِنَ المسموعات الحديثية، بل لقي جماعة مِنَ العلماء، منهم: قاضي هُو نور الدين علي بن محمد الأنصاري، وعبد الغفار بن أحمد بن عبد الغفار بن نوح، حفيد مصنف "الوحيد في سلوك طريق أهل التوحيد"، وابن السَّراج قاضي قُوص، لقيه بها مع جماعة مِنْ أهل الأدب، سمع مِنْ نظمهم.[41]

وفي أواخر سنة 793هـ شد ابن حجر رحاله إلى الإسكندرية، فأقام بها إلى أن تمت السنة المذكورة، ودخل في التي تليها عدة أشهر، وبها التقى بمجموعة من المحدثين والمسندين منهم التاج ابن الخرّاط، وابن شافع الأزدي، وابن الحسن التونسي، والشمس الجزري. وقد أورد ابن حجر ما لقيه من العلماء وما سمعه منهم وما وقع له من النظم والمراسلات وغير ذلك في كتاب سماه «الدرر المضيَّة مِنْ فوائد إسكندرية».[42]

بعد أن رجع ابن حجر من الإسكندرية، أقام بمصر إلى يوم الخميس الموافق 22 شوال سنة 799هـ، وهو اليوم الذي خرج فيه قاصداً أرض الحجاز عن طريق البحر.

كانت الحجاز أحد مقاصد الحافظ ابن حجر في رحلاته فقصدها مرات عدة للحج والمجاورة(4) بمكة الشريفة والاجتماع بعلمائها، كانت الأولى سنة 777هـ حيث صحب أبوه في حجته ومجاورته والثانية مع وصيه زكي الدين الخروبي 784هـ فحجا وجاورا وصلى بالناس سنة 785هـ، وسمع غالب صحيح البخاري على الشيخ عفيف الدين النشاوري.

وفي سنة 799هـ سافر إلى الحجاز عن طريق البحر بقصد المجاورة بمكة المشرفة، فوصل الطُّور يوم الأحد ثاني ذي القعدة وبها التقى عددًا من العلماء منهم: نجم الدين المرجاني، والصلاح الأقفهسي، والرضا الزبيدي. ثم توجه إلى ينبع فدخلها يوم الجمعة الموافق 13 ذو الحجة فلقى بها بعض من قرأ عليه أحاديث من الترمذي، ورافقه في هذه الرحلة الحافظ صلاح الدين أبو الصفاء الأقفهسي، والرضي أبو بكر بن أبي المعالي الزبيدي القحطاني، ولقي خلال رحلته العلامة الزاهد نجم الدين المرجاني وقرأ عليه حديثاً.

وبعد رحلته الاولى إلى اليمن قصد مكة وحج حجة الإسلام سنة 800هـ، وهي الثالثة وحج أيضاً سنة 805هـ. وبعد رحلته الثانية إلى اليمن عاد إلى جدة وقرأ بها عشرة أحاديث انتقاها من أربعين الحاكم على أبي المعالي عبد الرحمن الشيرازي، وفي سنة 815هـ اجتمع به هناك جماعةٌ مِن فضلاء مكة وأعيانها، فقرؤوا عليه، وحملوا عنه بعض تصانيفه، وأذن لهم بالرواية عنه.

وفي سنة 824هـ حج حجته الاخيرة وأقام بالمدرسة الأفضلية أنزله بها قاضي مكة المحبُّ بن ظهيرة.

وخلال رحلاته تلك لقي جمعاً من العلماء والمسندين.[43]

فكان ممّن لقيه بمكة جماعة؛ منهم: البرهان أبو إسحاق إبراهيم بن محمد بن صدِّيق، والعلامة الزين أبو بكر بن الحسين المراغي، وممن لقيهم أيضا المحدِّث المكثر الشمس أبو عبد اللَّه محمد بن علي بن محمد بن ضرغام بن سُكَّر، وأبو الطيب محمد بن عمر بن علي السُّحُولي، وإمام المقام أبو اليُمن محمد بن أحمد بن إبراهيم الطبري، والحافظ أبو حامد بن ظهيرة الماضي، وست الكل ابنة الزين أحمد بن محمد القسطلاني، وأبو الخير خليل بن هارون الجزائري، وظهيرة بن حسين بن علي المخزومي، وأبو الحسن علي بن أحمد بن سلامة.[44]

 وممن لقيه بمنى: العَلَم أبي الربيع سليمان بن أحمد بن عبد العزيز الهلالي، والزين عبد الرحمن بن علي بن يوسف الزرندي، ومحمد بن معالي بن عمر بن عبد العزيز الحراني، وأبو بكر بن الحسين المراغي المذكور سابقاً، فقرأ عليه بها أيضاً ثاني «الطهارة» للنسائي، وكذا أخذ عنه أيضاً، ووفاء لهذا الشيخ خرّج له أربعون حديثاً من عواليه عن أربعين شيخاً من أصحاب الأسانيد العالية[45]

