ابن الجزري

ابن الجزري (751 - 833 هـ) شيخ شيوخ القرّاء الإمام الحافظ الشافعي وسند المقرئين، صاحب التصانيف التي لم يسبق مثلها، بلغ الذروة في علوم التجويد وفنون القراءات، حتى صار فيها الإمام. ولم يكن ابن الجزري عالماً في التجويد والقراءات فحسب بل كان عالماً في شتى العلوم من تفسير وحديث وفقه وأصول وتوحيد وبلاغة ونحو وصرف ولغة وغيرها. وسافر لنشر العلمِ إلى أنطاكيا ثم بُورْصَة في تركيا، ولما قامَت الفتنةُ التيموريَّة في بلاد الروم رحل إلى بلاد ما وراء النَّهر، ثم إلى شيراز في إيران، وتعلَّم على يديه خلقٌ كثيرون.[2]

هو محمد بن محمد بن محمد بن علي بن يوسف الجزري الدمشقي العمري الشيرازي الشافعي، وكنيته أبو الخير. عُرِفَ بـ«ابن الجزري»، ونسب إلى الجزري كما أتى في المنح الفكرية للشيخ ملا علي القاري، نسبة إلى جزيرة ابن عمر شمال سورية (حالياً في تركيا)، كذا ذكره ابن المصنف وتبعه من بعده في إجماله، وفي القاموس: بلد شمال الموصل يحيط به دجلة مثل الهلال، والمراد بابن عمر الذي نُسب إليه هو عبد العزيز بن عمر وهو رجل من أهل برقعيد من عمل الموصل، بناها فنُسبت إليه، نص على ذلك أبو الوليد بن الشحنة الحنفي، في تاريخه «روضة المناظر في علم الأوائل والأواخر» فليس بصحابي كما توهمه بعضهم. وورد في كتاب الفوائد التجويدية في شرح المقدمة الجزرية، نسبة إلى جزيرة ابن عمر بن الخطاب الثعلبي حوالي عام 961م، وكانت ميناء أرمينية.

ولد يوم الجمعة ليلة السبت 25 رمضان سنة 751 هـ الموافق 30 نوفمبر 1350م داخل خط القصاعين بين السورين بدمشق الشام كان أبوه تاجراً ومكث أربعين سنة لم يرزق ولداً، فحج وشرب من ماء زمزم، وسأل الله أن يرزقه ولداً عالماً، فولد له ابنه محمد هذا بعد صلاة التراويح. نشأ في دمشق الشام، وفيها حفظ القرآن وأكمله وهو ابن ثلاثة عشر عاماً، وصلى به وهو ابن أربعة عشر. كان صاحب ثراء ومال، وبياض وحمرة، فصيحاً بليغاً. اتجهت نفسه إلى علوم القراءات فتلقاها عن جهابذة عصره، من علماء الشام ومصر والحجاز إفراداً وجمعاً بمضمن كتب كثيرة، كالشاطبية والتيسير والكافي والعنوان والإعلان والمستنير والتذكرة والتجريد وغيرها من أمهات الكتب وأصول المراجع.

يقول ابن الجزري عن نفسه: «وأما لبس الخرقة واتصالها بأمير المؤمنين علي كرم الله وجهه فإني لبستها من جماعة ووصلت إلي منه من طرق رجاء أن أكون في زمرة محبيه وجملة مواليه يوم القيامة]. فمن ذلك أني لبست الخرقة المتبركة من يد شيخي وأستاذي الشيخ الصالح المسند المعمر أبي حفص عمر بن الحسن بن مزيد بن أميلة المراغي ثم الحلبي ثم المزي في يوم الثلاثاء ثاني عشر شوال سنة اثنتين وسبعين وسبعمئة وأخبرني أنه لبسها من يد شيخه الإمام العلامة الزاهد العارف العابد الناسك خطيب الخطباء عز الدين أبي العباس أحمد بن الشيخ الإمام الصالح الزاهد محيي الدين إبراهيم بن عمر بن الفرج بن أحمد بن شابور الواسطي الفاروبي شيخ القراءات والتفسير والتصوف في سنة تسعين وستمئة والشيخ عز الدين المذكور في خرقة التصوف ثلاث طرق: أحمدية وقادرية وسهروردية».[3]

