أبو عبد الله محمد المهدي

أبو عبد الله محمد بن عبد الله المنصور بن محمد بن علي المهدي بالله. هو ثالث خلفاء الدولة العباسية بالعراق. ولد بإيذج من كور الأهواز عام 127 هـ\745 م وتوفي بماسبذان أمه هي أم موسى بنت منصور الحميرية. ولي الخلافة بعد وفاة أبيه أبي جعفر المنصور عام 158 هـ\775 م. وكان أبوه قد أمره على طبرستان وما والاها.

كان المهدي محمود السيرة محببا إلى الرعية، حسن الخَلق والخُلق، جواداً، وكان يجلس للمظالم إلا حياء منهم لكفى. وفي عهده فتحت إربد من الهند وكثرت الفتوح بالروم كما بنى جامع الرصافة. استمر انتعاش بغداد في وقته وازدادت شهرتها واستقطبت المزيد من المهاجرين إليها من شتى الأعراق والأديان حتى يقال أنها كانت أكثر مدن العالم سكانا في ذاك الوقت. ازداد نفوذ البرامكة في عصره، قال عنه الذهبي: «هو أول من عمل البريد من الحجاز إلى العراق». وقد جد المهدي في تتبع الزنادقة وإبادتهم والبحث عنهم في الآفاق والقتل على التهمة وأمر بتصنيف كتب الجدل في الرد على الزنادقة والملحدين. روى الحديث عن أبيه وو عن مبارك بن فضالة، حدث عنه يحيى بن حمزة وجعفر بن سليمان الضبعي ومحمد بن عبد الله الرقاشي وأبو سفيان سعيد بن يحيى الحميري توفي المهدي عام 169 هـ \785 م. وكانت مدة خلافته عشر سنين وشهرا.

كان للمهدي جارية شغف بها وهي كذلك إلا أنها تتحاماه كثيراً فدس إليها من عرف ما في نفسها فقالت أخاف أن يملني ويدعني فأموت فقال المهدي في ذلك:


هو أبو عبد الله محمد المهدي بن أبي جعفر المنصور بن محمد بن علي بن عبد الله بن عباس بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف بن قصي بن كلاب بن مرة بن كعب بن لؤي بن غالب بن فهر بن مالك بن النضر بن كنانة بن خزيمة بن مدركة بن إلياس بن مضر بن نزار بن معد بن عدنان.

قال ابن الأثير كان المهدي أبيض طويلا وقيل أسمر بإحدى عينيه نكتة بياض. وقال السيوطي كان جوادا ممدحا مليح الشكل محببا إلى الرعية حسن الاعتقاد

لما خرج عبد الجبار بخرسان سنة 141هـ أرسل المنصور ابنه المهدي على رأس جيش وأمره بنزول الري فسار المهدي ووجه خازم بن خزيمة التميمي بين يده لحرب عبد الجبار وسار المهدي فنزل نيسابور ولما بلغ ذلك أهل مرو ساروا إلى عبد الجبار وقاتلوه وسلموه إلى خازم فحمله إلى المنصور وعاقبه المنصور وضرب عنقه.

ذكر ابن الأثير في الكامل في التاريخ: أنه لما استطاع المهدي هزيمة عبد الجبار بغير مشقة ولا تعب ولا بقتال مباشر كره المنصور أن تبطل تلك النفقات، فكتب إليه أن يغزو طبرستان. و كان الأصبهبذ يومئذ محاربا للمصمغان ملك دنباوند فلما بلغه دخول الجنود بلاده قال المصمغان للأصبهبذ : متى قهروك صاروا إلي فاجتمعا على حرب المسلمين فانصرف الأصبهبذ إلى بلاده فحارب المسلمين، فطالت تلك الحروب فوجه المنصور عمر بن العلاء وهو الذي يقول فيه بشار :


و كان عمر هذا عالما ببلاد طبرستان فقصد الرويان وفتحها أخذ قلعة الطاق وما فيها وطالت الحرب حتى طلب الأصبهبذ الأمان على أن يسلم قلعته بما فيها من الذخائر وكتب المهدي إلى ابيه بذلك

كان أبو العباس السفاح قد عقد البيعة لأبي جعفر المنصور ثم لـعيسى بن موسى فلما ولي المنصور كلم عيسى بن موسى في ذلك فلم يجبه إلى طلبه لكن المنصور أصر عليه حتى خلع نفسه وبويع للمهدي من بعد أبيه في سنة 147هـ وقد اختلف في السبب الذي من أجله خلع عيسى بن موسى نفسه.