سافر ابن حجر إلى بلاد اليمن فوصلها في ربيع الأول من سنة 800هـ،[46] وقد طاف ابن حجر معظم بلاد اليمن ولقي بها عددا كبيرا من العلماء جالسهم وناقشهم وسمع منهم وسمعوا منه، فلقي بتعز: أبا بكر بن محمد بن صالح بن الخياط، والتقى في زبيد بجماعة منهم: شهاب الدين الناشري، وشرف الدين ابن المقري، والوجيه عبد الرحمن بن محمد العلوي، وعبد اللطيف بن أبي بكر الشَّرْجي، وعلي بن الحسن الخزرجي، والموفق علي بن محمد بن إسماعيل النَّاشري. وفي عدن التقى: الرضي بن المستأذن، وأبا المعالي عبد الرحمن بن حيدر بن علي الشِّيرازي. كما التقى بالمُهجم: أحمد بن إبراهيم بن أحمد القُوصي، وعلي بن أحمد الصَّنعاني، والقاضي عفيف الدين عبد اللَّه بن محمد النَّاشري. وبوادي الحُصَيب: الجمال محمد بن أبي بكر بن علي المصري. واجتمع في زبيد وتعز بالنفيس العلوي محدث اليمن.[47] واجتمع في زبيد ووادي الحُصيب بشيخ اللغويين الفيروزآبادي، فقرأ عليه أشياء، من جملتها جزء التقطه ابن حجر من «المشيخة الفخرية»، فيه أزيد من ثمانين حديثًا من العوالي، وسمع منه المسلسل بالأولية بسماعه من السبكي، وكتب له تقريظاً على تعليق التعليق وأعطاه النصف الثاني من تصنيفه «القاموس المحيط» لتعذر وجود باقيه حينئذٍ، وأذن له مع المناولة في روايته عنه.[48]

وأثار وجود ابن حجر في اليمن أهتمام العلماء فأقبلوا على السماع منه والأستمداد من فوائده، حتى طلب منه ابن النفيس العلوي أن يخرَّج لهم من مرويات نفسه، فخرَّج «الأربعين المهذبة بالأحاديث الملقبة» في يوم واحد، وكتب وهو هناك بخطه «التقييد لابن نقطة» في خمسة أيام، و«فصل الربيع في فضل البديع» في يومين، وأخذوا عنه «مشيخة الفخر ابن البخاري»، و«المائة العشاريات» لشيخه التنوخي، وحدث بكتاب ابن الجزري في الأدعية المسمى «بالحصن الحصين» فتنافسوا في تحصيله وروايته.[49] ولما سمع صاحب اليمن الملك الأشرف إسماعيل بن عباس بقدوم ابن جر إلى البلاد اليمنية طلب الاجتماع به والسماع منه، فالتقى به ابن حجر وامتدحه في أكثر من ثلاث قصائد، وأهداه تذكرته الأدبية بخطه في أربعين مجلدا لطافاً بالإضافة إلى كتب أخرى، فأثابه الملك لاأشرف أحسن إثابة وعامله معاملة كريمة.[50]

وفي عام 800 هـ رحل ابن حجر من اليمن -صحبة الموكب الذي جهزه صاحبها الملك الأشرف للحجاج- إلى مكة ليحج حجة الإسلام، ثم سافر إلى اليمن للمرة الثانية (سنة 806 هـ) فلقي هناك من التقى بهم في المرة الاولى وغيرهم، فأخذ عنهم وأخذوا عنه.[51] وقد واجه ابن حجر الكثير من المتاعب خلال رحلته الثانية لليمن حيث انصدع المركب الذي يقله، وغرق جميع ما كان معه من المتاع والكتب والنقد، ثم يسر الله طلوع أكثرها، قال السخاوي: «وفي هذه المرة انصدع المركب الذي كان فيه، فغرق جميع ما معه من الأمتعة والنقد والكتب، ثم يسر الله تعالى بطلوع أكثرها بعد أن أقام ببعض الجزائر هناك أياما. وصولح عما جرت العادة بأخذه مما يطلع بعد الغرق بمال كثير جدا، بحيث يتعجب من كثرة أصله، وكتب محضر بذلك حسبما رأيته، لكن غاب عني ضبط ما فيه. وكان من جملة الكتب التي غرقت مما هو بخطه: «أطراف المزي»، و«أطراف مسند أحمد»، و«أطراف المختارة»، كلاهما من تصنيفه، وكذا ترتيب كل من مسندي «الطيالسي» و«عبد بن حميد»... وكان من جملة الذهب العين -فيما قيل- سبعة آلاف مثقال أو أكثر من الذهب المصري وديعة لابن مسلم. ولذلك تجشم شيخنا المشقة، حيث أقام على التماسها في البحر مدة حتى أخرجت.».[52] ويعزو السخاوي - نقلاً عن ابن حجر- هذا الغرق إلى عين (حسد) من استعرض كتبه وتعجب من كثرة ما فيها بخطه.[53]

ولما رجع من رحلته الثانية لليمن حج أيضاً، قال السخاوي: «فيما أظن» وعاد إلى جدة، ثم سافر إلى بلده، فأقام بها على عادته.