جلس للإقراء تحت قبة النسر بالجامع الأموي للتعليم والإقراء سنين عديدة، وولي مشيخة الإقراء الكبرى بتربة أم الصالح بعد وفاة شيخه أبي محمد عبد الوهّاب السلار، وولي قضاء دمشق عام 793 هـ، وكذا ولي القضاء بشيراز، وبنى بكل منهما للقراء مدرسة ونشر علماً جماً، سماهما بدار القرآن. ولي مشيخة الإقراء بالعادلية، ثم مشيخة دار الحديث الأشرفية. وولي مشيخة الصلاحية ببيت المقدس وقتاً.

أخذ عنه القراءات طوائف لا يحصون كثرة وعدداً، منهم من قرأ بمضمن كتاب واحد، ومنهم من قرأ بمضمن أكثر من كتاب، فممن كمل عليه القراءات العشر:

قال الحافظ ابن حجر: ثم جرت له كائنة مع قطلبك استادار أيتمش، ففرَّ منه إلى بلاد الروم، فاتصل بالملك أبي يزيد بن عثمان، فأكرمه وعظمه، وأقام عنده بضع سنين، إلى أن وقعت الكائنة العظمى التي قتل فيها ابن عثمان، فاتصل ابن الجزري بالأمير تيمور، ودخل معه بلاد العجم ). وبعد موت الأمير تيمور سنة 807 هـ ، خرج من بلاد ما وراء النهر، فوصل إلى خراسان ودخل مدينة هراة، ثم وصل إلى يزد ثم إلى أصبهان فقرأ عليه للعشرة في هذه المدن جماعة منهم من أكمل ومنهم من لم يكملوا، وتوجه إلى شيراز سنة 808 هـ ، فأمسكه سلطانها، فقرأ عليه جماعة بها وانتفعوا به، وأُلزم بالقضاء كُرهاً، فقام به مدة طويلة. ثم تمكن من الخروج منها إلى البصرة فقرأ عليه أبو الحسن الأصبهاني، ثم توجَّه للحج سنة 822 هـ، هو مع المولى معين الدين بن عبد الله قاضي كازرون فوصلا إلى قرية عنيزة بنجد ثم توجها منها لأداء الفريضة فلم يتمكنا من الحج في هذه السنة، لاعتراض الأعراب ـ قطاع الطريق ـ لهما، ثم حجَّا في التي تليها، وجاور بمكة والمدينة، ثم رجع إلى شيراز. وفي سنة 827 هـ قدم دمشق، ثم القاهرة وأقرأ وحدَّث، ثم رحل إلى مكة فاليمن تاجراً، وحدث بها، ووصله ملكُها، فعاد ببضائع كثيرةٍ، وحجَّ سنة 828 هـ، ثم دخل القاهرة في أول سنة 829 هـ فمكث بها مدة ثم توجه إلى الشام، ثم إلى شيراز عن طريق البصرة.

كان غزير الإنتاج في ميدان التأليف، في أكثر من علم من العلوم الإسلامية، وإن كان علم القراءات هو العلم الذي اشتهر به، وغلب عليه. ويعكس تنوع موضوعات مؤلفاته تنوع عناصر ثقافته، إلى جانب كتب القراءات وعلوم القرآن، كتباً في الحديث ومصطلحه، والفقه وأصوله، والتأريخ والمناقب، وعلوم العربية، وغير ذلك، تجاوز عدد مصنفاته التسعين كتاباً، منها:


توفي ضحوة يوم الجمعة 5 ربيع الأول سنة 833 هـ بمنزله بسوق الإسكافيين بمدينة شيراز. ودفن بدار القرآن التي أنشأها بها عن عمر يناهز 82 سنة.

الخوارزمي

نسخة مخطوطة من «الجزرية»