بويع له بالخلافة بعهد من أبيه. قال السيوطي في كتابه تاريخ الخلفاء: ووصل إليه (المهدي) خبر وفاة والده وهو ببغداد، فخطب في الناس فقال:

إن أمير المؤمنين عبد دعى فأجاب، وأمر فأطاع واغرورقت عيناه فقال، قد بكى رسول الله عند فراق الأحبة، ولقد فارقت عظيمًا وقلدت جسيمًا، فعند الله أحتسب أميرالمؤمنين وبه أستعين على خلافة المسلمين، أيها الناس أسروا مثل ما تعلنون من طاعتنا نهبكم العافية، وتحمدوا العاقبة، واخفضوا جناح الطاعة لمن نشر معدلته فيكم وطوى الإصر عنكم، وأهال عليكم السلامة من حيث رآه الله مقدمًا على ذلك، والله لأفنين عمري بين عقوبتكم والإحسان إليكم.

وكان أول من هنأه بالخلافة وعزاه بأبيه أبو دلامة فقال:


وفي سنة 159هـ، خرج المقنع الخراساني بخرسان وكان رجلًا أعورًا، قصيرًا، من أهل مرو ويسمى حكيمًا، وكان اتخد وجهًا من ذهب فجعله على وجهه لئلا يُرى، فسُمي المقنّع وادعى الألوهية، وتابعه خلق من ضلال الناس. فسار إليه معاذ بن مسلم وجماعة من القادة والعساكر وهزموه.

جمع المهدي جيشًا كثيفًا، وأمّر عليهم عبد الملك بن شهاب المسمعي في البحر، وأرسلهم إلى بلاد الهند، فلما وصلوا إربد حاصروها وضيقوا على أهلها الحصار حتى فتحها الله عليهم، واستشهد في هذه المعركة من المسلمين بضعة وعشرون رجلاً وكان ذلك سنة 159هـ.

في سنة 161 هـ عبر عبد الرحمن بن حبيب الفهري، المعروف بالصقلبي، من إفريقية إلى الأندلس محاربًا لعبد الرحمن الداخل الأموي ليدخل في طاعة الدولة العباسية، وكان عبوره إلى تدمير، وكاتب سليمان بن يقظان بالدخول في أمره ومحاربة عبد الرحمن الأموي، والدعاء للمهدي. وكان سليمان ببرشلونة، فلم يجبه، فاغتاظ منه فقصد بلده فهزمه سليمان فعاد الصقلبي إلى تدمير، وسار إليه عبد الرحمن الأموي وضيق عليه وأحرق السفن فقصد الصقلبي جبلًا منيعًا بناحية بلنسية فبذل الأموي ألف دينار لمن يأتيه برأسه؛ فاغتاله رجل من البربر وحمل رأسه إلى عبد الرحمن الأموي فأعطاه ألف دينار.

في سنة 160هـ، خرج يوسف بن إبراهيم المعروف بالبرم بخراسان هو ومن معه على المهدي، واجتمع معه بشر كثير فتوجه إليه يزيد بن مزيد الشيباني واقتتلا، وفي النهاية انتصر يزيد وبعث به وأصحابه إلى المهدي فقتلهم المهدي وصلبهم. وكان قد تغلب على بوشنج وعليها مصعيب بن زريق فهرب منها، وتغلب على مرو والروذ والطالقان والجوزان.

في سنة 163هـ خرج المهدي لمحاربة الروم فعسكر بالبردان، وجمع العسكر من خراسان وغيرها، فاستخلف على بغداد ابنه الهادي واصطحب معه ابنه الرشيد. فعبر الفرات إلى حلب، وجمع من بتلك الناحية من الزنادقة، فقتلهم ومزق كتبهم، فسار عنها مشيّعًا لابنه الرشيد، فسار بمن معه فنزلوا حصن سمالوا، فحصروه ثمانية وثلاثين يومًا، حتى فتحه الله عليهم وفتحوا فتوحات كثيرة. وفي سنة 165هـ، سيّر المهدي ابنه الرشيد لغزو الروم في خمسة وتسعين ألفًا وتسعمائة وثلاثة وتسعين رجلًا، فلقيه عسكر نقيض، قومس القوامسة فبارزه يزيد بن مزيد؛ فغلبه يزيد وهزمت الروم. وسار إلى الدمستق (دومستيكوس)، وهو صاحب المسالح، فحمل لهم مائة ألف دينار. و توجّه الرشيد لمهاجمة عاصمة البيزنطيين؛ فبلغ خليج القسطنطينية، وصاحب الروم يومئذ الإمبراطورة أيرين أثينا؛ فجرى صلح بينها وبين الرشيد، على أن تقيم له الأدلاء والأسواق في الطريق، ومقدار الفدية سبعون ألف دينار كل سنة، فرجع عنها.