خرج بن حجر من القاهرة عصر يوم الاثنين 23 شعبان سنة 802 هـ، قاصداً بلاد الشام للأخذ عمن بها من الشيوخ والمحدثين والمسندين، وصحبه في هذه الرحلة قريبه الزين شعبان، والحافظ تقي الدين الفاسي، فسمع بالبلاد التي دخلها من بلاد الشام أو التي في الطريق إليها ما لايوصف ولا يدخل تحت الحصر على أمم كثيرة،[54] وكان دخوله إلى دمشق في 19 رمضان سنة 802هـ، فنزل فيها على صاحبه الصدر علي بن محمد بن محمد بن الأدمي، لما كان بينهما من المودة، وأقام بها مائة يوم، آخرها أول يوم من المحرم سنة 803هـ،[55] وكان السبب الرئيسي الذي دعا بن حجر إلى مغادرة بلاد الشام مبكراً، هو تواتر الأخبار بقرب مجئ المغول إليها، فظهر ابن حجر من دمشق -كما تقدم- في أول يوم من سنة 803 هـ، ورجع إلى بلده وقد اتسعت معارفه كثيراً بما أخذه من العلماء، فأقام بها على طريقته في التصنيف والإقراء والإملاء والكتابة، بل لم يهمل سماعه على الشيوخ.[56]

ورغم قصر المدة التي قضاها بن حجر في البلاد الشامية والتي لم تتجاوز مائة يوم إلا أنه أظهر لعلماء الشام وفضلائها حفظاً كبيراً، واغتبطوا به، وشهدوا له بالتقدم في فنون الحديث إلى أعلى رتبة،[56] وعلق في غضون تلك المدة بخطه من الأجزاء الحديثية، والفوائد النثرية، والتتمات التي يُلحقها في تصانيفه ونحوها ثمان مجلدات فأكثر، وألَّف ترتيبًا على الأطراف لكتاب «الأحاديث المختارة»، للحافظ ضياء الدين المقدسي، جاء في مجلدٍ ضخم سماه: «الإنارة في أطراف المختارة»، قال السخاوي عنه: «لو لم يكن له عمل في طول هذه المدة إلا هي، لكانت كافية في جلالته».[57] كما حصل في تلك المدة مابين قراءة وسماع جملة مستكثرة من الكتب، منها ما يكون في مجلدة ضخمة فأكثر ومنها ما يكون في مجلدة لطيفة، بلغت مجتمعة ما يقارب ألف جزء حديثي.[58]

كان ابن حجر وهو بدمشق قد عزم على التوجه إلى البلاد الحلبية، ليأخذ عن خاتمة المسندين بها عمر بن أيدغمش، فبلغته وفاته، فتخلف عن التوجه إليها، ثم قدر له -بعد دهر- السفر إليها وذلك في سنة 836 هـ وذلك أن السلطان الأشرف برسباي توجه إلى آمد، لدفع أذى التركمان الذين تغلبوا على بلاد آمد وماردين وغيرها بعد الغزو التيمورلينكي، لما كثر من إفسادهم، ونهب أموال الرعايا، وقطع الطرق على القوافل، فخرج السلطان بالعسكر المصري ومعه قاضي الشافعية الحافظ بن حجر، ورفقته قضاة المذاهب الثلاثة الأخرى والخليفة داود المعتضد بالله،[59] وكان ابتداء السفر من الريدانية بعد صلاة الجمعة 19 رجب من السة المذكورة،[60] وفي أثناء سفره لم يخل وقته من فائدة على جاري عادته، فسمع وكتب بالبلاد التي مر بها وهو في الطريق إلى الشام الكثير عن رفقته من القضاة والشيوخ المرافقين للعسكر المصري، ووصل الركب إلى دمشق في النصف من شعبان فنزل ابن حجر بالمدرسة العادلية الصغرى، وعقد مجلس الإملاء بجامع بني أمية فحضره جمع وافر من الأعيان والفضلاء والطلبة، وسمع في مدة إقامته في دمشق إلى العشرين من شعبان على من تهيأ له السماع منهم، وعلق بخطه أشياء كثيرة تزيد على مجلدين.[61]

وفي أثناء توجهه إلى حلب، كتب بحمص عن محمد بن محمد بن القواس المخزومي، كما كتب بحماة عن شاعرها التقي بن حجة الحنفي أشياء من نظمه، وعن الشيخ نور الدين علي بن يوسف بن مكتوم الشيباني جزءا فيه عشرة أحاديث من «عشرة الحداد» وغيرها، وكذا عن الشمس محمد بن أحمد بن أبي بكر الحموي بن الأشقر حديثاً من البخاري. وكان دخولهم إلى حلب في الخامس من رمضان سنة 836 هـ، وأقاموا بها خمسة عشر يوماً، حل فيها ابن حجر ضيفاً على العلاء بن خطيب الناصرية قاضي الشافعية بحلب آنذاك، وأخذ عنه أشياء من نظمه، وسمع بها على برهان الدين سبط بن العجمي «الحديث المسلسل بالأولية»، و«مشيخة الفخر بن البخاري» تخريج ابن الظاهري وقد أحضرت له خصيصياً من دمشق لعدم توفرها بحلب يومئذِ، وسمع بعض «عشرة الحداد» على القاضي أبي جعفر بن الضياء والشهاب أحمد بن إبراهيم بن العديم.[62]

وفي أثناء إقامته بحلب كان يذهب إلى ما جاورها من القرى والبلدان للأخذ عمن بها من المحدثين والمسندين والأدباء فسمع بظاهر البيرة من كمال الدين محمد بن البارزي، ورجع مع البدر العيني إلى بلده عينتاب وصليا عيد الفطر بها، وسمع عليه بظاهرها ثلاثة أحاديث، وسمع بمدينتي الباب وبزاعة من الشهاب أحمد بن أبي بكر بن الرسام الحموي شيئاً من أربعين القاضي المرداوي، وسمع على آخرين في بلدان أخرى.[63] ثم عاد إلى حلب، فأقام بها حتى رجعت العسكر المصري في يوم السبت سابع ذي الحجة فرجع معهم ووصلوا القاهرة في يوم الأحد العشرين من المحرم سنة 837 هـ.[64]

وقد حصل في رحلته هذه فوائد ونوادر علقها في تذكرته المسماة «جلب حلب» المحتوية على أبعة أجزاء حديثية، بالإضافة إلى مايزيد على المجلدين مما أنتقاه أو لخصه هناك. كما حدث هناك وعقد مجالس الإملاء بدمشق وحلب، وخطب بالسلطان في وداع السنة بجامع بني أمية، وصلى بالناس صلاة الكسوف بالجامع الكبير بحلب فما سلم إلا وقد انجلت الشمس وغربت. كما نبه أثناء مقامه هناك على فساد مابثه الشمس الفرياني من الأسانيد المختلفة المركبة، فرجع الكثيرون عن الرواية عنه.[64]

لابن حجر العسقلاني العديد من الشيوخ في القراءات والفقه وأصوله ورواية الحديث النبوي، فمن شيوخه في القراءات والتجويد:[65]

ومن شيوخه في الفقه وأصوله:

ومن شيوخه في اللغة والنحو:[65]

ومن شيوخه في الحديث النبوي:[65]

اشتهر ابن حجر وكثر تلاميذه، وذكر السخاوي 626 اسمًا من تلاميذه ممن أخذ عنه دراية ورواية،[68] ومن أشهر تلاميذه:[69]

شرع الحافظ ابن حجر في عقد مجالس الإملاء(3) في سنة 808هـ، حيث أملى كتاب "الإمتاع بالأربعين المتباينة بشرط السماع"، من حديثه عن شيوخه، في ستة عشر مجلساً بالشيخونية، وبعضها بمنزله بمصر على شاطئ النيل، باستملاء الشهاب البوصيري.[70] ثم أملى بعدها "عشاريات الصحابة المسماة بالإصابة" بالشَّيخونية أيضًا، وبالمدرسة الجمالية المستجدة برحبة العيد، أول مافتحت، وبالمدرسة المنكوتمرية المجاورة لمنزله، وبالخانقاه البيبرسية، حتَّى استكمل بالأمكنة المذكورة من "العشاريات" المشارِ إليها حوالي مائة مجلس في مدة سنتين.[70] وعندما استقر بالقضاء، عقد مجلسه الحافل للإملاء بالخانقاه البيبرسية في يوم الثلاثاء 8 صفر سنة 827هـ، فأملى بها المجالس المطلقة التي لم يتقيِّد فيها بكتاب، بل في الغالب يحرِصُ على المناسبات في الأزمان والوقائع، ثمَّ شرع في إملاء تخريج الأحاديث والآثار الواقعة في "مختصر ابن الحاجب الأصلي" حتى أكمله في يوم الثلاثاء 17 رجب سنة 836هـ وبلغ عدد مجالسه 230 مجلسا في مجلد واحد.[71]

ولم تقتصر أماليه على مصر، ففي أثناء وجوده بدمشق - صحبة الملك الأشرف - عقد مجلساً حافلاً بجامع بني أمية في يوم الثلاثاء 16 شعبان سنة 836هـ، باستملاء برهان الدين العجلوني، كما أملى بحلب سبعة مجالس باستملاء القاضي نور الدين علي بن سالم المارديني، ابتدأ فيها يوم الثلاثاء 15 رمضان من السنة المذكورة وختمها يوم الثلاثاء 12 ذي القعدة من السنة نفسها.[71] وبعد عودته إلى مصر شرع في إملاء تخريج أحاديث "الأذكار" للنَّووي بالمدرسة البيبرسية، وكان الابتداء بها في يوم الثلاثاء 7 صفر سنة 837هـ،[72] واستمر بالإملاء قبيل وفاته، وكان آخر مجلس أملاه سنة 852هـ. بدار الحديث الكاملية، وجملة ما أملاه 1150 مجلساً، وبلغت عدد مجلدات ما أملاه عشرة مجلدات، أملاه من حفظه مهذبة محررة متقنة، وقد أشار هو إلى أماليه في بعض قصائده التي نظمها قبل وفاته بقوله:[73]

عَنيّ ابن حجر عناية فائقة بالتدريس واشتغل به ولم يكن يصرفه عنه شيء حتى أيام توليه القضاء، وغلب عليه تدريس عدة فنون، أشهرها:[74][75][76][77]