ذكر ابن كثير، أن المهدي قد ألح على عيسى بن موسى أن يخلع نفسه وهو مع كل ذلك يمتنع، وهو مقيم بالكوفة، فبعث إليه المهدي أحد القادة الكبار وهو: أبو هريرة محمد بن فروخ في ألف من أصحابه لإحضاره إليه، وأمر كل واحد منهم أن يحمل طبلًا، فإذا واجهوا الكوفة عند إضاءة الفجر ضرب كل واحد منهم على طبله.

ففعلوا ذلك فارتجت الكوفة، وخاف عيسى بن موسى، فلما انتهوا إليه دعوه إلى حضرة الخليفة فأظهر أنه يشتكي، فلم يقبلوا ذلك منه بل أخذوه معهم فدخلوا به على الخليفة في يوم الخميس لثلاث خلون من المحرم من هذه السنة، فاجتمع عليه وجوه بني هاشم والقضاة والأعيان وسألوه في ذلك وهو يمتنع، ثم لم يزل الناس به بالرغبة والرهبة حتى أجاب يوم الجمعة لأربع مضين من المحرم بعد العصر.

وبويع لولدي المهدي: موسى، وهارون الرشيد، صباح يوم الخميس لثلاث بقين من المحرم، وجلس المهدي في قبة عظيمة في إيوان الخلافة، ودخل الأمراء فبايعوا، ثم نهض فصعد المنبر وجلس ابنه موسى الهادي تحته، وقام عيسى بن موسى على أول درجة، وخطب المهدي فأعلم الناس بما وقع من خلع عيسى بن موسى نفسه وأنه قد حلل الناس من الأيمان التي له في أعناقهم، وجعل ذلك إلى موسى الهادي.

فصدق عيسى بن موسى ذلك وبايع المهدي على ذلك، ثم نهض الناس فبايعوا الخليفة على حسب مراتبهم وأسنانهم.

توفي الخليفة المهدي بماسبذان قرب مدينة مندلي العراقية [1] سنة 169هـ. قال السيوطي: ساق المهدي خلف صيد، فاقتحم الصيد خربة، وتبعه الفرس فدق ظهره في بابها، فمات لوقته، وقيل مات مسمومًا. وقال ابن الأثير: كانت خلافته عشر سنين، وتوفي وهو ابن 43 سنة وصلى عليه ابنه الرشيد.

ولما مات المهدي قال أبو العتاهية وقد علقت المسوح على قباب حرمه:


لما توفي المهدي قال سلم الخاسر يرثيه:


الذكور

الإناث

مات في عهد المهدي شعبة، وابن أبي ذئب، وسفيان الثوري، وإبراهيم بن أدهم، وداود الطائي، وبشار بن برد، وحماد بن سلمة، وإبراهيم بن طهمان، والخليل بن أحمد.

قال الصولي: حدثني إسحاق بن إبراهيم القزاز، حدثنا إسحاق بن إبراهيم بن حبيب بن الشهيد، حدثني أبو يعقوب بن حفص الخطابي، سمعت المهدي يقول: حدثني أبي عن أبيه عن علي عن عبد الله بن عباس عن أبيه، أن وفدًا من العجم قدموا على النبي وقد أحفوا لحاهم وأعفوا شواربهم، فقال النبي خالفوهم، اعفوا لحاكم واحفوا شواربكم.


فقال المهدي: يُعزل كل عامل لنا يُدعى حاتمًا.

قلت وهو أول من قال ذلك في الخطبة وقد استنها الخطباء إلى يوم.

قال الحسن الوصيف: أصابتنا ريح شديدة أيام المهدي، حتى ظننا أنها تسوقنا إلى المحشر، فخرجت أطلب المهدي، فوجدته واضعًا خده على الأرض وهو يقول: اللهم احفظ محمدًا في أمته، اللهم لا تشمت بنا أعداءنا من الأمم، اللهم إن كنت أخذت هذا العالم بذنبي، فهذه ناصيتي بين يديك. قال: فما لبثنا إلا يسيرًا حتى انكشفت الريح وزال عنا ما كنا فيه.

قال: فتحدث بها ذلك الزمان ونحن لا نعرف المهدي حتى ولي المهدي، فدخل مسجد الرسول فرفع رأسه فرأى اسم الوليد فقال: أرى اسم الوليد إلى اليوم؛ فدعا بكرسي فألقي في صحن المسجد وقال: ما أنا ببارح حتى يمحى ويكتب اسمي مكانه؛ ففعل ذلك وهو جالس.

وأسند الصولي عن محمد بن عمارة قال: كان للمهدي جارية شغف بها وهي كذلك، إلا أنها تتحاماه كثيرًا، فدس إليها من عرف ما في نفسها، فقالت: أخاف أن يملني ويدعني فأموت فقال المهدي في ذلك:


وله في نديمه عمر بن بزيع:


ومن شعره:


775 – 785

دينار عباسي ضُرب في عهد المهدي بالله عام 167 هـ\783 م