وكانت طريقته في إلقاء الدروس متميزة عن أقرانه ويظهر فيها جانب الابداع بالنظر لما يثيره من مسائل تقوم على الاستنباط، والتشكيك، والنقد،[78] وقد وصفه تلميذه السخاوي فقال:«إليه المنتهى في إلقاء الدروس على طريقةٍ لم أر نظيرهُ فيها، ويأتي في كل فن مِنْ بنات فكره استنباطًا واستدراكًا وتشكيكًا بما يُبهر عُلماء ذلك الفن، بحيث يقضون له بالسِّيادة فيه».[79] وكان لايبدأ درسه حتى يقرأ سورة الأعلى، ويصلي على رسول اللَّه ، ويدعو له وللحاضرين والأئمة الماضين،[80] وقد سُئل عن الحكمة في خصوص سورة الأعلى دُون غيرها، فقال: «قد تبعتُ في ذلك شيخنا العراقي، وفيها من المناسبة قوله تعالى: Ra bracket.png سَنُقْرِئُكَ فَلَا تَنْسَى Aya-6.png La bracket.png، وقوله: Ra bracket.png فَذَكِّرْ إِنْ نَفَعَتِ الذِّكْرَى Aya-9.png La bracket.png، وقوله: Ra bracket.png صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى Aya-19.png La bracket.png».[81]

ولِيَ ابن حجر إفتاء دار العدل سنة 811هـ، واستمرت هذه الوظيفة معه حتى وفاته. واتسمت فتاويه بالإيجاز مع حصول الغرض منها، ولا سيما في المسائل التي لا نقل فيها.[82] وبلغ معدل ماكان يكتبه في اليوم الواحد أكثر من ثلاثين فتيا، وقل أن يمضي له يوم لا يكتب في المجلس الواحد على نحو عشرين فتيا.[83] وصنف ابن حجر كتاباً في الفتاوى سماه «عجب الدهر في فتاوى شهر»، وهو مجلد لطيف يشتمل على ثلاثمائة مسألة أجاب عنها في مدة شهر واحد.[84]

ولي أيضًَا الخطابة في الجامع الأزهر سنة 819هـ، عوضاً عن خطيبه تاج الدين بن رزين، ثم تولى الخطابة بجامع عمرو بن العاص،[85] كما كان يخطب بالسطان بجامع القلعة أيام تلبسه بالقضاء، على جاري عادة قضاة الشافعية آنذاك، وكذا خطب بالسُّلطان الأشرف برسباي بالجامع الأموي بدمشق، عندما صحبه في سفرة آمد.[86] أما خُطبه فقد وصفها تلميذه السخاوي فقال: «كان لها صدع في القلوب، ويزداد وهو على المنبر مِنَ المهابة والنُّور والخَفَرِ ما لا أستطيع وصفه، بحيث كنتُ إذا نظرتُ إليه وهو على المنبر، يغلبِنُي البكاء»،[87] كما أسندت إليه وظيفة الوعظ بجامع الظاهر بالحسينية، تلقاها عن الشيخ نور الدين الرشيدي بحكم وفاته.[86]

عُرض على ابن حجر النيابة في القضاء قبل سنة 800هـ، وذلك من قِبل القاضي صدر الدِّين المناوي، إلا أنه امتنع، لأنه حينئذ كان لا يؤثر على الاشتغال بالحديث شيئًا.[88] وفوض إليه الملك المؤيد القضاء بالمملكة الشامية مراراً فأبى وأصر على الامتناع وبالغ في الاستعفاء.[89] إلا أن موقفه من القضاء بداء يتغير تدريجياً نتيجة لإسناد بعض المهام المتعلقة بالقضاء إليه، حيث ولَّاه الملك المؤيد الحُكم في قضية خاصَّة، هي الفصل بين ين الهروي قاضي الشَّافعية آنذاك، وبين خصومه الخليليين والمقادسة.[90] ثم ناب في الحكم عن قاضي القضاة جلال الدين البلقيني مدة طويلة، ثم عن القاضي ولي الدين العراقي.[91]

وفي السابع والعشرين من المحرم سنة 827هـ ولي قضاء قضاة الشافعية بالدِّيار المصرية، وذلك بتفويض من الملك الأشرف برسباي بعد انفصال القاضي علم الدين صالح البلقيني،[91] ولم تدم مدة ولايته الأولى هذه في القضاء، فقد صرف نفسه في ذي القعدة من نفس العام.[89] وفي أول رجب من سنة 828هـ أعيد للقضاء واستمر في المنصب هذه المرة إلى أن صرف بعلم الدين صالح البلقيني في صفر من سنة 833هـ،[92] وظل يولّى ثم يُصرف في منصب قاضي القضاة، حتى صرف نفسه في جُمَادَى الثانية سنة 852هـ، بعد زيادة مدد ولايته على إِحْدَى وعشرين سنة، وزهد في القضاء زهدا تَاما لِكَثْرة ما توالى عليه من الأنكاد والمحن بسببه وَصرح بأَنّه لم تبْق في بدنه شَعْرَة تقبل اسم القضاء.[75]

ولي ابن حجر مشيخة البيبرسية ونظرها، رغب له عن ذلك العلاء الحلبي في سنة 813 هـ، وولي ايضاَ وظيفة خزن الكتب بالمدرسة المحمودية، والإشراف على ما فيها من النوادر، فقد كان بها نحو أربعة آلاف مجلد، وعمل ابن حجر لها فهرستًا على الحروف في أسماء التصانيف ونحوها، وآخر على الفنون، وكان يقيم بها في الأسبوع -غالبًا- يومًا واحداً، وتيسَّر على يده عود أشياء مما كان ضاع منها قبله.[93] وقد رشح أيضًَا لبعض الوظائف فلم يقبلها، منها: التوجه إلى اليمن في الرسلية عن الملك المؤيد شيخ المحمودي، وتولي قضاء دمشق، وتولي قضاء اليمن وكتابة سرها للملك الأشرف إسماعيل بن العباس.[94]

بدأ المرض بالحافظ ابن حجر في ذي القعدة سنة 852هـ،[95] ومع مرضه إلا أنه كان يواصل أعماله ويحضر مجالس الإملاء وهو ضعيف الحركة، يكتم عن الناس وعكه، وخشي الأطباء أن يناولوه مسهلًا لأجل سنه، فأشير "بلبن الحليب"، فتناوله، فلانت الطبيعة قليلًا، وأدى ذلك إلى نشاط يسيرٍ ونوع خِفَّة، ثم عاد الكتمانُ، وتزايد الألمُ بالمعدة، ولم يستطع أن يؤدي صلاة الأضحى الذي صادف يوم الثلاثاء، وهو الذي لم يترك صلاة جمعة ولا جماعة، وصلى الجمعة التي تلي العيد، وكان آخر ما سمع عليه فضل ذي الحجة لابن أبي الدنيا يوم عرفة، وتوجه إلى زوجته الحلبية، وقد احس بدنو أجله، فاعتذر عن انقطاعه عنها، واستعطف خاطرها واسترضاها،[96] وكان يقول: «اللهم حرمتني عافيتك، فلا تحرمني عفوك»، ثم ينشد:[97]

وقد تزايد المرض واشتد به، وتردد إليه الأطباء، وهرع النَّاسُ مِنَ الأمراء والقُضاة والعلماء والمباشرين والطَّلبة لعيادته، وممَّن حضر إليه: الأمير دولات باي، والقاضي وليُّ الدِّين السَّفطي، والبدر العيني، والقاضي سعد الدين بن الديري. وفي يوم الثلاثاء 14 ذي الحجة، اشتد عليه مرضه، وصار يصلي الفرض جالسًا، وترك قيام الليل، ثم تتابع عليه الصرع من يوم الأربعاء إلى أن توفي ليلة السَّبت في أواخر شهر ذي الحجة سنة 852هـ.[98]

وقد اختلف مترجموه في تحديد تاريخ يوم وفاته، كما اختلفوا في تحديد يوم ولادته، مع اتفاقهم على أن وفاته كانت ليلة السبت من ذي الحجة، إلا أنهم اختلفوا أي سبت هو، فقال بعضهم كانت وفاته في الثامن والعشرين من ذي الحجة،[99] وقال آخرون في التاسع عشر منه،[100] وذهب فريق ثالث إلى أن وفاته كانت في الثامن عشر من ذي الحجة.[101][102]

كانت جنازته مشهودة، لم يكن بعد جنازة ابن تيمية أحفل منها،[103] قال السخاوي: «وكانت ساعة عظيمة، وأمرًا مهولًا، ووقع النَّوْحُ في سائرِ النَّواحي مِنْ أصناف الخلق، حتَّى مِنْ أهل الذِّمَّة. واجتمع في جنازته مِنَ الخلق مَنْ لا يحصيهم إلا اللَّه عز وجل، بحيث ما أظن كبير أحد مِنْ سائر النَّاس تخلَّفَ عَنْ شهودها. وقفلت الأسواقُ والدَّكاكين، ويقال: إنَّه حُزِرَ مِنْ مشى في جنازته بنحو خمسين ألف إنسان، وعندي أنَّه لا يتهيأ حصرُهم، ولا يُدْرَك حدُّهم».[104] وشعيته القاهرة كلها وحمل نعشه إلى مصلى المؤمني حيث أمر السلطان جقمق بأن يحضر إلى هناك، ومشى في جنازته الخليفة سليمان المستكفي بالله، والقضاة، والعلماء، والأُمراء، والأعيان بل غالب الناس، حَتَّى قيل عن بعض الأذكياء أنه حزر من مشى في الجنازة أكثر من خمسين ألف إنسان.[105]

ولما وصلت جنازته المصلى أمطرت السماء على نعشه مطراً خفيفاً، ولم يكن زمان مطر، وفي هذه الواقعة يقول الشِّهابُ المنصوري:[106]

وتقدم ليصلي عليه صلاة الجنازة الخليفة العباسي سليمان المستكفي بالله، بإذن من السلطان جقمق، وقيل صلى عليه قاضي القضاة علم الدين البلقيني.[107] وبعد الصلاة حُملت الجنازة إلى المحل الذي عُيِّنَ لدفنه، في القرافة الصغرى، وتزاحم الأُمراء والأكابر على حمل نعشه، وكان ممن حمله السلطان جقمق، ومشى إِلى تربته من لم يمش نصف مسافتها قطّ،[108] وانتهوا إلى تُربة بني الخرُّوبي المقابلة لجامع الدَّيملي، فدفن بين مقام الشافعي، ومقام الشيخ مسلم السلمي.[109] وصُلي عليه صلاة الغائب في جميع أنحاء العالم الإسلامي، في مكة، وبيت المقدس، وحلب، والخليل، وغيرها من بلاد المسلمين.[107]

ترك ابن حجر عدَّةُ وصايا، اعتمدوا الأخيرة منها، وقد نقل السخاوي نصها عن سبطه يوسف بن شاهين، ومما ورد فيها أنه أوصى لطلبة الحديث النبوي والمواظبين على حضور مجالس الإملاء بجزء من تركته، حيث قال ما نصه:[110]

أفرد «شمس الدين السخاوي» في «الجواهر والدرر» فصلاً مهماً للشعراء الذين رثوا شيخه ابن حجر، ومن هؤلاء الشعراء:[111] يوسف بن شاهين الكركي سبط ابن حجر، وبرهان الدين البقاعي، ومحيي الدين الكافياجي، وأبو هريرة عبد الرحمن ابن النَّقاش الأصم، والشِّهاب أحمد بن أبي السُّعود المنُوفي، كما رثاه الأديب شهاب الدين الحجازي بقصيدة طويلة تضم أكثر من خمسين بيتاً، مطلعها:

ورثاه المحب ابن القطان بقصيدة مطلعها:

ورثاه شهاب الدين المنصوري بقصيدة منها:

وصفه تلميذه ابن تغري بردي بقوله: «وكان عفا الله عنه ذا شيبة نيرة ووقار وأبهة، ومهابة، هذا مع ما احتوى عليه من العقل والحكمة والسكون والسياسة والدربة بالأحكام ومداراة الناس، قل أن يخاطب الشخص بما يكره، بل كان يحسن لمن يسيء إِلَيْهِ ويتجاوز عمن قدر عليه، هذا مع كثرة الصوم ولزوم العبادة والبرّ والصدقات ؛ وبالجملة فإنه أحد من أدركنا من الأفراد».[112] وقال تلميذه برهان الدين البقاعي وهو ممن لازمه طويلاً: «وهو أعجوبة في سرعة الفهم، وغاية في الحفظ، وآية في حسن التصور، له حدس يظن أنه الكشف، وفكر كأن وقته خفي اللطف، وتأمل يرفع الأستار من غوامض الأسرار، وصبر متين، وجلد مبين، وقلب على نوب الأيام ثابت، وجنان من صروف الدهر غير طائش. ما رأيت أكظم منه للغيظ بحيث لا يظهر عليه الغضب إلا نادراً، ولا أجلد على ريب الزمان، يتلقاه بصدر واسع، ويظهر البشاشة حتى يظن من لاخبرة له أنه سر بذلك، يستعين على الشدائد بالصبر والصلاة».[113] وقد خصص السخاوي باباً كاملاً في ذكر صفات شيخه الخُلقية وهو الباب السابع من كتابه «الجواهر والدرر».[114]

يقول محمد إسحاق كندو: «ومن الصفات التي امتاز بها الحافظ ابن حجر التواضع والبعد عن التباهي بما منحه الله من مواهب وطاقات عقلية وعلمية، وكان لا يتأنق في ملبسه، ولا في مأكله ومشربه، ولا في كلامه، وكان ورعًاً، شديد التحري فيما يأكل أويشرب، أو يلبس، فينتقي الحلال الطيب، ويتجنب الحرام والمشبوه. كما كان في غاية السماحة، والسخاء، والبذل، مع قصده إخفاء ذلك. ولقد زان كل تلك الخلال الفريدة، والخصال المجيدة، ملازمته العبادة وحرصه على عدم تخلية وقته منها، فلقد كان صواماً بالنهار قواماً بالليل، مكثراً من الحج إلى بيت الله الحرام، مداوماً على الذكر والتسبيح والاستغفار في جميع أحواله. معظّماً لجناب الرسول محترماَ لسنته ومتبعاً لهديه، مدافعاً عن أحاديثه، منكراً للبدع، شديد الوطأة على المتجرئين على حدود الله تعالى».[115]

كان ابن حجر ربعة للقصر أقرب، أبيض اللون، منور الصورة، مليح الشكل، صبيح الوجه، كثّ اللحية أبيضها، قصير الشارب، حسن الشيبة نيّرها، صحيح السمع والبصر، ثابت الأسنان نقيّها، صغير الفم، قوي البنية، عالي الهمة، وفيّ الهامة، نحيف الجسم، فصيح اللسان، شجي الصوت، خفيف المشية، جيد الذكاء، عظيم الحذق لمن ناظره أو حاضره، هذا مع سكون ووقار وأبهة وثبات، تاركاً لما لا يعنيه، طارحاً للتكلف، كثير الصمت إلا لضرورة، شديد الحياء.[116]

ذكرت العديد من المصادر التي ترجمت لابن حجر أنه كان شافعي المذهب،[117] وله مؤلفات فقهية في المذهب الشافعي، منها شرح الروضة في الفروع للنووي، وقد اختصر ابن حجر "الروضة"، ثم شرحه، ذكره حاجي خليفة في كشف الظنون.[118] وذكر الكتاني أنه انتقل في آخر حياته إلى المذهب المالكي، قال الكتاني: «ومن الغرائب التي تتعلق بترجمته ما في ثبت الشهاب أحمد بن القاسم البوني: أن الحافظ انتقل في آخر عمره لمذهب مالك قال: كما رأيت ذلك بخطه في مكة المكرمة.» ثم استدرك قائلًا: «ولعل رجوعه في مسألة أو مسألتين.».[119]

وكان ابن حجر يجتهد ويُرجح بعض الأقوال الفقهية حتى لو كانت مخالفة لمعتمد المذهب الشافعي، ويظهر ذلك في كتابه فتح الباري، مثل ترجيحاته في مسألة عدد من تنعقد بهم الجمعة، ومسألة الجهر بالقراءة في صلاة الكسوف، وقراءة البسملة مع الفاتحة في الصلاة، ومسألة سجود السهو وموضعه قبل السلام أو بعده، وغيرها من المسائل.[117]

لم يُصرح ابن حجر بمذهبه في العقيدة صراحةً في مؤلفاته، ولم يُؤلف في باب العقيدة، ولم تذكر المصادر القديمة التي ترجمت له شيئًا عن عقيدته،[120] إلا السخاوي حيث نقل عن محمد بن عبد الهادي المقدسي قوله: «كان محباً للشيخ تقي الدين ابن تيمية، معظمًا له، جاريًا في أصول الدين على قاعدة المحدثين.»،[121] بينما ينسبه عدد من المعاصرين للأشاعرة، كون المذهب السائد في العصر المملوكي هو المذهب الأشعري،[120] وكونه يميل في فتح الباري إلى تأويل الصفات، بينما خالف ابن حجر الأشاعرة في مسائل في العقيدة مثل مبدأ القصد والنظر، وأول الواجب على المكلف،[122] وذمه لعلم الكلام.[123]

لذلك اختلف المعاصرون في المذهب العقدي لابن حجر، فجزم أحمد عصام الكاتب أنه أشعري العقيدة،[120] وينسبه أغلب الأشاعرة إلى المذهب،[124] بينما يرى سفر الحوالي أنه أقرب إلى عقيدة مُفوضة الحنابلة، فيقول: «والذي أراه أن الحافظ أقرب شيءٍ إلى عقيدة مفوضة الحنابلة كأبي يعلى ونحوه، ممن ذكرهم شيخ الإسلام في درء تعارض العقل والنقل ووصفهم بمحبة الآثار، والتمسك بها، ولكنهم وافقوا بعض أصول المتكلمين، وتابعوهم ظانين صحتها عن حسن نية.».[123] ويرى محمد إسحاق كندو أنه وافق الأشاعرة في مسائل وخالفهم في مسائل.[120]

أثنى على الحافظ بن حجر أشياخه، ومعاصروه من أقرانه، وتلامذته، والأئمة الكبار من بعده. ومن ذلك:

بدأ ابن حجر في التصنيف والتأليف في سنة 796هـ، وهو العام الذي عزم فيه على طلب علم الحديث النبوي وفنونه، وظل يصنف ويؤلف حتى قبيل وفاته،[13] وبسبب هذه البداية المبكرة في التصنيف، زادت مصنفات ابن حجر على 150 تصنيفاً، عدد السخاوي منها في الجواهر والدرر 270 مصنفاً أفردها في قائمة مستقلة،[150] وذكر السيوطي له في نظم العيقان 200 مصنفاً،[151] أما الكَتَّاني فعدد منها في فهرس الفهارس 195 مصنفاً.[152]

أما تصانيفه فكثيرة جليلة، منها:[150][151]

كان الإمام ابن حجر العسقلاني باحثاً مدققاً ومحققاً دقيقاً وكان له منهج متميز في التصنيف وتأليف الكتب، وأبرز ما يميز منهجه في التصنيف ما يلي:[153]

أبناؤه

بناته

من أهم المصنفات التي أفردت الحافظ ابن حجر بالترجمة:[164]

المصنفات والرسائل المعاصرة التي أفردت لبيان مناقبه والترجمة لحياته هي:[164]

عامة

خاصة

الخوارزمي

قرأ ابن حجر أغلب كتب الحديث النبوي على شيوخه.
مجلدات فتح الباري شرح صحيح البخاري مصفوفة على أرفف مكتبة.
مخطوطة من كتاب "شرح شرح النخبة (نزهة النظر شرح نخبة الفكر)" لابن حجر العسقلاني.
مخطوطة من كتاب "تسديد القوس مختصر مسند الفردوس" بخط مؤلفه ابن حجر العسقلاني.